الفصل الخامس : حين يصبح الضعف قوة
"الفوز ليس دائمًا بالمعارك، يتغيّر الأمر عندما يتغيّر محاربك."
حصل على الجواب الذي يرغب فيه عندما أُغلِقت المكالمة كانت ابتسامته تشبه بريق السكين حين يلمع في الظلام؛ لا ليجذب الأنظار، بل ليؤذي
تحدثَ جاسرٌ بالفحيحِ الهادئِ، ينتمي لثقةٍ مطلقةٍ، وكأنهُ يقومُ بهمسٍ لسرٍ مقدسٍ، لا لتهديدٍ قاتلٍ:
" انتظرْ يا سيدَ أركانَ.. لقدْ بدأتْ أيامُكَ السيئةُ."
كلَّ يومٍ، كانَ ينتظرُ اتصالَهمْ بحماسٍ أكبرَ.. هلْ يستطيعونَ إيجادَها، بينما هوَ لمْ يقدرْ على ذلكَ؟.. كانَ واثقاً أنهمْ يستطيعونَ.. بإمكانِهمُ الوصولُ إلى أيِّ مكانٍ بسهولةٍ، وإلى أيِّ شخصٍ أيضاً.
.......
التوترُ اصبحَ ظلاً يرافقهُ، وسيداً لأيامِهِ، يجلسُ في سكونِهِ المرعبِ يفكرُ.. كيفَ يخوضُ حرباً دونَ أنْ يتركَ ثغرةً واحدةً؟ وبصوتٍ يخرجُ من أعماقِ قلقِهِ المكتومِ، ندهَ لآسرَ ليأتيَ إليهِ فوراً
أردفَ أركانُ بنبرةٍ غارقةٍ في الحذرِ، وكأنهُ يقرأُ تحركاتِ عدوِّهِ في الفراغِ:
" علينا إيجادُ مَنْ خلفَهُ.. ربما نكونُ أقوياءَ، لكنْ لدينا ضعفٌ في طرفٍ ما.. على الأغلبِ، لا أعلمُ إنْ كانَ قوةً بذاتِ الوقتِ."
ردَّ آسرٌ بنبرةٍ تحملُ ثباتَ الجبالِ، وعيناهُ تقسمانِ على ولاءٍ:
" لا تقلقْ.. لنْ يكتشفوها.. أعلمُ أنها مهمةٌ لكَ، ربما رفيقةٌ كما تقولُ، لكنْ لنْ أسمحَ بحصولِ هذا ما دمتُ على قيدِ الحياةِ."
رسمتْ ابتسامةٌ على ملامحِ وجههِ، ثمَّ ربتَ على كتفِ آسرَ، ثمَّ أردفَ لهُ بنبرةٍ دافئةٍ، مغلفةٍ بزهوٍ أصيلٍ، صوتِ مَنْ يرى في أخاهُ سنداً لا يميلُ، وفخراً لا يطفئُ:
" أتعلمُ؟ أن يكونَ لكَ ذراعٌ.. لا شيءَ تهابُ عليهِ وقتَها.. أساساً لا أهابُ، لكنَّ فقدانَكَ هو خسارةٌ كبيرةٌ جداً لي.. ليسَ لأنني أقللُ من إخوتي الآخرينَ، لكنَّكَ مختلفٌ.. لستَ بحاجةٍ أنْ أقولَ لكَ إنني مرهقٌ.. تفهمُ دونَ أنْ أفعلَ حتى.. والخطوةُ الأولى ستكونُ العثورَ عليهمْ."
........
لا تعلمُ لأيِّ همومِها تحزنُ.. اقتربتْ من تحقيقِ الوعدِ، وبنفسِ الوقتِ عليها العملُ من أجلِ إخوتِها.. وأيضاً عليها الحذرُ لكي لا يجدَها أعداؤُهُ بأيِّ طريقةٍ.. كما أنَّ ألمَ الفقدانِ لا يفارقُها لدقيقةٍ، فهو يأتي متتالياً عليها رغمَ كلِّ شيءٍ.
تحاولُ الصمودَ لكي لا تنهارَ تحتَ بركانِ الحزنِ الكبيرِ الذي في قلبِها.. أصبحتْ ثقتُها بالعدالةِ تقلُّ رويداً رويداً بعدَ الحادثةِ.
.....
يرتادُ جاسرَ المللُ من انتظارِهمْ، يريدُ معرفةَ جوابِهمْ بسرعةٍ.. بينما هو جالسٌ، أتوا إلى مكانِهِ، فسألَهمْ بنبرةٍ هادئةٍ، مغلفةٍ بفضولٍ حادٍّ كعينٍ تراقبُ من خلفِ البابِ :" هل علمتمْ شيئاً؟"
ردَّ أحدُهمْ بخيبةِ أملٍ واضحةٍ على معالمِهِ، وصوتٍ يملؤهُ حذرٌ :
" معَ الأسفِ.. لا.. نحنُ نعتقدُ أنهُ علمَ بوجودِنا.. لا يخرجُ من بيتهِ، ولا يلتقي بأحدٍ."
أردفَ احد اخر بخبثٍ، وهوَ يحللُ صمتَ أركانَ المريبَ، وحذرَهُ :
" أنتَ محقٌّ.. لو لمْ تكنْ نقطةَ ضعفٍ، لما كانَ حذراً لهذهِ الدرجةِ."
امتلأَ داخلُهُ بغيظٍ عارمٍ، ثمَّ أردفَ بصوتٍ يخرجُ من بينِ أسنانِهِ المطبقةِ، نبرتُهُ كانتْ مخنوقةً كأنهُ يحاولُ حبسَ الإعصارِ بداخلِهِ :
" ظننتُ أنكمْ تستطيعونَ.. وثقتُ بكمْ، وأنتمْ تقولونَ إنكمْ لمْ تقدروا! هلْ ما أفهمُهُ صحيحٌ؟"
أردفَ أحدُهم بنبرةٍ حادةٍ وصارمةٍ، تُعيدُ جاسرَ إلى حجمِهِ الحقيقيِّ، هو الذي استعانَ بهمْ، أتى ليتكبرَ عليهمْ، لكنهُ قدْ غفلَ أنهُ ليسَ أمامَ رجالِهِ المرتجفينَ:
" التزمْ مكانَكَ.. أعلمْ على مَنْ تصرخُ.. لمْ نجدْها لأنهُ لا يغادرُ مكانَهُ.. حسبَ اعتقادِنا، هذهِ الفتاةُ ليستْ من عالمِنا، فهيَ لا تقدرُ على تحملِهِ، وأيضاً من الممكنِ أنْ تكونَ لديها الكثيرُ من الهمومِ.. هلْ هذهِ المعلوماتُ كافيةٌ لكَ؟"
امتلأَ داخلُهُ بغيظٍ عارمٍ، لكنهُ سرعانَ ما تراجعَ أمامَ صرامتِهمْ، فأردفَ محاولاً تداركَ الموقفِ:
" لمْ يكنْ عليَّ التعاملُ بهذا الشكلِ، وأنا أعلمُ بهذا.. ماذا أريدُ بهمومِها أساساً؟ لو كانتْ بهذا العالمِ، كانَ سيضعُها إلى جانبِهِ وبينَ ذراعيْهِ.. لِما كانَ سيخفيها ككنزٍ؟"
صمتَ طويلاً، ثمَّ أكملَ بنبرةٍ تحملُ الحقدَ المخفيَّ
وراءَ كلماتِهِ :
" أنا أرغبُ بمعرفةِ مكانِها.. لنْ يغادرَ الآنَ، لكنْ حتماً سيخرجُ.. أنا لا أحبُّ أنْ أحاربَ وراءَ الظهرِ، علينا مواجهتُهُ ليعلمَ أنني لستُ لوحدي في هذا الأمرِ.. ما رأيُكمْ؟"
أردفوا بنبرةٍ تستهينُ في خصمِهمْ، فيها رنينٌ منَ الثقةِ المفرطةِ التي عادةً ما تسبقُ الكوارثَ، وكأنهُ يخطو نحو الحاويةِ ويعتقدُ أنها عتبةٌ منَ المجدِ:
" يناسبُنا.. ليعلمَ أنهُ ليسَ لديهِ فرصةٌ."
.......
سادَ الصمتُ أرجاءَ غرفةِ المكتبِ، صمتٌ ثقيلٌ لا يكسرُهُ سوى إيقاعِ أنفاسِ أركانَ الهادئةِ، يراقبُ الدخانَ المتصاعدَ من قهوتِهِ كأنهُ يقرأُ فيهِ نهايةَ حكايةٍ.. لمْ يكنْ عليهِ بذلُ أيِّ مجهودٍ لإيجادِهمْ، فالفأرُ دوماً يجدُ طريقَهُ للمصيدةِ حينَ يشتدُّ جوعُها للغدرِ.. وفي هذهِ اللحظةِ، انشقَّ السكونُ عن قوامِ آسرَ، الذي ظهرَ كظِلٍّ يحمي العرينَ، وبملامحَ لمْ تهتزَّ للحظةٍ، اقتربَ آسر وهمسَ بصوتٍ خافتٍ يحملُ الهدوءَ:
" إنهُ ينتظرُ بالخارجِ، ولا داعيَ لأنْ نوترَ أنفسَنا بينما نبحثُ عنهمْ.. همْ أتوا إلينا وسهلوا عملَنا.. هلْ أدخلُهمْ؟"
ارتسمتْ على وجهِ أركانَ ابتسامةٌ غيرُ مفهومةٍ، هلْ هوَ يخافُ، أمْ يرى النهايةَ؟ أردفَ بصوتٍ خافتٍ، ثابتٍ، متزنٍ، يحملُ نبرةً من سخريةٍ مبطنةٍ:
" اسمحْ لهمْ.. دعنا نلقي نظرةً أخيرةً عليهمْ قبلَ أنْ يرحلوا وهمْ يرتعبونَ خوفاً، وتغيبَ نظراتُهمْ عنِ الوجودِ."
فتحَهُ على مصراعيهِ وكأنهُ يستقبلُ ضيوفاً في حفلِ عشاءٍ، وليسَ أعداءً جاؤوا بطلقاتِهمْ.. وقفَ جانباً، أشارَ بيدهِ بحفاوةٍ باردةٍ يرمقُ جاسرَ بنظراتٍ ساخرةٍ، ليردفَ في صوتٍ جافٍ ساخرٍ:
" تفضلوا، الزعيمُ هناكَ بانتظارِكم، طبعاً لا تطيلوا وقوفَكم بالممراتِ، فالداخلُ مفقودٌ لدينا، أما عنِ الخارجِ.. هوَ مولودٌ من جديدٍ، طبعاً هذا إنْ حالفَهُ الحظُّ.. هيا، الزعيمُ لا يحبُّ التأخيرَ."
سارَ جاسرٌ إلى جانبِ أركانَ، وضعَ يدَهُ على مكتبِهِ، ثمَّ بدأَ الكلامَ بصوتٍ شامخٍ كالجدارِ، لكنَّهُ مطليٌّ بالسمِّ، نبرتُهُ كانتْ واثقةً لا تهتزُّ، تخفي خلفَها نيةً لا ترحمُ:
" أتعلمُ، لمْ أكنْ أريدُ الوصولَ لهذهِ المرحلةِ، لكنكَ السببُ بهذا، ماذا كانَ سيحصلُ لو قبلتَ التعاونَ؟"
وقفَ، ثمَّ أجابَهُ بهيبتِهِ المعتادةِ التي لا تُناقشُ، بصوتٍ هادئٍ لا صارخٍ:
" كنتُ سأخالفُ مبادئي، عملُكَ لا يناسبُني، إنَّهُ خطيرٌ وأيضاً يؤذي الأشخاصَ الأبرياءَ."
فلتتْ منهُ ضحكةٌ ساخرةٌ، ثمَّ أردفَ بصوتٍ يحملُ التهكمَ وتقليلَ شأنِ خصمِهِ:
"- حثالةٌ منَ المافيا التركيةِ يتظاهرُ أمامي أنهُ بطلٌ أمامَهمْ، هذا سخيفٌ."
رسمتْ على ملامحِهِ ابتسامةً باردةً، ثمَّ أردفَ بصوتٍ لا يهتزُّ ولا يرجفُ :
" بطلُ عدالةٍ؟ ماذا تقولُ؟ هذا كلامٌ فارغٌ، أنا مجردُ حثالةٍ ينظفُ القذارةَ، في النهايةِ لا أطيقُ الحثالةَ أبداً، التي تفوحُ رائحتُها أكثرَ مني."
سادَ المكانَ صمتٌ كصمتِ قبورٍ، تجمدتِ الضحكةُ الساخرةُ التي كانتْ على ملامحِ جاسرَ، وتحولتْ ملامحُهُ منْ ثقةٍ لشحوبٍ ممتزجٍ بغلٍّ، ثمَّ أردفَ بصوتٍ خافتٍ، محاولاً استجماعَ ما تبقى منْ كبريائِهِ:
" حقاً لا تطيقُ؟ هلْ أنتَ عدوُّ السوءِ، مثلاً؟"
أمالَ أركانُ رأسَهُ قليلاً، أصدرَ بصوتِهِ تلكَ الحركةَ المستفزةَ بلسانِهِ "تؤ"، ثمَّ أردفَ بهدوءٍ لا يكسرُهُ سوى صدى كلماتِهِ:
" عدوُّ سوءٍ؟ أنا نهايتُهُ.. غيرَ هذا، قدْ قلتُ لكَ إنني أقومُ بتطهيرِ هذا العالمِ منْ قذارتِكَ، ومنْ أمثالِكَ."
حينما رأوا أنَّ الوضعَ بدأَ يسوءُ، أوقفوا جاسرَ ونظروا إلى أركانَ، ثمَّ أردفوا بصوتٍ يحملُ الثباتَ أكثرَ منْ أيِّ شيءٍ آخرَ:
" أردنا أنْ نتعرفَ على عدونا أكثرَ، أنتَ تعتقدُ أنكَ ملكٌ بهذا العالمِ، لكنَّ هذا لنْ يدومَ طويلاً، فمنْ يمتلكُ نقطةَ ضعفٍ لا يربحُ بلْ يضحي، وأيضاً الفوزُ ليسَ دائماً، لأنكَ لا تحاربُ نفسَ الشخصِ الآنَ، أردتُ أنْ أنصحَ فقطْ."
نظرَ نظرتَهُ القاسيةَ معَ أعدائِهِ، ثمَّ أردفَ بصوتٍ يشبهُ هدوءَ الجبالِ في حضورِ الرياحِ، نبرةٌ واثقةٌ لا تهتزُّ، وكأنهُ يخبرُ أعداءَهُ أنَّ محاولتَهمْ لنْ تهزَّ منْ ثباتِهِ شيئاً:
" نصيحةٌ جيدةٌ، وأنا أريدُ أنْ أوضحَ لكَ شيئاً، لا يهمني قوةُ منْ أمامي، أنا مستعدٌ للحربِ دوماً، أنا لستُ ملكاً، لكنْ لا يعجبُني أنْ أرى القذارةَ وأصمتَ، خصوصاً عديمي الضميرِ.. لمْ أبدأْ بسهولةٍ، لكنْ عندما ننظرُ، أصبحتُ الأقوى بينَكمْ، لدرجةِ تريدونَ أنْ تحلوا مكاني وتبعدوني منْ هنا، أليسَ كذلكَ؟ واحتفظْ بنصيحتِكَ، ستحتاجُها حينما جنازتُكَ النفسيةُ تبدأُ."
دارَ بينهما صمتٌ كبيرٌ، ربما كانَ إعجاباً أو احتراماً خفياً لمْ يرغبوا في الاعترافِ بهِ، أردفَ أحدُهمْ بصوتٍ يحملُ إعجاباً خفياً بقوةِ خصمِهِ:
"أنتَ واثقٌ منْ نفسِكَ كثيراً، لكنَّ الثقةَ تسقطُ عاجلاً أمْ آجلاً."
قالَ جاسرٌ بثقةٍ لا يعلمُ ما نتيجتُها لاحقاً:
" نعمْ، نريدُ إيقاعَكَ."
نظرَ إلى جاسرَ، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ باردةٍ يغلفُها تهكمٌ لاذعٌ، وكأنَّهُ يلقي كلامَهُ منْ طرفِ لسانِهِ، استصغاراً لشأنِ منْ يسمعُهُ:
" هلْ يليقُ بالمحاربينَ استعانةُ أشخاصٍ ليكونوا وراءَهمْ؟ أعتقدُ أنكَ فهمتَ، أنكَ ليسَ لديكَ فرصةٌ ضدي، أليسَ كذلكَ؟"
برزتْ عروقُ الغيظِ على وجهِ جاسرَ كأفعى تلتوي تحتَ جلدِهِ، فكلماتُ أركانَ لمْ تكنْ مجردَ حديثٍ عاديٍّ، بلْ كانتْ نصلاً حاداً على كبريائِهِ، وجردهُ منْ وقارِهِ المزيفِ، وبحركةٍ هستيريةٍ طغتْ عليها غريزةٌ، امتدتْ يدُهُ لسلاحِهِ محاولاً إنهاءَ ألمِ الهيبةِ التي تخنقُهُ، لكنَّ آسرَ كانَ أسرعَ منَ البرقِ بذاتِهِ، اعترضَهُ بجمودٍ مروعٍ، موجهاً فوهةَ الموتِ نحو رأسِهِ، وهوَ يهمسُ باستفزازٍ يقطرُ قطراتِ برودٍ:
" هلْ تدركُ بأيِّ مكانٍ أنتَ؟"
سادَ صمتٌ ثقيلٌ، قطعهُ أركانُ بإشارةٍ هادئةٍ منْ يدهِ لآسرَ لكيْ ينزلَ سلاحَهُ، ثمَّ تقدمَ بخطواتٍ موزونةٍ نحو جاسرَ حتى تلامسَ برأسِهِ فوهةُ المسدسِ، ليردفَ بصوتٍ رخيمٍ، يحملُ وقارَ جبلٍ وصفاءَ يقينٍ:
" أطلقْ.. هلْ تعتقدُ أني أهابُ الموتَ؟ هيا، افعلْ."
أردفَ جاسرٌ بنبرةٍ متحشرجةٍ، يعتليها كبرياءٌ جريحٌ، محاولةً يائسةً أنْ يخفيَ ارتعاشَ أنفاسِهِ:
" لنْ أفعلَ، أتعلمُ لماذا؟ لأنَّ موتَكَ لنْ يكونَ انتصاراً لي.. تسلّمُ نفسَكَ لي، وهذا ليسَ بفوزٍ."
أبتعدَ أركانُ عنهُ ببرودٍ لا يُطاقُ، وبحركةٍ متمحورةٍ حولَ ذاتِهِ الواثقةِ، بدأَ يعدلُ ياقةَ قميصِهِ بمنتهى هدوءٍ، وكأنَّ فوهةَ الموتِ التي كانتْ منذُ ثوانٍ قصيرةٍ تلامسُ جبهتَهُ لمْ تكنْ سوى ذرةِ غبارٍ عابرةٍ مرتْ عليهِ، ألقى نظرةً أخيرةً تملؤُها سخريةٌ مرةٌ، ونطقَ بكلماتٍ كانتْ بمثابةِ مساميرَ تدقُّ في نعشِ رجولةِ خصمِهِ الواقفِ أمامَهُ:
" أثبتَّ لي أنكَ لستَ برجلٍ يا مرتجفُ.. هلْ تتحججُ؟ غيرَ هذا لمْ أسلمْ نفسي لكَ، أنتَ منْ رفعتَ فوهةَ الموتِ حولي، سلمتُ نفسي للموتِ.. لا تكنْ متعالياً."
لمْ يستطعْ جاسرٌ تحمّلَ المزيدِ، فصوتُ تحطّمِ كبريائِهِ كانَ أعلى منْ أيِّ منطقٍ أمامَهُ، اشتعلتْ عيناهُ بجنونٍ انتحاريٍّ، وبدلاً منْ أنْ ينسحبَ، اندفعَ بكلِّ ثقلِهِ محاولاً الهجومَ على أركانَ مرةً أخرى، محاولةً أخيرةً لغسلِ عارِهِ، لكنَّ الثعالبَ الذينَ كانوا معهُ أدركوا أنَّ الغرفةَ ستتحولُ لمقبرةٍ جماعيةٍ إنْ لمْ يتصرفوا، سحبوهُ بقوةٍ مفرطةٍ وهوَ يتخبطُ بينَ أناملِهمْ، وجروهُ نحو الخارجِ وسطَ نظراتِ احتقارٍ التي تلاحقُهمْ، بينما صرخَ أحدهمْ بصوتٍ يرتجفُ خوفاً :
" لا تواخدونا على استهتارِهِ، سنخرجُ الآنَ.. هيا يا جاسرُ، ليسَ هنا، لا تكنْ متهوراً، هيا!"
بينما يُجرُّ جاسرٌ للخارجِ كمهزومٍ، آسرُ لا ينظرُ لأيٍّ منهمْ، عينُهُ فقطْ مصوبةٌ على أركانَ، وجملتُهُ الأخيرةُ أنهُ سمحَ لجاسرَ أنْ يرفعَ سلاحَهُ ويطلقَ دونَ ذرةِ ارتجافٍ لا تزالُ تترددُ في أذنيهِ، يدركُ أنَّ أركانَ باتَ في منطقةٍ نفسيةٍ خطيرةٍ جداً، لكنْ في داخلِهِ ترددٌ كبيرٌ، هلْ سؤالُهُ سيكونُ كفتحِ جرحٍ أغلقَ منذُ سنينَ؟ وهلْ عليهِ المبادرةُ والشجاعةُ أمْ أنْ يصمتَ لكيْ لا يجرحَ أخاهُ؟راءَهمْ؟
أدارَ أركانُ جسدَهُ بهدوءٍ، نظرَ لآسرَ بعينينِ لا تعكسانِ أيَّ وهجٍ، وكأنَّهُما بئرٌ عميقةٌ منْ أسرارٍ مظلمةٍ، سادَ صمتٌ كأنَّهُ دهرٌ، ثمَّ أردفَ آسرُ بنبرةٍ منخفضةٍ، تحملُ في طياتِها خوفاً يعتصرُهُ، ورغبةً بحمايةِ أخيهِ:
" هلْ أنتَ مدركٌ أنَّ هذا الرجلَ وضعَ السلاحَ على جبهتِكَ؟ هلْ تسلّمُ نفسَكَ للموتِ بسهولةٍ، وخصوصاً بسلاحِ عدوِّكَ؟ أخي.. قلْ لي، أحاولُ إيجادَ سببٍ.. هلْ لأنكَ كنتَ تعرفُ أنهُ لنْ يطلقَ، أمْ أنكَ حقاً أرهقتَ منْ هذا العالمِ وتريدُ الموتَ؟"
أشاحَ أركانُ بنظرِهِ عنْ آسرَ، وكأنَّهُ يرى أفقاً بعيداً لا يراهُ أحدٌ غيرُهُ، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ هادئةٍ بشكلٍ مخيفٍ، نبرةٍ تخلو منْ رنينٍ وانفعالٍ، وكأنَّ الموتَ بالنسبةِ لهُ حقيقةٌ قديمةٌ تصالحَ معها منذُ زمنٍ طويلٍ:
" آسرُ.. إنَّ الحياةَ محطةٌ مؤقتةٌ، كلنا راحلونَ في النهايةِ، فلماذا أهابُ مرتجفاً مثلَ جاسرٍ؟"
ارتجفتْ ملامحُ آسرَ، خرجَ صوتُهُ بنبرةٍ مخنوقةٍ في عباراتٍ، يملؤُها انكسارٌ مريرٌ، وخوفٌ طفوليٌّ لمْ يقدرْ على إخفاءِهِ خلفَ قناعِ قوةٍ، نبرةٍ تشبهُ نداءَ غريقٍ يرى برَّ أمانِهِ يبتعدُ عنهُ:
" مرتجفٌ.. هذا يعني أنكَ كنتَ تعلمُ أنهُ لنْ يطلقَ، ولكنْ نحنُ.. هلْ فكرتَ فينا مرةً واحدةً؟ رحيلُكَ يعني انهيارَ تلكَ المملكةِ، رحيلُكَ يعني ضياعَنا، إنْ ذهبتَ سأنهارُ حقاً دونك.. هذا العالمُ سيتشتتُ يا أخي!"
أغمضَ أركانُ عينيهِ للحظةٍ واحدةٍ، وكأنَّهُ يمتصُّ وجعَ كلماتِ أخيهِ، ثمَّ التفتَ لهُ بنبرةٍ رصينةٍ هادئةٍ، لكنَّها حازمةٌ كحدِّ سيفٍ، نبرةٍ يغلفُها شجنٌ خفيٌّ يحاولُ أنْ يكتمَهُ، وكأنَّهُ يلقي وصيتَهُ الأخيرةَ وهوَ على قيدِ الحياةِ:
" لكنْ يوماً ما سأرحلُ، لا أحدَ باقٍ، الدنيا فانيةٌ، لهذا عليكَ تعلمُ العيشِ دوني، النهوضُ وإدارةُ أمانةِ أخيكَ منْ بعدِكَ، أعلمُ أنهُ حقاً مؤلمٌ، لكنْ عليكَ التقبلُ.. احتمالُ حدوثِ هذا، لأنني أسيرُ بالاحتمالاتِ ولا أتركُ شيئاً للقدرِ."
أخفضَ آسرُ رأسَهُ، خرجَ صوتُهُ مرتعشاً، محملاً بصدقٍ لا يقبلُ جدالاً :
" لا تتركُ شيئاً للقدرِ، أليسَ كذلكَ يا أخي؟ لكنْ.. ماذا عنْ غيابِكَ وفراغِكَ؟"
سادَ صمتٌ ثقيلٌ، ولأولِ مرةٍ شعرَ أركانُ أنَّ خططَهُ المحكمةَ أمامَ دموعِ أخيهِ ليستْ سوى ورقٍ تذروهُ رياحٌ، وبحركةٍ سريعةٍ، وكأنَّهُ يستمدُّ قوتَهُ منَ العناقِ، أوْ يودعُ فيهِ كلَّ ما عجزَ لسانُهُ عنْ قولِهِ، سحبَ أركانُ آسرَ إليهِ، احتضنَهُ بقوةٍ لثوانٍ معدودةٍ، لكنَّها كانتْ كافيةً لتزلزلَ ثباتَهُ الذي حاولَ أنْ يحافظَ عليهِ، ثمَّ فجأةً، وكأنَّهُ استشعرَ الخطرَ منْ ليانَ قلبِهِ، أفلتَهُ، ابتعدَ بسرعةٍ متوجهاً نحو البابِ بخطواتٍ واسعةٍ، يحاولُ الهروبَ منْ نظراتِ آسرَ التي كادتْ أنْ تجعلَهُ يؤجلُ رحلةَ موتٍ محتومٍ، منْ فكرةِ أنَّ حبهُ لأخيهِ قدْ يغلبُهُ ويجبرُهُ على تأجيلِ موتِهِ، فقطْ كيْ لا يتركَهُ وحيداً يصارعُ فراغَهُ.
.......
هلْ عليها مواصلةُ الطريقِ إلى العدالةِ؟ أمْ أنْ تقبلَ بأنهُ لا توجدُ عدالةٌ في هذا العالمِ، بلْ يجبُ عليها تحقيقُها بيديها؟ أتى إليها نورٌ وجسورٌ، جلسا بجانبِها، ثمَّ وضعَ جسورٌ يديهِ برفقٍ على كتفِ أختِهِ، وأردفَ بنبرةٍ دافئةٍ هادئةٍ، تحملُ في طياتِها حناناً أخوياً، ومحاولةً لامتصاصِ قلقٍ يبدو على ملامحِ وجهِها، نبرتُهُ كانتْ توحي بدعمٍ مطلقٍ مهما كانَ قرارُها :
" بماذا تفكرينَ يا أختي؟"
نظرتْ أليفُ للفراغِ أمامَها، وكأنَّها تبحثُ عنْ إجابةٍ لنْ تعثرَ عليها، ثمَّ خرجَ صوتُها بنبرةٍ منهكةٍ، يغلفُها يأسٌ مريرٌ، تهكمٌ حزينٌ على واقعٍ لمْ ينصفْها، نبرتُها كانتْ خافتةً، توحي بأنَّ شعلةَ الأملِ في قلبِها شارفتْ على الانطفاءِ :
"إنَّ هذهِ الحياةَ مرهقةٌ يا أخي.. العثورُ على العدالةِ أصبحَ صعباً، وإيماني بها سيختفي، ألستُ محقّةً؟"
اقتربتْ نورٌ منها أكثرَ، رمقتْها بنظرةٍ تعتليها براءةٌ وإيمانٌ، ثمَّ أردفتْ بنبرةٍ رقيقةٍ عذبةٍ، يملؤُها تفاؤلٌ، وتحملُ صدى طمأنينةٍ تحاولُ أنْ تغرسَها بقلبِ أختِها، نبرتُها تبتعدُ عنْ تعقيداتِ الواقعِ، لتركزَ على رابطِ الدمِ والأملِ البعيدِ :
" يا أختي، نحنُ بجانبِكِ، غيرَ هذا، لماذا التفكيرُ السلبيُّ؟ العدالةُ تتحققُ، إذا لمْ يكنِ اليومَ، فغداً أوْ في يومٍ آخرَ، لا نعلمُ متى سيأتي."
اهتزتْ ملامحُ أليفَ، وكأنَّ شريطَ ذكرياتِها المؤلمَ مرَّ أمامَ عينيها بغتةً، وخرجَ صوتُها بنبرةٍ حادةٍ مكسورةٍ، يرتجفُ فيها قهرٌ، غضبٌ مكتومٌ، نبرةٍ تصرخُ ألماً الذي لا تعالجُهُ الكلماتُ، وكأنَّها تنزفُ ذكرياتِها أمامَهما:
" لا أعتقدُ، هذا كلُّ شيءٍ معقّدٌ، كيفَ لي أنْ أثقَ بها، وهيَ السببُ بموتِهِ يا نورُ؟ أطلقَ على نفسِهِ أمامَ عينيَّ، لمْ يصدقْهُ أحدٌ غيري، كيفَ لي أنْ أثقَ مجدداً بها؟"
خفضتْ نورٌ أنظارَها لثوانٍ، شعرتْ بمرارةِ كلماتِ أختِها في حلقِها، ثمَّ رفعتْ رأسَها ونظرتْ في عيني أليفَ بنبرةٍ هادئةٍ يكسوها حزنٌ، لكنَّها متمسكةٌ بقوةٍ داخليةٍ، كانتْ نبرتُها صادقةً، خاليةً منَ المثاليةِ هذهِ المرةَ، وكأنَّها تمدُّ يدَها كمنقذٍ لغريقٍ :
" أفهمُكِ جيداً، لا يسعني فعلُ شيءٍ، لكنني لنْ أتركَكِ، هذا أقلُّ ما يمكنني فعلُهُ منْ أجلِكِ، لا تتوقفي عنِ المحاربةِ، ابقي صامدةً، عهدتُكِ هكذا."
وضعَ جسورٌ يدَهُ الأخرى على كتفِ أليف، ليحاصرَ حزنَها بكفيهِ، وأردفَ بنبرةٍ عميقةٍ رصينةٍ، تعتليها ثقةٌ ولاءٌ مطلقٌ، نبرةٍ رجوليةٍ لا تعرفُ تردداً:
" أعلمُ أنَّ هذا صعبٌ جداً، لوْ أني مكانَكِ لا أتخيلُ هذا حتى، لكنْ طالما أنكِ صامدةٌ نحنُ سنفعلُ ذاتَ الشيءِ بجانبِكِ، وإنْ وقعتِ.. سنرفعُكِ."
.......
عادَ أركانُ ليدخلَ الغرفةَ مرةً أخرى، ملامحُهُ استعادتْ برودَها المعتادَ، تقدّمَ نحوَهُ آسرُ بسرعةٍ وفي عينيهِ بريقُ إنجازٍ، أردفَ بنبرةٍ يمتزجُ فيها ارتياحٌ بنشوةٍ وانتصارٍ صغيرٍ، نبرةٍ واثقةٍ تؤكدُ لأركان أنَّ أوامرَهُ قدْ نُفذتْ بكلِّ حذافيرِها :
" أخي، قدْ تمَّ العثورُ على الرجلِ الذي هربَ، وتمَّ حلُّ الموضوعِ، قدِ ارتعبَ عندما اقتربنا منهُ قليلاً وهددناهُ، وأقسمَ أنهُ لنْ يقتربَ منْ تلكَ المرأةِ التي طلبتْ منكَ حمايةً وأولادِها مجدداً بسوءٍ."
صوَّبَ أركانُ نظرةً فاحصةً لآسرَ، امتدتْ فيها ابتسامةٌ خفيفةٌ تكادُ لا تُرى، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ هادئةٍ عميقةٍ، يملؤُها فخرٌ مكتومٌ، وثقةٌ مطلقةٌ، نبرةٍ تجعلُ الكلماتِ تنسابُ بوقارِ مَنْ يرى في أخيهِ انعكاسَ نفسِهِ وقوتِهِ:
" أنتَ فعلتَ، أليسَ كذلكَ؟ لمْ تتركْها لغيرِكَ.. انظرْ، طالما أنتَ موجودٌ لا شيءَ يتركني أخافُ، لأنكَ ذكيٌّ مثلي ولستَ متهوراً، وجسارُ يجبُ عليهِ أنْ يضبطَ حالةَ التهورِ لديهِ قليلاً، لكنْ سيفعلُ، يجبُ أنْ نتركَهُ للوقتِ."
أردفَ أركانُ، يحاولُ أنْ يتهربَ منْ نظراتِ أخيهِ التي تخترقُهُ :
" إذاً، عليَّ الذهابُ الآنَ، هرباً منْ أسئلةِ فضوليٍّ ينظرُ لي."
مالَ آسرُ برأسِهِ قليلاً، رُسمتْ على ملامحِهِ ابتسامةٌ خبيثةٌ، وهوَ يلقي بكلمتِهِ كصيادٍ ينتظرُ وقوعَ فريسةٍ :
" إلى أينَ؟ هلْ لعاصفتِكَ التي تحاولُ الهربَ منها؟"
أجابَهُ أركانُ بسرعةٍ، دونَ أنْ يمنحَهُ فرصةَ احتفالٍ بذكائِهِ، منْ على البابِ، بنبرةٍ ساخرةٍ جافةٍ:
"إلى الراحةِ، إلى السكونِ، إلى مكانٍ لا تتواجدُ أنتَ فيهِ."
ثمَّ خرجَ بخطواتٍ ثابتةٍ، تاركاً آسرَ لوحدِهِ بشكوكِهِ التي يعلمُ أنَّها صحيحةٌ.
......
تفوحُ روائحُ غيرُ جيدةٍ منْ أطرافِ المكانِ، وكأنَّ الخطرَ على وشكِ المجيءِ، أتى إليها، ثمَّ جلسَ إلى جانبِها، وأردفَ يسألُها بصوتٍ خافتٍ هادئٍ لا يهتزُّ :
" ماذا تفعلينَ هنا؟"
ارتسمتْ على ملامحِها علاماتُ شحوبٍ واضحٍ، ثمَّ أردفتْ لهُ بصوتٍ يرتجفُ، يحاولُ التماسكَ لا عليها بلْ عليهِ:
" لا شيءَ، لكنْ أليسَ خطراً عليكَ؟ غيرَ هذا ما شأنُكَ، هذا مكاني، انظرْ بالأصلِ أنتَ ما عملُكَ هنا؟"
ثمَّ مالَ في رأسِهِ قليلاً، وأردفَ بنبرةٍ رخيمةٍ هادئةٍ، تخلتْ عنْ برودِها المصطنعِ، لتكشفَ عنْ عمقٍ صادقٍ، نبرتُهُ كانتْ توحي بأنَّ الكلمةَ القادمةَ خرجتْ رغماً عنْ أسوارِ قلبِهِ المقيدةِ:
" الخطرُ... كلمةٌ بسيطةٌ طوالَ حياتي واجهتُهُ، أنا لا أهابُ المعاركِ، الأهمُّ أنْ لا أتسببَ بضررٍ لكِ، لأنكِ... ."
صمتَ لثوانٍ قصيرةٍ، وكأنَّ الكلمةَ الحقيقيةَ كانتْ على أطرافِ لسانِهِ، لكنَّهُ ابتلعَها في اللحظةِ الأخيرةِ، أردفَ محاولاً استعادةَ توازنِهِ :
"رفيقةٌ وبريئةٌ، وأنا لا أتسببُ بالسوءِ لمنْ ليسَ منْ ذلكَ العالمِ."
نظرتْ لهُ بعينينِ يمتزجُ فيها امتنانٌ بصلابةٍ، وكأنَّها تعيدُ ترتيبَ أوراقِها أمامَهُ، ثمَّ أردفتْ بنبرةٍ هادئةٍ، لكنَّها حاسمةٌ بشكلٍ واضحٍ:
" لأولِ مرةٍ، يرغبُ أحدٌ بالتضحيةِ منْ أجلي، تعلمتُ أنْ لا أحدَ يعطي دونَ مقابلٍ في هذهِ الحياةِ، هذا شيءٌ يتمُّ التقديرُ عليهِ، لكنْ ما يهمني الآنَ هوَ تحقيقُ العدالةِ."
مالَ نحوَها قليلاً، والروائحُ التي تفوحُ منْ أطرافِ المكانِ زادتْ منْ ثقلِ تلكَ اللحظةِ، ثبّتَ عينيْهِ في عينيْها، وأردفَ بسؤالٍ مباشرٍ كطلقةٍ، ونبرةٍ لا تحملُ أيَّ مواربةٍ فيها:
"- هلْ ترغبينَ بالمساعدةِ؟ وأيَّ نوعٍ منَ العدالةِ تريدينَ؟"
أردفتْ أليفُ، عيناها تلمعُ بذكرى تلكَ النظرةِ الأخيرةِ التي لمْ تنسَها، وصوتُها يحملُ ثقلاً منَ الماضي، ومنْ طلبٍ تعلمُ أنَّهُ ليسَ سهلاً على رجلٍ مثلِهِ :
" أريدُ إيجادَ مَنْ ألقى التهمةَ على شخصٍ بريءٍ.. نعمْ، لمْ يكنْ يرغبُ أنْ أنقذَهُ، لكنْ قبلَ موتِهِ نظرَ إليَّ نظرةً كأنَّهُ يقولُ لي: (اتركي، لا شيءَ اسمُهُ العدالةُ هنا).. ربما أنتَ تعلمُ، همْ منَ الممكنِ أنْ يكونوا منْ محيطِكَ.. إذا طلبتُ مساعدتَكَ في إيجادِهمْ، وأيضاً إجبارِهمْ على الاعترافِ، لكنْ لنْ تقتلَهُمْ.. هلْ ستفعلُ؟"
أردفَ أركانُ بنبرةٍ تحملُ الكثيرَ منَ التشكيكِ، لكنَّها لا تخلو منَ الرضوخِ لرغبتِها الخاصةِ:
" أُجبرُهُ على الاعترافِ، لكنْ عدمُ قتلِهِ؟ وما أدراكِ أنَّهُ لنْ يعودَ أتباعُهُ للانتقامِ؟ لكنْ لا بأسَ، لأجلكِ سأفعلُ، إذاً تريدينَ عدالةَ القانونِ."
قاطعتْهُ أليفُ بسرعةٍ، وعيناها تلمعُ بذكاءٍ حادٍّ وقسوةٍ لمْ يتوقعْها منها، أجابتْ عليهِ:
"لا، قلتُ عدمَ قتلِهِ لأنني أرغبُ بمعرفةِ هلِ الموتُ أسهلُ لهُ منْ دخولِهِ للسجنِ ؟ حينَها سأقررُ إنْ كنتُ سأنهيهِ أمْ لا."
اعتدلَ أركانُ في جلستِهِ، نهضَ بهدوءٍ، وصوبَ نظرةً أخيرةً لها، يملؤُها تقديرٌ ممزوجٌ بحذرٍ، وأردفَ قبلَ أنْ يغادرَ :
"عليَّ الذهابُ، انتبهي على ذاتِكِ جيداً، أعلمُ ستفعلينَ؛ لأنَّ مَنْ يقتربُ منكِ يبدو لي وكأنَّهُ سيلقى حتفهُ."
لمْ تتركْهُ يغادرُ بهدوءٍ معتادٍ، بلْ ألقتْ كلماتِها الماكرةَ، ترسمُ على ملامحِها ابتسامةً خفيفةً، متمتمةً بنبرةٍ غلبتْها دعابةٌ، لكنَّها أصابتِ الهدفَ :
" انتبهْ، لا تكونَ أولَ ضحيةٍ لي."
رحلَ أركانُ وهوَ يطلقُ ضحكاتٍ صغيرةٍ، وفي داخلِهِ باتَ يشعرُ أنَّهُ ربما ليستْ نقطةَ ضعفٍ قدْ يخفيها كما يعتقدُ، وأنَّ داخلَهُ بدأَ يميلُ تجاهَها أكثرَ
.....
لا يستطيع الهدوء، يريد كل شيء بسرعة البرق،
أطلَّ جاسرٌ رأسَهُ بعدَ رحيلِ أركانَ، وعيناهُ تترقبانِ المكانَ بحذرٍ شديدٍ، ثمَّ التفتَ لرجالِهِ بنبرةٍ حادةٍ واضحةٍ، ممزوجةٍ في ارتباكٍ، يسألُهمْ:
" هوَ خرجَ، إذاً أنتمْ، ألمْ تجدوا شيئاً؟"
أردفَ أحدُ الرجالِ، عيناهُ تلمعُ خبثاً كسيدِهِ، يستعرضُ ما وجدَ منْ معلوماتٍ قدْ تقلبُ الطاولةَ عليهمْ:
" تخطّانا، لكنْ بحثنا جيداً.. هناكَ فتاةٌ هيَ وإخوتُها يتمسكونَ بصعوبةٍ بحياتِهمْ، أعتقدُ أننا وجدناها.. ما الخطوةُ التاليةُ؟ هلْ نجلبُها ونهددُهُ بها؟"
رُسمتْ على ملامحِ جاسرٍ ابتسامةٌ باردةٌ، تخفي نيةً خبيثةً وراءَها، وعيناهُ تضيقُ كأفعى تستعدُّ للانقضاضِ، وأردفَ بصوتٍ يحملُ خلفَهُ نيةً خبيثةً واضحةً :" لا، هذا ليسَ ممتعاً.. لنعبثْ معها أولاً، قلتَ بنفسِكَ إنَّ لها أختاً، اجلبْها إلى هنا لنستطيعَ سحبَ الفتاةِ إلينا."
أومأَ رجالُ جاسرٍ برؤوسِهمْ، بطاعةٍ عمياءَ، بينما كانتِ النظراتُ المتبادلةُ بينهمْ تشي ببدءِ تنفيذِ الخطةِ القذرةِ، أردفوا بصوتٍ واحدٍ :
"حسناً، سنفعلُ هذا."
عدلَ جاسرٌ ياقتَهُ، والغرورُ يكادُ يقطرُ ملامحَهُ، ثمَّ نظرَ نحوِ الأفقِ، وكأنَّهُ يرى نهايتَهمْ، أردفَ بنبرةٍ مليئةٍ بوعيدٍ :" سيرى الآنَ مَنْ سيكونُ الفائزَ في الحربِ."
......
ما إنْ وطئتْ قدما أركانَ عتبةَ المنزلِ، حتى التفتَ نحوِ آسرٍ، وعقلهُ لا زالَ مشغولاً بتلكَ العاصفةِ التي تركَها وراءَهُ، قالَ بنبرةٍ جادةٍ حازمةٍ:
" أريدُ أنْ تجدوا لي شخصاً أُلقيتْ عليهِ التهمةُ ظلماً، لربما حديثُهُ أوْ قديمةٌ الحادثةُ، لكنِ اعلموا هذا."
ضيقَ آسرٌ عينيْهِ، يراقبُ هدوءَ أركانَ المريبَ، ثمَّ سارَ جانبهُ، أردفَ بتساؤلٍ لمْ يستطعْ كتمانَهُ:
" حسناً أخي، لكنْ أعتقدُ أنهمْ وجدوها، وأنتَ تبدو غيرَ متوترٍ، لماذا؟"
توقفَ أركانُ عنِ السيرِ، التفتَ لآسرٍ بملامحَ لمْ تخلو عنْ مكرٍ، ثمَّ أجابَهُ بصوتٍ منخفضٍ واثقٍ:
"ربما لأني أردتُ هذا، إيقاعُهم في الفخِ، أعلمُ خطتَهمْ، لنْ يستغلوها الآنَ، بلْ سيعبثونَ معها، ويرونَ نهايتَهمْ، هلْ فهمتَ؟"
رُسمتْ على ملامحِ آسرٍ ابتسامةٌ هادئةٌ، وهوَ يهزُّ رأسَهُ بإعجابٍ واضحٍ، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ تحملُ كثيرَ منَ التقديرِ، لذكاءِ أخاهُ : " لا أحدَ يتفوقُ عليكَ بالذكاءِ، أخي.. لمْ أفهمْ جيداً، لكنْ واثقٌ أنكَ ستجعلُهُ يندمُ، لربما هذهِ النهايةُ أمِ البدايةُ؟ سيرينا الوقتُ هذا."
.......
تدخل إلى الداخل، تستمر بالدراسة، وتفكّر: هل سيقدر
على إيجادهم؟
نظرتْ نورُ إلى أليفَ، بعينينِ تملؤُها قلقٌ وحزنٌ، بينما كانتْ تراقبُ أختَها، وهيَ تحاولُ التوفيقَ بينَ أعبائِها الثقيلةِ، أردفتْ بصوتٍ مخنوقٍ :
" ألا ترهقينَ نفسَكِ بينَ الدراسةِ والعملِ منْ أجلِنا، وأيضاً تعبثينَ معَ شخصٍ شريرٍ؟"
ارتسمتْ على ثغرِ أليفَ ابتسامةٌ باهتةٌ، ممتزجةٌ بشيءٍ منْ امتنانٍ خفيٍّ، ثمَّ التفتتْ لنورٍ، وأجابتْها بيقينٍ غريبٍ : " هوَ ليسَ كذلكَ، لماذا تحكمينَ عليهِ بسببِ عملِهِ؟ لوْ قابلتيهِ لما قلتِ إنَّهُ يفرّطُ بروحِ أحدٍ."
أمسكتْ نورُ يدَ أختِها، وكأنَّها تحاولُ حمايتَها منْ عالمٍ لا تدركُ مدى قسوتِهِ، أردفتْ بصوتٍ يرتجفُ هلعاً:
" أنا أخافُ أنْ يعلمَ أعداؤُهُ بكِ، هوَ يأتي إليكِ ويعرّضُكِ للخطرِ."
شددتْ أليفُ على يدِ أختِها، وكأنَّها تمنحُها قوةً خاصةً، ثمَّ نظرتْ في عينيْها بثباتٍ لا يتزعزعُ، أجابتْها بحسمٍ:
" هوَ يعلمُ أنني قويةٌ، غيرَ هذا، تخطّاهمْ، لا تخافي، لنْ يحدثَ شيءٌ يا نور، لنْ أسمحَ بهذا أبداً."
......
وقفَ جاسرٌ وسطَ رجالِهِ، الشرُّ يتطايرُ منْ عينيهِ، وهوَ يوزعُ مهامَ أخيرةً، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ باردةٍ وآمرةٍ:
" غداً يومٌ كبيرٌ علينا أنْ نجلبَها إلى هنا، انتبهوا، لا أريدُ أيَّ خطأٍ، تعاملوا بحذرٍ الآنَ أريدُ أنْ أستفزَّ السيدَ أركانَ قليلاً."
وسطَ انشغالِ أركانَ بعاصفةٍ منَ الأفكارِ، صدحَ رنينُ الهاتفِ ليتمَّ تعكيرُ صفوِ هدوئِهِ، لمْ يتغيرْ نبضُهُ، ولا رجفةٌ أوِ ارتعاشٌ؛ بلْ ألقى نظرةً على الشاشةِ، وكانَ الاسمُ الذي يلمعُ أمامَ عينيْهِ (جاسر) ليسَ إلا عائقاً يلفتُ الانتباهَ، كعادتِهِ منَ الذينَ أزالوهمْ قبلاً.
تركَ الهاتفَ يهتزُّ، وكأنَّهُ يراقبُ الخصمَ وهوَ يستجدي الردَّ، ثمَّ حينما شارفَ الرنينُ على الانتهاءِ، وضعَهُ على أذنِهِ ولمْ يبدأِ الكلامَ؛ ظلَّ صامتاً ببرودٍ، وكأنَّهُ يقولُ: أنتَ غيرُ موجودٍ بالنسبةِ لي.
أردفَ جاسرٌ بصوتٍ يقطرُ خبثاً، وكأنَّ الكلماتِ أنيابٌ تبتسمُ قبلَ أنْ تلدغَ:
" كيفَ أحوالُ الفتاةِ ذاتِ الحظِّ؟"
أردفَ بنبرةٍ ساخرةٍ، يغلفُها بالبرودِ الجليديِّ، وكأنَّهُ يشفقُ على الذي أمامَهُ، منْ مقدارِ الجهدِ الذي يبذلُهُ ليحرّكَ شيئاً بداخلِهِ:
" عنْ أيِّ فتاةٍ تتحدثُ؟ هلْ فقدتَ عقلَكَ منْ كثرةِ ما أُلقيتْ لكَ ضرباتٌ؟"
تمتمَ بنبرةٍ متمهلةٍ، يغلفُها زهوُ مَنْ يملكُ خيوطَ اللعبةِ:
" لا تحاولِ الإنكارَ، لكنْ عليكَ دعمُها قليلاً، ستواجهُ شيئاً سيهدمُها، أردتُ إخبارَكَ."
أردفَ بنبرةٍ يقطرُ منها استخفافٌ كبيرٌ، وبصوتٍ يملؤُهُ هدوءٌ صخريٌّ لا تخترقُهُ رصاصُ الكلماتِ:
" كيفَ أدعمُ شيئاً غيرَ موجودٍ؟"
أردفَ بنبرةٍ تقطرُ توعداً، صوتُهُ كفحيحٍ حادٍ، يحملُ نذيراً منْ عاصفةٍ قادمةٍ:
" استمرَّ على نفسِ الحالِ، لنرى كمْ ستتحملُ."
ثمَّ أغلقَ الهاتفَ بوجهِ أركانَ بعنفٍ، ألقاهُ جانباً، والشرارُ يتطايرُ منْ عينيْهِ المشتعلةِ بنارِ غيظٍ، وكأنَّهُ يحاولُ إنهاءَ شعورِهِ بالعجزِ، الذي خلفَهُ ذلكَ الهدوءُ المستفزُّ منْ أركانَ.
أردفَ بصوتٍ متدهجٍ منْ كميةِ الحقدِ، بنبرةٍ ثقيلةٍ، تحملُ وعيداً أسودَ لا يرحمُ:
" سيرى، بقيَ القليلُ فقطْ لينتظرَ، أنا تحملتُ الكثيرَ منْ أجلِ هذهِ الأشياءِ."
خرجتْ كلماتُ أحدِ رجالِهِ، بنبرةٍ مشوبةٍ بكلِّ خوفٍ وارتيابٍ:
" سيدي، أخافُ من التفكيرِ بهذا واحتمالِ حدوثِهِ، إنَّهُ مرتاحٌ وغيرُ متوترٍ أبداً، أظنُّ أنَّهُ يسحبُنا لفخٍّ ما، يحاولُ الإيقاعَ بنا."
أردفَ بصوتٍ مشبعٍ بالغرورِ والسمومِ، نبرتُهُ كانتْ مسكونةً بهوسِ السلطةِ والغطرسةِ:
"هلْ أنتَ غبيٌّ؟ لماذا سيدلُّنا على مكانِ نقطةِ ضعفِهِ؟ هذا سيضرُّهُ ولنْ يكسبَهُ شيئاً، لا تكنْ بهذهِ السذاجةِ، لا أريدُ أشخاصاً هكذا يعملونَ معي، تحلَّ بالذكاءِ مثلَ سيدِكَ، وسترى عندما نسحبُ حبلَهُ وننهي عصرَ حكمِهِ هنا، ولنْ تكونَ عودةٌ لهُ بعدَ ذلكَ."
.......
في صباحٍ مشرقٍ، أتتْ إليها نورُ، وأردفتْ بنبرةٍ صافيةٍ وبسيطةٍ:
"عليَّ الذهابُ ، أختي، لأجلبَ بعضَ الأشياءِ منَ الخارجِ."
صمتتْ نورُ قليلاً، ثمَّ أردفتْ بصوتٍ رقيقٍ يملؤُهُ تساؤلٌ : " ألنْ تذهبي إلى الجامعةِ اليومَ؟"
خرجَ صوتُ أليفَ رزيناً، لكنَّهُ يحملُ رنّةً منَ الضيقِ المكتومِ : " لمْ يكنْ شيءٌ مهمٌ، فقررتُ أنْ لا أذهبَ، سأدرسُ هنا."
صمتتْ أليفُ بعضَ الوقتِ، وهيَ تحاولُ ترتيبَ شتاتِ أفكارِها المبعثرةِ، ثمَّ أردفتْ بنبرةٍ يغلفُها الحرصُ الشديدُ:
" اذهبي، وانتبهي على نفسكِ جيداً."
أردفتْ بصوتٍ ناعمٍ تلاشى خلفَ البابِ، ونبرةٍ صافيةٍ، لكنَّها تحملُ صدى الوداعِ الذي لا يدركُهُ أحدٌ:
"حسناً، إلى اللقاءِ."
....
كانتْ تسيرُ نورُ في طريقٍ لا تعلمُ نهايتَهُ، تنهي مهمتَها وتذهبُ إلى المنزلِ، لكنَّها صُدمتْ عندما صادفتْهمْ في الطريقِ.
خرجتْ كلماتُها مرتعشةً كعصفورٍ صغيرٍ جريحٍ:
" مَنْ أنتمْ؟ ماذا تريدونَ؟"
قالَ الرجلُ بصوتٍ رزينٍ، يملؤُهُ وعيدٌ لا يعرفُ الرحمةَ أبداً : " نحنُ فقطْ نريدُ إلقاءَ أختِكِ، وجلبُها سيكونُ عليكِ."
أمسكتْ نورُ السكينَ، وأردفتْ لهمْ بصوتٍ مشحونٍ بجرأةٍ وُلِدتْ منْ رحمِ خوفٍ:
" ربما تظنونني ضعيفةً، لكنْ إنِ اقتربتُم ستقابلونَ نهايتَكُم."
فجأةً، ضربَها أحدُهمْ منَ الخلفِ بقوةٍ، ولمْ تستطعِ النهوضَ بعدها.
........
تستيقظُ نورُ في مكانٍ مظلمٍ جداً، تنظرُ لوجوهِهمْ واحداً تلوَ الآخرِ، ثمَّ أردفتْ بنبرةٍ تمتلئُ برنينِ الإصرارِ، وصوتٍ رزينٍ، محاولةً التخفيفَ منْ أيِّ ضعفٍ في حنجرتِها : " ما هدفُكُم؟"
يمشي جاسرٌ بثقةٍ عارمةٍ، ثمَّ يردفُ بنبرةٍ قاطعةٍ، وكأنَّهُ يضعُ المسمارَ الأخيرَ للمعركةِ:
"خطأُكُم الوحيدُ أنَّكُم تعلمونَ مَنْ هوَ أقوى شخصٍ في عالمِنا، ماذا نفعلُ؟ وأختُكِ نقطةُ ضعفِهِ؟"
ابتسمتْ بثقةٍ، ثمَّ أردفتْ بصوتٍ يقطرُ بروداً قاطعاً، وحروفٍ كفحيحٍ ينذرُ بعاصفةٍ :
" لوْ كانتْ تعلمُ أنني هنا، لما كانتِ النتيجةُ جيدةً، أنصحُكُم أنْ تتركوني، إذا لمْ تريدوا الموتَ."
أردفَ بصوتٍ مشحونٍ بكلِّ وحشيةٍ، حروفُهُ جافةٌ كأرضٍ محترقةٍ، كبرياؤُهُ مسمومٌ :
" أنا لا أخافُ منْ شيءٍ، هلْ تهدديني بفتاةً ضعيفةً؟ أنا منْ عالمٍ قاسٍ وعديمِ شفقةٍ بالفعلِ."
كانَ يعلمُ رقمَها بالفعلِ، وكلَّ شيءٍ منَ الرجالِ الذينَ استعانَ بهمْ، ثمَّ أمرَ رجالَهُ بلهجةٍ آمرةٍ لا تقبلُ أيَّ تراجعٍ : " الآنَ عليَّ الاتصالُ بها.. أصْمِتوها."
كانتْ منهمكةً بالبحثِ عنْ أختِها، جاءَها اتصالٌ بهذا الوقتِ، أجابتْ عليهِ.. قالَ لها بنبرةٍ تحملُ ثقلاً، وكأنَّهُ يضعُ سكيناً على عنقِ الحوارِ الذي يخوضُهُ:
" إذا كنتِ تبحثينَ عنْ أختِكِ، فهيَ لدينا، عليكِ المجيءُ لنتركَها، هلْ فهمتِ؟"
قالتْ بثقةٍ، وغضبٌ يملؤُها، لمْ تعدِ الفتاةَ التي لا تؤذي أحداً، كأنَّها فقدتْ وعيَها بهذهِ اللحظةِ بالذاتِ، خرجتْ كلُّ كلمةٍ منها كفحيحِ أفعى جُرحتْ تتوعدُ بانتقامٍ:
" هلْ تعتقدونَ أنَّكُم ستفرحونَ وتكسبونَ؟ ستندمونَ على ما فعلتُموهُ بي."
قالتْ هذا، وأغلقتِ الهاتفَ في وجهِهِ، ثمَّ سارتْ إلى العنوانِ الذي أخبروها بهِ.
أردفَ جاسرٌ بنبرةٍ مشحونةٍ بلذةِ اقتناصٍ، وبصوتٍ أجشَّ يحملُ حقداً قديماً جداً، وكأنَّهُ صيادٌ وجدَ فريسةً: "انظروا مَنْ جاءَ! الشخصُ الذي هلكْنا ونحنُ نبحثُ عنهُ."
ينظرُ لها، وترتسمُ على ملامحِهِ ابتسامةٌ تحملُ سخريةً، ثمَّ يردفُ بنبرتِهِ المسمومةِ، تفيضُ بالتهكمِ وتحملُ في طياتِها إهانةً مغلفةً بالمديحِ :
" لكنْ لأقولَ الصراحةَ.. ذوقُ زعيمِنا ليسَ سيئاً."
خرجتِ الحروفُ منها قويةً كوقعِ رصاصٍ، تضعُ حداً لهمْ : "اتركُوها.. عملُكُم معي."
قالَها بنبرةٍ متهكمةٍ، وكأنَّ الأختَ لمْ يكنْ دورُها سوى طعمٍ، وهوَ كذلكَ :
" اتركُوها.. مَعَها حقٌّ، عملُنا معَها فقطْ."
نظرتُها لأختِها كانتْ خاطفةً، لتختصرَ خوفَها وحبَّها، وكأنَّها تقولُ لها بتلكَ النظرةِ:
" اذهبي، لنْ يحدثَ شيءٌ."
نورُ تعلمُ أنَّها لنْ تتركَهُم هكذا، وهيَ قويةٌ، ربما أقوى منها حتى، لهذا ذهبتْ دونَ الرجوعِ إلى الوراءِ.
أردفَ جاسَر بصوتٍ أجشَّ يقطرُ قسوةً، تحملُ كمْ ثَقُلتْ عليهِ المطاردةُ، يرمقُها بنظرةٍ ثاقبةٍ، وكأنَّهُ يقرأُ نهايتَها بالملامحِ : "جيدٌ.. أخيراً استطعنا إلقاءَ القبضِ عليها."
أردفتْ أليفُ بنبرةٍ مرتفعةٍ، يغلفُها كبرياءٌ جريحٌ، صوتُها كانَ ثابتاً، لمْ تهزَّهُ أيُّ قيودٍ، ولا نظراتُ مَنْ أمامَها، كانَ يحملُ رنينَ فولاذٍ يقسمُ بالانتقامِ:
" هذا اللقاءُ سيكلفُكَ الكثيرَ.. وربما ستندمُ."
يسألُ جاسرٌ، وكأنَّهُ يستمعُ لفتاةٍ صغيرةٍ تحاولُ أنْ تجعلَ قلبَهُ يرتعشُ، معَ ابتسامةٍ باردةٍ:
"مثلَ ماذا؟"
أمسكتِ السكينَ، وطعنتْهُ بهدوءٍ قاتلٍ، دونَ أنْ ترمشَ حتى.. خرجتِ الكلماتُ منها كطلقةِ رصاصٍ أصابتْ كبرياءَهُ قبلَ جسدِهِ : " روحُكَ."
عدنا بعد غياب طويل قرّائي 😭
ما رأيكم بالفصل؟ هل كان قد توقّعاتكم؟
ماذا سيحصل لأليف بسبب ما قامت به؟ 💔
هل توقّعتم أن تتصرف بهذا الشكل؟ 🤔
إلى ماذا ستؤول الأحداث؟
اشتقت لتعليقاتكم... أعطوني رأيكم بكل صدق! 💖
Evyra6