المقدمة «لن أُعرّف بنفسي لكم، لكني غريبٌ مثلكم، وهذا كل ما يجب أن تعرفوه عني». لأنني لا أريد أن أقدّم نفسي ككاتب، بل كإنسان تائه يشبهك. لا بأس... لنبدأ. كعادتي، أنهض كل صباح ولا أقول "صباح الخير"، بل أقول: "يومٌ آخر مع نفسي." أبدأ اليوم مرهقا،أنام متعب و أستيقظ أكثر تعبا. متعب لأني أحبّ السهر وأعشق الصباح، فأنا شخصٌ متناقض، يحبّ الناس ويكرههم في اللحظة نفسها. أرغب في النضج، لكنني أخاف مما سأصبح عليه، و ذلك يجعلني أتألم مرتين.... مرة عندما أحاول توقع المستقبل و مرة عندما يحدث ما توقعته. أنا هكذا دومًا: أكره نفسي لأنها "أنا"، وأحبها لأنها الوحيدة التي تفهمني. كنت أظنّ أن طبيعة بلدتي الصحراوية، المغطاة بالكثبان الرملية، والمُحاطة بنبتة الحلفاء الشوكية بلونٍ لا أعرف اسمه، بدل الأزهار أو الأشجار، هي سبب غربتي. (رغم أن بها بعض الأشجار، لكن فقط أشجار الزيتون الرمادية، بأوراقٍ كأنها خضراء راحت تتنزه في الصحراء، ثم رجعت مغبرةً وخجلة من الشمس. وهناك أيضًا النخيل، والنباتات الشوكية التي تضحك في وجهك كلما نظرت إليها من نافذة السيارة)، والبنايات المهدّمة... نعم، ظننتها السبب. لكنني كنت مخطئًا. بلدٌ فيه الذباب أكثر من الأكسجين، والعواصف الرملية تمنعك من الخروج (رغم أنني بالكاد أخرج) وبيتي محاصر بالرمال من كل الجهات. دون أن أذكر الرائحة الكريهة المنبعثة من المصانع، والضجيج اللامتناهي من الطابق العلوي. لا أريد أن أبدو متشائمًا أكثر من اللازم، ولا أريد للرواية أن تكون تمجيدًا لروعة البلدة. لكن تخيّلوا... كل هذا، ومع ذلك، لم يكن ذلك هو سبب غربتي النفسية. قد تسألني: ما السبب إذن؟ اقرأ التالي... وربما ستفهم. أو لا. يا صديقي الذي لا أعرفه، قد تظنني مكتئبًا بعد هذه المقدمة، لكن تمهّل، دعني أكمل. بالرغم من انكماشي في البيت، وجدتُ شبه ضالتي في الكتب والروايات. تلك التي تمنحني مؤقتًا صفاءً روحيًا هشًّا. قرأت كثيرًا، لا لأنني مثقّف، بل لأنه لم يكن لدي شيءٌ آخر أفعله. كنت أقرأ هربًا من الروتين: تصفّح بلا معنى، طعام بلا طعم، وخرجات قصيرة فقط لأتذكّر أني ما زلت حيًّا، ولقاء الجار الذي يفضفض لك عن مشاكل الحي... تبتسم له ابتسامة باردة، وأنت تفكّر فقط في العودة إلى الغرفة. نعم، هذا روتيني. وبصراحة؟ لم أكن منزعجًا. كنت أجد بعض الراحةً النفسية في البقاء في البيت. وسأخبركم لاحقًا لماذا. مع مرور الوقت وتعمقي في الكتب، تملّكني شعور غريب حين اكتشفت أن كثيرًا من الروائيين و الفلاسفة يكرهون بلدانهم و مدنهم، رغم جمالها. دوستويفسكي، مثلًا، كان يكره سان بطرسبرغ، رغم أنها أشبه بلوحة فنية مكسوة بالثلج، مزينة بالأزهار، تعبرها الجسور الساحرة وتعلوها العمارات الإمبراطورية. كافكا عاش مطلًّا على قلعة براغ التي تشرف على نهر فلتافا وجسر تشارلز، أحد أجمل جسور أوروبا. سيوران عاش في أجمل بقاع الأرض: رومانيا، بمروجها الخضراء وجبالها الشاهقة ونهر الدانوب. ثم انتقل إلى باريس، ورغم أنني لا أحبها، إلا أن جمالها لا يمكن إنكاره. ومع ذلك... دوستويفسكي كتب في روايته "رسائل من تحت الأرض": "حتى الطبيعة هنا لا تبدو حقيقية، كل شيء مدهون ومصنوع لأجل التباهي." كافكا اختنق وسط رومانسية براغ. وسيوران رأى الجمال بعدسة العدمية. فتساءلت: ما هذا التناقض؟ كيف يكرهون ما ظننته الشيء الجميل الوحيد لديهم؟ كيف يمكن للجمال أن يُعاش كعبء؟ كيف لمدن ساحرة أن تُشعر أهلها بالخنق؟ والأهم... كيف للخراب أن يحتوي على لحظة صفاء داخلي مؤقت؟ هل كنت أبحث عن وطن خارجي، بينما الحرب (بل الحروب) تدور في داخلي؟ من كان يحارب من؟ إذا لم تكن البيئة هي السبب، فماذا إذن؟ كلما اقتربت من جواب، طرح عقلي سؤالًا آخر... وذلك ما أرهقني أكثر. ربما... عندما يحيط بك الخراب بما يكفي، فإنه يرغمك على رؤية نفسك كما هي. ربما لسنا طيبين كما نظن، والحياة فقط تزيل أقنعتنا. فكّروا فيها جيدًا: ربما المدن لا تخلق غربتنا، بل تعريها. وربما ليس الجمال ما ينقصنا، بل الأمان الداخلي. ليست المدن منفى، بل عقولنا أو حتى قلوبنا. نعم..... هذا ما إستنتجته،أو ما أظنه..... أن عقلك الواعي و تفكيرك المفرط أو قلبك الرقيق و الطيب هم سبب بؤسك لا أعلم... ربما لا أحد يفهم الحياة كما هي. بل ربما لا يجب أن نفهمها. آسف، يبدو أني تهت عن الموضوع. عن ماذا كنا نتحدث؟ آه نعم... عن الحرب في الداخل. تلك التي بلا جنود، ولا رايات. سنحاول معًا أن نفهمها في الفصول القادمة، يا أصدقائي المجهولين. لكن تذكّروا: هذه ليست حكاية انتصار. ولا محاولة شفاء. إنها فقط محاولة للفهم. ولا شيء أكثر من ذلك. ومن يظن غير ذلك، فليعلم أنه ليس من "الذين لا أعرفهم" الذين كتبت عنهم في الإهداء. هذه الرواية لأولئك الذين لم ألتقِ بهم يومًا، لكنهم يشبهونني. أما الذين أعرفهم... فلا يقرأون.... أو يظنون أنهم يقرأون. هل أنتم مستعدون، أيها الغرباء؟ لننتقل الى الفصل الأول...... «مازلت غير مستعد لبداية الفصل، لذا دعنا نثرثر قليلا مع بعضنا البعض حتى أتعرف عليكم» أعلم أنك تنتظر بداية شيء، بداية قصة أو حدث، لكني أحتاج أن أتنفس قليلاً، أن أحكي لك دون أن أبدو ذكيًا أو عميقًا، فقط لأني أريد أن أتكلم... وربما تجد نفسك في هذه الثرثرة، أو تجدني في داخلك. لا أعرف كيف وصلتَ إلى هذه الصفحة، ولا أظنّك تعرف لماذا تقرأني أصلًا. لكنّنا هنا... او ربما أنا وحدي هنا أكتب و أظن أنه في يوما ما سيقرأ أحد هذه الرواية، وغالبًا إذا قرأت هذه الرواية فهذه المصادفة الصغيرة تحمل معنى أعمق مما نظن، أو على الأقل أنا أحب أن أظن ذلك. ربما أنت من أولئك الذين يبحثون عن شيء لا يعرفون اسمه. أو لعلك تقرأ هروبًا من أمر ما. لا بأس، كلنا نهرب من شيء ما حتى وإن بدونا ثابتين أيها الغريب. أنا أيضًا لم أكن أنوي كتابة شيء هذه الليلة. كنت جالسًا في غرفتي، النور خافت كأن الغرفة لا تريد إزعاج أفكاري. لا ضوء قوي، ولا ظلمة تامة... حالة بين و بين، تشبهني كثيرًا. أمامي قطتي بيضاء اللون الكسولة مثلي و بجانبي كتاب مفتوح منذ يومين على نفس الصفحة،وأوراق كثيرة متناثرة لأفراد عائلتي، لو رأيتها لظننت نفسك في بيت أحد الأدباء الروس، أولئك الذين يحملون العالم كله في أرشيفٍ من الفوضى. الساعة كانت تشير لوقت متأخر جدًا، الوقت الذي يصبح فيه الصمت أكثر وضوحًا من الضجيج. ثم لا أعرف كيف، شعرت فجأة أن داخلي يريد أن يتكلم. لا لأروي شيئًا عظيمًا، بل فقط لأني لا أتحمل الصمت الطويل. لن أكذب عليكم و أقول لكم فتحت دفترا جلديا و صفحة بيضاء من كتاب قديم. بل بدأت أكتب في مذكرة الهاتف ،ليس لأنني كاتب بالتأكيد، بل لأن قلبي ثقيل... وكنت بحاجة لأخففه قليلًا بالكتابة. ولربما يا أيها الغريب، لربما فقط، تجد نفسك بين هذه السطور... و هذا هو المغزى من حديثي معك، فقط من أجل أن تجد من يفهمك و أجد من يفهمني، و قد أعجبتني مقولة للدكتور أحمد خالد توفيق يلخص فيها سبب كتابتي لهذه الرواية يقول فيها: «أعتقد أن الإنسان بحاجة إلى شخص يفهمه بدلاً من أن يحبه ، ما فائدة الحب إن كنت لا تعي مقصدي ؟ ما فائدة الحب إن كُنتُ مطالب في التبرير لك عن كل شيء أقوله لأنك لم تفهمه ؟ أرواحنا بحاجة إلى أرواح أخرى تشابهها بدلا من أن تُحِبُها ...» حسنا حسنا، يبدو أنني أزعجتك، مثلما أظن كذلك أنني ازعجت الكثير ممن ظننت أنهم يشبهوني. فلنبدأ بالفصل الأول و هذه المرة بلا تردد ولا رجعة......