الفصل الأول : أنين الروح
"في عالمنا، الثقة لا تُعطى بسهولة، لأننا نعلم ما القادم من. ورائها ."
كان قلبها يخفق بالسعادة، ولكنها لم تكن تعلم ما تخبئه لها الحياة لم تدرك أن معاناتها كانت على وشك أن تبدأ، ستضطر لخوض رحلة مليئة بالألم والتحديات , فهل ستتمكن من التحمل؟
..........
تركض بطريق لا تعلم كم ستتألم به، مضطرة للبقاء صامدة وسط تحديات صعبة تواجهها تتمسك، لا من أجل نفسها، من أجل أحبائها لكن متى ستصل الدفعة الأخيرة، ولن تعد قادرة، وتصل لقمة الانهيار؟
.....
نحن ثلاثة أشخاص نتمسك ببعضنا لكي نصمد، نحارب لنكون أقوياء الفرحة لا تفارقنا عندما نكون بجانب بعضنا، لكن لم نعلم أن ما سيأتي سيدمرنا جميعًا، وسينزع السعادة منا رويدًا رويدًا.
في حياتي لا أثق بغير إخوتي، حتى لو لم نكن من نفس الدم، روحنا نفسها.
أذهب كل يوم للعمل مهما كان يرهقني، لأجلهم أتحمل كل شيء مهما كان الأمر صعبًا يحاولون تدميري، لكن لن ينجحوا، هم لا يعلمون من يوجد أمامهم.
أولهم مهيرة، كانت يملأ الحقد عيونها لم أعلم سبب كرهها لي لهذا الحد، رغم أنني لا أعطي أحدًا ثقتي بسهولة، لكن كانت لدي صديقة لم أسلمها ثقتي كاملة لم أكن أعلم أنني كنت محقة بهذا، لم أكن أعلم أن الضربة ستكون بهذه القوة.
.....
لَمْ تُحَوِّلْ مَهيرةُ بَصَرَها عَنِّي وَلَوْ لِرَمْشَةِ عَيْنٍ، كَانَتْ نَظَرَاتُها تَخْتَرِقُ صَمْتَ المَكَانِ بِثِقْلٍ مُرِيبٍ، اقْتَرَبَتْ بِخُطَوَاتٍ مَدْرُوسَةٍ، مَالَتْ بِرَأْسِها قَلِيلاً وَهِيَ تُحَدِّقُ فِيَّ بِذلِكَ البُرُودِ المُسْتَفِزِّ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ :
"أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ."
قَطَّبْتُ حَاجِبَيَّ بِتَوَجُّسٍ، نَبَسْتُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَصَرَتْ كُلَّ رِيبَتِي الَّتِي شَعَرْتُ بِهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
" مَاذَا؟"
خَرَجَ صَوْتُها هادِئاً بِحِدّةٍ مَكْتُومَةٍ، وكأنّها تَنْزِعُ اعْتِرافاً بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ:
"أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ مَا الَّذِي يَجْعَلُكِ بِهذِهِ القُوَّةِ، رَغْمَ أَنَّكِ كَبُرْتِ بِدُونِ أَحَدٍ بِجَانِبِكِ، كَيْفَ تَتَمَسَّكِينَ بِهذِهِ الحَيَاةِ؟"
خَرَجَتِ الكَلِمَاتُ مِنْهَا بِنَبْرَةٍ مُتَّزِنَةٍ، خَالِيَةٍ مِنْ أَيِّ سُخْرِيَةٍ هٰذِهِ المَرَّةَ، بَلْ كَانَ فِيهَا بَحَّةٌ طَفِيفَةٌ تَشِي بِرَغْبَةٍ دَفِينَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكْبَحَهَا أَكْثَرَ:
"تَظُنِّينَ أَنَّنِي أَكْرَهُكِ، لَكِنَّنِي أَرْغَبُ بِقُوَّةٍ مِثْلِكِ."
أَشَحْتُ بِبَصَرِي قَلِيلًا، ثُمَّ نَطَقْتُ بِنَبْرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ تَحْمِلُ مَرَارَةَ تَجَارِبٍ صَقَلَتْنِي، وَكَأَنَّنِي أُخَاطِبُ ذَاتِي قَبْلَ مُخَاطَبَتِهَا:
"فِي هٰذَا العَالَمِ، يُعَلِّمُونَكَ القُوَّةَ رَغْمًا عَنْكَ."
مَدَّتْ مَهيرةُ يَدَها بِيَقِينٍ لَمْ يَهْتَزَّ، فِي عَيْنَيْهَا لَمْعَةُ ذَكاءٍ حادَّةٍ، ثُمَّ نَبَسَتْ بِصَوْتٍ واثِقٍ لا يَرْتَجِفُ:
"يَقُولُونَ دَائِمًا أَنَّ عَدُوَّ عَدُوِّكِ صَدِيقُكِ.. فَهَلْ أَنْتِ مُسْتَعِدَّةٌ لِمُصَافَحَتِي؟"
نَظَرْتُ إِلَى يَدِهَا المَمْدُودَةِ بِحَذَرٍ، ثُمَّ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ لِأُقَابِلَ نَظَرَاتِهَا الوَاثِقَةَ، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ مَزِيجاً مِنَ التَّحَدِّي وَالفُضُولِ:
"لَكِنْ.. مَنْ هُوَ هٰذَا العَدُوُّ المُشْتَرَكُ؟"
أَمَالَتْ مَهيرةُ رَأْسَهَا قَلِيلاً، رَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِهَا بَقَايَا ابْتِسَامَةٍ سَاخِرَةٍ، ثُمَّ نَطَقَتْ بِاسْمٍ وَاحِدٍ كَانَ كَفِيلاً أَنْ يَجْعَلَ الهَوَاءَ يَتَجَمَّدُ بَيْنَنَا :
"وَمَنْ سَيَكُونُ غَيْرَ لَارَا؟"
تَنَهَّدْتُ بِعُمْقٍ، ثُمَّ ثَبَّتُّ نَظَرَاتِي فِي عَيْنَيْهَا، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ لَا تَقْبَلُ أَيَّ شَكٍّ :
"مَهْمَا كُنْتُ أَكْرَهُ شَخْصًا، لَنْ أَفْعَلَ لَهُ شَيْئًا سَيِّئًا، يَا مَهيرةُ، فَلْتَعْلَمِي هٰذَا.
أَمَالَتْ مَهيرةُ رَأْسَهَا قَلِيلاً بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِنَبْرَةٍ تُحَاوِلُ فِيهَا أَنْ تُطَمْئِنَنِي:
"لَكِنَّ المَوْضُوعَ بِنَفْسِهِ عَنْ شَخْصٍ يَفْعَلُ السُّوءَ بِالأَسَاسِ.. أَنَا لَا أَطْلُبُ مِنْكِ شَيْئًا كَبِيرًا، فَقَطْ أُرِيدُ إِيقَافَهَا، لَا أَكْثَرَ. فَهَلْ سَتَكُونِينَ مَعِي؟"
تَنَهَّدْتُ بِعُمْقٍ، ثُمَّ نَطَقْتُ بِنَبْرَةٍ رَصِينَةٍ تَحْمِلُ خِبْرَةً مِنْ فَتَاةٍ عَاشَتْ حَيَاةً لَا تَغْفِرُ لِلْمُغَفَّلِينَ:
"يَقُولُونَ دَائِمًا: لَا تَسِرْ بِطَرِيقٍ دُونَ مَعْرِفَتِكَ لِعَوَاقِبِهِ."
قَاطَعَ حَدِيثَنَا دُخُولُ لَيْلَى المُفَاجِئُ، وَقَفَتْ تَرْمُقُ كِلَانَا بِنَظْرَةٍ مُتَفَحِّصَةٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ فُضُولاً لَمْ يَخْلُ مِنَ الرِّيبَةِ : "عَنْ مَاذَا تَتَكَلَّمُونَ؟"
رَفَعْتُ رَأْسِي نَحْوَ لَيْلَى بِثَبَاتٍ، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ تَصْرِفُ عَنِّي أَيَّ شَكٍّ، وَكَأَنَّنِي أُكْمِلُ حَدِيثاً عَادِيّاً:
"كُنْتُ أَشْرَحُ لِمَهيرةَ كَمِ التَّصَرُّفُ بِدُونِ خُطَّةٍ سَيِّءٌ."
لَمْ تَلْتَفِتْ مَهيرةُ لِلَيْلَى، بَلْ صَوَّبَتْ نَظَرَاتِهَا لِي بِمُنْتَهَى الجَرَاءَةِ، ثُمَّ نَبَسَتْ بِبُرُودٍ أَذَابَ كُلَّ مُحَاوَلَاتِي لِلتَّمْوِيهِ:
"كُنَّا نَتَكَلَّمُ عَنْ عَدُوِّنَا المُشْتَرَكِ، وَلَا زِلْتُ لَمْ أَحْصُلْ عَلَى جَوَابٍ لِسُؤَالِي."
ضَيَّقَتْ لَيْلَى عَيْنَيْهَا بِمَكْرٍ فُضُولِيٍّ، وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً لِتَقِفَ بَيْنَنَا، ثُمَّ سَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ تَقْطَعُ الشَّكَّ بِيَقِينٍ:
"أَيُّ سُؤَالٍ؟"
نَظَرَتْ مَهيرَةُ إِلَيْنَا، وَبِنَبْرَةٍ جَرِيئَةٍ لَمْ تَعْلَمْ يَوْماً مَعْنَى المُوارَبَةِ، قَالَتْ كَلِمَاتِهَا الَّتِي ارْتَدَّ صَدَاهَا فِي المَكَانِ:
"هَلْ.. أَنْتُمْ مَعِي لِإِيقَافِ لَارَا؟"
نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ ثَابِتَةٍ لَا تَهْتَزُّ، ثُمَّ قُلْتُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، لَكِنَّهَا بِذَاتِ الوَقْتِ حَادَّةٌ كَنَصْلٍ:
"نَعَمْ، تَعْلَمِينَ عَوَاقِبَ هَذَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
رَسَمَتْ مَهيرةُ عَلَى ثَغْرِهَا ابْتِسَامَةً بَارِدَةً، ثُمَّ نَطَقَتْ بِيَقِينٍ لَا يَعْلَمُ التَّرَاجُعَ:
"أَنَا لَا يَهُمُّنِي العَوَاقِبُ، بَلِ النَّتَائِجُ."
صَمَتُّ لِلَحْظَةٍ، أُقَيِّمُ فِيهَا مَدَى جِدِّيَّتِهَا الَّتِي تَحْمِلُهَا، ثُمَّ سَأَلْتُ بِنَبْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ تَقْطَعُ جِبَالَ أَيِّ تَرَدُّدٍ :
"حَسَنًا، كَيْفَ سَنَفْعَلُ هَذَا؟"
نَظَرَتْ مَهيرةُ إِلَيْنَا بِنَظَرَاتٍ ثَاقِبَةٍ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، يَحْمِلُ ثِقْلَ الشَّكِّ :
"السُّؤَالُ الأَهَمُّ، هَلْ يُمْكِنُنِي الوُثُوقُ فِيكُمَا؟"
ارْتَسَمَتْ عَلَى مَلَامِحِي جِدِّيَّةٌ بَارِدَةٌ، ثُمَّ نَطَقْتُ بِكَلِمَاتٍ عاديَةٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ وَزْنَ مَبَادِئَ رَاسِخَةٍ :
"مِنْ أَكْثَرِ الأَفْعَالِ الَّتِي أَبْغَضُهَا هِيَ الغَدْرُ، وَمَنْ يَقِفُونَ بِجَانِبِي يَعْلَمُونَ هَذَا."
لَمَعَتْ عَيْنَا مَهيرةَ بِبَرِيقٍ حَادٍّ، تَحَوَّلَتْ مَلَامِحُهَا لِثِقَةٍ مَشُوبَةٍ بِتَحَدِّي، ثُمَّ قَالَتْ تَسْتَعِدُّ لِكَشْفِ أَوْرَاقِهَا:
"هَيَّا، لِنُرِيَهَا مَعَ مَنْ تَعْبَثُ."
.....
بَدَأْنَا بِالعَمَلِ، وَجَدْنَا مَا سَيَجْعَلُهَا تَقِفُ عِنْدَ حَدِّهَا، وَنَجَحْنَا.
فِي هَذَا الوَقْتِ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ العَدَاوَةَ الَّتِي تَتَحَوَّلُ لِصَدَاقَةٍ، تَكُونُ أَقْوَى مِنْ أَيِّ صَدَاقَةٍ عَادِيَّةٍ.
لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنَّ الغَدْرَ سَيَأْتِي لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ الغَيْرَةَ سَتَعْبُرُ بَيْنَ صَدَاقَةٍ كُنْتُ أَظُنُّهَا الأَقْوَى يَوْمًا مَا.
كُنَّا سُعَدَاءَ كَثِيرًا، تَمَنَّيْتُ لَوْ يَعُودُ الزَّمَنُ لِتِلْكَ الأَيَّامِ، وَأَنْ أَكُونَ أَمْسَكْتُ يَدَيْكِ بِقُوَّةٍ وَلَمْ أَتْرُكْهَا، لَيْتَنِي أَدْرَكْتُ كَمْ كُنْتُ بِصَدَاقَةٍ سَامَّةٍ، لَكِنَّ مَا ذَهَبَ لَا يَعُودُ، أَعْلَمُ هَذَا جَيِّدًا.
لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ الوَاقِعِ، أَدْخَلُوا هَذَا الشَّيْءَ بِعَيْنِي رَغْماً، فَلَمْ أُنْكِرْ، بَلْ وَاجَهْتُ؛ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ إِشَاعَةً بَاطِلَةً سَتَتَسَبَّبُ بِهَذَا كُلِّهِ؟
.....
عِنْدَمَا أَصْبَحْنَا أَنَا وَمَهيرةُ وَلَيْلَى أَفْضَلَ الأَصْدِقَاءِ، جَاءَ الوَقْتُ لِكَسْرِ السَّعَادَةِ عَنْ طَرِيقِ إِشَاعَةٍ بَاطِلَةٍ، لَطَالَمَا أَرَادَ الأَعْدَاءُ تَصْدِيقَهَا.
لَمْ يَكُنْ لَدَى مَهيرةَ أَحَدٌ بِهَذَا الوَقْتِ غَيْرِي يُصَدِّقُهَا.
كَثُرَتِ الإِهَانَاتُ، تَحَمَّلْتُ، وَلَكِنْ لَمْ تَتَوَقَّعْ وُصُولَهَا لِلتَّكَلُّمِ عَنْ عَائِلَتِهَا.
فَاضَتْ آخِرُ قَطْرَةٍ مِنَ الكَأْسِ، وَلَمْ تَعُدِ القُدْرَةُ عَلَى التَّحَمُّلِ
رَكَضْتُ خَلْفَهَا بِأَنْفَاسٍ مُتَقَطِّعَةٍ، حَتَّى بَلَغْنَا سَطْحَ المَدْرَسَةِ، ثُمَّ صَرَخْتُ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ، يَمْتَزِجُ فِيهَا الرَّجَاءُ بِأَلَمٍ وَاضِحٍ :
"مَهيرةُ.. تَوَقَّفِي، لَا يَسْتَحِقُّ، هَلْ سَتَسْمَحِينَ لِلظُّلْمِ بِالفَوْزِ؟"
أَنْزَلَتْ مَهيرةُ رَأْسَهَا، سَقَطَتْ كَتِفَاهَا بِيَأْسٍ لَمْ أَرَهُ فِيهَا قَبْلًا، ثُمَّ هَمَسَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مَجْرُوحٍ، يَكَادُ يَقْطَعُ:
"أَنَا أُرْهِقْتُ، لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ التَّحَمُّلَ."
نَظَرَتْ لِي بِعَيْنَيْنِ تَفِيضُ بِخِذْلَانٍ عَمِيقٍ، أَكْمَلَتْ بِنَبْرَةٍ حَزِينَةٍ تَقْطَعُ القَلْبَ:
"لَا يُمْكِنُكِ الفَهْمُ."
كانت على وشك القفز، أمسكتها في آخر لحظة.
"أَمْسَكْتُ بِيَدِهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيتُ مِنْ قُوَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ جَسَدُهَا مُعَلَّقٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، صَرَخْتُ فِيهَا، وَالدُّمُوعُ تَحْرِقُ عَيْنَيَّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ:
"أَنَا أَفْهَمُ، أَلَمْ تَقُولِي تُرِيدِينَ قُوَّةً مِثْلِي؟ هَلْ تَرَيْنَ أَنَّنِي لَمْ أُعَانِ؟ لَوْ تَعْلَمِينَ مَا عِشْتُهُ، أَلَمْ أَقُلْ لَكِ، فِي هَذَا العَالَمِ يُعَلِّمُونَكَ القُوَّةَ رَغْمًا عَنْكِ؟ كَيْفَ سَتَكُونِينَ مِثْلِي إِذَا انْهَرْتِ مِنْ أَوَّلِ صَدْمَةٍ؟"
نَظَرَتْ مَهيرةُ لِي بِعَيْنَيْنِ غَارِقَةٍ بِالدُّمُوعِ، وَهِيَ تَتَشَبَّثُ بِيَدِي كَغَرِيقٍ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ بِنَبْرَةٍ مَشْرُوخَةٍ تُشَقِّقُ الرُّوحَ :
"لَا أُرِيدُ هَذَا، يُمْكِنُنِي تَحَمُّلُ كُلِّ الإِهَانَاتِ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَى عَائِلَتِي."
شَدَدْتُ يَدَهَا بِقُوَّةٍ، أَسْحَبُهَا نَحْوِي، انْفَجَرْتُ بِبُكَاءٍ لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ صَرَخْتُ بِنَبْرَةٍ مَكْسُورَةٍ، تَمْلَأُهَا غُصَّةٌ:
"يَا صَدِيقَتِي.. أَنَا أَعْتَذِرُ، أَنَا أَعْتَذِرُ!"
حَاوَلَتْ مَهيرةُ إِفْلَاتَ يَدِي، لَكِنَّنِي شَدَدْتُ عَلَى مِعْصَمِهَا بِقُوَّةٍ جُنُونِيَّةٍ، وَكَأَنَّ حَيَاتِي مَرْهُونَةٌ بِبَقَائِهَا، ثُمَّ صَرَخْتُ فِيهَا بِنَبْرَةٍ تَرْتَجِفُ، تَمْلَؤُهَا رُعْبٌ:
"لَا، لَنْ أَسْمَحَ لَكِ بِهَذَا، لَا تَجْعَلِينِي أَعِيشُ شَيْئًا كَهَذَا، لَا تُعْطِينِي أَلَمًا مِثْلَهُ."
تَوَقَّفَتْ مَهيرةُ عَنْ مُحَاوَلَةِ الإِفْلَاتِ، سَكَنَ جَسَدُهَا بَيْنَ يَدَيَّ كَطَيْرٍ ذَبِيحٍ، ثُمَّ رَفَعَتْ نَظَرَهَا لِي بِضَيَاعٍ، هَمَسَتْ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، تَتَمَزَّقُ لَهَا كُلُّ رُوحٍ:
"لَا أَسْتَطِيعُ.. تَذَكَّرِينِي بِذِكْرَى جَمِيلَةٍ، هَلْ يُمْكِنُ يَا أُخْتِي؟"
شَدَدْتُ عَلَى مِعْصَمِهَا بِكُلِّ قُوَّتِي، نَظَرْتُ فِي عَيْنَيْهَا بِإِصْرَارٍ، زَلْزَلَ كُلَّ كِيَانِي، ثُمَّ صَرَخْتُ فِيهَا بِنَبْرَةٍ قَوِيَّةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِبُكَاءٍ مَكْتُومٍ :
"لَا، أَنْتِ قَوِيَّةٌ، تَسْتَطِيعِينَ، لَنْ نَسْمَحَ لَهُمْ بِالفَوْزِ. هَيَّا، سَاعِدِينِي لِأَرْفَعَكِ."
ارْتَخَتْ قَبْضَةُ مَهيرةَ رُوَيْدًا، وَنَظَرَتْ لِي نَظْرَةً أَخِيرَةً، تَمْلَأُهَا المَحَبَّةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ هَمَسَتْ بِصَوْتٍ صَافٍ، مَكْسُورٍ، غَيْرِ مُتَمَاسِكٍ :
"اعْتَذِرُ، لَكِنَّنِي لَا أُرِيدُ سَمَاعَ كَلَامٍ عَنْ عَائِلَتِي. لِتَكُنْ لَكِ أَيَّامٌ جَمِيلَةٌ، لَا تَنْسَيْنِي."
ثُمَّ انْزَلَقَتْ أَنَامِلُهَا بَيْنَ قَبْضَتِي، كَمَاءٍ يَجْرِي، تَرَكَتْ يَدِي لِلْفَرَاغِ، وَبَقِيتُ أُصَارِعُ الهَوَاءَ البَارِدَ، بَعْدَمَا عَجَزَتْ رُوحِي، قَبْلَ جَسَدِي، عَلَى الإِمْسَاكِ بِهَا.
صَرَخْتُ بِاسْمِهَا، صَرْخَةً زَلْزَلَتْ أَرْكَانَ السَّمَاءِ، بَحَّ صَوْتِي، انْفَطَرَ قَلْبِي مَعَ كُلِّ مَدَّةِ حُرُوفِ اسْمِهَا، وَفِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ، اقْتَحَمَ يَزَنُ السَّطْحَ، لِيَجِدَنِي جَاثِيَةً أَمَامَ عَدَمٍ، أُحَاوِلُ قَبْضَ الرِّيحِ بِأَنَامِلَ تَرْتَجِفُ، وَعَيْنِي مَشْدُودَةٌ لِلأَسْفَلِ، حَيْثُ رَحَلَتْ رُوحِي مَعَهَا.
تَسَمَّرَ يَزَنُ فِي مَكَانِهِ، شَحَبَ لَوْنُهُ كَأَنَّ الدَّمَ انْسَحَبَ مِنْ عُرُوقِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، نَظَرَ إِلَى يَدِكِ المَمْدُودَةِ لِلْفَرَاغِ، ثُمَّ إِلَى عَيْنِي الغَارِقَةِ، خَرَجَ صَوْتُهُ مُتَهَدِّجاً، يَرْتَجِفُ بِذُعْرٍ مَكْتُومٍ :
"مَاذَا حَصَلَ؟"
ارْتَمَيْتُ عَلَى الأَرْضِ، أَنْظُرُ لِكَفَّيَّ بِذُعْرٍ، وَكَأَنَّهُمَا خَذَلَانِي، ثُمَّ قُلْتُ بَيْنَ شَهَقَاتِ بُكَائِي المَرِيرِ، وَصَوْتِي يَتَقَطَّعُ مِنَ الأَلَمِ، الَّذِي يَشَقُّقُ رُوحِي:
"بِسَبَبِي هَذَا كُلُّهُ.. لَمْ أَسْتَطِعِ الإِمْسَاكَ بِهَا، لَمْ أَفْعَلْ!"
تَقَدَّمَ نَحْوِي بِخُطًى مُثْقَلَةٍ، جَثَا بِجَانِبِي، يَضَعُ أَنَامِلَهُ عَلَى كَتِفِي بِحَنَانٍ، يُحَاوِلُ تَرْمِيمَ حُطَامِي، قَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، حَزِينَةٍ، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ:
"لَيْسَ ذَنْبَكِ، هِيَ مَنْ اخْتَارَتْ تَرْكَ يَدِكِ."
مَرَّتْ أَيَّامٌ، وَهِيَ عَلَى نَفْسِ الحَالَةِ، حَاوَلْتُ إِقْنَاعَهَا كَثِيرًا، لَكِنَّهَا لَمْ تُعِرْنِي اهْتِمَامًا، وَاسْتَمَرَّتْ فِي غِيَابِهَا عَنِ العَالَمِ بِأَجْمَعِهِ، تَقَدَّمْتُ نَحْوَهَا، جَلَسْتُ بِمُحَاذَاتِهَا، أَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ الشُّحُوبِ، الَّذِي احْتَلَّ مُنْتَصَفَ مَلَامِحِهَا، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، تَحْمِلُ ثِقْلَ الرَّجَاءِ الصَّامِتِ :
"يَجِبُ عَلَيْكِ الِاسْتِمْرَارُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا أَيَّتُهَا الفَتَاةُ القَوِيَّةُ؟"
أَمْسَكَ يَدِي البَارِدَةَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، نَظَرَ فِي عَيْنِي الشَّارِدَةِ بِإِصْرَارٍ مُحِبٍّ، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ يَقِينٌ قَاطِعٌ:
"أَنَا عَهَدْتُكِ هَكَذَا."
سَحَبْتُ يَدِي مِنْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، بِبُطْءٍ مُؤْلِمٍ، أَشَحْتُ بِوَجْهِي بَعِيداً عَنْ نَظَرَاتِهِ، الَّتِي تَشَقَّقُ فِينِي شَيْءٌ، ثُمَّ قُلْتُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، لَا حَيَاةَ فِيهِ:
"لَمْ يَعُدْ لَدَيَّ سَبَبٌ، اتْرُكْنِي لِوَحْدِي."
تَوَقَّفَ يَزَنُ عَنِ الِانْسِحَابِ، الْتَفَتَ لَهَا بِحِدَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِقَهْرٍ، وَكَأَنَّ كَلِمَاتِهَا عَنْ فِقْدَانِ سَبَبٍ، أَشْعَلَتْ نَاراً فِي قَلْبِهِ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ مُخْتَنِقٍ، يُعِيدُهَا لِوَعْيِهَا :
"لَمْ يَعُدْ لَدَيْكِ سَبَبٌ؟ وَمَاذَا عَنْ نُورٍ، وَجَسُورٍ، وَبَسَّامٍ؟ مَاذَا سَيَحْصُلُ لَهُمْ؟"
نَظَرْتُ لِلأُفُقِ، بِعَيْنَيْنِ تَغَيَّرَتْ لَمْعَتُهُمَا مِنْ كَسْرَةِ الفَقْدِ، لِصَلَابَةِ العَهْدِ، هَمَسْتُ لِنَفْسِي، بِصَوْتٍ اسْتَعَادَ بَعْضاً مِنْ قُوَّتِهِ المَفْقُودَةِ:
"عَلَيَّ الِاسْتِمْرَارُ، لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، بَلْ لِكِلَيْهِمَا، غَيْرَ هَذَا، أَنَا أَعْطَيْتُ وَعْداً لِشَخْصٍ وَقَفَ بِجَانِبِي، يَجِبُ عَلَيَّ الإِيفَاءُ بِهِ."
تَجَمَّدَ يَزَنُ فِي مَكَانِهِ، خَفَتَتْ نَبْرَةُ غَضَبِهِ، لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا حَيْرَةٌ طَغَتْ مَلَامِحَهُ، ثُمَّ سَأَلَ بِهُدُوءٍ حَذِرٍ، عَيْنَاهُ تُحَاوِلُ قِرَاءَةَ مَا خَلْفَ نَظَرَاتِي :
"مَنْ هُوَ؟"
كَانَ يَنْظُرُ لِي يَزَنُ بِحَيْرَةٍ، ثُمَّ مَالَ لِلْهُدُوءِ المَمْزُوجِ بِفُضُولِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَبَدَأْتُ أَتَكَلَّمُ، وَعَيْنِي فِيهِمَا بَرِيقٌ يَلْمَعُ، حِينَمَا تَذَكَّرْتُهُ :
"شَخْصٌ كَبِيرٌ بِالسِّنِّ، أَصْبَحَ سَنَدِي مِثْلَ أَبِي، قَرَّرَ التَّكَفُّلَ بِتَعْلِيمِي. لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ مِنِّي شَيْءً، لَكِنْ جَاءَ يَوْمٌ وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَخْتَارَ مِهْنَةً أُرِيدُهَا، وَأَكُونَ سَعِيدَةً فِيهَا، وَهُوَ سَيَتَكَفَّلُ بِكُلِّ شَيْءٍ."
حِينَهَا أَرْدَفْتُ لَهُ، بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ مُتَرَدِّدَةٍ، أُحَاوِلُ أَنْ أُحَقِّقَ رَغْبَتَهُ، هُوَ الَّذِي مَنَحَنِي كُلَّ شَيْءٍ :
"مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَصْبَحَ؟"
أَرْدَفَ لِي، بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ عَمِيقَةٍ، تَمْلَؤُهَا حِكْمَةٌ وَمَحَبَّةٌ أَبَوِيَّةٌ، لَا تَفْرِضُ قُيُوداً، تَرْسُمُ لِي طَرِيقاً :
"هَذَا قَرَارُكِ أَنْتِ، لَكِنْ.. أَرَدْتُ أَنْ أَرَاكِ طَبِيبَةً."
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ صَلْبَةٍ وَاضِحَةٍ، فِيهَا بَرِيقُ تَحَدٍّ، لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ حُلْمٌ، لَكِنَّهُ أَصْبَحَ، بِفَضْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الحَنُونِ:
"هَذَا رَائِعٌ، إِذًا يَجِبُ عَلَيَّ البَدْءُ بِالسَّعْيِ. أَعِدُكَ، لَنْ أَخْذُلَكَ."
تَمْتَمَ يَزَنُ بِهَمْسَةِ إِعْجَابٍ، مَمْزُوجَةٍ بِعَتَبٍ طَفِيفٍ، كَمَنْ اكْتَشَفَ كَنْزاً كَانَ مَخْفِيّاً عَنْهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ لِنَبْرَةٍ جَادَّةٍ حَازِمَةٍ، تَفِيضُ بِالحِرْصِ:
"كَمْ هُوَ شَخْصٌ طَيِّبٌ، هَكَذَا، إِلَى مَتَى كُنْتِ تُفَكِّرِينَ بِإِخْفَاءِ هَذَا؟ لَا تَهْتَمِّي، أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ لَا تَلُومِي نَفْسَكِ."
ثُمَّ أَكْمَلَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ عَمِيقَةٍ، كَالأَيَّامِ السَّابِقَةِ:
"هَلْ يُمْكِنُكِ فِعْلُ هَذَا؟"
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ وَاقِعِيَّةٍ، تَعْتَلِيهَا مَرَارَةٌ لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهَا، لَكِنَّهَا تَنْتَهِي بِحِدَّةٍ كَالفُولَاذِ:
"لَا أَعِدُكَ بِذَلِكَ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيَّ الِاسْتِمْرَارُ، أُرِيدُ أَنْ أُحَاسِبَ الفَاعِلِينَ، وَمَعْرِفَةَ مَنْ وَرَاءَ هَذِهِ التُّهْمَةِ الَّتِي لَا أَسَاسَ لَهَا."
أَرْدَفَ يَزَنُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِرِضًا وَحُزْنٍ مَكْتُومٍ، وَكَأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَهُ عَنْ دَفَّةِ القِيَادَةِ، لِيَتْرُكَ لِي حُرِّيَّةَ الإِبْحَارِ : "حَسَنًا، كَمَا تَرْغَبِينَ، هَذَا الشَّيْءُ عَائِدٌ لَكِ."
.....
أُحَاوِلُ التَّمَسُّكَ وَالِاسْتِمْرَارَ، بَعْدَ حَدَثٍ يَجِبُ أَنْ أَنْهَارَ مِنْ بَعْدِهِ، أَعْمَلُ وَأَدْرُسُ فِي نَفْسِ الوَقْتِ، وَأُحَقِّقُ عَنِ الحَقِيقَةِ وَرَاءَ هَذَا أَكْثَرَ. يَا تَرَى، هَلْ سَتَصْدُمُنِي؟
بَعْدَ عِدَّةِ تَسَاؤُلَاتٍ، نَجَحْتُ بِإِيجَادِهَا، كِدْتُ لَا أُصَدِّقُ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَعَلِمْتُهُ لِتَوِّي، ارْتَجَفَ قَلْبِي، وَتَمَنَّيْتُ لَوْ انْشَقَّتِ الأَرْضُ فِينِي بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ."
أَتيتُ إِلَيْهَا ، تَتَأَمَّلُ فِي دَاخِلِهَا أَنَّ الَّذِي عَرَفَتْهُ لَيْسَ صَحِيحاً،أنْظُرُ لِلَيْلَى، بِرَجَاءٍ مَكْسُورٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ بِالنِّسْبَةِ لَي، وَكَأَنَّ عَالَمَي يَقِفُ عَلَى حَافَةِ الِانْهِيَارِ، المُؤَقَّتَةِ لِلتَّوِّ .
" أَرْدَفَتْ لَيْلَى بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، يُغَلِّفُهَا اسْتِغْرَابٌ وَقَلَقٌ مِنَ الزِّيَارَةِ الَّتِي لَا تَحْمِلُ عَادَةً إِلَّا خَبَراً كَبِيراً:
"عَسَاهُ خَيْرٌ.. أَتَيْتِ هُنَا بِهَذَا الوَقْتِ المُتَأَخِّرِ؟"
أَتَقَدَّمُ نَحْوَ لَيْلَى بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ، كَانَ كُلُّ خُطْوَةٍ تَكْسِرُ شَيْئاً بِدَاخِلِي، صَوَّبْتُ عَيْنِي نَحْوَهَا، أَبْحَثُ عَنْ أَيِّ نَفْيٍ فِيهِمَا، أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ غُصَّةً وَاضِحَةً:
"قُولِي إِنَّكِ لَمْ تَفْعَلِي، وَإِنْ حَصَلَ، أَتَمَنَّى مِنْكِ سَبَباً مُحِقّاً لِهَذَا."
اتَّسَعَتْ عَيْنَا لَيْلَى بِذُهُولٍ حَقِيقِيٍّ، تَرَاجَعَتْ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ، كَأَنَّ كَلِمَاتِي صَفَعَتْ وَجْهَهَا، امْتَزَجَتْ نَبْرَتُهَا بِارْتِبَاكٍ وَخَوْفٍ مِنْ هَيْئَتِي المُنْهَارَةِ:
"مَاذَا؟ لَمْ أَفْعَل، لَمْ أَفْهَم، عَنْ مَاذَا تَتَحَدَّثِين؟"
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ مَخْنُوقَةٍ، وَدُمُوعِي مَكْتُومَةٌ، لَكِنَّهَا حَادَّةٌ كَنَصْلٍ، تَخْرُجُ كَلِمَاتِي وَكَأَنِّي أُزِيحُ صَخْرَةً عَنْ رُوحِي، وَعَيْنِي مُثَبَّتَةٌ فِي عَيْنَيْ لَيْلَى، دُونَ رَفَّةِ جَفْنٍ :
"أَتَكَلَّمُ عَنِ الِاتِّهَامِ البَاطِلِ، الَّذِي أُلْقِيَتِ بِهِ عَلَى عَاتِقِ مَهِيْرَةَ، لِمَاذَا فَعَلْتِ هَذَا؟"
سَادَ صَمْتٌ قَاتِلٌ لِلَحَظَاتٍ، تَجَمَّدَتْ مَلَامِحُ لَيْلَى، قَبْلَ أَنْ تَرْتَسِمَ عَلَيْهَا ابْتِسَامَةٌ بَاهِتَةٌ مُسْتَفِزَّةٌ، هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَسْتَغْرِبُ مِنَ الِاتِّهَامِ، أَرْدَفَتْ بِنَبْرَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ أَيِّ تَعَابِيرَ، وَكَأَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْنِيهَا أَبَداً :
"أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً!"
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ، تَمْلَؤُهَا خِذْلَانٌ كَبِيرٌ، ارْتَفَعَ صَوْتِي لِيَرْعُدَ بِالْمَكَانِ بَعْدَ أَنْ نَفِدَ صَبْرِي مِنْ بُرُودِ لَيْلَى، وَعَيْنِي تَلْمَعُ بِدُمُوعِ قَهْرٍ، وَكَأَنَّ قَلْبِي طُعِنَ فِيهَا خَنْجَرٌ بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ:
"كَفَى! لَا تَنْكِرِي أَكْثَرَ، كَيْفَ لَا يُعَذِّبُكِ ضَمِيرُكِ بَعْدَمَا كُنْتِ السَّبَبَ فِي مَوْتِ فَتَاةٍ شَابَّةٍ؟"
أَرْدَفَتْ بِنَبْرَةٍ فَاتِرَةٍ، خَالِيَةٍ مِنَ النَّدَمِ، بِهُدُوءٍ مُرْعِبٍ، بَيْنَمَا تُصَوِّبُ نَظَرَاتِهَا لِي بِتَحَدٍّ صَامِتٍ:
"حَسَنًا، بِمَا أَنَّكِ عَلِمْتِ، لَا فَائِدَةَ مِنَ الإِنْكَارِ، هَلْ تَرْغَبِينَ بِمَعْرِفَةِ السَّبَبِ؟"
أَرْدَفْتُ لَهَا بِنَبْرَةٍ قَوِيَّةٍ مَلِيئَةٍ بِاحْتِقَارٍ، وَصَوْتِي خَرَجَ مَشْحُوناً بِمَرَارَةٍ، لِلسُّؤَالِ الوُجُودِيِّ عَنْ غِيَابِ الإِنْسَانِيَّةِ، بَيْنَمَا أَرْفُضُ أَنْ أُحِيدَ نَظَرِي عَنْهَا :
"أَرْغَبُ بِمَعْرِفَةِ السَّبَبِ، الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الغَدْرِ وَالِاتِّهَامِ، وَدَفْعِ فَتَاةٍ لِلِانْتِحَارِ."
انْفَجَرَ البُرْكَانُ الخَامِدُ فِي قَلْبِ لَيْلَى، تَبَدَّلَتْ مَلَامِحُهَا الهَادِئَةُ لِمَلَامِحَ تَمْلَؤُهَا حِقْدٌ وَغَيْرَةٌ، صَرَخَتْ بِكَلِمَاتٍ تَحْبِسُهَا لِسَنَوَاتٍ، وَكَأَنَّهَا تُبَرِّرُ جَرِيمَتَهَا بِدَافِعِ الحُبِّ المَسْمُومِ أَمَامِي :
"بِسَبَبِكِ، هِيَ دَخَلَتْ بَيْنَنَا! كُنَّا أَفْضَلَ الأَصْدِقَاءِ، لَكِنْ عِنْدَمَا أَتَتْ تَغَيَّرَ هَذَا، كَرِهْتُهَا لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ صَدَاقَتَنَا."
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ تَهْتَزُّ مِنْ قُوَّةِ الصَّدْمَةِ، حَادَّةٍ وَوَاضِحَةٍ، عَيْنِي مُصَوَّبَةٌ عَلَى مَلَامِحِ لَيْلَى بِنَظْرَةِ احْتِقَارٍ، وَكَأَنِّي أَكْتَشِفُ فَتَاةً أُخْرَى لَا أَعْرِفُهَا، بَيْنَمَا تُشِيرُ يَدِي فِي الهَوَاءِ لِتُعَبِّرَ عَنْ فَظَاعَةِ مَا سَمِعْتُهُ :
"لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ تَكُونِي سَامَّةً لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ.. حَسَناً، كُنْتِ تَغَارِينَ، لَكِنْ يُوجَدُ طُرُقٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ! كَانَ يَجِبُ عَلَيْكِ إِخْبَارِي بِهَذَا وَقْتَهَا، لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثَ هَذَا، وَكُنْتِ السَّبَبَ فِي مَوْتِ فَتَاةٍ بَرِيئَةٍ!"
لَمْ تَكْتَفِ لَيْلَى بِتَمْزِيقِ آخِرِ ذِكْرَيَاتٍ جَمِيلَةٍ بَيْنَنَا، بَلْ ضَيَّقَتْ عَيْنَهَا بِمَكْرٍ مَمْزُوجٍ بِازْدِرَاءٍ، خَطَتْ خُطْوَةً نَحْوِي، تَرْتَسِمُ عَلَى مَلَامِحِهَا ابْتِسَامَةٌ مُلْتَوِيَةٌ، لِتُلْقِيَ بِكَلِمَاتِهَا كَسُمٍّ فِي أُذُنِي، مُحَاوِلَةً قَلْبَ الطَّاوِلَةِ:
"أَنَا لَسْتُ السَّبَبَ، كُنْتِ آخِرَ مَنْ مَسَكَهَا، لِمَاذَا لَمْ تُنْقِذِيهَا؟"
أَرْدَفْتُ بِنَبْرَةٍ قَوِيَّةٍ حَادَّةٍ كَسَيْفٍ، أَقْطَعُ مُحَاوَلَةَ لَيْلَى الخَبِيثَةَ بِالتَّلَاعُبِ، تَرَاجَعْتُ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ أَبْتَعِدُ عَنْهَا، نَظَرْتُ بِصَلَابَةِ مَنْ يَمْتَلِكُ الحَقِيقَةَ، وَصَوْتِي يَخْرُجُ مُمْتَلِئاً بِالحَقِّ وَالأَلَمِ :
"لَا تُحَاوِلِي إِلْقَاءَ التُّهْمَةِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ، هِيَ تَرَكَتْ يَدِي، هِيَ أَرَادَتِ المَوْتَ بِسَبَبِكِ! أَنَا ضَمِيرِي لَا يَزَالُ يُعَذِّبُنِي رَغْمَ أَنْ لَيْسَ لِي بِالأَمْرِ، فَكَيْفَ هُوَ شُعُورُكِ أَنْتِ؟"
رَفَعَتْ لَيْلَى كَتِفَهَا بِلَا مُبَالَاةٍ مُسْتَفِزَّةٍ، كَأَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ خَطَأٍ تِقْنِيٍّ بَسِيطٍ، لَا عَنْ رُوحٍ أُنْهِكَتْ، وَعَادَتِ ابْتِسَامَتُهَا البَارِدَةُ تَرْتَسِمُ عَلَى مَلَامِحِهَا، وَهِيَ تُجِيبُ بِكُلِّ قَسْوَةٍ :
"فَكَّرْتُ أَنَّهَا سَتَتَحَمَّلُ لِأَنَّهَا قَوِيَّةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ غَيْرَ هَذَا، أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً خَاطِئاً، لَسْتُ نَادِمَةً عَلَى ذَلِكَ!"
نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ، لَا تَحْمِلُ غَضَباً، بَلْ تَحْمِلُ اسْتِصْغَاراً تَامّاً، تَحْذِفُ كُلَّ سَنَوَاتِ الصَّدَاقَةِ فِي ثَانِيَةٍ، اسْتَدَرْتُ لِأَمْضِيَ فِي طَرِيقِي بِوَقَارٍ مَكْسُورٍ، تَارِكَةً خَلْفِي كَلِمَاتٍ كَاللَّعْنَةِ تُحَاصِرُ لَيْلَى لِلْأَبَدِ :
"حَسَنًا، أَسَاسًا.. مَعَ مَنْ أَتَحَدَّثُ؟ لَكِنْ لَا تَنْسِي، لَنْ أُسَامِحَكِ أَبَدًا!"
هَمَسْتُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لِذَاتِي، بَيْنَمَا أَبْتَعِدُ عَنِ المَكَانِ، مُحَمَّلَةً بِوَجَعٍ لَا تَشْفِيهِ أَيُّ كَلِمَةٍ :
"أَلَمْ أَقُلْ: الأَصْعَبُ هُوَ الغَدْرُ.. مِنْ صَدِيقِكَ نَفْسِهِ؟"
....
لَا زِلْتُ مُصَمِّمَةً عَلَى تَحْقِيقِ الوَعْدِ، لِأَنَّنَا لَا نَكْسِرُهُ، فَهُوَ خَطُّنَا الأَحْمَرُ.
أَنْهَيْتُ الثَّانَوِيَّةَ وَتَقَدَّمْتُ لِلْجَامِعَةِ؛ عَمِّي تَكَفَّلَ بِكُلِّ شَيْءٍ، أَنَا هَكَذَا أَدْعُوهُ، وَكُنْتُ أَجْتَهِدُ كُلَّ يَوْمٍ لِكَيْ أُحَقِّقَ الحُلْمَ.
لَمْ أَعْلَمْ مَا تُجَهِّزُهُ لِي الحَيَاةُ، عِنْدَمَا اسْتَيْقَظْتُ عَلَى مُكَالَمَةٍ صَادِمَةٍ بِاعْتِقَالِهِ بِتُهْمَةٍ لَا أَسَاسَ لَهُ فِيهَا! حَاوَلْتُ بِكُلِّ الطُّرُقِ إِيجَادَ النُّقُودِ لِكَيْ أُوَكِّلَ لَهُ مُحَامِياً، لَكِنَّهُ لَمْ يَوَدَّ بِذَلِكَ.
كُنْتُ أَزُورُهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَأُخْبِرُهُ أَنِّي سَأُسْقِطُ التُّهْمَةَ، لَكِنَّهُ يَسْتَمِرُّ بِقَوْلِهِ: "انْسِي المَوْضُوعَ، لَا أُرِيدُ هَذَا".
أَتَى اليَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الحَقُّ وَتَمَّ إِسْقَاطُ التُّهْمَةِ، سَعِدْتُ جِدّاً بِخُرُوجِهِ، لَكِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَنْ يَدُومَ طَوِيلاً.
جَلَسْنَا لِيَوْمٍ كَامِلٍ نَتَحَدَّثُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَتَحَدَّثُ لَهُ أَنَّنِي عَلَى وَشْكِ الإِيفَاءِ بِمَا قَالَهُ لِي. لَكِنْ فِي اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، أَتَى رِجَالُ الشُّرْطَةِ لِبَابِنَا بِتُهْمَةٍ جَدِيدَةٍ!
أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرْ إِلَّا قَلِيلاً، وَكَانَ بِجَانِبِي طَوَالَ الوَقْتِ، لَكِن لَمْ يَسْتَمِعْ أَحَدٌ لِي.. كَمْ لَا يُوجَدُ عَدَالَةٌ!
ذهبت لأكون بجانبها أقْتَرَبْتُ مِنْهُ، أَمْسَكْتُ يَدَهُ، لَكِنَّ أَنَامِلِي كَانَتْ تَرْتَعِشُ، نَظَرْتُ فِي عَيْنَيْهِ مُبَاشَرَةً مُحَاوِلَةً طَرْدَ الخَوْفِ الَّذِي يُخَيِّمُ عَلَيْنَا،
قُلْتُ بِصَوْتٍ يَمْلؤُهُ يَقِينٌ رَغْمَ كُلِّ الظُّلْمِ الَّذِي يُحِيطُ بِنَا : "لَا تَقْلَقْ.. سَيَرَوْنَ أَنَّكَ بَرِيءٌ!"
تَوَقَّفَ قَلِيلاً، نَظَرَ لِي، ثُمَّ هَمَسَ بِمَرَارَةٍ مُؤْلِمَةٍ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا رَعْشَةً: "أَعْتَذِرُ يَا ابْنَتِي."
تَجَمَّدَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلِي، وَكَأَنَّ الصَّوْتَ انْقَطَعَ عَنِ العَالَمِ إِلَّا صَدَى كَلِمَتِهِ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَظَرْتُ لَهُ بِضِيَاعٍ، وَخَرَجَتْ حُرُوفِي مُرْتَجِفَةً، تَسْأَلُ عَنْ ذَنْبٍ لَا تَعْلَمُهُ:
"عَنْ مَاذَا؟"
فِي لَمْحِ البَصَرِ، تَحَوَّلَتِ الحَقِيقَةُ لِكَابُوسٍ مَرِيعٍ، لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا عَقْلِي؛ امْتَدَّتْ يَدُهُ لِتَخْطَفَ سِلَاحَ أَحَدِ الرِّجَالِ فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ، نَظَرَ لِي بِأَعْيُنٍ مَكْسُورَةٍ، كَأَنَّهُ يُخَطِّطُ لِهَذَا الوَدَاعِ مُنْذُ زَمَنٍ. انْطَلَقَتِ الرَّصَاصَةُ لِتَشُقَّ صَمْتَ المَكَانِ، وَمَعَهَا.. رُوحِي لِنِصْفَيْنِ تَمَاماً!
كُنْتُ أَقِفُ مَكَانِي كَتِمْثَالٍ، عَيْنِي تَتَّسِعُ بِجُحُوظٍ نَحْوَ جَسَدِهِ المَلِيءِ بِالدِّمَاءِ، لَكِنَّ عَقْلِي يَرْفُضُ رُؤْيَتَهُ؛ بَدَأْتُ أَهُزُّ رَأْسِي يَمِيناً وَشِمَالاً بِآلِيَّةٍ مُرْعِبَةٍ، وَخَرَجَتْ كَلِمَاتِي وَكَأَنَّهَا تَعْوِيذَةُ خَلَاصٍ مُسْتَحِيلَةٍ :
"لَمْ يَحْصُلْ.. أَنَا أَرَى حُلُماً! هَذَا كُلُّهُ بِسَبَبِي، كَانَ يَجِبُ أَنْ أُسْقِطَ التُّهْمَةَ مُنْذُ البِدَايَةِ!""
اقْتَرَبَ يَزَنُ مِنْي حِينَمَا أَتَى، وَصَوَّبَ عَيْنَهُ عَلَيَّ بِتِلْكَ الحَالَةِ، بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ رَغْمَ هَوْلِ المَنْظَرِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كَتِفَيَّ، ضَغَطَ عَلَيْهِمَا بِقُوَّةٍ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ إِعَادَتِي لِأَرْضِ الوَاقِعِ، نَظَرَ لِعَيْنَيَّ المُجْهَدَتَيْنِ قَائِلاً بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ مُسْتَسْلِمَةٍ لِلْقَدَرِ :
"حَسَنًا.. لِنُحَاوِلَ الهُدُوءَ، أَعْلَمُ أَنَّهُ صَعْبٌ أَيَّتُهَا الفَتَاةُ القَوِيَّةُ؛ هُوَ كَانَ سَنَداً، لَكِنَّهُ رَحَلَ، لَا يُوجَدُ شَيْءٌ لِفِعْلِهِ!"
انْهَارَتْ قُوَايَ تَمَاماً، شَعَرْتُ بِثِقْلِ يَدَيْ يَزَنَ عَلَى كَتِفَيَّ وَكَأَنَّهُمَا جَبَلٌ، انْحَنَى رَأْسِي لِلْأَسْفَلِ بِبُطْءٍ، خَرَجَ صَوْتِي مَخْنُوقاً، يَفِيضُ بِأَلَمِ سَنَوَاتٍ تَجَسَّدَتْ بِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ :
"لَا يُمْكِنُنِي التَّحَمُّلُ.. لِمَاذَا الصَّدَمَاتُ تَسْتَمِرُّ بِالحُدُوثِ، وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى؟"
اقْتَرَبَ يَزَنُ مِنِّي أَكْثَرَ، خَفَضَ مُسْتَوَى رَأْسِهِ لِيُقَابِلَ نَظَرَاتِي، وَأَرْدَفَ بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ رَحْمَةً وَثَبَاتاً :
"إِنَّكِ مُحِقَّةٌ، لَكِنْ مَاذَا نَفْعَلُ؟ هَذَا لَيْسَ ذَنْبَكِ.. لَمْ تَكُونِي السَّبَبَ، لَمْ تَدْفَعِيهِ لِهَذَا، لَا تَلُومِي نَفْسَكِ! إِنَّهُ القَدَرُ، هُوَ كَانَ يَرْغَبُ بِالمَوْتِ، لِمَاذَا؟ لَا أَعْلَمُ.. رُبَّمَا لَمْ يَتَحَمَّلْ، لَا تُحَمِّلِي نَفْسَكِ أَكْثَرَ!"
أَفْلَتُّ يَدِي مِنْ قَبْضَةِ يَزَنَ، تَرَاجَعْتُ بِضْعَةَ خُطُوَاتٍ لِلْخَلْفِ، كَانَتْ عَيْنِي مُثَبَّتَةً لِلْفَرَاغِ، جَسَدِي يَتَحَرَّكُ كَآلَةٍ، أَصْبَحْتُ مَسْلُوبَةَ الإِرَادَةِ، وَقَبْلَ أَنْ أُغَادِرَ هَمَسْتُ بِكَلِمَاتٍ بَدَتْ وَكَأَنَّهَا وَدَاعٌ أَخِيرٌ :
"أَحْتَاجُ لِلذَّهَابِ.. لِكَيْ أَتَنَفَّسَ قَلِيلاً."
لَمْ يَرِدْ تَرْكِي لِوَحْدِي، لِأَنَّهُ خَائِفٌ مِمَّا أَفْعَلُ لِنَفْسِي. ذَهَبْتُ، وَأَنَا مَلِيئَةٌ بِالهُمُومِ، لِحَافَةِ الهَاوِيَةِ؛ وَكُنْتُ عَلَى وَشْكِ إِلْقَاءِ نَفْسِي مِنْهَا..
تعريف بسيط للأبطال :
اركان : العمل: زعيم مافيا، بارد مع أعدائه، ذكي، ناضج، واعي لعالمه، يحاول تغيير النظام في هذا العالم.
العمر: 30 سنة
العائلة مجهوله، حيث الماضي غامض، لا يحب التكلم عن ماضيه أبدًا، ويكره ذكر عائلته.
اليف : فتاة قوية، جريئة، حنونه مع أخواتها، إيجابية تجاه الحياة، صامدة رغم الألم التي عانته
العمر مجهول، حيث أنها منذ الـ 5 في سنها نشأت في الشوارع، ولا تعرف يوم ميلادها أبدًا، فهي نفسها لا تعرف عمرها.
وأفضل أن أجعل العمر مجهول حاليًا لمنطقية الأحداث، حسب رأيي هكذا سيكون أفضل بالنسبة للرواية.
العائلة مجهولة، حيث أنها تظن أنهم تركوها، لهذا لا تبحث عنهم، لكن ما الحكاية سنكتشف هذا لاحقًا.
أجواء الرواية : في تركيا 🥹 هل أنتم مستعدين لرؤية مافيا بشكل آخر تركية ؟
Evyra6