بين نارين

بين نارين

30 0

الفصل الثالث : بين نارين

"الجميع يرتكب أخطاء، لكن المهم ألّا يرتكب أحد خطأ بحقي ."

كان هذا الحديث مؤثرًا عليه، لم يرد الوداع وتمنى لقاءً آخر يجمعهما.

حان وقت الفراق وذهب إلى مكانه المعتاد.

قاطع آسر صمت المكان بظهوره المفاجئ، كانت ملامحه مشدودة كوتر على وشك أن ينفجر، وعيناه تعكس قلقاً لم يعتده أركان منه، اقترب بخطوات متسارعة من أخاه، وخفض صوته لنبرة تملؤها تحذير، وكأنه يلقي حقيقة مرة بوجه أخيه:

​"أخي، أين كنت؟ أريد إخبارك.. من الممكن أن يكون العدو أخطر من توقعنا."

رفع أركان حاجب ببرودٍ قاتل، ولم تتزحزح ملامحه الرخامية أمام توتر آسر، ثم أجاب بصوتٍ هادئٍ وكأن الأمر

لا يعدو شيء كونه إزعاج عابر:

​"إلى أي درجة؟ الخطر ليس أكثر مني على الأغلب.. هل علمتَ شيئًا عن خططه؟"

تنهد آسر بعمق، وكأن ثقل الحقيقة يضغط على قلبه، ثم اقترب خطوةً إضافيةً ليرغم أركان أن ينظر لعينه، وأردف بنبرةٍ جادةٍ منخفضة، طغت عليها حدة قلقٍ يحاول فيها كبحه:

​"إلى الآن لم أستطع، لكن أعتقدُ أنه يبحث عن نقطة ضعفٍ لك.. أخي، يجب عليك الانتباه؛ هو ليس من الأعداء الذين نعرفهم ونستطيع إسقاطهم بسهولة."

أشاح أركانُ نظرهُ نحو الأفق ببرودٍ لا يهتز، ثم أعادهُ لآسر، وارتسمت على ملامحهِ ابتسامةٌ ساخرةٌ، أجابَ بنبرةٍ رخاميةٍ صلبةٍ تحملُ ثقلاً تكادُ تلامسُ حدودَ غرورهِ:

​"أعلمُ هذا، هو يبحثُ عن المستحيل، حتى لو كان لديَّ نقطةُ ضعفٍ لن أسمحَ باكتشافها.. علينا الخطوُ بخطوة؛ اكتشف مكانَ تسليمِ عملهِ، هو أرادَ البدءَ بالمعركةِ فليتحمّل عواقبها، فبالتأكيدِ لن أكونَ الخاسرَ فيها."

........................

في زاويةٍ هادئةٍ بعيدة، وصلت إليف للبيت للتو بعد مغامرةٍ طويلة، استقبلتها نور بحنان، نظرت نحو الأكياس التي تحملها إليف، سألتها بنبرةٍ يملؤها الفضول الممزوج بحرصٍ أخوي:

​"جيد، جلبتِ الأغراض؟"

تنهدت إليف بعمقٍ يدل على إرهاقٍ واضحٍ ألقى بظلاله على ملامحها، نظرت لنور بعينين تروي تفاصيل صراعٍ خفي، ثم أجابتها بنبرةٍ متهكمةٍ لم تخلو عن طرافة الموقف:

​"لو تعلمي ماذا حلَّ بي لأستطيع المحافظة عليهم؟"

اتسعت عينا نور بفضولٍ لم تستطع إخفاءه، مالت برأسها قليلاً تراقبُ ملامحَ وجه إليف بعناية، ثم سألتها بضحكةٍ خفيفةٍ محاولةً تلطيفَ حدةِ الموقف:

​"أصبح لديَّ فضول، أعتقدُ أنكِ خضتِ مغامرةً سيئةً جداً، هل هذا صحيح؟"

ارتسمت على ملامح إليف ابتسامةٌ باهتةٌ شاردة، وكأنها تسترجعُ ملامحَ وجههِ في تلك اللحظة، ثم أجابت بنبرةٍ هادئةٍ يملؤها امتنان، محاولةً إخفاءه خلفَ ستارٍ من السخرية :

​"من الجيد أنني استطعت النجاة، وكل هذا بفضل شخص يبتعد عن البطولة."

لمعت عينا نور ببريقٍ مفاجئ، ارتسمت على وجهها ملامحُ ذهول، ثم هتفت بنبرةٍ مرحةٍ لا تخلو من الاستنتاج الذكي:

​"فهمتُ، إنه الشخصُ الذي غيّر رأي أختنا العنيدة، إنه إنجاز! أودُّ مقابلته، أخبريني كيف أنقذكِ؟ هل قاتلهم؟"

هزت إليف رأسها ببطءٍ، ونظراتها لا تزال معلقةً بذات الفراغ، ثم أجابت بنبرةٍ خافتةٍ طغى عليها ذهولٌ وإعجابٌ مكتوم:

​"لم يحدث هكذا، بالأساس عند رؤيته هربوا منه"

قطبت نورُ حاجبها بغرابة، تقلصت ابتسامتها تدريجياً لتحلَّ محلها نظرةُ حيرةٍ وقلق، ثم سألت بنبرةٍ خافتةٍ يشوبها تشككٌ وارتباك:

​"كم هذا غريب! هل هو شخصٌ مرعب؟"

أطرقت إليف رأسها قليلاً، لمعت عيناها بنظرةٍ غامضةٍ تجمعُ بين التحدي واللين، ثم أجابت بنبرةٍ هادئةٍ واثقة، وكانها تحاول اقناع نور بكلامها :

​"لنقل إنه مجرمٌ ذو إنسانية، إنه شخصٌ رائع."

هزت نورُ رأسها باستنكارٍ واضح، تقدمت خطوةً نحو أختها ممسكةً بكتفيها وكأنها تحاول أن توقظها من حلمٍ محقق، ثم هتفت بنبرةٍ حازمةٍ يملؤها خوف:

​"إذًا لا داعي للحديث، يجب عليكِ الابتعادُ عنه قبل الوقوعِ أكثر، هل سمعتِ؟ وتقولين إنه مجرم! من أين جلبتِ الإنسانيةَ بالمجرمين "

- نفضت إليفُ يدي نور عن كتفها بخفة، وهي تتراجعُ خطوةً للوراء، وارتسمت على وجهها ملامحُ تعجبٍ ممزوجٍ بإصرار، ثم أردفت بنبرةٍ دفاعيةٍ قليلاً حادة، تحاولُ فيها استعادةَ توازنها:

​"ماذا حصلَ لكِ؟ هو لا يضرُّ أحداً، وأنا لم أقع! لماذا تغيرت ملامحكِ فجأة؟ غير هذا، لو كان هدفهُ أن يؤذيني، كان لن ينقذني بدايةً."

انخفضَ صوتُ نور ليصبحَ مليئاً بمرارة، امتدت نظراتها التي يعتليها الخوفُ لتخترقَ عيني إليف، ثم قالت بنبرةٍ مرتجفةٍ يملؤها صدق، ممزوجٌ بتحذيرٍ وحرص:

​"أنا خائفةٌ عليكِ فقط، هذا هو الأمر، نعم ربما عالمنا خطيرٌ، لكن هم أخطرُ منا. لا يشفقون، ليس لديهم رحمة، يفرّطون دون النظرِ وراءهم."

أزاحت إليفُ خصلةً من شعرها إلى خلفِ أذنها، ثبتت نظراتها في عيني نور بقوةٍ وثبات، ثم أردفت بنبرةٍ واثقةٍ صلبة، لا تخلو من عنادها الممزوجِ بهدوء:

​"حسنًا، لكن هو مختلفٌ، ليس مثلهم. تريدين حمايتي، لكنني لستُ طفلةً؛ لو كان يريد أن يفعل شيئاً سيئاً لي، لم يكن لينقذني، ألسْتُ محقةً؟ غير هذا، لا أحد يتجرأ على إيذائي، أقول لكِ تحكمين بسرعة."

زفرت نورُ بقلةِ حيلةٍ، أنزلت يديها عن كتفِ أختها، ثم أجالت نظرَها بعيداً وهي تهزُّ رأسَها بيأسٍ خفيف، ثم قالت بنبرةٍ هادئةٍ مهزومةٍ أمامَ عنادِ أختها:

​"حسنًا، لكن كوني على حذرٍ."

..................

النار تضيء كل مكان، الرجال يحيطون بالأطراف، وغضبه لا يُعلم كم سيصمد؟

ارتسمت على ملامحِ جاسر ابتسامةٌ ملتويةٌ تقطرُ مكر، وهو يدورُ حولَ رجالهِ بخطواتٍ واثقة، وكأنّهُ ينسجُ فخاً غيرَ مرئي، ثم هتفَ بنبرةٍ خبيثةٍ يملؤها حقد:

​"ألم أقلْ لكم ستجدونَ نقطةَ ضعفٍ على هذا الرجل؟"

مسحَ رجلُ جاسر حباتِ العرقِ عن جبينهِ بتوتر، وتبادلَ نظراتٍ قلقةً مع زملائهِ قبلَ أن يلتفتَ نحو جاسر، أردفَ بنبرةٍ متهدجةٍ يملؤها إحباطٌ ورهبة:

​"إنه غامضٌ جدًا، البحثُ عنه كأنك تبحثُ عن إبرةٍ في ساحةٍ مليئةٍ بالأعشاب."

ضربَ جاسرُ الطاولةَ أمامهُ بقبضةِ يدهِ بعنف، فانتفضَ رجالهُ رعباً، ثم اقتربَ من وجهِ أحدهم وعيناهُ تشتعلانِ غضباً، وهتفَ بنبرةٍ حادةٍ آمرةٍ لا تقبلُ النقاش:

​"لا يهمني هذا، راقبوا تحركاته، بالتأكيد سيخرجُ شيءٌ، هل فهمتم؟"

تراجعَ الرجلُ خطوةً للوراء، محاولاً تجنبَ نظراتِ جاسر التي كالبركان، وبلعَ ريقهُ بصعوبةٍ قبلَ أن يجمعَ شجاعتهُ ويسأل، بنبرةٍ حذرةٍ يملؤها فضولٌ مرتعش:

​"حسنًا، سنفعلُ.. أريدُ سؤالكَ سيدي: ما مشكلتُكَ معه؟ ليسَ من المعقولِ أن يكونَ فقط السببُ رفضهُ طلبكَ للعمل، يوجدُ الكثير."

ضيقَ جاسرُ عينيهِ وهو ينظرُ للأفقِ، وارتسمت على وجههِ ملامحُ برودٍ مرعبة، ثم التفتَ لرجالهِ وأردفَ بصوتٍ منخفضٍ حازم، يعتليهِ التعالي والتهديد:

​"هذا لا يعني أحداً، أريدُ إنزالهُ من الزعامةِ إذا وجدتُ ثغرةً له، ربما لن أضطر لقتلهِ للتخلصِ منه، تهديدهُ كافٍ؛ وأنتم، عليكم التحركُ بسرعة."

أحنى الرجالُ رؤوسهم بطاعةٍ عمياء، تراجعوا بضعَ خطواتٍ للخلفِ وكأنهم يهربون من وهجِ غضبه، ثم تمتمَ أحدهم بصوتٍ خافت، ونبرةٍ خاضعةٍ تحاولُ استرضاءه:

​"حسنًا، سنحاولُ بكلِّ جهدنا، سيدي، لا تقلق."

...............

اتكأَ آسرُ على حافةِ المكتبِ مقابلَ أركان، يراقبهُ بصمتٍ لثوانٍ وهو يراهُ غارقاً في تفكيره، ثم كسرَ حاجزَ الصمتِ ومالَ نحو أركان قليلاً، تمتمَ بنبرةٍ هادئةٍ دافئةٍ يملؤُها قلقٌ أخوي:

​"أخي، ماذا يوجدُ بعقلك؟"

أرجعَ أركانُ ظهرهُ للخلفِ على مقعدهِ، وشبك أناملهُ ببرودٍ تام، ثم نظر إلى آسر بنظرةٍ ثاقبةٍ التمعَ فيها بريقُ تحدي، وقال بنبرةٍ هادئةٍ واثقةٍ يغلفها مكرُ قادة:

​"أعتقدُ أنني أعلمُ الخطوةَ التالية، سيراقبني، وأنا سأتظاهرُ وكأنني لا أعلمُ بهذا، لإيقاعهِ بالفخ."

رسمت على ملامحِ وجهِ آسر ابتسامةٌ خفيفة، وهو يهزُّ رأسهُ بقلةِ حيلة، ثم أطلقَ ضحكةً خفيفةً تعبرُ عن إعجابهِ الشديدِ بدهاءِ أخيه، وتمتمَ بنبرةٍ ساخرةٍ تملؤها الفخر:

​"أحيانًا أتعجبُ من ذكائكَ، أخي."

أمالَ أركانُ رأسهُ قليلاً، وارتسمت على ثغرهِ نصفُ ابتسامةٍ غامضةٍ لا تصلُ لعينيه، ثم نظرَ إلى آسر بهدوءٍ وثقةٍ كأنهُ يلقي عليهِ درسَ أصولِ اللعبة، قال بنبرةٍ عميقةٍ يملؤها اعتزاز:

​"هذا العالمُ يحتاجُ دقةً وتخطيطاً، ألم تجد شيئاً مما قلتهُ؟"

عدلَ آسرُ من وقفتهِ، اعتدلت ملامحهُ لتصبحَ أكثرَ جديةً من ذي قبل، برقت عيناهُ بتركيزٍ عالٍ وهو ينتقلُ من مرحلةِ الإعجابِ بدهاءِ أخيهِ لمرحلةِ تنفيذ، وسألَ بنبرةٍ عمليةٍ حازمةٍ تعتليها تحفز:

​"التسليمُ سيكونُ بمكانٍ بعيدٍ عن الأنظار، هل أجهّزُ رجالنا للمداهمة؟"

هزَّ أركانُ رأسهُ برفضٍ ببطء، ارتسمت على وجههِ ملامحُ برودٍ قاسيةٍ وهو يشبكُ أناملهُ مرةً أخرى، ثم نظرَ لآسر بنظرةٍ ذاتِ معنى، وقال بنبرةٍ منخفضةٍ وهادئةٍ لكنها حادةٌ كسكين:

​"لا، لا نريدُ عدداً كثيراً، سنلفتُ النظرَ هكذا."

أمالَ آسرُ رأسهُ جانباً وهو يراقبُ ملامحَ أخيهِ الصارمة، ثم عقدَ ذراعيهِ وتنهدَ بعمقٍ قبلَ أن يطرحَ سؤالَهُ الذي كانَ يلحُّ عليه، تمتمَ بنبرةٍ هادئةٍ متساءلةٍ يعتليها القليلُ من الحيرة:

​"لماذا تكرهُ هذا الرجل؟ أفهمُ رفضكَ للعمل، لكن..."

أطلقَ أركانُ زفرةً قويةً وهو ينهضُ من مقعدهِ ببطء، وقفَ أمامَ النافذةِ بظهرهِ لآسر، ثم التفتَ إليهِ بملامحَ حادةٍ كالشفرةِ ونظراتٍ تشعُّ إصراراً، وقال بنبرةٍ قويةٍ يغلفُها تهديدٌ صريح:

​"أنا لا أكرهه، عملهُ لا يناسبُ مبادئي، وأخبرتهُ بهذا بالشكلِ المناسب، لكنهُ لم يفهم؛ أنا أحذّرُ لمرةٍ واحدةٍ فقط، بما أنهُ يريدُ حرباً، لنعطيهِ إياها! هيا، اذهب لجسار واخبره، لنبدأ حركتنا الأولى؛ المواجهةُ صعبة، والحياةُ أيضاً ليست سهلة، تعلّم هذا."

​ثم اقتربَ من آسر ووضعَ يدهُ على كتفهِ برفق، وأردفَ بصوتٍ يملؤهُ تحذير:

​"احذر، لا أريدُ خطأ، علينا النجاح، فالضربةُ الأولى يجبُ أن تكونَ قوية، لا تُنسى."

...........

كانَ جاسرُ يسيرُ في مكتبهِ ذهاباً وإياباً بخطواتٍ مضطربة، عروقُ وجههِ قد برزت من شدةِ الغضب، ثم توقفَ فجأةً والتفتَ لرجالهِ الذين يرتجفون أمامهُ من الرعب، وصرخَ بهم بنبرةٍ حادةٍ يملؤها نفاذُ صبر:

​"ألم تعلموا شيئاً؟"

تبادلَ الرجالُ نظراتٍ خائفةً فيما بينهم، بلعَ أحدهم ريقهُ بصعوبةٍ وهو يتقدمُ خطوةً للأمامِ برأسٍ منحنٍ، ثم أجابَ بصوتٍ مرتعشٍ يملؤهُ خوفٌ من بطشِ جاسر:

​"لم يخرجْ أبداً، يبدو أنهُ مشغولٌ بالعمل."

أشاحَ جاسرُ بنظرهِ عنهم بضيق، تنهدَ بعمقٍ ينمُّ عن محاولتهِ الفاشلةِ أن يسيطرَ على أعصابه، ثم عادَ ليجلسَ خلفَ مكتبهِ بغرورٍ يحدقُ في الفراغِ بتحدٍ، قال بنبرةٍ باردةٍ تحملُ وعيداً خفيّاً:

​"حسنًا، لنستمرَّ بالعمل، ولنركّزَ عليهِ بعدَ الانتهاء؛ يبدو أنهُ يخططُ لشيءٍ ما، لكنهُ لا يعلمُ أنني لن أسمحَ لهُ بالنجاحِ بالمخطط."

...........

كلُّ شيءٍ كانَ جاهزاً، هو ذكي، يعلمُ كيفَ يغضبُ أعداءهُ، حتى لو كانوا أخطرَ منه، التفتَ آسرُ لجسار ورسمت على ملامحهِ ابتسامةً واثقةً يتفقدُ سلاحهُ للمرةِ الأخيرة، ثم قالَ بصوتٍ هامسٍ وحازم:

​"هيا، علينا المداهمة، لكن كلما كنا أقل، كان أفضل."

انبثقتْ سيارةُ آسرَ من الظلامِ في الطريقِ الجانبيِّ، وكأنها كابوسٌ مفاجئٌ، لتقطعَ الطريقَ ببراعةٍ أمامَ الشاحنةِ الضخمةِ المحملةِ بالبضائعِ، وفي ثوانٍ معدودةٍ، ترجلَ جسارٌ بحركةٍ خاطفةٍ، صوّبَ سلاحهُ نحو السائقِ الذي لم يملكْ فرصةً للاستيعابِ لينهي أمرهُ ببرودٍ تامٍ، تسللَ آسرُ إلى مؤخرةِ الشاحنةِ وبحركةٍ خبيرةٍ فتحَ الأبوابَ ليتأكدَ من الصيدِ الثمينِ، ثم سكبَ وقوداً بغزارةٍ، وأشعلَ عودَ ثقابٍ ونظرَ إليهِ بابتسامةٍ ساخرةٍ، قبلَ أن يلقيهِ فوقَ البضاعةِ ويتراجعَ للخلفِ بهدوءٍ، في لحظةٍ، انفجرَ قلبُ الشاحنةِ بنيرانٍ تصاعدتْ ألسنةُ لهبِها لتضيءَ ليلَ الطريقِ الموحشِ، انسحبا من الموقعِ قبلَ أن يدركَ أحدٌ ما حدثَ، تاركينَ خلفهم رسالةً ناريةً من أركان؛ أنَّ كلَّ طريقٍ يسلكهُ جاسر.. نهايتهُ حريقٌ مدمر

وصلت سيارةُ جاسرَ خلفها أسطولٌ من رجالهِ، عندما أدركوا من الزبونِ أنَّ التسليمَ تأخر، توقفتِ السياراتُ بصريرٍ حادٍ ملأ المكان، ترجلَ جاسرُ والشررُ يتطايرُ من عينيهِ، خطواتهُ تيبستْ وهو يرى هيكلَ الشاحنةِ متفحماً يخرجُ منه دخانٌ أسود، وقفَ أمامَ حطامٍ بصمتٍ مرعبٍ، ملامحهُ التي كانت تعتليها كبرياءٌ تشوهتْ من هولِ صدمتهِ، قبضَ على يدهِ بقوةٍ، وزأرَ بصوتٍ هزَّ أركانَ الطريقِ الموحش.

اقتربَ أحدُ رجالهِ بخوفٍ، وقالَ بنبرةٍ مرتجفة:

​"حسنًا سيدي، لنبحث، هيا، يجب علينا معرفة الفاعل والتخلص منه."

رفعَ يدهُ لإشارةِ إيقافهم، وأردفَ بنبرةٍ باردةٍ تملؤها غل:​" لا داعي، أنا أعلم، إنهُ أركان."

وفي غمرةِ ذلكَ الذهولِ، اخترقَ صمتَ المكانِ رنينُ هاتفهِ الملحُّ، كانَ الصوتُ كصاعقةٍ أخرى هبطتْ عليهِ في غيرِ وقتِها، أخرجَ هاتفهُ ببطءٍ، والضوءُ المنبعثُ من الشاشةِ عكسَ ملامحهُ التي تحوي شدةَ الغلِّ، ليزدادَ انقباضُ قلبهِ وهو يرى هويةَ المتصلِ

فتحَ الخطَّ والشررُ يكادُ يقفزُ من نبرتهِ، قالَ بحدةٍ تعتليها هزيمةٌ مغلفةٌ بغضب:

​" ماذا تريد؟!"

أتاه صوتُ أركانَ من الطرفِ الآخرِ، هادئاً كهدوءِ ما قبلَ العاصفةِ، نطقَ ببرودٍ جعلَ الدماءَ تتجمدُ في عروقِ جاسرَ، الذي يشعرُ بكميةِ غلٍّ شديدةٍ:

​" ألم تشتقْ لي؟ لكني حذّرتك، قلتُ لكَ أنك ستخافُ لو عرفتَ ما سأفعله، أنتَ أردتَ الحرب، تحمّلِ النتائج، أنا شرحتُ لكَ أنَّ عملكَ لا يناسبني، لم تفهم، أنا لا أحذّرُ أكثرَ من مرة. أردتُ أن أبدأَ بالضربةِ الأولى، ألم تعجبك؟"

ضغطَ جاسرُ على أسنانِهِ بقوةٍ، حتى كادَ يحطمُها، ونطقَ بصوتٍ مخنوقٍ من شدةِ الحقدِ، وكأنهُ يتوعدُ بجحيم:

​" وأنا أريدُ أن أقولَ شيئًا لك."

ردَّ أركانُ بضحكةٍ خافتةٍ، تكادُ أنْ لا تُسمعَ، وأردفَ بنبرةٍ تحملُ سخريةً، ما يكفي لإشعالِ غضبِ جاسرَ أضعافاً : ​" تفضل، عزيزي."

تنهدَ جاسرُ بعمقٍ، يحاولُ فيهِ كبحَ ارتعاشِ صوتهِ، ثم نطقَ بوعيدٍ يقطرُ سماً، لمنْ أمامَهُ:

​" أنتَ ارتكبتَ خطأً كبيرًا مع الشخصِ غيرِ المناسبِ، كنْ حذرًا، صحيحٌ أنكَ لا تملكُ شخصًا لتفقدهُ، لكنْ لا يوجدُ إنسانٌ دونَ نقطةِ ضعفٍ، أليسَ كذلك؟"

- أطلقَ أركانُ ضحكةً ساخرةً، رنتْ في أذنِ جاسرَ كفحيحٍ واضحٍ، وأجابهُ بنبرةٍ متهكمةٍ، لم تخلُ من القوةِ والشموخ:

​" نصيحتك قيمة، تأثّرت! لو كنتُ أهابُ من كلِّ شخصٍ يعتقدُ نفسهُ ملكًا وهو صغيرٌ بقدرِ الحشرةِ، لكنتُ لنْ أصبحَ زعيماً."

أغلقَ أركانُ الخطَّ بوجههِ، فاشتعلتْ عينا جاسرَ بنارٍ تفوقُ نيرانَ الشاحنةِ التي خلفهُ، ثم التفتَ لرجالهِ، وصرخَ بهستيريةٍ تجردتْ من كلِّ عقل:

​"- هذا الرجلُ تجاوزَ حدودهُ، جِدوا لي شيئًا ضدهُ بسرعةٍ، سأردُّ عليهِ بضربةٍ أقوى مما يتوقّعُ بكثير!"

...............

كانت تقفُ في مكانِها، حينَ لمحتْ ظلهُ المهيبَ يقتربُ، لم تصدقْ عينيها في البدايةِ، لكنَّ وقعَ خطواتهِ كانَ حقيقياً ومألوفاً، التفتتْ إليهِ والدهشةُ ترتسمُ على ملامحِها، أردفتْ بنبرةٍ حاولتْ فيها أن تكونَ متماسكة : ​"ماذا تفعلُ هنا؟"

أمالَ رأسَهُ قليلاً بنظرةٍ غامضةٍ، سارَ نحوَها بخطواتٍ واثقةٍ، حتى وصلَ إليها؛ كانتْ جالسةً على درجِ منزلِها، ثم نطقَ بهدوءٍ يحملُ في طياتهِ عتاباً مبطناً:

​"- اعتقدتُ أنكِ سترحبينَ بي، لكنكِ محقةٌ بالخوفِ، أنا شخصٌ مرعب."

رفعتْ بصرَها إليهِ، وتلاقتْ عيناهُما في نظرةٍ طويلةٍ، سكنَ فيها كلُّ شيءٍ حولَهُما، ثم نطقتْ بصوتٍ هادئٍ، يحملُ في طياتهِ ثقةً غريبةً، وكأنها تتحدى العالمَ جميعهُ برأيها:

​" لا أظنُّ هذا طبعًا، أختي تقولُ إنكَ خطيرٌ، ولا يوجدُ لديكَ ضميرٌ، لكني أرى أنها مخطئة."

عتْ عيناهُ ببريقٍ غريبٍ، وشعرَ بنوعٍ من الراحةِ، لأولِ مرةٍ هناكَ مَنْ لم يحكمْ عليهِ مسبقاً، بل رأى جانباً مختلفاً فيهِ

باغتتهُ بسؤالِها المفاجئِ، بنبرتِها التي تحملُ شجاعةً:

​"- كيفَ تسيرُ الحياةُ معكَ؟"

نهدَ بعمقٍ، ونظرَ للأفقِ، وكأنهُ يستعرضُ شريطَ حروبهِ، ثم أعادَ نظرهُ إليها، وأجابَ بنبرةٍ ممزوجةٍ بالفخرِ والتحذير:

​"- بملاحقةِ مَنْ هُمْ أسوأَ مني وإيقافِهِمْ، مشوقةٌ، ومحمسةٌ أيضًا، وبتعليمِ بعضِ الأشخاصِ الوقوفَ عندَ حدِّهِمْ، أظنُّها ليستْ جيدةً معكِ."

أطالتِ النظرَ إلى الفراغِ أمامَها، وكأنَّ ذكرياتِها معَ عمِّها تمرُّ أمامَها، تنهدتْ بحزنٍ مخفيٍّ، ونطقتْ بصدقٍ يلامسُ الروح :​ " لا أعلمُ، أحيانًا تعطيني السعادةَ، وأحيانًا الحزنَ، لكنني قلتُ أنا مجبرةٌ على الصمودِ، للإيفاءِ بوعدي لعمي."

عقدَ حاجبيهِ باستغرابٍ، وضاقتْ عيناهُ وهو يركزُ على ملامحِها، وكأنهُ يحاولُ كشفَ لغزٍ قد لاحظَ أنها أخفتهُ عنه، ثم سألَ بنبرةٍ جادةٍ، تحملُ في طياتِها الكثيرَ من التساؤلاتِ:

​" عمُّكِ؟ ألمْ تقولي إنهُ ليسَ لديكِ أحدٌ؟"

خفضتْ بصرَها، وعبثتْ بأناملِها بتوترٍ، ثم رفعتْ رأسَها لتقابلَ نظراتهِ الفاحصةَ، أردفتْ بصوتٍ مخنوقٍ بوفاءٍ ومسؤوليةٍ :

​" يُعتبرُ عمي ليسَ الحقيقيَّ، لكنهُ بمثابةِ ذلكَ، هو شخصٌ قدْ تكفلَ بي دونَ مقابلٍ، كبيرٌ في السنِّ، وأيضًا عليَّ الاعتناءُ بإخوتي."

ضيقَ عينيهِ بتأملٍ، وكأنهُ يقرأُ ما بينَ سطورِ حياتِها المرهقةِ، ثم رُسِمَتْ على ملامحِهِ ابتسامةٌ باهتةٌ، تحملُ الكثيرَ من الفلسفةِ، وسألها بنبرةٍ هادئةٍ، لكنها تخترقُ أعماقَ الروحِ :

​"- قولي إنكِ تعيشينَ من أجلِ الآخرينَ، ألمْ تفكري يومًا: ما أريدُ أنا من الحياةِ؟"

أطرقتْ برأسِها، ارتسمتْ على ثغرِها ابتسامةٌ تحملُ مرارةً، تخفي خلفَها وجعاً مدفوناً، ثم نظرتْ إليهِ بعينينِ تحاكي قصصاً من الخذلانِ، قالتْ بصوتٍ صلبٍ رُغمَ انكسارِها:

​"- ليسَ لديَّ وقتٌ للأحلامِ، وأيضًا، هنا يستمرونَ بإعطائِك دروسًا، أحيانًا بالثقةِ، وأخرى بالقوةِ، عليكَ عدمُ إنكارِ الحقيقةِ."

أطالَ النظرَ إليها، رآها، شعرَ بها، انبهرَ، ليسَ كإعجابٍ، بل كيفَ لفتاةٍ أنْ تتحملَ مسؤوليةً في هذا السنِّ الصغيرِ، وربما شبهَها بذاتِهِ، ثم أردفَ لها بنبرةٍ صافيةٍ، كالبحيرةِ التي تكونُ ساكنةً، لا تشوبُها أيُّ شائبةِ ارتباكٍ:

​"- إذًا عليَّ الذهابُ، لكنْ أنتِ أولُ منْ لم يحكمْ عليَّ كمجرمٍ، لهذا هلْ تريدينَ أنْ نصبحَ أصدقاءَ، أيتها المحاربةُ؟"

​نظرتْ إليهِ، ثم نهضتْ، وأردفتْ بصوتٍ مشبعٍ بكلِّ يقينٍ، لا يتسللُ إليهِ أدنى طيفٍ من أيِّ ترددٍ:

​"- لماذا لا؟ بالطبعِ يا صديقي. أتعلمُ؟ بالعادةِ كنتُ سأرفضُ، لكني أثقُ بكَ، أنتَ أنقذتَ حياتي، ليسَ مرةً، اثنتينِ، لا أعلمُ كيفَ أردُّ جميلَكَ."

سار نحوها ببطء، ثم همس بصوت يحمل وقارًا متزنًا، هادئًا، صافيًا كالماء الجاري تمامًا:

"لا داعي، ألم أقل لكِ؟ لو كان أي شخص أمامي، كنت سأفعل، لهذا لا تشكريني على الخير الذي قدمته."

ثم سار إلى الطريق أمامه، كان يلتفت إليها دون أن تنتبه، وكأنها لغز يحاول أن يجد حله، معقد مثله تمامًا.

وقف عند السيارة الداكنة بالسواد، كصمته وبروده، صعد إلى مقعد السائق، ثم انطلق إلى مكانه المعتاد.

..................

ضربَ الطاولةَ أمامَهُ بكلِّ قوتِهِ، حتى ارتجتِ الأقداحُ، صرخَ بوجهِ رجالِهِ الذينَ وقفوا برؤوسٍ منكسةٍ، وعيونهُ تشعُّ غضبًا وحقدًا:

​"- لا تقولوا لي أنكمْ لمْ تجدوا شيئًا!"

تقدمَ أحدُهم بخطواتٍ مترددةٍ، ونبرتُهُ يملؤُها خوفٌ من ردةِ فعلِ جاسر، ثم قالَ وهو يحاولُ تبريرَ فشلِهم الذريعِ:

​"- فعلنا ما قلتَ لنا، لكنهُ تخطّانا."

ضيقَ جاسرٌ عينيهِ بخبثٍ، ورُسِمَتْ على وجهِهِ ملامحُ غدرٍ ممزوجةٌ بغيظٍ، ثم نطقَ وكأنهُ يهمسُ لنفسِهِ قبلَ أنْ يكونَ لرجالِهِ:

​"- أظنُّ أنهُ علمَ بمراقبتِنا لهُ."

تبادلَ الرجالُ نظراتٍ ذاتَ مغزى، ثم استجمعَ أحدهم شجاعةً، وتقدمَ خطوةً، وهو يهمسُ بصوتٍ منخفضٍ، يحملُ اكتشافًا خطيرًا:

​" أظنُّ أنهُ يقابلُ أحدًا لا يريدُ أنْ نعلمَ عنهُ، هذا الشخصُ يشكلُ نقطةَ ضعفٍ لديهِ."

أطلقَ جاسرٌ ضحكةً باردةً، تقشعرُّ لها الأبدانُ من حولِهِ، ثم اعتدلَ في جلستِهِ، وعيناهُ تلمعانِ ببريقٍ خبيثٍ، وقالَ بنبرةٍ تملؤُها غرورٌ ووعيدٌ:

​"أحسنتَ، ماذا نفعلُ؟ هوَ الذي اختارَ اللعبَ معي، ارتكبَ خطأً لا يتشجّعُ أحدٌ على فعلِهِ، لي الحقُّ بتدميرِ حياتِهِ."

تنحنحَ أحدهم بارتباكٍ، وقد بدتْ على ملامحهِ علاماتُ قلقٍ من جنونِ زعيمهِ، ثم سألَ بصوتٍ منخفضٍ، محاولاً جسَّ نبضٍ في مروءةِ جاسر المنعدمةِ:

​"- سيدي، إذا كانتْ فتاةً، لنْ نضرَّها، أليسَ كذلكَ؟"

نظرَ إليهِ جاسرٌ بنظراتِهِ الساخرةِ، ثم أردفَ ببرودٍ يقطرُ سمًّا، وهوَ يشيرُ بسبابَتِهِ، وكأنَّهُ يلقي درسًا في الإجرامِ:

​"- أنتَ صاحبُ ضميرٍ! هذا العالمُ لا يناسبُكَ. أنا لا أخطّطُ لقتلِها، لكنْ إذا اضطررتُ، سأفعلُ. سأهددُ محاربَنا الشجاعَ، فقطْ هذا هوَ."

ضيقَ رجلُهُ عينيهِ بتفكيرٍ عميقٍ، وقد بدتْ على ملامحِهِ شعورُ شكٍّ لمْ يستطعْ إخفاءَهُ، ثم نطقَ محذراً بنبرةٍ يملؤُها حذرٌ شديدٌ:

​"- هوَ يعلمُ بمراقبتِنا، ماذا لوْ أنهُ يحاولُ إيقاعَنا، ولا يوجدُ شيءٌ كهذا؟"

زفرَ جاسرٌ بضيقٍ واضحٍ، محاولًا استعادةَ توازنِهِ أمامَ شكوكِ رجلِهِ، ثم ردَّ بنبرةٍ امتزجَ فيها الغرورُ في اعترافٍ ضمنيٍّ بقوةِ خصمِهِ:

​"- هل سيضيعُ وقتَهُ بفعلِ هذا؟ ولكنْ، علينا التصرفُ بحذرٍ كبيرٍ، لا تنسوا أنهُ الزعيمُ هنا."

..............

كانَ أركانُ جالسًا بمكتبِهِ، غارقًا بأفكارِهِ، وفي عقلِهِ أكثرُ من حسابٍ جديدٍ، مالَ آسرٌ برأسِهِ قليلاً، وهوَ يراقبُ ملامحَ أخيهِ الصارمةَ، لمْ تلنْ بعدُ، ثم سألَهُ بنبرةٍ هادئةٍ، تحملُ مزيجًا من الحنانِ والاهتمامِ:

​"- أخي، ألا يجبُ علينا أنْ نشعرَ بالسكونِ الآنَ؟ تخلّصنا من جاسرٍ."

رفعَ أركانُ نظرَهُ عن أوراقِهِ المتراكمةِ أمامَهُ، وشبكَ أصابعَهُ بجمودٍ، ثم نطقَ بصوتٍ رخيمٍ، يملؤُهُ حذرٌ وقلقٌ مكتومٌ:

​"- لمْ نتخلصْ، سيحاولُ الردَّ، لنْ يبقى صامتًا. اليومَ حاولَ مراقبتي، تخطّيتُهُ بصعوبةٍ. هوَ يعتقدُ أنَّ في حياتي أحدًا ما، وربما يفكرُ باستغلالِهِ."

ضيقَ آسرٌ عينيهِ بمكرٍ، وقد رسمتْ على وجهِهِ ابتسامةً خفيفةً، كأنَّهُ أمسكَ بطرفِ خيطٍ، ثم سألَ بنبرةٍ تحملُ الكثيرَ من التساؤلِ المبطنِ بذكاءٍ:

​"- أخي، أنتَ تقولُ إنهُ يفكرُ بالاستغلالِ، فهلْ يوجدُ شيءٌ كهذا؟"

أشاحَ أركانُ بنظرِهِ بعيداً، وهوَ يحاولُ إخفاءَ اضطرابِهِ الطفيفِ، الذي أحدثَهُ سؤالُ أخيهِ، ثم ردَّ بنبرةٍ حادةٍ صارمةٍ، يملؤُها كبرياءٌ ممزوجٌ بتحذيرٍ:

​"- انظرْ، نحنُ بأيِّ عالمٍ؟ لا مكانَ للخطأِ هنا، وأنا لا أقعُ بهِ. العشقُ وهذهِ الأشياءُ لا تخطرُ على بالِكَ حتى."

أمسكَ آسرٌ كوبَ القهوةِ الموضوعَ أمامَهُ، ارتشفَ منهُ رشفةً هادئةً، ثم تمتمَ بصوتٍ خافتٍ بالكادِ يُسمعُ، وعيناهُ تلمعانِ بسخريةٍ محببةٍ، وهوَ يراقبُ انفعالَ أخيهِ:

​"- صدقتُكَ.. أكملْ يا أخي، كأني لا أعلمُ ما بداخلِكَ جيداً.. معَ مَنْ تعبثُ؟"

................

درست كثيرًا، ولم يبقَ لديها غير سنة لتحقيق الوعد

اقتربتْ نورٌ من إليفَ بخطواتٍ ثابتةٍ، وقد ارتسمَ القلقُ على وجهِها الرقيقِ، وهيَ تلاحظُ شحوبَ ملامحِ أختِها، ثم وضعتْ يدَها على كتفِها بحنانٍ، وسألتْها بصوتٍ يملؤُهُ اهتمامٌ:

​"- ماذا حصلَ أختي؟ تبدينَ حزينةً؟"

أطرقتْ إليفُ رأسَها، زفرتْ تنهيدةً حارقةً، وكأنَّها تخرجُ نيرانَ صدرِها، ثم نظرتْ إلى الفراغِ بعينينِ غائمتينِ بالدموعِ، وقالتْ بنبرةٍ مريرةٍ تملؤُها انكسارٌ:

​"- أتعلمينَ؟ أرهقتُ من عذابِ الضميرِ، من الحياةِ، ومن دروسِها، لكني أستمرُّ. أهابُ يومًا أنْ أفقدَ القدرةَ على المحاربةِ."

نظرتْ إليها، ثم عانقتْها، متأملةً أنْ تكونَ الدواءَ لأيِّ همٍّ يواجهُ أختَها، وأردفتْ لها بنبرةٍ حانيةٍ، تلمسُ كلَّ شقٍّ من روحِها ببطءٍ، وكأنَّها تضمُّها بالكلماتِ لا بالذراعِ:

​" فهمتُ، لكنْ أنتِ فتاتُنا القويةُ، عهدناكِ هكذا، ولوْ يومًا فقدتِ، سأرفعُكِ.. إنني هنا، انظري لي، ما حدثَ ليسَ ذنبَكِ، ولنْ يكونَ أبدًا."

نظرتْ إليها، ثم أسندتْ رأسَها على كتفِ أختِها، وأردفتْ بيقينٍ هادئٍ، ونبرةٍ تحملُ رضًا، وكأنَّ روحَها نالتِ الاستراحةَ أخيرًا:

​" معَكِ حقٌّ، أنتِ هنا، وما لي أهابُ بوجودِكِ. نحنُ الملاذُ والأمانُ، إنْ كنَّا معًا سنتخطى كلَّ شيءٍ."

............

كان الهدوءُ في المكتبِ مرعباً، حيثُ جلسَ أركانُ وخلفَهُ آسرُ وجسارُ، الثلاثةُ يتبادلونَ نظراتٍ يملؤُها برودٌ ولا مبالاةٌ، وكأنَّهم في انتظارِ شيءٍ تافهٍ. فُتحَ البابُ ليدخلَ جاسرٌ، وكانَ من الواضحِ عليهِ أثرُ تفتيشٍ دقيقٍ خضعَ لهُ بالخارجِ، وقفَ يحاولُ أنْ يستعيدَ هيبتَهُ المفقودةَ، ثم نطقَ بتلكَ النبرةِ التي يحاولُ فيها إثباتَ وجودِهِ:

​" أعتذرُ، دخلتُ عليكَ دونَ إذنٍ، لكننا تعادلنا.. ألمْ تفسدْ عملي بدونِ إذنٍ؟"

لم يرمشْ لأركانَ جفنٌ، بل رسمتْ على ملامحِهِ ابتسامةٌ ساخرةٌ، صوَّبَ عينيهِ على جاسرٍ بنظرةٍ ممتلئةٍ بالدونيةِ، ثم نطقَ وصوتُهُ يخرجُ هادئاً، كهدوءِ ما قبلَ عاصفةٍ قادمةٍ:

​"- كمْ أصبحَ كلامُكَ مملاً! لكني سعيدٌ اليومَ، على الأقلِّ فعلتُ الخيرَ بعبثي بعملِكَ.. أيضاً "تعادلنا"؟ وبدونِ إذنٍ؟ مَنْ أنتَ لتدخلَ على مكانِ زعيمِكَ بحريةٍ هكذا؟"

رسمتْ على وجهِ جاسرٍ ابتسامةُ خبثٍ واضحةٍ، ثم أردفَ بصوتٍ مريبٍ، فيهِ شيءٌ من التلذذِ بما يخفي من أمورٍ، وهوَ يميلُ بجسدِهِ للأمامِ، كمنْ يلقي قنبلةً موقوتةً على مَنْ أمامَهُ:

​"- هذا الحديثُ سيكونُ ممتعاً أكثرَ من غيرِهِ.. أباركُ لكَ، ألا ترغبُ بأنْ تعرفني على الفتاةِ ذاتِ الحظِّ؟"

تعالتْ ضحكةٌ باردةٌ من أركانَ لم تصلْ لعينيهِ اللتينِ ظلتا تراقبانِ جاسرًا كصقرٍ يرى فريسةً تتخبطُ، ثم استندَ بظهرِهِ للكرسيِّ بكلِّ أريحيةٍ، وقالَ بنبرةٍ ساخرةٍ جعلتْ جاسرًا يبدو صغيراً أمامَهُ:

​"- هلْ أتصلُ بمشفى الأمراضِ العقليةِ؟ قدْ بدأتَ تتوهمُ بوجودِ أشخاصٍ خياليينَ بعقلِكَ!"

  

مريبٌ خيّمَ على الغرفةِ، والهدوءُ الذي كانَ يستغلهُ أركانُ لإذلالِ جاسرٍ وكرامتِهِ تحوَّلَ فجأةً إلى ترقبٍ مشحونٍ. رنَّ الهاتفُ، ذلكَ الرنينُ الذي اخترقَ حدةَ المواجهةِ، ليمدَّ أركانُ أناملهُ بهدوءٍ وثباتٍ، فاتحاً الاتصالَ دونَ أنْ يحيدَ نظرُهُ عنْ عينِ جاسرٍ، وسألَ الطرفَ الآخرَ ببرودٍ ظاهريٍّ واضحٍ:

​"- هلْ هذا مهمٌّ؟"

​جاءَهُ الردُّ منَ الطرفِ الآخرِ بصوتِ أحدِ رجالِهِ، الذينَ يعتبرُهم كأفرادِ عائلتِهِ  لكنَّ النبرةَ كانتْ ترتجفُ بتوترٍ لمْ يعتدهُ أركانُ منْ أيٍّ منهمْ

​" نعمْ أخي.."

تجمدتْ ملامحُ أركانَ، واتسعتْ عيناهُ بذهولٍ شلَّ حركتَهُ، وكأنَّ الكلماتِ التي عبرتْ مسامعَهُ كانتْ صاعقةً هوتْ بكيانِهِ بالكاملِ. شحبَ وجهُهُ، واختفتِ ابتسامتُهُ الساخرةُ؛ منْ أهوالِ الذي حدثَ.

لمعتْ عينا جاسرٍ ببريقٍ خبيثٍ وهوَ يرى الجبلَ ينهارُ أمامَهُ، مالَ برأسِهِ قليلاً، وخرجتْ كلماتُهُ كفحيحِ أفعى، تحملُ وعداً بخرابٍ:

​" انتظرْ.. هذهِ أيامُكَ الجيدةُ، لمْ نبدأْ بعدُ!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين يحترق العالم

المؤلف Evyra6
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة