الفصل الرابع : بين نار الألم ولهيب الانتقام
"تعودناعلى الألم والحزن كثيرًا لدرجة اعتقدنا أن السعادة حلم "
آثارُ الصدمةِ لا تزالُ واضحةً على تعابيرِ وجهِهِ عندما رنَّتِ المكالمةُ؛ أخبرَهُ أحدُ رجالِهِ بأنَّ الشخصَ الذي كانَ بينَ أيديهمْ والذي كانوا يحاولونَ جعلَهُ يتراجعُ عنْ أفعالِهِ، ويبتعدُ عنِ المرأةِ وأطفالِها بعدَ طلبِها منهمْ بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ؛ لأنَّها لمْ ترَ ملاذاً غيرَهُم قدْ هربَ!
أدركَ أركانُ في تلكَ اللحظةِ، أنَّ غباءَ أحدِ إخوتِهِ وسندِهِ كانَ الثغرةَ التي استغلَّها جاسرُ؛ ليطعنَ كبرياءَ العائلةِ لديهِ، وهوَ يبتسمُ أمامَ أعينِهِ بكلِّ برودٍ.
يُردفُ أركانُ بنبرةٍ هادئةٍ، يكمنُ منْ خلفِها إعصارٌ كبيرٌ قادمٌ:
" حقاً.. هكذا تفكرُ بالانتقامِ، أليسَ كذلكَ؟ تأتي إلى مكاني، وتدمرُ العملَ، وتعتقدُ أنكَ ستخرجُ بحريةٍ؟"
ظلَّ جاسرُ محافظاً على برودِهِ المستفزِّ، مالَ برأسِهِ قليلاً، وهوَ ينظرُ للانكسارِ الخفيِّ في عينيّ أركانَ، ثمَّ قالَ بصوتٍ واثقٍ:
" أنتَ بدأتَ باللعبِ بالنارِ يا أركانُ.. هلْ اعتقدتَ أنَّهُ لنْ يكونَ هناكَ مقابلٌ لأفعالِكَ؟"
رُسِمَتْ على ملامحِ أركانَ ابتسامةٌ باردةٌ، تحملُ في طياتِها سُمّاً:
" صحيحٌ، كنتُ أعلمُ أنَّهُ سيكونُ هناكَ مقابلٌ، لكنَّ هذا لمْ يهدمني. سوفَ أجدُ الرجلَ.. لكن، مَنْ سيعيدُ لكَ مالَكَ وبضاعتكَ؟ أنتَ فكرْ بهذا! في النتيجةِ، الرجلُ يتمُّ تعويضُهُ، لكنْ هلْ يمكنكَ تعويضُ غضبِ زبونِكَ عليكَ؟"
صوَّبَ عينيهِ على أركانَ، بنظرةٍ تحملُ وعيداً أخيرَ:
" هذهِ أيامُكَ الجيدةُ، استمتعْ.. بمجردِ أنْ أعلمَ عنِ الفتاةِ، ستتعلمُ ما معنى الهدمِ جيداً.. أيُّها السيدُ الصغيرُ!"
اغلقَ جاسرُ البابَ خلفَهُ، تاركاً وراءَهُ صمتاً، أثقلَ منْ أيِّ رصاصةٍ.
أردفَ أركانُ لآسرَ، بصوتٍ يخرجُ منْ أعماقِ جرحِهِ وكبريائِهِ المكسورِ:
" اجمعِ الجميعَ يا آسر.. إخوتنا كلهم، أريدُهم أنْ يكونوا في مصنعنا فوراً!"
خرجَ أركانُ بخطواتٍ ثقيلةٍ، يجرُّ خلفَهُ غضبٍ، لو وُزِّعَ على مدينةٍ كاملةٍ لأحرقَها
نظرَ جسارُ إلى أثرِهِ، ثمَّ التفتَ إلى آسرَ، وقالَ بمرارةٍ:
" لأقولَ لكَ.. أركانُ لأولِ مرةٍ انكسرَ أمامَ الخصمِ، وهذا بسببِ استهتارٍ منْ إخوتِهِ.. لنْ تكونَ الأمورُ جيدةً!"
تنهدَ آسرُ بعمقٍ، وعيناهُ تلمعُ بأسىً لمْ يعتدهُ، وأردفَ:
" لمْ يهتزَّ أبداً، لكنَّ اليومَ قدْ فعلَ.. هذا خطأٌ كبيرٌ جداً! أتعلمُ ما الأكثرُ إيلاماً؟ لو كانَ عدواً لأريتُهُ قيمتَهُ، لكنِ الآن.. كيفَ سأحاسبُ أحداً منْ إخوتي؟"
...........
لطالما فضلت الآخرين على نفسها كانت نور جالسة إلى جانبها وهي ترى ملامح اختها الغارقه بافكارها
" أردفتْ نورُ بنبرةٍ تعتليها التفاؤلُ والهدوءُ، ورسمتْ على ملامحِها ابتسامةً صغيرةً، تحاولُ فيها أنْ تمتصَّ قلقَ أختِها إليف:
" لمْ يحدثْ شيءٌ للآن، وهذا جيدٌ.. انظري بإيجابيةٍ؛ هذهِ إشارةٌ لأنْ نستمتعَ في الحياةِ قليلاً!"
أجابتْ إليفُ بنبرةٍ تملؤُها يأسٌ، وعيناها تنظرانِ إلى المجهولِ:
" السعادةُ لا تليقُ بنا، سترينَ.. سيحدثُ شيءٌ منْ جديدٍ؛ لأنَّنا علينا المعاناةُ دائماً في هذهِ الحياةِ، واختبارُنا القوةُ."
ثمَّ صمتتْ قليلاً، قبلَ أنْ تُضيفَ بصوتٍ خافتٍ مكسورٍ:
" هلْ سنستطيعُ الصمودَ بينَ كلِّ هذهِ المعاناةِ؟"
تقتربُ نورُ منْ إليف، تمسكُ يدَها بقوةٍ، وتنظرُ لعينيها بنظرةٍ لا تقبلُ هزيمةً:
" سنفعلُ.. طالما نحنُ معاً، لا أحدَ يمكنُهُ إشعالُ الخوفِ في قلوبِنا!"
...........
في جناحِهِ الفاخرِ، الذي يطغى عليهِ لونٌ أسودُ ورماديٌّ، كانَ جاسرُ يجلسُ خلفَ مكتبِهِ الزجاجيِّ العريضِ، تحتَ أضواءٍ خافتةٍ، تزيدُ حدةَ ملامحِهِ القاسيةِ، يسندُ ظهرَهُ لمقعدِهِ الجلديِّ ببرودٍ تامٍّ، عاقداً أصابعَ يديهِ أمامَ وجهِهِ، عيناهُ تلمعانِ بنشوةِ انتصارٍ مؤقتٍ، كأنَّهُ يرى انهيارَ مملكةِ أركانَ أمامَهُ، نظرَ لرجالِهِ الواقفينَ، ثمَّ أردفَ بنبرةٍ باردةٍ، تكسوها مكرُ منتصرٍ:
" أحسنتمْ، على الأقلِ خطونا خطوةً، الباقي سيكونُ دماراً كاملاً.. هلْ وجدتمْ شيئاً عنْ هويةِ الفتاةِ؟"
أردفَ أحدُ الرجالِ بنبرةٍ تملؤُها ارتباكٌ، وهوَ يخفضُ رأسَهُ:
" هوَ تخطانا.. لمْ نعلمْ حتى أينَ تسكنُ؟"
ارتسمتْ على وجهِ جاسرَ ابتسامةٌ باردةٌ ماكرةٌ، وهوَ يهزُّ رأسَهُ بتفهمٍ:
" برأيي، هيَ تعاكسُ عالمَنا.. لمْ يكنْ سيخفيها لو كانَ غيرَ ذلكَ، ونقطةُ ضعفٍ لهُ.. نضربُ عصفورينِ بحجرٍ واحدٍ؛ هذهِ الفتاةُ ورقةُ ربحٍ لنا، ستجبرُ أركانَ على تنفيذِ أوامرِنا."
أردفَ الرجلُ بنبرةٍ تملؤُها استفسارٌ ساذجٌ:
" تقصدُ أنْ يقبلَ العملَ معكَ؟"
رسمتْ على ملامحِهِ ضحكةً خافتةً ساخرةً، وهوَ ينظرُ لأفقِ المدينةِ منْ نافذتِهِ:
" بالطبعِ.. لمْ تصبْ فيما أحاولُ قولَهُ، أرغبُ بشيءٍ أكبرَ.. أقصدُ تركَهُ هذا العالمَ بشكلٍ نهائيٍّ وبدونِ عودةٍ أيضاً، أنا أقدمُ لهُ معروفاً يجبُ أنْ يكونَ ممتناً لي.. وغيرُ هذا، هوَ ذاتُ إنسانيةٍ كثيرةٍ، هنا لا مكانَ للشفقةِ والتعاطفِ."
أردفَ الرجلُ بصوتٍ يرتعشُ، محاولاً أنْ ينبهَ سيدَهُ، رغمَ إدراكِهِ لخطورةِ ما يقولُ :
" لكنَّهُ.. قاسٍ معْ أعدائِهِ."
أردفَ وهوَ يلتفتُ ببطءٍ نحوِ الرجلِ، وعيناهُ تشعلُ حدةً:
" هلْ تلقي كلاماً على مَنْ تعملُ لديهِ؟"
ثمَّ تابعَ ببرودٍ مصطنعٍ، وخبثٍ شديدٍ، وهوَ يعودُ لمكتبِهِ:
" نعمْ، استطاعَ إفسادَ عملي، لكنها البدايةُ ليظنَّ أنَّهُ فازَ، وأنا رددتُها لهُ أيضاً.. أريدُ أنْ تعلموا عنْ هويةِ الفتاةِ بسرعةٍ."
..........
وقفَ أركانُ في منتصفِ ذلكَ المصنعِ، في نفسِ البقعةِ التي شهدتْ هروبَ الرجلِ وتلاشي خيوطِ الحقيقةِ، كانَ الهواءُ لا زالَ يحملُ رائحةَ الفشلِ التي تخنقُ أنفاسَهُ، جالتْ عيناهُ على أركانِ المكانِ، يتفحصُ الأبوابَ، الزوايا التي كانَ منَ المفترضِ أنْ تخضعَ لحراسةٍ مشددةٍ، بينما يقفُ رجالُهُ بملامحَ يكسوها خزيٌ، يدركونَ أنَّ كبيرَهُمْ لنْ يمررَ هذا الأمرَ الذي حدثَ على مرورِ الكرامِ.
تحدثَ أركانُ بنبرةٍ منخفضةٍ، يغلفُها هدوءٌ حزينٌ عاتبٌ مرٌّ، كأنَّ كلَّ كلمةٍ يخرجُها تثقلُ على روحِهِ قبلَ أنْ تصلَ إليهِمْ:
" حقاً.. عدوّي يأتي لمكاني وأنا أسخرُ منهُ ببرودٍ، وهنا.. وَخَمَنُوا لنرى ماذا حدثَ؛ قدْ تعقبَ تحركاتِ أحدِ إخوتي.. كيفَ؟ لا أعلمُ! ألمْ أقلْ إننا في عالمٍ لا مجالَ فيهِ للخطأِ؟ كيفَ تضعوني في موقفٍ كهذا أمامَهُ؟"
ثمَّ صمتَ للحظةٍ، والتفتَ ببطءٍ نحوِ آسرَ، صوبَ عينيهِ عليهِ بنظرةٍ باهتةٍ، خاليةٍ منَ القسوةِ لكنها مليئةٌ بالخيبةِ، ليسَ منهُ، بلْ منَ الثقةِ التي وضعَها على غيرِهِ، أردفَ بصوتٍ يرتجفُ فيهِ الحنينُ الممزوجُ بأسى:
" أجيبوني.. أليسَ كذلكَ؟ آسرُ.. أنتَ قلْ، هلْ كنتَ ستضعُ أخاكَ بهذا الوضعِ؟"
أردفَ آسرُ بنبرةٍ مخنوقةٍ، تملؤُها ندمٌ صادقٌ عوضاً عنْ إخوتِهِ، وولاءٌ أعمى، وهوَ ينظرُ في عينيِّ أخيهِ:
" أخي، لوْ لمسوكَ لجعلتُ لهُمْ جحيماً منْ نوعٍ آخرَ كلَّ يومٍ، فأنا لا أسمحُ لأحدٍ أنْ يصغرَ منْ شأنِ أخي."
تحدثَ أركانُ بنبرةٍ خافتةٍ، لكنها حادةٌ كالنصلِ، يغلفُها هدوءٌ مرعبٌ يعصرُ القلوبَ:
" انظروا إليهِ جيداً.. ماذا يقولُ؟ تعلموا منهُ.. كيفَ.. كيفَ تجعلوني أقفُ بموضعِ غباءٍ أمامَ عدوّي المستهترِ؟ كيفَ تجعلوهُ يفكرُ أنَّ رجالي مغفلينَ بهذا القدرِ؟ لكنَّ الذنبَ عليَّ، أنني وضعتُ أمانةً على عاتقِكُمْ، وأنتمْ لمْ تحافظوا على أمانةِ أخاكُمْ."
أردفَ آسرُ بنبرةٍ قلقةٍ، محاولاً لملمةَ شتاتِ أخيهِ الضائعِ : " أخي، لمْ أراكَ هكذا قبلاً، تعلمُ أننا سنجدُ الرجلَ.. لا تفعلْ هذا، أنتَ رجلٌ لا يبالي بجاسرٍ مهما حدثَ، ماذا حصلَ؟"
أردفَ أركانُ بصوتٍ مخنوقٍ، تملؤُهُ مرارةٌ لمْ يعهدْها آسرُ وجسارٌ فيهِ منْ قبلُ:
" أنتَ لا تفهمُ، ضربةُ جاسرٍ لا تهمني حتى يا أخي، أتعلمُ ما كسرني؟ أنَّ هذا الرجلَ لمْ يضربني بذكائِهِ ويعلمَ المكانَ، بلْ باستهتارٍ منْ إخوتي، وابتسمَ وهوَ ينظرُ أمامَ عينيَّ."
أردفَ مارتُ بنبرةٍ يملؤُها انكسارٌ، وندمٌ يمزقُ روحَهُ منْ خيبةِ أملِ أخيهِ التي رآها في عينيهِ:
" أخي، أتعلمُ.. نحنُ مخطئونَ، لكنْ أنتَ لمْ ترفعْ يدكَ، لكنْ بعتابِكَ أصبحَ وكأنكَ فعلتَ، سنجدُ هذا الرجلَ أعدكَ سأفعلُ، لكنْ نظرتكَ هذهِ لي حقاً تجعلني أرغبُ بالموتِ وأنا حيٌّ."
يقاطعُهُ آسرُ محاولاً أنْ يجعلَ أركانَ يستعيدَ توازنَهُ:
" وسنجعلُ جاسرَ يندمُ معاً، لكنَّ الأهمَّ أنْ تهدأَ لأنكَ لمْ تعدْ أنتَ، انظرْ.. هوَ هدفُهُ هذا أخي، أنْ يجعلكَ تفقدُ أعصابكَ التي لمْ تفقدْها يوماً."
يوزعُ أركانُ نظراتِهِ الثاقبةَ بينهُمْ، بصوتٍ يحملُ هيبةً وقوةً مستعادةً:
" افهمْ.. لهذا أنتَ أخي، يدي اليمنى، لماذا آسرُ وليسَ غيرَهُ؟ هلْ تساءلتُمْ يوماً؟ جسارُ اليدُ اليسرى؛ لأنَّ عملَنا ليسَ مكاناً للأخطاءِ، لأنهُمْ يعلمونَ ماذا نحنُ نواجهُ، ويفهمونَ أخاهُمْ، يقرؤونَ تحركاتِ العدوِّ.. اسمعْ يا أخي، إيجادُكَ للرجلِ لا يكفي، أثبتْ لي أنكَ فهمتَ خطأكَ للحظةٍ واحدةٍ، اقرأْ تحركَ عدوِّكَ.. هيا افعلْها، وصدقني سأنسى هذا يا مارت.. هيا افعلْها."
أردفَ مارت بنبرةٍ بدأتْ تستعيدُ ثقتَها، عيناهُ تراقبانِ ملامحَ أركانَ بدقةٍ:
" جاسرُ فعلَ ذلكَ لكيْ يقللَ شأنكَ يا أخي، ويريكَ أنَّ حبكَ لرجالِكَ هوَ خسارةٌ لكَ، أما عنْ تحركاتِهِ التاليةِ.. أعتقدُ أنهُ يبحثُ عنْ نقطةِ ضعفٍ لكَ، وهوَ يظنُّ أنها فتاةٌ قدْ بدأتْ بدخولِ قلبِكَ.. طبعاً لا أعلمُ إنْ كانَ هذا صحيحاً أوْ يتوهمُ."
أردفَ أركانُ ببرودٍ تامٍّ، وكأنَّهُ يغلقُ باباً لنْ يُفتحَ أبداً، وعيناهُ تنظرانِ للأفقِ البعيدِ:
" قُلنا لكَ اضربْ فقتلتَ.. أقصدُ، هذا هوَ.. أما عنْ أنْ كانَ صحيحاً فلا، لأنَّ أخاكَ لا يقعُ ولا يقتربُ منْ أيِّ فتاةٍ كانتْ، خصوصاً وهوَ بهذا العالمِ."
آسرُ الذي كانَ يراقبُ الموقفَ بصمتٍ، ويحاولُ كتمانَ الضحكةِ الساخرةِ التي بدأتْ تتراقصُ في عينيهِ، وهوَ يحدثُ نفسَهُ:
" أكملْ أخي، لنرى إلى متى ستستمرُّ بالثباتِ أمامَ العاصفةِ القادمةِ، لمْ تقعْ؟ صدقتُكَ، وكأني لا أعرفُكَ أكثرَ منَ الجميعِ!"
........
تراقبُ نورُ أختَها المنهمكةَ في كتبِها، سألتْ فجأةً بنبرةٍ تحملُ فضولاً حاداً:
" تنتقمينَ منَ الجميعِ إذا تَعرضَ أحدٌ منْ أحبائِكِ للخطرِ.. لماذا لمْ تفعلي هذا معَ ليلى؟"
أجابتْ إيليفُ بصوتٍ خافتٍ، يحملُ ثقلَ خيبةِ أملٍ لا ترحلُ، وعيناها عالقةٌ بينَ أسطرِ كتبِها:
" لأنَّ الآخرينَ أعداءٌ، هيَ صديقةٌ.. أقصدُ أنني كنتُ أعتقدُ هذا، لهذا لا أستطيعُ إيذاءَها، لأنني سأكونُ قدْ فعلتُ هذا بنفسي، ليسَ بها."
أردفتْ نورُ بصوتٍ يملؤُهُ حنانٌ، وهيَ تقتربُ منْ أختِها لتمسحَ غبارَ الذكرى التي فتحتْها على قلبِها:
" عندما قلتِ إنَّ الصمودَ هوَ الاختبارَ لدينا، كنتِ محقةً.. كوني قويةً، أختي."
........
يدخلُ آسرُ مكتبَ أركانَ بهدوءٍ، واضعاً يديهِ في جيبهِ، معَ تلكَ النظرةِ التي توحي بأنهُ يفهمُ كلَّ شيءٍ:
" نعمْ أخي، هلْ أردتَ مني شيئاً؟"
أردفَ أركانُ بصوتٍ عميقٍ، وهوَ يسندُ ظهرَهُ لكرسيهِ، وعيناهُ تحملانِ شرارةَ هجومٍ:
" علينا أنْ نردَّ بحركةٍ أخرى.. هلْ لجاسرَ أحدٌ؟ عائلةٌ أوْ شيءٌ يخافُ منهُ؟"
أردفَ بنبرةٍ هادئةٍ واثقةٍ، يقتربُ منْ مكتبِ أركانَ ليزيدَ المشهدَ حماساً:
" أخي لديهِ.. ألا تعلمْ؟ عائلتُهُ همْ منْ أظلمِ مافيا في ذلكَ العالمِ، وأعتقدُ أنهمْ همْ منْ يتلهفونَ للزعامةِ بشدةٍ، لهذا وكلوا ابنهمْ جاسرَ أنْ يزيحكَ منَ الطريقِ، لكنهمْ لا يعلمونَ أنهمْ وكلوهُ للموتِ.. هلْ تريدُ أنْ نعبثَ معهمْ؟ أوْ أقولُ لكَ فكرتي لإيقاعِهِ بفخٍّ آخرَ؟"
أردفَ ببرودٍ مريبٍ، وهوَ يشيرُ لآسرَ بيدهِ للتحدثِ، فالفضولُ بدأَ يتسللُ خلفَ قناعِهِ بالهدوءِ:
" ما هيَ؟"
أردفَ آسرُ بنبرةٍ هادئةٍ تقطرُ مكراً، وهوَ يميلُ قليلاً نحو مكتبِ أركانَ:
" لا وجودَ غيرَ طريقةٍ واحدةٍ.. وهيَ إدخالُهُ للسجنِ للتخلصِ منهُ بشكلٍ كاملٍ."
قالَها بنبرةٍ تملؤُها شكٌّ ذكيٌّ، وصوتٍ منخفضٍ ينمُّ عنْ تفكيرٍ عميقٍ، وهوَ يضيِّقُ عينيهِ بتركيزٍ:
" لكنكَ تعلمُ أنهُ لا يتركُ أثراً وراءَهُ، إدخالُهُ ستكونُ الضربةَ النهائيةَ والقاتلةَ إذاً.. لكنْ كيفَ؟ هذا هوَ الأمرُ الذي يثيرُ التفكيرَ."
نهضَ منْ مقعدِهِ بهدوءٍ، مرتدياً جاكيتَهُ الجلديَّ، لينهي الجلسةَ قبلَ أنْ يغرقَ في تفاصيلِ خطةِ آسرَ المعقدةِ:
" أنتَ فكرْ بهذا.. يجبُ عليَّ الذهابُ الآنَ، اهتموا بالمكانِ جيداً."
أردفَ آسرُ بنبرةٍ تملؤُها الكثيرُ منَ الفضولِ والمشاكسةِ، وهوَ يرفعُ حاجبَهُ ويراقبُ حركةَ أخيهِ المتجهةَ نحوُ البابِ:
" إلى أينَ.. أخي؟"
أردفَ بصوتٍ رخيمٍ باردٍ، وهوَ يلتفتُ التفاتةً أخيرةً قبلَ خروجِهِ:
"- إلى السكونِ.. الراحةِ.. وحيثُ لا يوجدُ مَنْ ينظرونَ لكَ بفضولٍ، ويسألونكَ أسئلةً كلما أتاحتْ لهمُ الفرصةُ."
يردفُ آسرُ منْ خلفِ أركانَ، بصوتٍ خافتٍ بالكادِ يُسمعُ، والابتسامةُ تشقُّ ملامحَ وجهِهِ:
" السكونُ.. أليسَ كذلكَ؟ لا تستطيعُ القولَ إنكَ تذهبُ لمنْ يسلبُ همومكَ، ويحولُها لراحةٍ مؤقتةٍ."
.........
كانت جالسة لوحدها تتأمل الأفق البعيد رات ظله يقترب منها من بعيد بخطوات ثابته
أردفَ ببراءةٍ مصطنعةٍ، وهوَ يقتربُ منها، وعيناهُ تتفحصانِ وجهَها الشاحبَ منَ البردِ، ليسألها بصوتٍ هادئٍ:
" ماذا تفعلينَ هنا؟"
أردفتْ بثقةٍ تامةٍ، وهيَ تعقدُ ذراعيها، وتنظرُ في عينيهِ مباشرةً لتردَّ بتحدٍّ:
" هذا بيتي.. هلْ سأطلبُ منكَ إذناً للجلوسِ فيهِ؟"
أردفَ محاولاً تداركَ الموقفِ، وهوَ يشيرُ بيدِهِ نحوِ الأفقِ الباردِ، بنبرةٍ تحملُ قلقاً يخفيهِ خلفَ الجديةِ:
" أقصدُ بالخارجِ.. هذا خطرٌ، الأجواءُ باردةٌ."
أردفتْ بصوتٍ مخنوقٍ بالعبرةِ، ولكنْ بصلابةٍ ترفضُ أنْ تنكسرَ، وهيَ تشيحُ بنظرِها عنهُ، نحوِ مدىً بعيدٍ:
" أساساً الخطرُ لا يفارقني.. هلْ تعتقدُ أنَّ حياتي سهلةٌ؟ كبرتُ هنا.. كمْ مررتُ بمصاعبَ لا يمكنكَ التخمينُ مدى قسوتِها."
تنهدَ بعمقٍ، أدركَ أنهُ فتحَ عليها جرحاً قديماً دونَ أنْ يدركَ، ثمَّ نهضَ، يهمُّ بإغلاقِ الموضوعِ، وأردفَ لها بصوتٍ عميقٍ، كقرارِ البحرِ مستقراً لا تزلزلُهُ عواصفُ:
" محاربتي.. كانَ الحديثُ معكِ ممتعاً كالعادةِ، غيرَ هذا.. أنتِ قلتِ كبرتِ هنا.. حدثَ معكِ مخاطرُ، لكنَّ النتيجةَ.. لا زلتِ هنا على قيدِ الحياةِ.. مستمرةٌ.. وهذا يكفي.. إلى لقاءٍ آخرَ.. ربما الغدُ.. إنْ لمْ يستيقظْ أعدائي ويقررْ أحدهمْ قتلي فجأةً."
بعدما ألقى كلماتِهِ، سارَ إلى طريقِهِ، لمْ يلتفتْ، وكأنهُ يتهربُ منْ شعورٍ يجتاحُهُ كلما استمعَ لها، انطلقَ إلى مسارِهِ في سيارتِهِ الداكنةِ بالسوادِ، التي لطالما حملتْ كلَّ همٍّ كانَ يخفيهِ.
.........
يذرعُ بالغرفةِ ذهاباً وإياباً، محدثاً نفسَهُ بصوتٍ مسموعٍ، بملامحَ قلقةٍ:
" أعتقدُ أنهُ يفكرُ في شيءٍ كبيرٍ.. حركةٌ واحدةٌ تنهيني.. عليَّ معرفتُها."
سادَ صمتٌ مطبقٌ، لمْ يكسرْهُ سوى صوتِهِ بنبرةٍ حادةٍ اخترقتْ هدوءَ الغرفةِ : " هلْ سمعتمْ؟"
أردفَ أحدُ رجالهِ بنبرةٍ، يحاولُ فيها إظهارَ ولاءٍ وطمأنينةٍ على ملامحِ سيدِهِ:
" حسناً.. سيدي.. لا تقلقْ.. سنبقي أعينَنا مفتوحةً.. لنْ يكونَ منَ السهلِ المعرفةُ.. لكننا سننجحُ."
.........
أردفَ أركانُ بنبرةٍ واثقةٍ، وهوَ يتوسطُ رجالهُ، عيناهُ تلمعُ بذكاءٍ حادٍّ، يشبهُ نصلَ سيفٍ:
" نحنُ على وشكِ فعلِ حركةٍ كبيرةٍ.. هوَ ليسَ شخصاً عادياً.. بلْ خطيرٌ.. هلْ اعتقدتمْ أني سأقولُ هذا؟ لا أحدَ خطيرٌ بقدري.. لكنْ علينا إدخالُهُ السجنَ.. لهذا سنلقي لهُ التهمةَ.. مَنْ منكمْ مستعدٌ للمخاطرةِ؟"
أردفَ آسرُ بنبرةٍ تملؤُها العاطفةُ، الصادقة ، وهوَ ينظرُ لعينيْ أركانَ بوفاءٍ لا يتزعزعُ:
" أخي.. أنا أضحي منْ أجلكَ بكلِّ شيءٍ.. حتى لو كانتْ روحي الثمنَ.. هلْ عليَّ الدخولُ بينهُم؟"
أردفَ أركانُ بنبرةٍ تملؤُها خوفٌ مكتومٌ على أخيهِ، وهوَ يضعُ يدَهُ على كتفِ آسرَ بقوةٍ، وكأنهُ يتشبثُ بوجودِهِ، مدركاً في قرارةِ نفسِهِ، أنَّهُ لا يوجدُ بديلٌ لأخيهِ آسرَ، في عالمِهِ المظلمِ:
" آسرُ.. أنتَ يدي اليمنى.. هلْ تدركُ أنَّ إنْ ارتكبتَ خطأً، أوْ اكتشفَ هذا الرجلُ دخولكَ لمنزلهِ وتفتيشَهُ.. ستكونُ النهايةُ ليسَ لهُ بلْ لي.. لأنني لا يمكنني أنْ أضحي بذراعي لأجلِ انتقامٍ."
أردفَ آسرُ بصوتٍ هادئٍ، يحاولُ إقناعَ أخيهِ، ثمَّ تَبِعَهُ جسارُ بنبرةٍ مليئةٍ بالثقةِ الكبيرةِ بأخيهِ:
" أخي.. لكني أشعرُ أنَّ لا أحدَ مؤهلٌ لتلكَ المهمةِ غيري.. وأيضاً إنَّها مهمةٌ لا تتطلبُ أخطاءً.. لهذا ذهابي هوَ الأصحُّ.. لكنْ أعدكَ.. سأحاولُ قدرَ المستطاعِ عدمَ تعريضِ ذاتي لخطرٍ."
" نعمْ.. أخي.. لنْ يكونَ هناكَ خطأٌ.. ثقْ بنا.. غيرَ هذا.. إنهُ آسرُ.. هلْ جاسرُ المتهورُ سيدركُ تفصيلاً كهذا؟ أعتقدُ لا.. اسمحْ لهُ بالذهابِ."
أردفَ أركانُ بزفرةٍ حارةٍ، تنمُّ عنْ استسلامٍ ممزوجٍ بالتحذيرِ، وعيناهُ تنتقلُ بينَ آسرَ وجسارَ، بصرامةٍ واضحةٍ:
" حسناً.. ما هذا العنادُ؟ الساحةُ لكَ يا آسرُ.. لكنْ.. إنْ حدثَ شيءٌ يا جسارُ.. استعدَّ لدفعِ الثمنِ.. ألمْ تقلْ إنهُ متهورٌ؟ لا تستهنْ بعدوكَ مهما كانَ.. نصيحةٌ لكَ."
........
دخلتْ إلى الداخلِ بهدوءٍ، ثمَّ دنتْ نورُ منها برفقٍ، ثمَّ أردفتْ لها بنبرةٍ دافئةٍ، كأنَّ الكلماتِ تخرجُ مغلّفةً بابتسامةٍ خفيةٍ، لا يراها أحدٌ بلْ تُسمعُ:
" ماذا حدثَ؟ هلْ كنتِ بحديثٍ رائعٍ؟"
نظرتْ إليها أليفُ بهدوءٍ، ثمَّ تمتمتْ بصوتٍ خافتٍ، مترددٍ، وكأنها عالقةٌ ما بينَ خطينِ لا يلتقيانِ:
" لا أعلمُ ما الذي أشعرُ بهِ.. لكنْ عندما أكونُ جانبهُ أشعرُ بالأمانِ.. إنني أثقُ بهِ.. أعتقدُ أنَّ هذا هوَ معنى الصداقةِ."
أردفتْ نورُ بسؤالٍ ذكيٍّ، وهيَ تميلُ رأسَها قليلاً، وتراقبُ ردةَ فعلِ أليفَ، بدقةٍ كبيرةٍ:
" هلْ تشعرينَ هكذا.. بجانبِ يزنَ أيضاً؟"
صمتتْ أليفُ، وكأنَّ هذا السؤالَ علقَ في مكانٍ ما في عقلِها، ثمَّ أردفتْ بصوتٍ خافتٍ، لا يخلو منْ ترددٍ:
" ربما أشعرُ معَ يزنَ بالأمانِ.. لكنْ هلْ مثلَ هذا؟ لا أعلمُ.. وإنْ سألتِني.. لا يهمُّ ما أشعرُ بهِ حالياً."
........
كان كل شيء جاهزًا، لكن شاء القدر أن تنقلب خطتهم فوق رأسهم كانَ الهدوءُ يسودُ القاعدةَ، هدوءٌ ما يسبقُ العاصفةَ التي خططوا لها بعنايةٍ، أركانُ يقفُ أمامَ النافذةِ الكبيرةِ، يراقبُ أضواءَ المدينةِ، بينما جسارُ يجلسُ على الأريكةِ، يقلبُ خنجرَهُ، وعيناهُ تلمعُ بانتصارٍ لم يكتملْ بعدُ، فقدْ كانَ متأكداً أنَّ آسرَ يتسللُ كالشبحِ في عرينِ جاسرَ، وأنَّ الصيدَ قدْ وقعَ في الفخِّ، يردفُ لأخيهِ بنبرةٍ مليئةٍ بالثقةِ التي ثمنُها سيكونُ غالياً:
" دقائقٌ يا أخي.. وسنرى جاسرَ وهوَ يسحبُ منْ خلفِ القضبانِ.. آسرُ فعلَها.. أنا واثقٌ."
لمْ يلتفتْ أركانُ، ظلَّ صامتاً، يشدُّ قبضةَ يدهِ خلفَ ظهرِهِ، وكأنَّ حدسَهُ يخبرُهُ أنَّ شيئاً ما ليسَ على ما يرامُ، حتى قطعَ ذاك الصمتَ رنينُ هاتفهِ، الذي كانَ لهُ صدىً غريبٌ في أركانِ الغرفةِ
تجمدتْ أناملُ جسارَ فوقَ نصلِ الخنجرِ، وسكنتِ ابتسامتُهُ كأنَّها قناعُ شمعٍ بدأَ يذوبُ، حينَ رأى أركانَ يرفعُ الهاتفَ ببطءٍ مرعبٍ، عيناهُ لم ترفّا، لكنَّ عروقَ جبهتهِ برزتْ، وما إنْ فُتحَ الخطُّ، حتى انطلقتْ ضحكةُ جاسرَ المستفزةُ، كأنَّها رصاصاتٌ تُطلقُ تمزقُ سكونَ الغرفةِ، لتتحولَ ملامحُ جسارَ من الفخرِ لشحوبِ الموتِ، وهوَ يرى أخاهُ يترنحُ داخلياً، رغمَ صلابتهِ، تحتَ وطأةِ الكلماتِ:
" خصمي الغالي.. هلْ أنتَ غبيٌّ لترسلَ رجالكُ للموتِ؟ هلْ كنتَ تريدُ إرسالي للسجنِ للتخلصِ مني؟ كمْ هذا تافهٌ! وماذا لو أردتُ أنا إرسالكَ للموتِ مباشرةً؟ هلْ خفتَ؟"
أردفَ أركانُ بنبرةٍ باردةٍ كثلجٍ، رغمَ الغليانِ الذي يسكنُ روحَهُ، وعيناهُ مثبتةٌ على جسارَ، الذي كادَ ينصهرُ منْ شدةِ خجلهِ، بسببِ عدمِ تقديرهِ للأمورِ:
" خفتُ منكَ؟ أنتَ لا تعرفُ مَن تقفُ أمامهُ.. زعيمُ هذا العالمِ.. الذي أزاحَ كلَّ عدوٍّ منْ طريقهِ.. هلْ تعتقدُ أنكَ أقوى منَ اللازمِ؟ ضحكتني حقاً.. مَنْ سيهابُ منكَ؟ هلْ حقاً تدركُ ما تقولهُ؟"
أردفَ جاسرُ بنبرةٍ تقطرُ خبثاً، محاولاً رسمَ قناعِ الفضيلةِ فوقَ وجهِهِ القبيحِ منَ الشرِّ:
" أعلمُ أنكَ أقوى.. ولأنني كريمٌ.. لنْ أؤذيَ رجلكَ.. يجبُ عليكَ ردُّ معروفِي."
أردفَ أركانُ ببرودٍ قاتلٍ، وسخريةٍ لاذعةٍ، جعلتْ جاسرَ يشعرُ للحظةٍ، أنَّ خيوطَ لعبتهِ بدأتْ تفلتُ منْ يدهِ:
" أنتَ لمْ تفعلْ معروفاً.. تركتَهُ لأنهُ لنْ ينفعكَ بشيءٍ.. لا تستطيعُ تهديدي بهِ.. لهذا تبحثُ عنْ شيءٍ أكبرَ.. لكنْ سأفسدُ أحلامكَ.. ما تبحثُ عنهُ لا وجودَ لهُ.. لهذا لا تُرهقْ نفسكَ عبثاً.. نصيحةُ عدوٍّ مني لكَ."
أردفَ جاسرُ بنبرةٍ غارقةٍ بالغرورِ، وهوَ يظنُّ أنهُ أمسكَ بطرفِ خيطٍ، الذي سيخنقُ الزعيمَ:
" لا تحطمْ أملي.. هلْ تحاولُ إبعادي عنِ الاكتشافِ؟ لا تقلقْ.. لنْ أؤذيَها.. إلا إذا استمررتَ بتمردكَ عليَّ.. لا تلعبْ بالنارِ.. ستحرقكَ."
أردفَ لهُ بصوتٍ كملمسِ الرمادِ، جافٍّ، باهتاً، متهالكاً، وكأنَّ حروفَهُ تتحطمُ قبلَ أنْ تصلَ للمسامعِ:
" أنا لا أخافُ منَ الاحتراقِ."
ومعَ آخرِ حرفٍ، أغلقَ الخطَّ ببرودٍ تامٍّ، ليعودَ الصمتُ ويطبقَ على أركانِ الغرفةِ، صمتٌ كانَ أثقلَ منْ وقعِ الكلماتِ نفسِها، وكأنَّ كلَّ المشاعرِ تراكمتْ في روحِهِ بتلكَ اللحظةِ.
.........
غمرتْهُ فرحةٌ لا توصفُ، لأنهُ استطاعَ تداركَ الأمرِ قبلَ أنْ يكبرَ، أردفَ لهمْ بثقةٍ لا يعلمُ كمْ ثمنُها سيكونُ غالياً:
" أحسنتمْ.. لمْ ينجحْ.. وبما أنهُ لا يخافُ منَ الاحتراقِ.. لنعطيهِ ما يريدُ.. طبعاً.. إذا استطعنا إيجادَها.. هلْ فعلتمْ؟"
أجابَهُ أحدُهُمْ بنبرةٍ مُحبطةٍ، يائسةٍ، مليئةٍ بالخوفِ منْ سيدِهِ:
" لا معلومةَ لدينا.. أنتَ تعرفُ كمْ هوَ ذكيٌّ وسريعٌ.. يستطيعُ تخطِّينا في كلِّ مرةٍ.. ولا نعلمُ أينَ يذهبُ."
أردفَ جاسرُ بغضبٍ مكتومٍ، وهوَ يشعرُ بضيقِ الخناقِ حولَ عنقهِ، وعيناهُ تلمعُ بشرارِ حقدٍ:
" إذاً أسرعوا! الوقتُ يضيقُ.. ولنْ يفيدَ تهديدُهُ برجالهِ.. أريدُ شيئاً يجعلُهُ يخضعُ لي.. على الأرجحِ.. عليَّ الاستعانةُ بهمْ.
.......
كانَ أركانُ في المكتبِ، لا زالَ يحملُ في روحِهِ قلقاً على أخيهِ، حينها رآهُ أمامَهُ، وقدْ شعرَ براحةٍ خفيفةٍ في روحِهِ
أردفَ آسرُ بنبرةٍ مكسورةٍ، وعينانِ لا تقويانِ على مواجهةِ نظراتِ أركانَ، والدموعُ تكادُ تشقُّ طريقَها في صوتِهِ:
" أنا هنا.. أخي.. أعتذرُ.. لمْ أنجحْ.. خيّبتُ أملكُ الكبيرَ بثقتكَ فيني."
أردفَ أركانُ بنبرةٍ هادئةٍ، مريحةٍ، حاولَ منْ خلالِها ترميمَ شتاتِ أخيهِ، ينظرُ إليهِ بعينينِ تشعانِ تفهماً:
" لمْ تُخطئْ.. أساساً كانَ علينا توقُّعُ ذلكَ هوَ أخبثُ منّا جميعاً.. منَ المستحيلِ أنْ يكونَ وحدهُ.. غيرَ هذا.. في كلِّ خطةٍ يوجدُ فشلٌ وربحٌ.. ليسَ ذنبكَ.. كنتُ أشعرُ أساساً بعدمِ راحةٍ لهذا.. منذُ البدايةِ."
أردفَ آسرُ بنبرةٍ تملؤُها فضولٌ، محاولٌ استيعابَ ما يرمي لهُ أركانُ، وهوَ يشعرُ أنَّ اللعبةَ أعمقُ بكثيرٍ مما ظنَّ هوَ:
" ماذا تقصدُ.. أخي؟"
أردفَ أركانُ بنبرةٍ تحملُ ثقةً مطلقةً، وعيناهُ تصوبانِ نحو المدى، وكأنَّهُ يرى تحركاتِ خصومِهِ القادمةَ:
" أقصدُ أنهُ يوجدُ أحدٌ خلفَهُ.. أحدٌ أقوى منهُ.. لكنْ بالتأكيدِ.. ليسَ أقوى مني.. حتى الآنَ كانَ يحاربُ بمفردِهِ.. لكنهُ سيستعينُ بهِ عاجلاً أمْ آجلاً."
أردفَ جسارُ بنبرةٍ تملؤُها استياءٌ، وهوَ يمسحُ وجهَهُ بضيقٍ، وكأنهُ يحمّلُ ذاتَهُ والجميعَ مسؤوليةَ التأخيرِ الذي حصلَ:
" إذاً علينا أنْ نحذرَ أكثرَ.. لأننا لا نعبثُ معَ شخصٍ واحدٍ.. كانَ يجبُ أنْ ننهيَهُ.. ما كنا لنُرهَقَ إلى هذهِ الدرجةِ."
أردفَ أركانُ بهدوءٍ وثباتٍ، وهوَ ينظرُ لجسار نظرةً ثاقبةً تجبرُهُ على التريثِ، وصوتٌ يحملُ هيبةً لا تُناقشُ:
" لكنَّ هذا لنْ يكونَ ممتعاً.. المعركةُ جاءتْ لتُرهقنا.. لنْ تكونَ سهلةً.. لكنَّ الفوزَ سيكونُ حليفنا في النهايةِ.. غيرَ هذا.. اصبرْ.. لماذا التهورُ ونحنُ بالنهايةِ؟ هلْ يليقُ بكَ وبنا هذا؟ الرصاصةُ نهايةٌ مؤقتةٌ.. بينما معرفةُ مَنْ خلفَهُ.. هيَ النهايةُ المدمرةُ والحاسمةُ."
.......
كانتْ أليفُ لوحدِها، غارقةً بالصمتِ، تسترجعُ الذكرياتِ، تتقاذفُها كأمواجٍ هادئةٍ أحياناً، عاصفةٍ أحياناً أخرى كذلكَ.. وفي منتصفِ تلكَ اللحظاتِ، تسللتْ نورُ بهدوءٍ، ونطقتْ بنبرةٍ تملؤُها فضولٌ ممزوجٌ بحنانٍ : " ماذا تفعلينَ؟"
أجابتْ أليفُ وهيَ تجفلُ قليلاً، تحاولُ استعادةَ توازنِها، وسحبَ نفسِها منْ بئرِ أفكارِها، وصوتُها يحملُ بحّةَ ذكرياتٍ:
" أتيتِ في لحظةِ غفلتي.. لا شيءَ.. كنتُ فقطْ أتذكّرُ."
مالتْ نورُ برأسِها قليلاً، وهيَ ترمقُها نظرةً فاحصةً، لمْ تصدقْ تلكَ الـ "لا شيءَ"، ثمَّ سألتْ بإلحاحٍ رقيقٍ واضحٍ :" ماذا تتذكّرينَ؟"
أردفتْ أليفُ بصوتِها الخافتِ، وكأنَّ الكلماتِ تخرجُ منْ بينِ ركامِ سنينَ منَ الألمِ، وعيناها تلمعُ ببريقِ دموعٍ مكتومةٍ:
" مهيرةُ قالتْ إنها رغبتْ بقوتي.. لكنها استسلمتْ.. آخرُ ما قالتْهُ كانَ: لا تنسيني.. لو كانتْ تعلمُ أنني لا أخرجُها منْ عقلي حتى اليومِ."
أردفتْ نورُ بنبرةٍ تكسوها أسىً، وقدْ اقتربتْ منْ أليفَ لتُشعرَها بدفءِ وجودِها، وصوتُها يرتجفُ بصدقٍ:
" أعلمُ.. هذا مؤلمٌ جداً.. ومرهقٌ أيضاً.. إنها لحظةٌ لا أتمنّاها حتى لعدوي."
أكملتْ نورُ حديثَها، وهيَ تمسكُ يدَ أليفَ بقوةٍ، وكأنها تنقلُ إليها طاقتَها، وعيناها تشعُّ إصراراً:
" لكننا هنا.. إخوتكِ بجانبكِ.. وسنستمرُّ في الصمودِ.. فليكنْ هذا امتحاننا."
.......
كانَ يفكرُ في صمتٍ، يتساءلُ إنْ كانتِ الخطوةُ القادمةُ صائبةً، أمْ أنها مجردُ تهورٍ محفوفٍ بالمخاطرِ.. قطعَ تفكيرَهُ صوتُ أحدِ رجالِهِ:
" سيدي.. ألمْ تقلْ إنهُ عليكَ الاستعانةُ بهمْ؟ مَنْ همْ؟"
أجابَ جاسرٌ، وعيناهُ تزيغانِ في مكانٍ، وكأنهُ يبحثُ عن أمانٍ مفقودٍ، نبرتُهُ تحملُ مزيجاً منَ الخوفِ والتهديدِ:
" هل تظنُّ أنني وحدي؟ هناكَ مَنْ يقفون خلفي.. إنهم يستطيعون الوصولَ إلى أيِّ مكانٍ، أيِّ شخصٍ.. قوتي لا تكفي لمواجهةِ أركانَ وحدي.. هو أقوى منَ الجميعِ."
ردَّ الرجلُ بذهولٍ، وعلاماتُ حيرةٍ ترتسمُ على وجهِهِ، وكأنهُ يلقي بآخرِ حجرٍ في بركةِ جاسرٍ الراكدةِ:
" أقوى حتى منْ هؤلاءِ؟ إذاً.. ماذا سيفيدونَكَ؟"
أجابَ جاسرٌ بابتسامةٍ باردةٍ، وعيناهُ تلمعُ بخبثٍ، وكأنَّهُ كشفَ أخيراً عنْ ورقتِهِ الرابحةِ:
" ربما ليسوا أقوى.. لكنْ أيديهمْ طويلةٌ.. تصلُ حيثُ لا يمكنُ لغيرِهمْ أنْ يصلَ.. وأركانُ لديهِ نقطةُ ضعفٍ.. واحدةٌ فقطْ.. ستجعلُهُ أضعفَ منَ الجميعِ."
أكمل جاسرٌ بنبرةٍ منخفضةٍ، مشوبةٍ بحقدٍ قديمٍ، وهو يخرجُ هاتفهُ ببطءٍ، وثباتٍ مصطنعٍ:
" بما أننا نشاركهُ الذكرياتِ.. حتى وإنْ كانتْ سيئةً.. سأكتفي الآنَ بالتهديدِ.. عليَّ إجراءُ مكالمةٍ."
أخرجَ هاتفَهُ، ضغطَ على الأرقامِ بأناملِهِ، ثمَّ رفعَهُ إلى أذنِهِ.. مرَّتْ لحظاتُ الرنينِ، وكأنها دقاتُ ساعةِ النهايةِ في أذنِهِ، يبتلعُ ريقَهُ الجافَّ منتظراً.. وحينَ فُتِحَ الخطُّ، سادَ صمتٌ ثقيلٌ ثانيةً، قبلَ أنْ يخرقَهُ صوتٌ باردٌ كنصلٍ، جاءَ الردُّ :
" نعمْ.. ماذا تريدُ؟"
قالَ جاسرٌ بنبرةٍ فحيحُها يقطرُ سمّاً، وعيناهُ تلمعُ ببريقِ غدرٍ:
" أريدُ الوصولَ لشخصٍ كفيلٍ بإيقاعِ أركانَ.. أعلمُ أنكم تريدونَهُ مثلي.. أليسَ كذلكَ؟"
جاءَهُ الردُّ هذهِ المرةَ بصوتٍ أكثرَ حدةً، خالٍ منِ انفعالٍ، وكأنهم يفتحونَ ملفاً قديماً للإعدامِ:
" حسناً.. أخبرنا أكثرَ عن هويتهِ."
هزَّ جاسرٌ رأسَهُ ببطءٍ، وعيناهُ غارقةٌ في تفكيرٍ عميقٍ، وهوَ يهمسُ بكلماتٍ تشبهُ طعناتِ الخناجرِ:
" لا أعلمُ اسمَهُ تحديداً.. لكنهُ يتخطَّانا جميعاً فقطْ ليقابلَهُ.. أعتقدُ أنها نقطةُ ضعفِهِ."
جاءَهُ الردُّ ببرودٍ، يبعثُ قشعريرةً، قبلَ أنْ يغلقَ الخطَّ، تاركاً خلفَهُ صدىً منَ الموتِ:
" أحسنتَ.. نحنُ سنجدُها للإيقاعِ بهِ.. سنفعلُ كلَّ شيءٍ.. سنُريهِ أنَّ القوةَ ليستْ كلَّ شيءٍ."
تحدثَ جاسرٌ بالفحيحِ الهادئِ، ينتمي لثقةٍ مطلقةٍ، وكأنهُ يقومُ بهمسٍ لسرٍ مقدسٍ، لا لتهديدٍ قاتلٍ:
" انتظرْ يا سيدَ أركانَ.. لقدْ بدأتْ أيامُكَ السيئةُ."
اتمنى لكم قراءة ممتعه 🌸
مين اكثر شخصية تعلقتوا فيها ؟ وليش ؟🤔
عدو اخر بمواجهة اركان هل سيقدر على المحاربة
هل سيجدون اليف ام ان اركان لديه مخطط اخر ؟
اي علاقة اعجبتكم اكثر
اسر وأركان 🥹
اسر وجسار 🥹
اليف واركان 🙈
نور واليف الاخوات🥹
Evyra6