الفصل الثاني : التقاء ما بين عوالم مختلفة
"في عالمنا لا وجود للشفقة والضعف، عليك القسوة والقوة لتصمد."
كَانَتْ مَلِيئَةً بِالهُمُومِ، عَلَى وَشْكِ الِانْفِجَارِ كَالبُرْكَانِ؛ ذَهَبَتْ وَكَانَتْ عَلَى وَشْكِ إِلْقَاءِ نَفْسِهَا مِنْ حَافَةِ طَرِيقٍ مَا، تَوَقَّفَتْ دَقِيقَتَيْنِ لِتُفَكِّرَ فِي العَوَاقِبِ.. وَعِنْدَمَا أَوْشَكَتْ عَلَى الوُقُوعِ دُونَ انْتِبَاهٍ، يُمْسِكُهَا وَيَسْحَبُهَا بِجَانِبِهِ!
نَظَرَتْ لَهُ بِذُهُولٍ، وَهِيَ تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا المَهْدُورَةَ بِصُعُوبَةٍ، صَرَخَتْ بِارْتِيَابٍ:
"مَاذَا تَفْعَلُ؟!"
أَرْخَى قَبْضَتَهُ عَنْ يَدِهَا بِبُرُودٍ وَثِقَةٍ، صَوْبَ عَيْنَيْهِ عَلَيْهَا بِنَظْرَةٍ غَامِضَةٍ قَائِلاً:
"أَنْقَذْتُكِ.. هَذَا المُقَابِلُ؟"
اعْتَدَلَتْ وَقْفَتُهَا، حَاوَلَتْ جَاهِدَةً إِخْفَاءَ ارْتِعَاشِ يَدِهَا خَلْفَ ظَهْرِهَا، رَمَقَتْهُ بِنَظْرَةٍ مُتَهَكِّمَةٍ كَأَنَّهَا تَسْتَنْكِرُ وُجُودَهُ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ يَقْطُرُ سُخْرِيَةً وَاضِحَةً :
"أَنَا لَمْ أَطْلُبْ مُسَاعَدَتَكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ بَطَلٌ خَارِقٌ؟ مَلَاكُ خَيْرٍ؟"
خَفَّتْ حِدَّةُ نَظَرَاتِهِ، حَلَّ مَكَانَهَا مَزِيجٌ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالهُدُوءِ الرَّصِينِ، اقْتَرَبَ مِنْهَا خُطْوَةً وَاحِدَةً جَعَلَتِ الهَوَاءَ يَتَجَمَّدُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ هَزَّتْ هَيْئَتَهَا الثَّابِتَةَ المُصْطَنَعَةَ :
"كُنْتِ تُحَاوِلِينَ إِنْهَاءَ حَيَاتِكِ، وَأَنْقَذْتُكِ، هَكَذَا تُعَامِلِينَنِي؟"
اشْتَعَلَتْ عَيْنَاهَا بِشَرَارَةِ غَضَبٍ مَمْزُوجٍ بِمَرَارَةٍ، رَفَعَتْ رَأْسَهَا لِتُوَاجِهَ نَظَرَاتِهِ الثَّابِتَةَ، قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ حَاوَلَتْ جَاهِدَةً أَنْ تَجْعَلَهُ صَلْباً كَحَجَرٍ :
"لَمْ أَكُنْ أُحَاوِلُ، وَحَتَّى لَوْ قَرَّرْتُ هَذَا، إِذَا أَرَدْتُ المَوْتَ.. مَنْ أَنْتَ لِتَمْنَعَنِي؟"
لَمْ تَتَزَحْزَحْ نَظَرَاتُهُ عَنْهَا، بَلْ زَادَتْ حِدَّةً كَأَنَّهُ يَقْرَأُ صَفْحَةً مَطْوِيَّةً مِنْ أَعْمَاقِهَا، تَنَهَّدَ بِبُطْءٍ، ثُمَّ أَلْقَى كَلِمَاتِهِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى قَلْبِهَا كَصَاعِقَةٍ :
"مَاذَا حَصَلَ مَعَكِ؟ الإِنْسَانُ لَا يَذْهَبُ لِلمَوْتِ بِقَدَمِهِ دُونَ سَبَبٍ!"
اشَاحَتْ بِوَجْهِهَا بَعِيداً عَنْهُ، تَحَاوَلُ اسْتِجْمَاعَ مَا تَبَقَّى مِنْ شَتَاتِ كِبْرِيَائِهَا، أَرْدَفَتْ بِلهْجَةٍ حَادَّةٍ تَحْمِلُ طَرْداً صَرِيحاً : "لَا يَعْنِيكَ.. مَا هَذَا التَّطَفُّلُ عَلَى حَيَاةِ غَيْرِكَ؟ اهْتَمَّ بِذَاتِكَ، وَارْحَلْ
رَمَقَهَا بِنَظْرَةٍ هَادِئَةٍ اخْتَرَقَتْ جِدَارَ دِفَاعِهَا، لَمْ تَظْهَرْ عَلَى مَلَامِحِهِ أَيُّ عَلَامَاتِ انْزِعَاجٍ مِنْ كَلِمَاتِهَا القَاسِيَةِ، بَلْ قَالَ بِصَوْتٍ رَصِينٍ كَأَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الجُرْحِ تَمَاماً:
"أُحَاوِلُ فَهْمَكِ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ لَدَيْكِ مُشْكِلَةً فِي الثِّقَةِ!"
أَجَابَتْ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ، نَظْرَةٌ تَمْلَؤُهَا سُخْرِيَةٌ، كَأَنَّهَا تَقْذِفُ حَقِيقَتَهُ فِي وَجْهِهِ بَعْدَمَا تَجَرَّأَ عَلَى كَشْفِهَا:
"وَأَنْتَ لَدَيْكَ مُشْكِلَةٌ فِي التَّدَخُّلِ بِكُلِّ شَيْءٍ!"
تَرَاجَعَ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ، مَنَحَهَا مِسَاحَةَ تَنَفُّسٍ، لَكِنَّ عَيْنَاهُ بَقِيَتَا تُحَاصِرُهَا، ثُمَّ تَحَدَّثَ بِصَوْتٍ رَزِينٍ هَادِئٍ، جَرَّدَ فِيهِ المَوْقِفَ مِنْ كُلِّ دِرَامَا مُبَالَغٍ فِيهَا :
"حَسَنًا، هَلْ يُمْكِنُنِي التَّكَلُّمُ؟ لَمْ أُرِيدْ أَنْ تَمُوتَ امْرَأَةٌ أَمَامِي وَلَا أَفْعَلَ شَيْئًا.. لَسْتُ مَلَاكَ خَيْرٍ، وَبِالتَّأْكِيدِ لَسْتُ بَطَلًا، لَكِنَّكِ لَسْتِ كَذَلِكَ أَيْضًا."
سَقَطَتْ أَسْلِحَتُهَا الدِّفَاعِيَّةُ أَمَامَ هُدُوئِهِ، تَلَاشَتْ حِدَّةُ عَيْنَيْهَا لِتَحُلَّ مَكَانَهَا نَظْرَةٌ تَائِهَةٌ مُنْكَسِرَةٌ، خَفَضَتْ صَوْتَهَا لِدَرَجَةِ الهَمْسِ، وَسَأَلَتْ وَكَأَنَّهَا تَخْشَى سَمَاعَ إِجَابَتِهِ : "مَاذَا تَقْصِدُ بِكَلَامِكَ هَذَا؟"
هَدَأَتْ مَلَامِحُهُ، اعْتَلَتْ عَيْنَاهُ نَظْرَةٌ حَانِيَةٌ، خَفَضَ مُسْتَوَاهُ قَلِيلاً لِيُصْبِحَ فِي ذَاتِ مُسْتَوَى عَيْنَيْهَا التَّائِهَةِ، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ دَخَلَ فِي أَعْمَاقِ رُوحِهَا :
"هَلْ.. تَظُنِّينَ نَفْسَكِ بَطَلَةً؟ هَلْ تَعِبْتِ مِنَ الحَيَاةِ؟ يُمْكِنُكِ البُكَاءُ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِتَرْتَاحِي.. مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَكُونِي قَوِيَّةً، لَكِنَّ القُوَّةَ لَا تَعْنِي عَدَمَ البُكَاءِ، بَلِ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الحَيَاةِ."
انْكَسَرَتْ نَبْرَتُهَا الحَادَّةُ لِتَتَحَوَّلَ لِهَمْسٍ مَخْنُوقٍ، أَطْرَقَتْ رَأْسَهَا تَشْعُرُ بِثِقَلِ السِّنِينَ يَنْهَالُ عَلَى كَتِفِهَا، ثُمَّ اعْتَرَفَتْ بِمَرَارَةٍ سَكَنَتْ مَلَامِحَهَا مُنْذُ مُدَّةٍ بَعِيدَةٍ :
"أَعْتَذِرُ، صَرَخْتُ عَلَيْكَ بِعَدَمِ تَفَهُّمٍ.. نَعَمْ، أَنَا مُرْهَقَةٌ.. أَنَا فَتَاةٌ وَحِيدَةٌ، لَيْسَ لَدَيَّ أَحَدٌ.. عِشْنَا أَنَا وَإِخْوَتِي فِي الشَّارِعِ، وَاجَهْنَا صُعُوبَاتٍ، لَكِنْ لَمْ أَسْمَحْ لِهَذَا أَنْ يَهْدِمَنِي."
اقْتَرَبَ خُطْوَةً أُخْرَى، لَكِنَّهَا كَانَتْ خُطْوَةً حَذِرَةً كَأَنَّهُ يَخْشَى كَسْرَ صَمْتِ المَكَانِ، رَكَّزَ نَظَرَاتِهِ الثَّاقِبَةَ فِي عَيْنَيْهَا الهَارِبَةِ، سَأَلَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ يَحْمِلُ اهْتِمَاماً لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يُخْفِيَهُ :
"مَا الَّذِي.. هَدَمَكِ؟"
خَرَجَتِ الكَلِمَاتُ مِنْهَا مُثْقَلَةً بِمَرَارَةِ السِّنِينَ، ارْتَجَفَتْ يَدُهَا وَهِيَ تَسْتَعِيدُ طَعْنَةً لَمْ تَنْدَمِلْ آثَارُهَا بَعْدُ، ثُمَّ هَمَسَتْ بِصِدْقٍ جَارِحٍ تَنْظُرُ لِلْفَرَاغِ :
"صَدِيقَةٌ أَحْبَبْتُهَا كَثِيراً خَذَلَتْ ثِقَتِي، كَخِنْجَرٍ طُعِنَ فِي رُوحِي قَبْلَ قَلْبِي.. لَمْ أَعُدْ أَثِقُ بِأَحَدٍ."
تَنَهَّدَ بِعُمْقٍ، كَأَنَّ كَلِمَاتِهَا لَمَسَتْ جَانِباً مُظْلِماً فِي ذَاكِرَتِهِ أَيْضاً، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الأَرْضِ قَبَالَتَهَا بِكُلِّ هُدُوءٍ؛ لِيَرْفَعَ عَنْهَا عِبْءَ النَّظَرِ لِلأَعْلَى، بَدَأَ يَتَحَدَّثُ بِنَبْرَةٍ تَمْزُجُ مَا بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالمُوَاسَاةِ :
"كُنْتُ عَلَى حَقٍّ، مُشْكِلَةٌ فِي الثِّقَةِ بِالنَّاسِ.. لَكِنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ كَوْنَكِ طِفْلَةً مِنَ الشَّارِعِ. الحَيَاةُ تَحْتَاجُ قُوَّةً، تَحْتَاجُ صُمُوداً، تَحْتَاجُ الثِّقَةَ.. وَاجَهْتِ أَوَّلَ اخْتِبَارٍ، كَيْفَ لَكِ المَعْرِفَةُ قَبْلَ أَنْ تُحَاوِلِي؟
مَدَّ لَهَا يَدَهُ بِتَرَدُّدٍ بَسِيطٍ قَبْلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ، مُحْتَرِمًا المَسَاحَةَ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ نَهَضَ وَنَفَضَ الغُبَارَ عَنْ مَلَابِسِهِ بِتَمَهُّلٍ، نَظَرَ لَهَا بِعَيْنَيْنِ تَعْكِسَانِ عَهْدًا جَدِيدًا مِنَ الِاحْتِرَامِ، سَأَلَ بِرِفْقٍ :
"هَلْ تُرِيدِينَ أَنْ أُوصِلَكِ إِلَى المَنْزِلِ؟"
نَهَضَتْ هِيَ الأُخْرَى بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ رَشِيقَةٍ، كَأَنَّهَا تَنْفُضُ عَنْ كَاهِلِهَا لَحْظَةَ انْكِسَارِ تِلْكَ، اسْتَعَادَتْ تَوَازُنَهَا، وَقَفَتْ بِشُمُوخٍ أَمَامَهُ، ثُمَّ أَجَابَتْ بِكَلِمَاتٍ قَاطِعَةٍ مُغَلَّفَةٍ بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَ الِامْتِنَانِ الصَّامِتِ :
"أَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بِنَفْسِي.. لَا دَاعِيَ لِذَلِكَ."
أَوْمَأَ رَأْسَهُ بِهُدُوءٍ، رَسَمَ عَلَى مَلَامِحِهِ نِصْفَ ابْتِسَامَةٍ لَمْ تَصِلْ لِعَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ بَقِيَتَا تُرَاقِبَانِ ثَبَاتَهَا الَّذِي لَا يَهْتَزُّ بِإِعْجَابٍ مِخْفِيٍّ، ثُمَّ اسْتَدَارَ بِبُطْءٍ لِيُعْطِيَهَا المِسَاحَةَ الَّتِي طَلَبَتْهَا، تَحَدَّثَ بِصَوْتٍ رَزِينٍ لَا يَحْمِلُ ضَغْطاً وَلَا عِتَاباً : "حَسَنًا.. كَمَا تُرِيدِينَ.. أَنَا ذَاهِبٌ."
تَوَقَّفَتْ خُطُوَاتُهَا فَجْأَةً قَبْلَ أَنْ تَبْتَعِدَ، شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ غَرِيبَةٍ فِي كَسْرِ حَاجِزِ الغُمُوضِ الَّذِي يُحَاوِطُهُ، التَفَتَتْ نَحْوَهُ بِنَظْرَةٍ هَادِئَةٍ اسْتَقَرَّتْ عَلَى ظَهْرِهِ المُسْتَدِيرِ لِلرَّحِيلِ، ثُمَّ نَادَتْهُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَرَدُّداً لَمْ تَعْهَدْهُ فِي ذَاتِهَا مِنْ قَبْلُ : "مَا اسْمُكَ؟ لِكَيْ أَعْلَمَ كَيْفَ.. أُخَاطِبُكَ."
التَفَتَ نَحْوَهَا بِبُطْءٍ، رَسَمَ عَلَى مَلَامِحِهِ هُدُوءاً غَامِضاً وَهُوَ يَضَعُ يَدَيْهِ فِي جُيُوبِ مِعْطَفِهِ الأَسْوَدِ مِثْلَ لَيَالِيهِ، نَظَرَ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ اخْتَرَقَتْ تَرَدُّدَهَا، ثُمَّ نَطَقَ بِاسْمِهِ وَكَأَنَّهُ يَمْنَحُهَا مِفْتَاحَ لُغْزٍ طَالَ انْتِظَارُهُ :
"أَظُنُّ أَنَّكِ لَنْ تَحْتَاجِيهِ.. لَكِنْ لِأَقُلْ: أَرْكَان.. وَأَنْتِ؟"
رَفَعَتْ رَأْسَهَا بِشُمُوخٍ، التَقَتْ نَظَرَاتُهَا بِنَظَرَاتِهِ فِي مُوَاجَهَةٍ أَخِيرَةٍ صَامِتَةٍ، مَعَ انْعِكَاسِ ضَوْءِ المِصْبَاحِ البَعِيدِ فِي عَيْنَيْهَا الَّتِي بَدَتْ مِقْلَتَاهَا كَقِطْعَتَيْنِ مِنَ العَنْبَرِ المُذَابِ تَفِيضَانِ بِدِفْءٍ غَامِضٍ رَغْمَ حِدَّتِهِمَا، ثُمَّ نَطَقَتْ بِاسْمِهَا بِصَوْتٍ اسْتَعَادَ رَنِينَهُ السَّابِقَ :
"اسْمِي.. أَلِيف."
ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ هَادِئَةٌ، نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ تَشْبَهَانِ غَابَةً كَثِيفَةً تَاهَ فِيهَا ضَوْءُ القَمَرِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ دَافِئٍ وَهُوَ يَبْتَعِدُ :
"يَلِيقُ بِكِ هَذَا الِاسْمُ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ لِمَرَّةٍ أَخِيرَةٍ، شَعَرَتْ أَنَّ الكَلِمَاتِ لَمْ تَعُدْ كَافِيَةً لِتَصِفَ مَا أَحْدَثَهُ هَذَا الغَرِيبُ بِرُوحِهَا خِلَالَ دَقَائِقَ، خَرَجَتْ حُرُوفُهَا مُحَمَّلَةً بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
"شُكْرًا لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، أَتَمَنَّى لَوْ نَلْتَقِي مَرَّةً أُخْرَى."
تَوَقَّفَ لِثَانِيَةٍ، لَمْ يَلْتَفِتْ تَمَاماً بَلْ أَمَالَ رَأْسَهُ قَلِيلاً، كَانَ صَوْتُهُ يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مُمْتَزِجٍ بِهُدُوءِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَلْقَى جُمْلَتَهُ الغَامِضَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ أَثَرُهُ فِي الظَّلَامِ الحَالِكِ:
"لَا تَدْرِينَ مَاذَا يَحْدُثُ فِي الدُّنْيَا."
تَنَهَّدَتْ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَنْشِقُ قُوَّةً مِنْ هَوَاءِ اللَّيْلِ البَارِدِ، مَسَحَتْ بَقَايَا الدُّمُوعِ عَنْ مَلَامِحِ وَجْهِهَا بِعَزِيمَةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ هَمَسَتْ لِذَاتِهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ لَكِنَّهُ صُلْبٌ كَفُولَاذٍ، قَبْلَ أَنْ تَنْطَلِقَ رَكْضاً وَكَأَنَّهَا تُسَابِقُ الزَّمَنَ:
"يَجِبُ عَلَيْنَا الِاسْتِمْرَار.. هَيَّا لِنُكْمِلَ رِحْلَةَ التَّحَدِّيَاتِ الخَاصَّةَ بِنَا."
.......
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، حَيْثُ كَانَتْ أَلِيفُ جَالِسَةً تُجَهِّزُ الطَّعَامَ لِإِخْوَتِهَا، انْتَزَعَتْهَا حَرَكَةُ "نُور" المُفَاجِئَةُ لَهَا مِنْ أَفْكَارِهَا المُتَلَخْبِطَةِ الَّتِي لَا تَعْلَمُ عَنْهَا.
اقْتَرَبَتْ نُورُ مِنْ أُخْتِهَا أَلِيفَ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ مُتَرَدِّدَةٍ، مَالَ رَأْسُهَا نَحْوَ أُذُنِهَا لِتُبْقِيَ حَدِيثَهُمَا فِي حَيِّزِ الضِّيقِ، كَانَتْ مَلَامِحُهَا مَشْدُودَةً قَلِقَةً، عَيْنَاهَا تَلْتَفِتُ حَوْلَهَا وَكَأَنَّهَا تَخْشَى الجُدْرَانَ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ فَشَلٍ لَا تَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هِيَ الَّتِي عَزَمَتْ دُونَ أَنْ يَطْلُبَ أَحَدٌ مِنْهَا :
"هَلْ تَعْلَمِينَ؟.. لَمْ أَجِدْ أَثَرًا."
تَوَقَّفَتْ يَدُهَا الَّتِي كَانَتْ تَقْطَعُ الخُبْزَ فَجْأَةً، بَقِيَتِ السِّكِّينُ فِي الهَوَاءِ لِثَوَانٍ، رَمَشَتْ بِعَيْنَيْهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ طَرْدَ ضَبَابِ أَفْكَارِهَا الغَائِبَةِ، ثُمَّ التَفَتَتْ نَحْوَ نُورٍ بِنَظْرَةٍ فَارِغَةٍ فِي البِدَايَةِ، قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ بِصَوْتٍ تَمْلؤُهُ اسْتِغْرَابٌ :
"عَنْ مَاذَا؟"
ضَاقَتْ عَيْنَا نُورٍ مِنَ الشُّعُورِ، وَاقْتَرَبَتْ أَكْثَرَ تَضْغَطُ عَلَى حُرُوفِهَا لِتُوقِظَ أُخْتَهَا مِنْ غِيَابِهَا، ثُمَّ هَمَسَتْ بِحِدَّةٍ يَعْتَلِيهَا عَتَبٌ:
"عَائِلَتُكِ، مَنْ سَيَكُونُ غَيْرَهُمْ؟"
سَكَنَتْ حَرَكَةُ أَلِيفَ تَمَاماً، شَعَرَتْ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي بِأَطْرَافِهَا رَغْمَ حَرَارَةِ المَطْبَخِ، ثُمَّ سَأَلَتْ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الغَضَبِ وَالأَلَمِ:
"لِمَاذَا تَسْتَمِرِّينَ بِالبَحْثِ عَنْ عَائِلَتِي؟ أَنَا لَا أُرِيدُ ذَلِكَ. لِمَاذَا أَبْحَثُ عَنْ نَاسٍ تَرَكُونِي لِوَحْدِي فِي الشَّارِعِ؟"
صَوَّبَتْ نُورُ عَيْنَيْهَا عَلَيْهَا بِنَظْرَةٍ هَادِئَةٍ، حَاوَلَتْ فِيهَا امْتِصَاصَ غَضَبِ أُخْتِهَا، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ التَّسَاؤُلِ وَالأَمَلِ :
"مَا أَدْرَاكِ؟ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ. غَيْرَ هَذَا، يُوجَدُ الكَثِيرُ مِنَ المَيَاتِمِ، لِمَاذَا لَمْ يَتْرُكُوكِ هُنَاكَ؟"
أَنْزَلَتْ أَلِيفُ رَأْسَهَا، غَرَزَتِ السِّكِّينَ بِقِطْعَةِ الخُبْزِ بِقُوَّةٍ كَأَنَّهَا تُفَرِّغُ خَوْفَهَا فِيهَا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ يَخْنُقُهُ البُكَاءُ :
"إِذًا هُمْ عَدِيمُو الضَّمِيرِ لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ؟ تَتَحَدَّثِينَ عَنْ احْتِمَالٍ صَغِيرٍ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ التَّعَرُّضَ لِخَيْبَةِ أَمَلٍ بِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، أَرْجُوكِ لَا تَضْغَطِي عَلَيّ."
..........
كَانَ أَرْكَانُ جَالِساً فِي زَاوِيَتِهِ المُفَضَّلَةِ مِنَ المَكْتَبِ، يَنْظُرُ لِلأُفُقِ بِنَظْرَةٍ غَامِضَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَحِمَ جَاسِرُ الهُدُوءَ بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ، فَرَفَعَ أَرْكَانُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَسَأَلَهُ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ مُخْتَصِرَةٍ :
"مَاذَا تُرِيدُ؟"
ارْتَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِ جَاسِرَ ابْتِسَامَةٌ جَانِبِيَّةٌ بَارِدَةٌ، يَتَقَدَّمُ لِيَسْتَنِدَ بِطَرَفِ يَدِهِ عَلَى طَاوِلَةِ المَكْتَبِ، نَاظِراً فِي عَيْنَيْ أَرْكَانَ بِتَحَدٍّ صَرِيحٍ، يَنْطِقُ بِكَلِمَاتٍ تَنْفُثُ السُّمَّ بَيْنَ ثَنَايَاهَا :
"لَا شَيْءَ، أُرِيدُ أَنْ أُذَكِّرَكَ فَقَطْ أَنَّ هَذَا العَالَمَ لَا يَتَحَمَّلُ أَصْحَابَ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ مِثْلَكَ."
نَهَضَ أَرْكَانُ مِنْ مَقْعَدِهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، مِمَّا جَعَلَ جَاسِرَ يَتَرَاجَعُ لِلخَلْفِ لَا إِرَادِيّاً، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهُ حَتَّى لَمْ تَبْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا سَنْتِيمِتْرَاتٌ، وَنَطَقَ بِفَحِيحٍ يُشْبِهُ هَدِيرَ العَاصِفَةِ:
"لِأَنَّنِي لَا أَمَسُّ طِفْلاً أَوْ امْرَأَةً أَصْبَحْتُ ضَعِيفَ الشَّخْصِيَّةِ؟ رَائِعٌ. لِأَقُلْ هَذَا لَكَ أَيُّهَا المُتَكَبِّرُ : لَوْ تَعْلَمُ مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ بِكَ، سَتَرْكُضُ خَائِفاً، وَرِجَالُكَ لَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ."
ضَحِكَ جَاسِرُ بِمَرَارَةٍ حَاوَلَ أَنْ يُخْفِيَهَا، وَهُوَ يَعْدِلُ سُتْرَتَهُ بِارْتِبَاكٍ، ثُمَّ سَأَلَ بِنَبْرَةٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلاً:
"هَلْ تُهَدِّدُنِي؟"
رَمَقَهُ أَرْكَانُ بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ التَّعْبِيرِ، وَرَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ نِصْفَ ابْتِسَامَةٍ سَاخِرَةٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِهُدُوءٍ يَبُثُّ رُعْبًا : "لَا، هَذَا تَحْذِيرٌ صَغِيرٌ. لَكِنْ تَذَكَّرْ، أَنَا لَا أُهَدِّدُ، أَنَا أَفْعَلُ."
عَدَّلَ جَاسِرُ وَقْفَتَهُ بِتَكَلُّفٍ، حَاوَلَ اسْتِعَادَةَ تِلْكَ النَّبْرَةِ المُتَعَالِيَةِ يَتَّجِهُ نَحْوَ البَابِ، ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ أَرْكَانَ نَطَقَ بِكِبْرِيَاءٍ جَرِيحٍ :
"وَأَنَا سَأُرِيكَ الدُّنْيَا بِكَمْ طَرَفٍ، سَأَجْعَلُكَ تَنْدَمُ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِكَ بِالعَمَلِ مَعِي. بِرَأْيِي لَا تَجْلِسْ هُنَا كَثِيراً، لِكَيْ لَا يَصْعُبَ عَلَيْكَ المُفَارَقَةُ."
اسْتَقَرَّ أَرْكَانُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، نَظَرَاتُهُ تَخْتَرِقُ ظَهْرَ جَاسِرَ المُتَّجِهِ لِلْبَابِ، ثُمَّ نَطَقَ بِصَوْتٍ رَزِينٍ وَنَبْرَةٍ تَسْكُنُهَا سُخْرِيَةٌ قَاتِلَةٌ :
"لَا تُقَصِّرْ بِمَا سَتَفْعَلُهُ، لَكِنْ هَلْ تُدْرِكُ أَنَّكَ تُهَدِّدُ زَعِيمَكَ وَفِي مَكْتَبِهِ؟ يَقُولُونَ إِنَّ الجَرَاءَةَ تَقَعُ عَاجِلاً أَمْ آجِلاً، فَاحْذَرْ.. انْظُرْ، تَحْذِيرٌ ثَانٍ، فِي النِّهَايَةِ لَنْ تَحْصُلَ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى فِعْلٍ."
تَوَقَّفَ جَاسِرُ عِنْدَ عَتَبَةِ البَابِ دُونَ الِالْتِفَافِ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى مُواجَهَةَ عَيْنَيْ أَرْكَانَ مَرَّةً أُخْرَى، نَطَقَ بِنَبْرَةٍ خَبِيثَةٍ تَحْمِلُ تَحْذِيراً مُبَطَّناً:
"اسْتَمِعْ إِلَيَّ جَيِّداً، الحُبُّ نُقْطَةُ ضَعْفٍ فِي عَالَمِنَا، نَصِيحَةٌ مِنِّي لَكَ."
اتَّكَأَ أَرْكَانُ بِظَهْرِهِ عَلَى مَقْعَدِهِ الجِلْدِيِّ بِكُلِّ أَرِيحِيَّةٍ، أَسْنَدَ مِرْفَقَيْهِ عَلَى المَكْتَبِ مُشَبِّكاً أَنَامِلَهُ، ثُمَّ رَدَّ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ لَكِنَّهَا تَقْطُرُ اسْتِهْزَاءً:
"هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّنِي غَبِيٌّ؟ أَنَا أَعْلَمُ هَذَا بِالفِعْلِ، نَصِيحَتُكَ فَارِغَةٌ مِثْلَكَ."
وَقَفَ جَاسِرُ عِنْدَ البَابِ لِثَوَانٍ مَرَّتْ كَأَنَّهَا دَهْرٌ، يَنْظُرُ لِأَرْكَانَ مُطَوَّلاً بِنَظَرَاتٍ مَمْزُوجَةٍ بِالغَيْظِ وَالتَّوَعُّدِ، ثُمَّ زَفَرَ بِغَضَبٍ مَكْتُومٍ، وَرَحَلَ.
ضَرَبَ أَرْكَانُ سَطْحَ مَكْتَبِهِ بِقَبْضَتِهِ بِخِفَّةٍ، نَهَضَ لِيَقِفَ أَمَامَ النَّافِذَةِ الزُّجَاجِيَّةِ الكَبِيرَةِ، يُرَاقِبُ المدِينة بِنَظَرَاتٍ حَادَّةٍ، بَيْنَمَا كَلِمَاتُ جَاسِرَ تَتَرَدَّدُ بِعَقْلِهِ بِمَرَارَةٍ تَامَّةٍ :
"مَاذَا يَقْصِدُ؟ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ كَهَذَا، وَلَوْ كَانَ، لَنْ أَسْمَحَ لَهُ بِاسْتِغْلَالِهِ. يَجِبُ عَلَيَّ السَّيْطَرَةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَنْ أَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِأَنْ يُوقِعَنِي."
التَفَتَ أَرْكَانُ عَنِ النَّافِذَةِ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، رَفَعَ صَوْتَهُ الرَّزِينَ يُنَادِي يَدَهُ اليُمْنَى وَأَخِيهِ، وَمَا إِنْ دَخَلَ آسِرُ حَتَّى ثَبَّتَ نَظَرَاتِهِ عَلَيْهِ بِتَوَتُّرٍ لَمْ يُعْهَدْ عَلَيْهِ :
"هَلْ أَنْهَيْتُمُ العَمَلَ؟"
تَقَدَّمَ آسِرُ بِخُطْوَةٍ هَادِئَةٍ، رَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِ وَجْهِهِ تِلْكَ المَعَالِمَ الوَاثِقَةَ الَّتِي امْتَصَّتْ غَضَبَ أَرْكَانَ، ثُمَّ أَجَابَهُ بِنَبْرَةٍ صَادِقَةٍ تَمْلَؤُهَا مَوَدَّةٌ أَخَوِيَّةٌ :
"كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، لَا تَقْلَقْ أَخِي."
هَزَّ أَرْكَانُ رَأْسَهُ بِمُوَافَقَةٍ حَذِرَةٍ، عَادَتْ مَلَامِحُهُ لِلصَّرَامَةِ يُصْدِرُ أَوَامِرَهُ، بَيْنَمَا رَدَّ آسِرُ بِتِلْكَ النَّبْرَةِ الَّتِي تَمْلَؤُهَا غُصَّةٌ وَوَفَاءٌ :
"عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَا خُطْوَتُهُ التَّالِيَةُ، كُونُوا مُسْتَعِدِّينَ، أَظُنُّ أَنَّهُ يُخَطِّطُ لِشَيْءٍ كَبِيرٍ."
"يَا أَخِي، نَحْنُ هَكَذَا مُنْذُ البِدَايَةِ، لَمْ تُعَامِلْنَا كَأَنَّنَا عُمَّالٌ لَدَيْكَ. فَقَطْ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ: أَنْتَ تَعْلَمُ كَمْ قَسْوَةُ هَذَا العَالَمِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
رُسِمَتْ عَلَى مَلَامِحِ أَرْكَانَ ابْتِسَامَةٌ جَانِبِيَّةٌ بَاهِتَةٌ، وَفِي عَيْنَيْهِ لَمْعَةُ ذَكَاءٍ حَادَّةٍ، بَيْنَمَا رَدَّ بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ تَمْلَؤُهَا خِبْرَةٌ : "كُنْ ذَكِيّاً قَلِيلاً يَا أَخِي، هَلْ سَأَدْخُلُ لِعَالَمٍ دُونَ أَنْ أَعْلَمَ طَبِيعَتَهُ؟ بِالطَّبْعِ لَدَيَّ عِلْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِي بِهَذَا."
........
تَسْتَمِرُّ بِالسَّعْيِ دُونَ تَوَقُّفٍ، تَعْمَلُ وَتَدْرُسُ لِتَصِلَ لِلْهَدَفِ. تُحَاوِلُ نُورُ عَدَمَ الضَّغْطِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا تَعْلَمُ كَمْ هِيَ عَنِيدَةٌ، وَلَنْ يَنْفَعَ مَهْمَا تَكَلَّمَتْ.
تَسَلَّلَتْ نُورُ بِخُفَّةٍ نَحْوَ المَكْتَبِ، وَقَفَتْ تُرَاقِبُ الأَوْرَاقَ المَنْثُورَةَ أَمَامَ أَلِيف، ثُمَّ قَطَعَتْ حَبْلَ أَفْكَارِهَا بِنَبْرَةٍ فُضُولِيَّةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكْبَحَهَا :
"إِلَى أَيْن ذَهَبْتِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ؟"
تُزِيحُ خَصَلَاتِ شَعْرِهَا الطَّوِيلِ الَّتِي تَمْنَعُ مَجَالَ رُؤْيَتِهَا، ثُمَّ سَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، تَحْمِلُ خَلِيطاً مِنَ الِاسْتِغْرَابِ الزَّائِفِ وَالتَّجَاهُلِ :
"عَنْ مَاذَا تَتَحَدَّثِينَ؟ أَيُّ يَوْمٍ؟"
سَادَ صَمْتٌ مُفَاجِئٌ، تَوَقَّفَتْ يَدُ أَلِيف عَنِ الكِتَابَةِ تَمَاماً، بَيْنَمَا بَقِيَتْ عَيْنَاهَا مُعَلَّقَةً بِالأَوْرَاقِ، وَنَبَسَتْ نُورُ بِكَلِمَاتِهَا الَّتِي وَقَعَتْ كَالصَّاعِقَةِ عَلَى قَلْبِهَا :
"بَعْدَمَا وَاجَهْتِ الحَادِثَةَ المُؤْلِمَةَ فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، أَيْنَ كُنْتِ؟"
رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَحَاوَلَتْ رَسْمَ نَظْرَةٍ هَادِئَةٍ لَمْ تَخْلُ عَنِ الشُّحُوبِ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مُتَّزِنٍ :
"لِلتَّنَفُّسِ، إِلَى أَيْن سَأَذْهَبُ غَيْرَ هَذَا؟"
ضَيَّقَتْ نُورُ عَيْنَيْهَا بِمَكْرٍ، اقْتَرَبَتْ خُطْوَةً إِضَافِيَّةً لِتُصْبِحَ فِي مُوَاجَهَةِ عَيْنَي أَلِيف مُبَاشَرَةً، ثُمَّ تَمْتَمَتْ بِشَكٍّ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ :
"يُوجَدُ شَيْءٌ آخَرُ بِهَذَا الأَمْرِ، قُولِي الحَقِيقَةَ، مَاذَا تُخْفِينَ عَنِّي؟ وَهَلِ الهَوَاءُ يَكُونُ ثَقِيلاً لِدَرَجَةِ الشُّحُوبِ؟"
أَغْلَقَتْ أَلِيفُ دَفْتَرَهَا بِيَأْسٍ، نَظَرَتْ لِعَيْنَيْ نُور بِثَبَاتٍ مُخِيفٍ خَالٍ مِنْ أَيِّ انْفِعَالٍ، ثُمَّ أَلْقَتْ قُنْبُلَتَهَا الهَادِئَةَ:
"حَسَنًا، تَعْلَمِينَ أَنَّنِي لَا أُحِبُّ الكَذِبَ، كُنْتُ أُفَكِّرُ بِإِنْهَاءِ حَيَاتِي، لَكِنَّنِي تَرَاجَعْتُ بِالنِّهَايَةِ."
اتَّسَعَتْ عَيْنَا نُور بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ، ارْتَجَفَ صَوْتُهَا تَصْرُخُ عَلَى أُخْتِهَا بِعَدَمِ تَصْدِيقٍ :
"مَاذَا؟ كَيْفَ تَفْعَلِينَ شَيْئاً كَهَذَا؟"
أَجَابَتْ أَلِيف بِهُدُوءٍ مُسْتَفِزٍّ، تَعُودُ لِتَرْتِيبِ أَقْلَامِهَا بِلَامُبَالَاةٍ :
"لَمْ أَفْعَلْ، تَرَاجَعْتُ."
ضَمَّتْ نُورُ يَدَيْهَا بَاحِثَةً عَنْ بَقَايَا أَنْفَاسِهَا، وَسَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ مُرْتَجِفَةٍ لَمْ تَسْتَوْعِبْ هَوْلَ المَوْقِفِ أَمَامَهَا:
"كَيْفَ حَصَلَ؟ وَلِمَ تَعُودِي تُرِيدِي فِعْلَهُ؟"
أَجَابَتْ أَلِيفُ وَهِيَ تَنْظُرُ لِأَقْلَامِهَا المُرَتَّبَةِ بِدِقَّةٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْرُدُ قِصَّةً عَابِرَةً لَا تَخُصُّهَا:
"فِي الأَسَاسِ كُنْتُ سَأَسْقُطُ غَيْرَ مُنْتَبِهَةٍ، لَكِنْ أَتَى وَأَنْقَذَنِي، وَكَلَامُهُ أَثَّرَ بِي وَتَرَاجَعْتُ."
غَمَزَتْ نُورُ بِطَرَفِ عَيْنِهَا، وَرَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِهَا المَذْعُورَةِ بَعْضاً مِنَ المَكْرِ، ثُمَّ تَمْتَمَتْ بِفُضُولٍ لَا يَهْدَأُ:
"حَقّاً؟ مَنِ البَطَلُ المَلَاكُ هَذَا؟ أُرِيدُ التَّعَرُّفَ عَلَيْهِ، يُوجَدُ شَيْءٌ عَلَى حَسَبِ مَا أَرَى."
زَفَرَتْ أَلِيفُ بِضِيقٍ مُصْطَنَعٍ، أَمْسَكَتْ كِتَابَهَا بِحَزْمٍ كَإِشَارَةٍ لِانْتِهَاءِ الحِوَارِ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِجِدِّيَّةٍ قَاطِعَةٍ :
"لَا يُوجَدُ، فِي عَالَمِنَا لَا وُجُودَ لِهَذَا، يَجِبُ عَلَيْنَا الصُّمُودُ، لَا التَّرْكِيزُ عَلَى أَشْيَاءَ تَافِهَةٍ مِثْلِ هَذَا، دَعِينِي أَدْرُس، أَحْتَاجُ لِلتَّرْكِيزِ الآنَ."
تَمْتَمَتْ نُورُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ مَزِيجاً مَا بَيْنَ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِسْلَامِ المُؤَقَّتِ، ثُمَّ ابْتَعَدَتْ خُطُوَاتٍ عَنِ المَكْتَبِ، تَقُولُ بِصَوْتٍ يَحْوِي هُدْنَةً مُؤَقَّتَةً :
"حَسَناً أُخْتِي، أَمْرُكِ."
..........
اتَّكَأَ آسِرُ بِمَيَلَانٍ عَلَى إِطَارِ بَابِ المَكْتَبِ، يُرَاقِبُ أَخَاهُ مِنْ خُطُوَاتٍ بَعِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلَهُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ لَمْ تَخْلُ عَنْ غَمْزَةٍ مُسْتَتِرَةٍ فِي صَوْتِهِ :
"أَخِي، مَنْ هَذِهِ الفَتَاةُ الَّتِي قَدْ سَارَعْتَ بِالنُّزُولِ لِإِنْقَاذِهَا ذَلِكَ اليَوْمِ؟"
أَزَاحَ أَرْكَانُ نَظَرَهُ عَنِ الأَوْرَاقِ أَمَامَهُ، سَكَنَتْ مَلَامِحُهُ بِيَقِينٍ هَادِئٍ، أَجَابَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ المَوْقِفِ :
"لِنَقُلْ إِنَّهَا فَتَاةٌ عَانَتْ، وَصَلَتْ إِلَى نِهَايَتِهَا، وَامْتَلَأَ كَأْسُهَا بِالأَلَمِ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيَّ إِيقَافُهَا عَنْ ارْتِكَابِ خَطَأٍ فَادِحٍ جِدّاً."
رَفَعَ آسِرُ حَاجِبَيْهِ بِتَعَجُّبٍ، رَسَمَ عَلَى ثَغْرِهِ ابْتِسَامَةً سَاخِرَةً اقْتَحَمَتْ هُدُوءَ المَكَانِ، ثُمَّ نَطَقَ بِمَا جَعَلَ أَرْكَان يَتَوَقَّفُ عَنْ تَفْكِيرِهِ :
"مَا شَأْنُكَ؟ هَذِهِ حَيَاتُهَا أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
خَفَضَ أَرْكَانُ رَأْسَهُ قَلِيلاً، تَلاشَتْ مَلَامِحُ الصَّرَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا غَيْمَةُ شَجَنٍ، ثُمَّ هَمَسَ وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ ذَاتَهُ:
"وَهِيَ قَالَتْ هَذَا بِالتَّحْدِيدِ، وَسَأَلَتْنِي إِنْ كُنْتُ بَطَلًا سَاخِرَةً، لَكِنَّنِي أَبْعَدُ عَنِ البُطُولَةِ بِكَثِيرٍ."
"أَرْخَى آسِرُ جَسَدَهُ، صَوْبَ عَيْنَيْهِ عَلَى أَخِيهِ بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ اسْتَنْتَجَتْ مَا وَرَاءَ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ قَالَ:
"يُوجَدُ حِكَايَةٌ إِذاً؟ جَمِيلٌ، سَعِيدٌ بِالتَّعَرُّفِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لِأَقُلْ، لَا تَتَحَمَّلُ هَذَا العَالَمَ."
سَادَ الصَّمْتُ المَكَانَ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةٍ:
"هَلْ يَجِبُ عَلَيْكَ التَّرَاجُعُ؟"
صَمَتَ قَلِيلاً، كَمَنْ يُحَاوِلُ إِقْنَاعَ نَفْسِهِ بِالحَقِيقَةِ القَاسِيَةِ، قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ :
"حَسَناً، لَا يُوجَدُ شَيْءٌ كَهَذَا، هَذِهِ الفَتَاةُ تُعَاكِسُ عَالَمَنَا أَسَاساً، مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَنْظُرَ لِمُجْرِمٍ مِثْلِي."
........
تَسْتَيْقِظُ أَلِيفُ مُبَكِّراً كُلَّ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَسْؤُولِيَّةً كَبِيرَةً بِالاعْتِنَاءِ بِإِخْوَتِهَا، وَفِي غَمْرَةِ انْشِغَالِهَا، اقْتَرَبَتْ نُورُ بِهُدُوءٍ مُرِيبٍ، سَأَلَتْهَا بِنَبْرَةٍ تَمْلَؤُهَا التَّسَاؤُلَاتُ الفُضُولِيَّةُ : "أَرَاكِ مُبَكِّرَةً، عَسَاهُ خَيْر؟"
لَمْ تَلْتَفِتْ أَلِيفُ لَهَا، بَلْ اسْتَمَرَّتْ فِي تَرْتِيبِ المَكَانِ بِآلِيَّةٍ صَامِتَةٍ، وَقَالَتْ بِجُمُودٍ يُخْفِي خَلْفَهُ الكَثِيرَ:
"يَجِبُ عَلَيْنَا العَمَلُ."
تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، صَوَّبَتْ عَيْنَيْهَا لِنُور بِنَظْرَةٍ فَارِغَةٍ مِنَ التَّعَابِيرِ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِهُدُوءٍ مُرِيبٍ:
"هَلْ تُرِيدِينَ، أَنْ أُحْضِرَ شَيْئاً لَكِ مَعِي"
هَزَّتْ نُورُ رَأْسَهَا بِمُوَافَقَةٍ هَادِئَةٍ، تَلَاشَتْ نَبْرَةُ التَّحْقِيقِ مِنْ صَوْتِهَا لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا نَبْرَةٌ حَنُونَةٌ، ثُمَّ أَجَابَتْهَا بِلُطْفٍ:
"نَعَمْ، أَحْضِرِي بَعْضَ الأَشْيَاءِ لِأُجَهِّزَ طَعَاماً لَنَا، وَإِذَا كَانَ بِجَانِبِهَا بَعْضُ الشُّكُولَاتَةِ لَا بَأْسَ بِهَذَا، وَانْتَبِهِي عَلَى نَفْسِكِ."
نَظَرَتْ إِلَيْهَا أَلِيفُ بِثَبَاتٍ، ارْتَسَمَتْ عَلَى ثَغْرِهَا ابْتِسَامَةٌ غَامِضَةٌ تَحْمِلُ تَحَدِّيَاً لَا يَهْتَزُّ، ثُمَّ نَطَقَتْ بِكَلِمَاتٍ قَاطِعَةٍ:
"حَسَناً، لَا دَاعِيَ لِلْخَوْفِ عَلَيّ، أَقْلِقِي عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي سَيَكُونُ عَطِشاً لِلنَّجَاةِ مِنَ الهُجُومِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ."
........
دَخَلَ أَرْكَانُ المَكْتَبَ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ، عَيْنَاهُ تَمْسَحُ الوُجُوهَ بَحْثاً عَنْ إِجَابَةٍ، ثُمَّ سَأَلَ بِنَبْرَةٍ مُتَرَقِّبَةٍ حَذِرَةٍ:
"مَاذَا حَصَلَ؟ هَلْ عَرَفْتُمْ شَيْئاً عَنْ خُطَّتِهِ؟"
نَظَرَ جَسَارُ لِأَرْكَانَ بِهُدُوءٍ صَلْبٍ، لَمْ تَهْتَزَّ مَلَامِحُهُ الصَّارِمَةُ وَهُوَ يَنْطِقُ بِحَقِيقَةٍ مُرَّةٍ، ثُمَّ أَجَابَهُ بِنَبْرَةٍ خَشِنَةٍ لَكِنَّهَا حَمِيمَةٌ :
"حَالِيّاً لَا أَخِي، لَكِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَتَمَنَّى بِدَاخِلِهِ ضَعْفَكَ."
ضَيَّقَ أَرْكَانُ عَيْنَيْهِ بِحَزْمٍ، نَطَقَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَحْمِلُ وَعِيداً مُبَطَّناً لِأَعْدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ:
"يَرَى هَذَا بِحُلْمِهِ فَقَطْ، يَجِبُ عَلَيْنَا إِتْمَامُ كُلِّ العَمَلِ اليَوْمَ، لَا أُرِيدُ أَخْطَاءً."
نَظَرَ لَهُ آسِرُ، وَرُسِمَتْ عَلَى مَلَامِحِهِ ابْتِسَامَةٌ جَانِبِيَّةٌ وَاثِقَةٌ، ثُمَّ نَبَسَ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ الْتِزَاماً وَوَلَاءً لِأَخِيهِ:
"حَسَناً، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَرَى خَطَأً مِنَّا؟ أَخِي، لَنْ أَسْمَحَ بِحُصُولِ هَذَا، سَيَتِمُّ كُلُّ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، وَلَنْ يَحْصُلَ خَطْبٌ مَا، لَا تَقْلَقْ، ثِقْ بِنَا."
أَشَاحَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ النَّافِذَةِ، مُرَاقِباً المَدِينَةَ الصَّاخِبَةَ بِهُدُوءٍ حَذِرٍ، وَنَطَقَ بِنَبْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَحْمِلُ ثِقْلَ المَسْؤُولِيَّةِ وَمَرَارَةَ التَّجَارِبِ :
"أَنَا أَثَقُ بِكُمْ، لَكِنَّنِي لَا أَثَقُ بِمُحِيطِي."
.......
أَنْهَتْ أَلِيفُ سَاعَاتِ دِرَاسَتِهَا وَعَمَلِهَا المُنْهِكَ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَخْطُو خُطُوَاتِهَا الأَخِيرَةَ نَحْوَ مَلَاذِهَا الآمِنِ أُخْتِهَا فِي المَنْزِلِ، شَعَرَتْ بِثِقْلِ نَظَرَاتٍ تَنْهَشُ ظَهْرَهَا؛
كَانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهَا فِي الزَّوَايَا المُظْلَمَةِ بِمَكْرٍ وَاضِحٍ، وَمَا إِنْ لَمَحَتْ ظِلَالَهُمْ تَقْتَرِبُ لِمُهَاجَمَتِهَا، حَتَّى انْدَفَعَتْ كَالرِّيحِ تَهْرُبُ بَيْنَ الأَزِقَّةِ دُونَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى الالتِفَاتِ لِلوَرَاء، وَقَلْبُهَا يَقْرَعُ طُبُولَ الذُّعْرِ وَالتَّحَدِّي فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَمْتَمَتْ لِنَفْسِهَا بِنَبْرَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ وَإِصْرَارٍ قَوِيٍّ :
"يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ لَنْ تَنْتَهِيَ أَبَداً، يَجِبُ عَلَيْنَا الاسْتِمْرَارُ بِتَحَمُّلِهَا لِكَيْ نَصْمُدَ وَلَا يُصِيبَ أَحَدٌ ضَرَرٌ مِنَّا."
.......
أَطْلَقَ آسِرُ زَفِيراً طَوِيلاً مَلِيئاً بِالرَّاحَةِ بَعْدَمَا تَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَارَ كَمَا تَمَّ التَّخْطِيطُ لَهُ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْ أَرْكَانَ، رَبَتَ عَلَى كَتِفِهِ بِحَنَانِهِ المَعْهُودِ، وَهَتَفَ بِحَمَاسٍ خَفِيفٍ:
"أَخِي، هَيَّا لِنَذْهَبَ."
نَظَرَ أَرْكَانُ لِلأُفُقِ بِنَظْرَةٍ شَارِدَةٍ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ أَجَابَ بِهُدُوءٍ رَخِيمٍ، وَنَبْرَةٍ لَا تَقْبَلُ نِقَاشاً : "سَأَعُودُ لِوَحْدِي، أَنْتُمُ اذْهَبُوا، أَحْتَاجُ لِلتَّنَفُّسِ قَلِيلاً بِالهَوَاءِ المُنْعِشِ."
كَانَ أَرْكَانُ يَسِيرُ بِخُطُوَاتٍ مَوْزُونَةٍ، يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ عَقْلِهِ لِيُحَلِّلَ تَحَرُّكَاتِ أَعْدَائِهِ المُحْتَمَلَةِ، يَرْسُمُ سِينَارِيُوهَاتٍ لِكُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، كَانَتْ هِيَ تَرْكُضُ بِأَقْصَى سُرْعَتِهَا، لَا تَرَى أَمَامَهَا سِوَى النَّجَاةِ، حَتَّى اصْطَدَمَتْ بِهِ بِقُوَّةٍ زَلْزَلَتْ سُكُونَ تَفْكِيرِهِ.
أَمْسَكَ كَتِفَيْهَا لِيُثَبِّتَهَا وَيَمْنَعَهَا مِنَ السُّقُوطِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي عَيْنَيْهَا المَذْعُورَةِ بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ مَزَجَتِ الدَّهْشَةَ وَالسُّخْرِيَةَ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ رَخِيمَةٍ هَادِئَةٍ:
"وَاوْ، الفَتَاةُ المُحَارِبَةُ، مَاذَا يَحْصُلُ؟"
حَاوَلَتِ التَّمَلُّصَ مِنْ قَبْضَتِهِ بَيْنَمَا أَنْفَاسُهَا تَتَسَارَعُ، وَعَيْنَاهَا تَلْتَفِتُ يَمِيناً وَيَسَاراً بَحْثاً عَنْ مَخْرَجٍ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِنَبْرَةٍ مَذْعُورَةٍ تُدْرِكُ أَنَّ الوَقْتَ لَيْسَ فِي صَالِحِهَا :
"لَيْسَ لَدَيَّ الوَقْتُ لِلتَّحَدُّثِ، يَجِبُ عَلَيَّ الهَرَبُ."
ضَيَّقَ أَرْكَانُ بِعَيْنَيْهِ بِغُمُوضٍ، وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الفُضُولُ مَمْزُوجاً فِي تِلْكَ الثِّقَةِ المَعْهُودَةِ، فَسَأَلَهَا بِهُدُوءٍ فِيهِ مَزِيجُ اسْتِفْزَازٍ :
"مِنْ مَاذَا؟ لَيْسَ مِنِّي عَلَى الأَغْلَبِ؟"
تَوَقَّفَتْ عَنْ المُحَاوَلَةِ لِحَظَّةٍ، نَظَرَتْ لَهُ بِإِصْرَارٍ رَغْمَ لَهَاثِهَا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ جَعَلَ مَلَامِحَهُ تَتَصَلَّبُ مِنَ الدَّهْشَةِ:
"يُوجَدُ رِجَالٌ يُحَاوِلُونَ مُهَاجَمَتِي، لَوْ أَرَدْتُ لَأَرَيْتُهُمْ، لَكِنْ بِحَوْزَتِي أَغْرَاضٌ وَهَذَا صَعْبٌ قَلِيلاً، لَا أُرِيدُ تَرْكَ مَا بِحَوْزَتِي لِأُقَاتِلَ، إِنَّهَا أَمَانَةٌ."
ارْتَسَمَتْ عَلَى ثَغْرِهِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيَّةٌ، تَجْمَعُ مَا بَيْنَ الإِعْجَابِ بِشَجَاعَتِهَا، وَالسَّيْطَرَةِ التَّامَّةِ عَلَى المَوْقِفِ، ثُمَّ سَحَبَهَا بِلُطْفٍ لِتُصْبَحَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ هَادِئَةٍ، تَجْعَلُ الخَوْفَ يَتَلَاشَى مِنْ دِفْئِهَا :
"حَسَناً، قِفِي وَرَائِي، لَنْ يَسْتَطِيعُوا فِعْلَ شَيْءٍ، ثِقِي بِي فَقَطْ لِمَرَّةٍ."
تَقَدَّمَ خُطْوَةً وَاحِدَةً لِلأَمَامِ، وَضَعَ يَدَيْهِ فِي جُيُوبِ بَنْطَالِهِ بِبُرُودٍ قَاتِلٍ، وَرَمَقَهُمْ بِنَظْرَةٍ حَادَّةٍ جَعَلَتْ أَقْدَامَهُمْ تَتَجَمَّدُ فِي مَكَانِهَا، أَرْدَفَ بِنَبْرَةٍ رَخِيمَةٍ تَحْمِلُ مَوْتاً مُؤَجَّلاً : "أَنْتُمْ، اتْرُكُوا مَا بِأَيْدِيكُمْ، لَنْ تَلْمَسُوا الفَتَاةَ بِسُوءٍ، أَسَاساً لَيْسَ لَدَيْهَا شَيْءٌ تَحْتَاجُونَهُ، أَنْصَحُكُمْ بِالابْتِعَادِ، لَنْ تَرْغَبُوا بِمُقَابَلَةِ شَخْصِيَّتِي الأُخْرَى."
تَبَادَلُوا نَظَرَاتٍ مَذْعُورَةً، وَجَحَظَتْ أَعْيُنُهُمْ حِينَ مَيَّزُوا مَلَامِحَهُ الصَّارِمَةَ فِي ظِلَالِ الزُّقَاقِ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا لِلْخَلْفِ بِارْتِبَاكٍ شَدِيدٍ، يَتَهَامَسُونَ بِرُعْبٍ مَسْمُوعٍ:
"إِنَّهُ السَّيِّدُ أَرْكَانُ! اعْبَثْ مَعَ الكُلِّ، لَكِنْ لَيْسَ مَعَهُ، لِنَذْهَبَ، هَيَّا."
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِأَعْيُنٍ مُتَّسِعَةٍ ذُهُولاً، تَنْقُلُ بَصَرَهَا بَيْنَ الزُّقَاقِ الخَالِي، وَبَيْنَ هَيْبَتِهِ الَّتِي طَغَتْ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بِعَفْوِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِارْتِيَابٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِدُّ لِهُجُومٍ قَادِمٍ :
"كَيْفَ فَعَلْتَ هَذَا؟ لِمَاذَا هُمْ خَائِفُونَ مِنْكَ؟ هَلْ أَنْتَ شَخْصٌ مُهِمٌّ جِدّاً؟"
أَشَاحَ بِبَصَرِهِ عَنْهَا قَلِيلاً، وَقَدْ غَلَفَ صَوْتَهُ بُرُودٌ هَادِئٌ يُحَاوِلُ فِيهِ إِغْلَاقَ بَابِ الأَسْئِلَةِ، قَالَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا صَدًى مِنَ الغُمُوضِ :
"لَنْ تَرْغَبِي بِمَعْرِفَةِ هَذَا مَا دُمْنَا لَنْ نَلْتَقِي ثَانِيَةً، لَا دَاعِي."
لَكِنَّهَا لَمْ تَتَرَاجَعْ، ثَبَّتَتْ نَظَرَاتِهَا عَلَيْهِ بِفُضُولٍ جَامِحٍ طَغَى عَلَى خَوْفِهَا، وَأَجَابَتْهُ بِبَسَاطَةٍ مُسْتَفِزَّةٍ لِكِبْرِيَائِهِ:
"يُمْكِنُكَ القَوْلُ."
اقْتَرَبَ مِنْهَا خُطْوَةً إِضَافِيَّةً، حَتَّى طَغَى ظِلُّهُ عَلَى مَلَامِحِهَا، هَمَسَ بِنَبْرَةٍ رَخِيمَةٍ تَحْمِلُ وَزْنَ الكَلِمَاتِ الَّتِي سَيَنْطِقُ بِهَا:
"هَذَا سِرٌّ، الْتَزِمِي بِهِ."
رَفَعَتْ رَأْسَهَا لِتُقَابِلَ عَيْنَيْهِ بِثَبَاتٍ، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهَا لَا زَالَ يَنْبِضُ بِأَثَرِ الرَّكْضِ، إِلَّا أَنَّ نَبْرَتَهَا جَاءَتْ قَاطِعَةً، وَاثِقَةً بِوُضُوحٍ:
"لَا يَكُنْ لَكَ شَكٌّ بِهَذَا، الأَسْرَارُ لَا تَخْرُجُ مِنِّي."
أَطْرَقَ بِرَأْسِهِ قَلِيلاً، ثُمَّ نَظَرَ لِعَيْنَيْهَا بِمَزِيجٍ مِنَ السَّوْدَاوِيَّةِ وَالصِّدْقِ المُرِّ، قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَشَفْرَةٍ:
"أَنَا شَخْصٌ سَيِّءٌ، أَيَّتُهَا الفَتَاةُ المُحَارِبَةُ، أَنَا مُجْرِمٌ عَالَمِيٌّ، وَمُحِيطِي كُلُّهُ سُوءٌ الآنَ، حَتْماً سَتَكْرَهِينَنِي."
لَمْ تَرْمِشْ عَيْنَاهَا حَتَّى، بَلِ اسْتَقَرَّتْ تُحَدِّقُ بِهِ بِقُوَّةٍ أَذْهَلَتْهُ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تَخْتَصِرُ وَاقِعَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ :
"لِمَاذَا سَأَفْعَلُ؟ دَاخِلَ كُلِّ شَخْصٍ سُوءٌ، أَنْتَ تَرَانِي كَبِنْتٍ طَيِّبَةٍ كَالمَلَاكِ؟ لَا، وَأَنَا أَيْضاً أُصْبِحُ سَيِّئَةً عِنْدَمَا يَتَعَرَّضُ شَخْصٌ أُحِبُّهُ لِلْخَطَرِ."
انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهُ قَلِيلاً بِابْتِسَامَةٍ لَمْ تَصِلْ لِأَعْيُنِهِ، لَكِنَّهَا حَمَلَتْ تَقْدِيراً خَفِيّاً لِمَنْطِقِهَا الغَرِيبِ، ثُمَّ حَمْحَمَ مُحَاوِلاً أَنْ يَسْتَعِيدَ جِدِّيَّتَهُ، وَسَيْطَرَتَهُ عَلَى المَوْقِفِ :
"لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ هَذَا، لِنَقُلْ إِنَّكِ تُفَكِّرِينَ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ عَنِ الآخَرِينَ، لِأُوصِلَكِ لِلْبَيْتِ، الأَرْجَاءُ هُنَا كُلُّهَا خَطَرٌ."
قَاطَعَتْهُ بِسُرْعَةٍ، وَهِيَ تُعَدِّلُ مِنْ وَضْعِ الأَمَانَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَقَدْ لَمَعَتْ عَيْنَاهَا بِتَحَدٍّ مَرَحٍ، رَغْمَ إِرْهَاقِهَا:
"لَا تُكَلِّمْنِي عَنْ شَيْءٍ أَعْرِفُهُ، هُنَا كَبِرْتُ، أَعْلَمُ الخَطَرَ جَيِّداً."
بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ مِنْ دُخُولِهَا لِبَابِ مَنْزِلِهَا وَاخْتِفَائِهَا عَنْ أَنْظَارِهِ، انْسَحَبَ أَرْكَانُ بِصَمْتٍ، مُتَّجِهاً نَحْوَ مَقَرِّهِ السِّرِّيِّ، حَيْثُ تَتَوَاكَبُ الأَسْرَارُ مَعَ أَقْدَاحِ القَهْوَةِ، هُنَاكَ كَانَ آسَرُ يَقِفُ خَلْفَ النَّافِذَةِ الكَبِيرَةِ، تَعَابِيرُ وَجْهِهِ المُتَوَتِّرَةُ تَعْكِسُ ثِقَلَ الأَخْبَارِ الَّتِي يَحْمِلُهَا، لَمْ يَكَدْ أَرْكَانُ يَخْطُو خُطْوَةً وَاحِدَةً فِي الدَّاخِلِ، حَتَّى اسْتَدَارَ آسَرُ بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِعِتَابٍ صَامِتٍ، وَتَرَقُّبٍ حَذِرٍ.
تَقَدَّمَ آسَرُ نَحْوَ أَخِيهِ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ، وَقَدْ بَدَا القَلَقُ وَاضِحاً فِي بَحَّةِ صَوْتِهِ الَّتِي خَرَقَتْ صَمْتَ المَكَانِ، لَمْ يَنْتَظِرْ حَتَّى أَنْ يَلْتَقِطَ أَرْكَانُ أَنْفَاسَهُ، بَلْ بَادَرَهُ بِسُؤَالٍ يَمْلَؤُهُ ارْتِيَابٌ :
"أَخِي، أَيْنَ كُنْتَ؟ أُرِيدُ إِخْبَارَكَ، مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ العَدُوُّ أَخْطَرَ مِنْ تَوَقُّعِنَا."
Evyra6