المخطوطة الحية

المخطوطة الحية

20 0

الفصل الرابع: المخطوطة الحية (لم أعد أكتبها، بل هي من تكتبني). دخلتُ الغرفة فوجدتُ الفصل الرابع يغلي على الطاولة. الحروف تتناثر كَنملٍ غاضبٍ، والعناوين تذوب كشمعٍ تحت نار صمتي. كانت النوافذ مغلقة، لكن الريح تدور في الداخل، وتبعثر الأوراق كأنها تعرف أنها ليست جمادات بل كائنات تتنفس. على الأرض، رأيتُ فاصلةً تُزحف كدودة مبتورة، ونقطةَ نهايةٍ تتدحرج كقطرة دمٍ من جرح لم يُكتب بعد. وحين اقتربت، سمعتُ صوتًا يأتي من بين الأوراق: "أخيرًا عاد الهارب! هل تعرف كم انتظرتُ كي أقول لك: أنت لم تكتبني... أنا مَن كتبتُك." كان الصوت أنثويًا، لكنّه لا يشبه أصوات النساء، بل كأن الكلمات نفسها قد تعلّمت أن تنطق. تساقطت جملة من السقف وارتطمت بطرف الطاولة، فتناثر منها الحبر كأنها نزفتْ، ثم تمتمتْ: "لا تلمسني.. كل حذف تكتبه هو خيانة." اقتربتُ من الأوراق المبعثرة كما يقترب الغريب من قبرٍ يحمل اسمه. كل خطوةٍ كنتُ أخطوها، كانت الحروف تبتعد عن قدميّ كهروب عقلي من حصة الرياضيات. كان الفصل الرابع أمامي، لكنّه لا يشبه فصولي الأخرى… لم يكن ساكنًا، ولا صامتًا، ولا ينتظرني. كان يتنفّس. مددتُ يدي بتردّد نحو جملةٍ كانت ترتجف على حافة الورقة، فصرختْ الجملة: "لا تحاول محوي… أنا ذاكرةٌ لم تعترف بها بعد." شهقتُ. تراجعتُ. وإذا بالهواء يمتلئ بنَفَسٍ جديد، كأن الغرفة أصبحت صدرًا، والحبر هو الدم. سمعتُ خشخشة تأتي من جهة الكرسيّ، ثم ارتفع صوتٌ رخيم: "أتعرف كم مرة كتبتَ عن غربتك؟ وكل مرةٍ، كنتُ أنا مَن يُعيد ترتيب أنينك بين السطور." نظرتُ حولي فلم أرَ أحدًا… لكن الورق كان يهتز كجلدٍ يقشعر، والهوامش كانت تتمدد كضلوع تحاول احتضان شيء مفقود. قالت: "أنا مرآتك المشوّهة… لا تحاول إصلاحي، بل اِعترف بي." اقتربتُ أكثر، ولم أعد أرى الكلمات كأحرف، بل ككائناتٍ صغيرة تهمس وتتأوّه. إحدى الفقرات كانت تئنّ في الزاوية، كما لو أنّها مصابة، وكان العنوان الرئيسي يذوب، ينزف حبرًا أحمر، يتسرّب إلى أطراف الورقة كدمٍ فاسدٍ لا يجد وريده. جلستُ. لم أعد أعرف إن كنتُ الكاتب… أم كنتُ مجرّد حبرٍ سالَ من جرحٍ في عقلٍ يُعيد الكتابة كلّ ليلة كي لا ينهار. فجأة… اهتزّت إحدى الصفحات، وانتفضت الكلمات لتشكل وجهًا. وجه أنثى. غامضٌ… لكن ملامحه تشبه خوفي حين أحدّق في مرآة مكسورة. قالت بصوتها الذي لم يعد صوتًا: "أكتبني إن استطعت. لكن لا تظنّ أنك تتحكّم بي. أنت لم تكن إلا إصبعًا… أما الجرح فهو أنا." همست الورقة: "كل مرة كنت تمزّقني… كنتَ تمزّق جزءًا منك." نظرتُ إلى أطراف يدي، فوجدتُ بقايا جُملٍ مطبوعة على جلدي، كأن الورق انتقم، أو كأنّي لم أكن أكتب… بل كنت أُوشَم. في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ يتغيّر في الغرفة. الجدران بدأت تتحوّل إلى صفحات، والأرضية إلى سطورٍ طويلة تتلوى كأفاعٍ بيضاء، والسقف… أصبح غلافًا مغلقًا لا يسمح لي بالخروج. أردتُ النهوض، لكن الكرسي التصق بي، كأنّ المخطوطة قرّرت أن تسجنني بين فواصلها. ظهر هامش بخطّ يدٍ لم أكتبه: "أنا القارئ رقم ١٣… هذه الصفحة كذبتْ عليك." شهقتُ. لم أكتب هذه الجملة. ولم أترك الهامش فارغًا. نظرتُ إلى الورقة فوجدتُها تتحوّل… بيضاؤها لم تعد بيضاء، بل أصبحت مرآةً… ومن خلالها رأيتُ وجهًا… لا أعرفه، لكنه كان ينظر إليّ كمن يقرأني. وجهي؟ لا… لم يكن وجهي، بل وجه أحدٍ ما… ربّما أحد أولئك الذين قرأوا حزني وظنّوا أنهم كانوا مجرّد قرّاء. بدأتُ أرتجف. الهوامش تتكاثر. الخطوط تُعلّق تعليقاتٍ كأنها تدوينات غاضبة: "لماذا كذبتَ في الفصل الثاني؟" "هل حقًا كنتَ وحيدًا أم كنتَ تنتظر من يراك؟" "الغريب يشبهنا… لكنك أجهضته في نصف الجملة." أردتُ الصراخ، لكن الكلمات ملأت فمي. أردتُ البكاء، لكن بدلاً من الدموع، بدأتْ الحروف تسقط من عينيّ… حرفًا… حرفًا… كأن لغتي تنزفني. ارتفعتْ حرارة المكان فجأة، وكأن الحبر على الطاولة بدأ بالغليان حرفيًّا. سمعتُ الفقرة التي كتبتُها بالأمس تهمس لي: "أحذّرك… لا تفتح الصفحة التالية." لكن يدي، كمن يجرّب السقوط عمدًا، امتدّت لتقلب الورقة. وما إن فعلتُ… حتى شعرتُ بفراغٍ يبتلعني. لم أعد في الغرفة. بل كنتُ في عمق الورقة نفسها. كلّ شيء من حولي أبيض… لكنه ليس بياض الراحة، بل بياض الصدمة، كالصفحة قبل أوّل اعتراف. تحتي، كان هناك نهر من الحبر الأسود، يتدفّق كأنّه يكتب نفسه، وفي ضفافه تنبت جملٌ غير مكتملة، وكلماتٍ يتيمة بلا سياق. نظرتُ إلى الأعلى… لا سماء. فقط سطر طويل مكتوب بالخط المائل: "أنت الآن داخل نفسك التي حاولتَ الهروب منها." مشيتُ في هذا البياض، حتى وصلتُ إلى متاهةٍ عملاقة من أوراق ممزقة، جدرانها تتبدّل، تتشكّل من حواراتٍ لم أجرؤ على قولها، ومن نهاياتٍ كنتُ قد حذفتُها لأبدو أقوى. وسط المتاهة، كان هناك ظلٌّ يرقص. ظلٌ مألوف… يتحرّك بخفّة، ويحرّك الكلمات كأنها دمى خيطية. اقتربتُ أكثر… فرأيته. الغريب. نفسه. ذلك الذي كتبته في الفصل الأول، كان هنا… حيًّا، يراقبني بعينين من علامات استفهام. قال بصوتٍ لا يخرج من فمه بل من الورق حوله: "أنا لم أكن شخصيتك… كنتُ ما دفنته حين أردتَ أن تبدو عاديًّا." ثم أدار ظهره، وبدأ يُحرّك جملًا من ماضيي، يربطها كأراجوزاتٍ تتلوى، ويضحك. ركضتُ نحوه، لكن خطواتي علِقت في جملٍ كنتُ قد كتبتها ذات حزن: "لا أحد يفهمني…" "أنا بخير." "سيمرّ كلّ شيء." تلك الجمل كانت كالألغام، تُمسكني لا لتقتلني، بل لتُرغمني على إعادة قراءتها. ومع كل إعادة، كنتُ أفهم أنّني كذبت. أنّني كتبتُ ما يجب… لا ما كان. وصلتُ إليه أخيرًا. إلى الغريب. وقف قبالتي، وكان طويلاً، بملامح لا تثبت، يتغيّر وجهه مع كلّ شعورٍ داخليّ يمرّ بي. قال لي: "تظنّ أنك كتبتني؟ كنتُ أختبئ خلف كلّ سطرٍ لم تجرؤ على قوله." مدّ يده إلى السماء البيضاء، فانشقّ البياض، وسقطتْ آلاف الحروف، كالمطر. لكنها لم تكن عشوائية. كلّ حرفٍ كان ذكرى. كلّ كلمةٍ كانت لحظةً بترتَها، هربتَ منها، أو غطّيتها بـ"..." كي لا ينكشف ضعفك. اقترب منّي، ووضع يده على صدري، وقال: "هنا… كانت الصفحة الأولى." ثم همس: "ولن تخرج من هذه الورقة… حتى تكتبني كما أنا. لا كما تُريد أن يراك القرّاء." نظرتُ إلى يديّ، فوجدتُ القلم يتحوّل إلى سكين. والسكين إلى مرآة. والمرآة… تعكسني وأنا أبكي بلا صوت، والحروف تتساقط من وجهي كقشرةٍ أكلها الحزن. فهمتُ أخيرًا. أن الكتابة ليست حرفة. ولا حيلة. ولا سردًا لأحداث. الكتابة… كانت جلدًا آخر. وكان عليّ أن أتمزّق كي أكتب بصدق. بدأتُ أكتب... لا على الورق، بل على جدران الذاكرة. بأظافري، بصمتي، بحلقي الذي جفّ من الصمت. كلّما كتبتُ جملة صادقة، اهتزّت المتاهة من حولي. الورق تمزّق، والسطر القديم تصدّع. الغريب ظلّ يراقبني. لم يبتسم، لكن عينيه امتلأتا بما يشبه الراحة. قال: "أحسنت… الآن فقط أصدقك." ثم بدأ يذوب، كأنه لم يكن سوى فكرة تمسّكتْ بي أكثر من اللازم. لمّا اختفى، انفتح الممرّ أمامي. كان هناك درج من جُملٍ منسيّة، يصعد بي نحو ضوء خافت، ضوء لم يكن نهاية… بل عودة. وصلتُ إلى الصفحة الأخيرة. لكنها كانت مختلفة. ليست مطبوعة. بل مكتوبة بخطٍ ليس لي. جملة واحدة فقط: "البطل مات هنا. اِقلب الصفحة لترى قبره." تردّدت. ثم قلبتُ الصفحة. كانت بيضاء. كلّها… ما عدا نقطة حبر واحدة، في منتصفها تمامًا، كدمعةٍ لم تجد عينًا لتسقط منها، أو كرصاصةٍ لم تُطلق من مسدّس، بل من حنجرة. مددتُ يدي لألمس النقطة، فسمعتُ آخر صوتٍ من الرواية: "أنا لن أنتهي بك… بل بك بدأتُ." ثم انطفأ الضوء. ولم يبقَ غير الورقة. والسكوت. ساد صمت كثيف… لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل من النوع الذي تسمعه في داخلك، حين لا تجد كلمات تواسيك، ولا أكاذيب تبرّرك. نظرتُ حولي، فلم أجد شيئًا سوى الجدران البيضاء… لكنّها بدأت تتشقّق. من الشقوق خرجت أصواتٌ مألوفة: – "لماذا تهرب دومًا؟" – "لماذا تخاف من أن تُرى كما أنت؟" – "لماذا تحذف مشاعرك وتكتب بدلها أفكارًا؟" كانت الأسئلة تُطاردني، كأن الرواية قد قرّرت الانتقام مني، لا لأنني كتبتُها… بل لأنني كذبتُ عليها. فجأة، برز باب صغير وسط الجدار. كان ضيقًا… لكنّه ينبض كقلبٍ ينتظر اعترافًا. اقتربتُ منه، وما إن لمسته، حتى ظهرتْ عليه جملة بخطٍّ مائل: "لن تخرج، حتى تكتب آخر سطر بدمك." شعرتُ بوخزة خفيفة في إصبعي، ثم انساب منّي حبرٌ أحمر، كان حارًّا… يشبه الألم الذي صمتُّ عنه طويلًا. كتبتُ: "أنا لم أكتب هذه الرواية لأُظهر شيئًا… بل لأُخفي كلّ شيء." وانفتح الباب. خرجتُ منه… فعدتُ إلى الغرفة. الجدران ثابتة، الطاولة في مكانها، والأوراق مبعثرة كما تركتها، لكن شيئًا ما قد تغيّر... أو ربما أنا الذي تغيّرت. لم تعد الأوراق مجرّد حبر على ورق، بل أصبحت بقايا اعترافات، شظايا من روح حاولت الاختباء طويلاً. وبينما كنت ألتقط أنفاسي، شعرتُ بذلك الثقل المألوف يهبط على صدري، ذلك الصمت الذي يسبق الأحاديث التي لا تُقال. لم يكن صمت الغرفة، بل صمت أعمق، كأنه نداء خافت من عالم الفصل الثاني، "أحاديث لا أقولها لأحد". بدأت ملامح الغرفة تتلاشى تدريجيًا، ليس بعنفوان المخطوطة الحية، بل كضبابٍ باردٍ يتسلل من تحت الباب، يحمل معه رائحة التراب الندي تحت شجرتي المعهودة، وهمس آياتٍ كنتُ أرددها في خلوتي، وبدأتُ أرى أمامي، ليس جدار غرفتي، بل ذلك الركن المنسي خلف مبنى الكلية، حيث كنت أهرب لأختبئ من ضجيجهم ومن ضجيجي. ها أنا ذا، في ذلك الركن المنسي خلف الكلية. الهواء يحمل برودة خفيفة، وصوت خطواتي مكتوم فوق الأعشاب التي تنمو بحرية كأنها تحتج على النظام. لا أحد هنا سواي، وهذا هو جوهر هذا العالم. بدأت أرى حولي ليس فقط المكان، بل "الأحاديث التي لم أقلها" تتجسد كظلالٍ خافتة، كهمساتٍ عالقة في الهواء. رأيتُ ظلّي الصغير في المدرسة الابتدائية، يقف مرتبكًا أمام السبورة، عاجزًا عن فك طلاسم الرياضيات، والضحكات الخافتة للتلاميذ تتردد كصدى بعيد ومؤلم. ثم لمحتُ وجه أمي يمرّ كطيفٍ سريع، يحمل ذلك التعب الصامت الذي كنتُ أشعر تجاهه بالذنب، وكل الكلمات التي أردتُ قولها لها ولم أستطع، تتطاير كأوراقٍ صفراء حول قدمي. كل كلمة "أنا آسف" لم تُنطق، كل "أحبك" بقيت حبيسة، وكل شعور بالغربة وأنا بينهم، يتجسد الآن كجدارٍ شفاف يفصلني حتى عن نفسي في هذا المكان. لم تكن رؤى واضحة، بل أحاسيس مكثفة، كأنني أتنفس جوهر وحدتي واختناقاتي الصامتة. في خضم هذا الضباب من الذكريات الصامتة، رفعتُ رأسي إلى السماء الرمادية لهذا العالم، وكأنني أبحث عن مخرج أو عن عزاء. لم أكن أبحث عن إجابة، بل عن تلك الراحة التي كنت أجدها فقط في السجود، حين أتحدث إلى الله دون كلمات. وللحظة، شعرتُ بذلك السلام الهشّ يغمرني، ذلك الإحساس بأن هناك من يسمع هذا الأنين دون أن يحتاج إلى شرح. لكن هذا الصفاء كان شرارة أشعلت شيئًا آخر. سؤالٌ واحدٌ بزغ من وسط الفوضى: "لماذا فعلتُ كل هذا بنفسي؟ لماذا اخترتُ الصمت سجنًا؟". وما إن طرحت السؤال، حتى اهتز العالم من حولي. لم يعد هادئًا ومنعزلًا، بل بدأ يضج بالأصوات المتناقضة. الهمسات التي كانت ظلالًا، أصبحت كلمات حادة وواضحة. سمعت صوت "أنا الغاضب" يصرخ من بعيد: "لأنك جبان!"، وصوت "أنا المنهار" ينتحب: "لأنه كان مؤلمًا جدًا"، وصوت "أنا المؤمن" يهمس: "لأنه كان يثق بالله فقط". تحولت الأعشاب تحت قدمي إلى أرضية خشبية صلبة، وبدأت الجدران الشفافة تتخذ شكل قاعة محكمة مهيبة وبلا سقف. ذلك الركن الهادئ، عالم الفصل الثاني، كان ينهار ويُبنى من جديد على هيئة عالم الفصل الثالث... "جلسة محاكمة في رأسي". وسمعت صوت المطرقة الخيالية يطرق من جديد، ليس في رأسي هذه المرة، بل في قلب هذا العالم الذي أسير فيه، معلنًا بدء جولة جديدة من المحاكمة التي لا تنتهي. ها أنا أقف في قفص الاتهام مجددًا، لكن هذه المرة لم أكن جالسًا على كرسي، بل كنت واقفًا في مركز القاعة، والأرضية تحت قدمي تتشقق وتُظهر فراغًا مظلمًا. نظرتُ حولي، فرأيتهم جميعًا يجلسون في أماكنهم. "أنا القاضي" على منصته، وجهه محايد لكنه متعب، و"أنا الكاتب" في مقعد الدفاع، يقلّب في أوراق فارغة بعصبية. وفي مقاعد الشهود، جلس "أنا الطفولي" يضمّ ركبتيه إلى صدره، وبجانبه "أنا الغاضب" الذي كان يحدّق بي مباشرةً وكأن عينيه سهامٌ مشتعلة. لم ينتظر الإذن بالكلام، بل نهض فجأة وأشار بإصبعه نحوي، وقال بصوتٍ يملؤه الاحتقار: "انظروا إليه! عاد من جديد إلى هنا! يظنّ أنه بفضحنا في روايته قد تحرّر، لكنه فقط جرّنا جميعًا إلى هذه الفوضى مرة أخرى.....هو ليس ضحية، هو السجّان!". حاول "أنا الكاتب" أن يعترض: "سيدي القاضي، هذا ليس استجوابًا، هذه حلقة مفرغة! هو لا يتحكم بهذا، إنها المخطوطة...". لكن صوتًا آخر قاطعه، صوتٌ بارد وهادئ انبعث من أقصى زاوية في القاعة، من الظل الذي لم أجرؤ على النظر إليه، لم يكن يصرخ، لكن كلماته سقطت كقطع الجليد. "هو ليس السجّان... هو السجن نفسه". التفت الجميع، والتفتُّ أنا مرغمًا، لأرى "أنا المظلم" يخطو ببطء نحو النور، وضحكته الخافتة تتردد في أرجاء القاعة، معلنًا أن هذه المحاكمة لن تكون كسابقتها، بل ستكون المواجهة الأخيرة. لم يقترب مني "أنا المظلم"، بل وقف في منتصف القاعة، وتحوّلت كل الأضواء إليه. نظر إلى الشخصيات الأخرى بازدراء هادئ، وقال بصوتٍ بدا كأنه يأتي من قاع بئرٍ مهجور: "كم أنتم مضحكون... تتصارعون على من هو على حق، ومن هو المخطئ، بينما الحقيقة أنكم لستم سوى أصواتٍ اخترعها ليهرب بها من صوته الحقيقي". التفت "أنا الغاضب" ليصرخ، لكن "أنا المظلم" رفع يده، فسكت الجميع كأن الهواء قد سُحب من القاعة. أكمل بهدوء، وعيناه مثبتتان عليّ: "أنتَ لستَ سجيننا، نحن سُجناؤك. هذا الكاتب... مجرد حبرٍ لتجمّل به قضبان زنزانتك، وهذا المؤمن... نافذة رسمتها على الحائط لتتوهم أن هناك ضوءًا، أما هذا الغاضب... فهو السلاسل التي تضرب بها جدرانك لتُقنع نفسك أنك تقاوم، أنتم جميعًا... مسرحيته المتقنة التي يؤديها كل ليلة حتى لا يواجه الحقيقة الأبسط والأكثر رعبًا". صمت للحظة، وبدأت القاعة تهتز، الجدران الخشبية أصبحت شفافة، وظهر من خلفها ذلك البياض اللامتناهي لعالم المخطوطة. الشخصيات من حولي بدأت ألوانها بالبهتان، كأنها حروف حبرٍ يذيبها الماء. اقترب مني أخيرًا، حتى شعرت ببرودة وجوده، وهمس: "الحقيقة هي أنك تخاف من الصمت، تخاف من أنه إذا سكتنا جميعًا، لن يتبقى شيء. ستكتشف أنك لست سوى الفراغ الذي بيننا، أنا لستُ ظلامك... أنا حقيقتك العارية حين تسقط كل هذه الأقنعة، والآن، الرواية تمنحك خيارًا أخيرًا: إما أن تظل سجينًا في هذه الفصول التي تكتبها لتهرب... أو أن تفتح الباب الأخير وتسمح لي بالخروج... أن تتركني أعيش. لكن هذا يعني أن تموت أنت... الكاتب... البطل... لترى من ستكون بعد ذلك". ومدّ يده، وفي راحة يده لم يكن هناك شيء سوى نقطة حبرٍ واحدة، كتلك التي رأيتها في نهاية الصفحة البيضاء. "اِلمسها... وأنهي كل شيء". تجمدتُ في مكاني.... كانت تلك النقطة في راحة يده هي مركز الكون كله. رأيتُ فيها انعكاس "أنا الكاتب" وهو يدوّن ألمه بيأس، و"أنا الغاضب" وهو يحطم الجدران، و"أنا المؤمن" وهو يرفع يديه في دعاءٍ صامت. كانوا جميعًا هناك، في تلك الدمعة السوداء، محبوسين، ينتظرون. أدركتُ في تلك اللحظة أن "أنا المظلم" لم يكن يعرض عليّ الموت، بل كان يعرض عليّ الحرية. حرية أن لا أكون أيًا منهم بعد الآن. حرية أن أتوقف عن أداء دور الضحية والجلاد والقاضي في مسرحيتي الخاصة. لكي أحررهم، كان عليّ أن أحرر نفسي منهم جميعًا. رفعتُ يدي ببطء، كانت ترتجف. لم تكن رجفة خوف، بل رجفة من يقف على حافة عالمٍ جديد. لمستُ نقطة الحبر بإصبعي... وفي اللحظة التي تلامس فيها جلدي مع الحبر، لم يحدث انفجار، ولا صراخ، بل حدث صمتٌ أبيض، صمتٌ ابتلع كل شيء. رأيتُ "أنا المظلم" يبتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة، ثم يتلاشى كدخان، والشخصيات الأخرى... ذابت بهدوء في ذلك البياض، لم تمت، بل عادت إلى حيث أتت، كأنها أفكارٌ عادت إلى السكون. انهارت قاعة المحكمة، وذاب الورق، وغرقتُ في فراغٍ هادئ لا وصف له. لم يكن هناك ألم، ولا فكر، ولا حتى "أنا". كان هناك فقط... سكون. ثم... سمعتُ صوت أذان الفجر يأتي من بعيد، من العالم الحقيقي. فتحتُ عينيّ... كنتُ في غرفتي، على الأرض، وضوء الصباح الخافت يتسلل من النافذة. كل شيء كان في مكانه. نظرتُ إلى الأوراق المبعثرة على الطاولة، لم تعد تغلي، لم تعد تتنفس. كانت مجرد ورق. وقفتُ، ولأول مرة منذ سنوات، كان رأسي فارغًا تمامًا، صامتًا،لا أصوات لا محاكمات ولا همسات. شعرتُ بخفة غريبة، كأنني وُلدتُ من جديد في جسدي القديم، مشيتُ نحو النافذة وفتحتها. دخل الهواء النقي، يحمل رائحة بداية يوم جديد. لم أكن أعرف من أنا الآن. لم أكن الكاتب، ولا الغريب، ولا أيًا من تلك النسخ التي كانت تسكنني، كنتُ مجرد إنسان، يقف أمام نافذة، يتنفس. ولأول مرة... كان هذا كافيًا. وقفتُ. ولأول مرة منذ سنوات، كان رأسي فارغًا تمامًا، صامتًا... لم يعد هناك غرباء في الداخل، لأنني لم أعد غريبًا عن نفسي. نظرت إلى الأوراق المبعثرة على الطاولة، ثم التفتُّ بنظري مباشرةً إليك أيها القارئ، وكأنني أراك من خلال هذه الصفحة. لقد انتهت رحلتي داخل هذه الكلمات، والآن تبدأ حريتك أنت. هذه الرواية كانت سجني الذي هدمتُ جدرانه، فلا تجعلها سجنك. القصة التي بين يديك لم تعد لي... إنها لك الآن. اقلب الصفحة التالية. هل وجدتها فارغة؟ هذا الفراغ ليس نقصًا، بل هو مساحتك. هو حياتك التي تنتظرك خارج هذا الكتاب. يمكنك أن تمزقها، وتعلن بها نهاية كل الأفكار التي قيدتك يومًا. أو الأجمل من ذلك، يمكنك أن تطويها بعناية، وتصنع منها طائرة ورقية، اذهب إلى النافذة، أطلقها في الهواء، وشاهدها وهي تطير... لا يهم إلى أين ستصل أو متى ستسقط. المهم أنها حلّقت، تحررت من كونها مجرد صفحة في كتاب، وأصبحت شيئًا آخر. هذه هي النهاية الحقيقية... ليست كلمة تُكتب، بل فعل تقوم به. أما أنا... فقد فتحت نافذتي، والهواء منعش حقًا. والآن، دورك.... أغلق الكتاب. شكرا لكل من تحمل هذا الفيلم حتى النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غرباء يشبهوني

المؤلف The Expendaples
2025/07/01 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة