الفصل الأول: الغريب الذي بداخلي لا أعلم متى بدأتُ أشعر أنني لستُ أنا. أو ربما… أن "أنا" التي أعيش بها، ليست هي "أنا" التي كنتُ أظنها. هل شعرتَ يومًا، يا صديقي، أن بداخلك شخصًا آخر؟ ليس شريرًا، ولا غريب الأطوار… بل شخص صامت، يراقبك من الداخل، لا يقول شيئًا. يبكي حين تضحك، ويضحك حين تنهار. كأنه معك و ضدك... أو أظنه يفهم الأمور على حقيقتها على عكسي. دعني أُعرّفك على الغريب الذي يسكنني. ذلك الذي لا يحب التجمعات، ويعشق السكون حين يعلو الضجيج، يكره التصنّع والكلام الكثير الذي لا يحمل روحًا، يمقت الوعود المؤجلة والنوايا الملتوية، ويضيق ذرعًا بالازدحام… في الطرق، وفي العقول. حر لدرجة أنه يأبى أن يُختزل في شهادة جامعية أو وظيفة رتيبة، ويشمئز من القيود التي لا تُرى. و يشفق على البشر الذي لا يستطيع اصلاحهم لأنه يعلم أنه بمجرد نقاشهم يتصارعون للفوز بالنقاش فقط و ليس للبحث عن الحقيقة، و هذا لا يشعره بالغضب، بل بالشفقة تجاههم. لا يبتسم حين أضحك بصوت عالٍ… بل يحدّق بي بصمت، وكأنما يقول لي: "هذا ليس أنت." وأنا، رغم محاولاتي اللامتناهية لفهمه، لا أملك إجابة واحدة. لكني أعلم أنه هناك، يتنفس معي، يراقبني، ويكتب هذه الكلمات الآن. نعم، يا عزيزي القارئ، هذا ليس "أنا" من يكتب… بل الغريب الذي بداخلي. أُجبر نفسي أحيانًا على الابتسام، على الرد، على الضحك… بينما كل شيء في داخلي صامت، ثقيل، كأنني أجرّ جثة مزاجي خلفي، وأرغمه على الرقص في حفلة لم يُدعَ إليها. هل عشت هذا الشعور من قبل؟ أعلم أنك عشته يا صديقي… لكن دعني أسألك: لماذا نضحك حين لا نريد الضحك؟ لماذا نُخفي أنفسنا الحقيقية وراء وجوه مزيفة؟ هل هو الخوف من نظرة المجتمع؟ ربما… سأقصّ عليك موقفًا لعلّه يُجيب عن هذا السؤال: في أحد أيام الجامعة، كنت جالسًا لوحدي ثم جاء احد زملائي و سألني لماذا تجلس وحدك؟ العزلة ليست هروبًا، بل احتجاج صامت على عالم لا يشبهني و أيظا أنا لست وحدي بل مملوء بأشياء لا تراها انت ... نعم هكذا قلت لنفسي، لكني لست شجاع لأقولها له ليس لأنها فكرة سيئة بل لأنه لن يفهم. مع مرور الوقت و أنا مازلت اتأمل لوحدي جلس معي زملائي في ساحة الكلية. الجو مشمس، والضحكات تتطاير،و نظرة زميل من هنا و نظرة الحارس من هناك تشعرك أن الدنيا خلقت لأجلك و كأنك البطل في فيلم سينيمائي ينتظرون منه إنقاذ الناس، و بجانب اذني مباشرة أحاديث عن مباراة الأمس و عن أستاذ لم يحضر، و سؤال مباشر يجعلك تتجمد في مكانك تكون إجابته ابتسامة باردة. وصديقي عبد الرحمان يضحك بصوت عالٍ، يحاول أن يُشركني في المزاح. أبتسم، حتى أضحك معهم، أُلقي تعليقًا خفيفًا… لكن بداخلي… فراغ. كنت هناك بجسدي فقط. أما ذهني، فكان يسبح في مكان آخر تمامًا. ربما في مستقبلي الغامض، أو في تلك الوحدة التي لا يفهمها أحد، أو حتى في حلم قديم دفنته مجبرًا. شعرت وكأنني أرتدي وجهًا ليس لي، كأنني ممثل يؤدي دورًا لا يُجيده. تمنيت أن أنهض بهدوء، أن أعود إلى ملجئي بين الرمال، تحت ظل الشجرة، حيث لا أحد، ولا حاجة للتظاهر. ذلك اليوم… كانت جثة مزاجي حاضرة، ثقيلة، أجرّها معي فقط لأن العالم من حولي يتوقع مني أن أكون بخير. يا صديقي، ألم تتعب يومًا من الضحك؟ ذلك الضحك الذي لا تريده، بل تُجبر عليه لتخفي نفسك الحقيقية؟ أعرف أنك ستقول إنك لا تهتم بنظرة الناس، وستلعب دور الرجل القوي… لكنني أعلم، وأنت تعلم، أننا جميعًا نتأثر، حتى حين يُفكّر عقلنا بالصواب… يُخطئ جسدنا بدافع الخوف. في يومٍ ما، كنت في بيتي كعادتي، لا مكان أذهب إليه، سوى مكان واحد… منعزل، بعيد قليلًا عن المنزل، لا يعبره الناس إلا نادرًا. أخذت رواية لدوستويفسكي « حلم رجل مضحك» وكرسي والدي المريح، وذهبت إليه. ذلك المكان كان كل شيء بالنسبة لي... كثبان رملية باردة، ظل شجرة، كتاب يفهمني، عصافير تزقزق، وعين ماء مفتوحة أو مكسورة… لا أدري. لكن صوتها كان مريحًا. والأهم… لا بشر هناك. لم يكن المكان مثاليًا كما كنت أتخيله أو تتخيله أنت. لكنه كان عالمي الصغير. جلست، فتحت الكتاب، وبدأت القراءة… وفجأة، سيارة تقترب. شيئًا فشيئًا، تقترب أكثر فأكثر. تصوّر ماذا فعلت؟ بالطبع عرفت، لأنك تشبهني يا صديقي: أخفيت الكتاب، تصبب جبيني عرقًا، أخرجت هاتفي بسرعة، وتظاهرت بتصفحه. بدأت نبضات قلبي تتسارع كلما اقتربت السيارة، شعرت وكأني…شخصية راسكولنيكوف في رواية الجريمة و العقاب نعم، كأنني قتلت أحدًا، أو كأني هارب من العدالة. وكأنني ارتكبت جريمة شنيعة… بينما لم أفعل شيئًا. حين ابتعدت السيارة، تنفست بعمق. لكن بدل أن أسأل: لماذا خفت؟ سألت: لماذا شعرتُ بالرهبة؟ رغم أنني بريء، ولم أفعل شيئًا سوى أن أكون "أنا". يا إلهي… هل كل هذا فقط بسبب نظرة مجتمع مُشوّه؟ خوف من أن يُقال عني: "متأثر بمنشورات توماس شيلبي على الفيسبوك." نعم هذا ما يتهم به الاشخاص الواعون في مجتمعنا. لكنني أعلم ياصديقي في داخلي أن خوفي لم يكن من الناس، بل من نفسي التي تربّت على الخوف، على الانصياع، على إخفاء ما هو حقيقي خشية أن يبدو غريبًا. ولعلك الآن تفهمني يا صديقي حين أقول لك: الناس لا يكرهون المختلف لأنهم يفهمونه، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتصرفون تجاهه. إنهم في النهاية مثل القطيع… لا يسألون "لماذا؟" ولا "إلى أين؟"، يكفيهم أن يروا أحدًا يركض أمامهم، فيركضون خلفه، فقط لأنه يركض. أما من هم خارج القطيع، وهم القلة القليلة، فهم لا يسيرون، بل يهربون... يهربون باستمرار، يلتفتون أحيانًا فقط ليتأكدوا أن أحدًا لا يزال يلاحقهم، ثم يواصلون الركض مجددًا. وهكذا تستمر حياتهم: خياران لا ثالث لهما، إما الاستسلام... أو الهروب. يا لها من حياة مرهقة يا صديقي. لن أبيع لك الأوهام، لن أقول لك إن النجاة ممكنة، أو أن هناك نورًا في نهاية النفق... كل ما أريده، أن نواصل هذا الهروب معًا، نحن الناجون بصمت، لكي لانتعب بمفردنا و نقرر الاستسلام لأني على وشك الاستسلام بمفردي. يا من يشبهوني.... هل شعرتم يوما ما بشعور غريب، لست قادرا على وصفه لكني سأحاول و أتوقع أنكم ستفهموني لأنكم غريبون مثلي... أو لن تفهموني و أنا أتوقع ذلك أيضا. ذلك الشعور الغريب وهو أن تشعر أنك لا تعرف من الأفضل... - هل انت أفضل من الناس لأنك واعي على عكسهم؟ أم... -هل هم أفضل منك لأنهم يعيشون حياة افضل و أكثر رفاهية منك؟ و هذا ما يخلق فروقات داخل عقلك بين ما أنت عليه و ماتود أن تكون عليه لكنك تدرك أنك لن تصبح ما توده، ببساطة لأن الحياة ليست عادلة، و ذلك مايجعلك تكره نفسك تدريجيا إلى حد الشفقة عليها كلما رأيت مجنون سعيد أو غبي يعيش في قصر أو كهل دغمائي يشتري جميع منازل الحي فقط لكي يتخلص من الازعاج أو حتى الى رؤيتك للمرآة و انت تنظر للحالة المأساوية التي انت عليها. فنحن نشعر بالألم لأننا دائما مانرى الفارق بين ما نحن عليه و بين الصورة المثالية الخيالية لأنفسنا التي نراها في حلمنا أو في غفوة و إستراحة قصيرة داخل الحافلة بعد يوم مرهق نعم يا صديقي. الحياة تكرم فقط الأشخاص المتحايلين و الأنذال، فلولا وجود الآخرة التي تعطي كل ذي حق حقه، لما عاش أغلب الناس الواعين في هذه الدنيا. لكن مع كل هذا أنا غير مبالي بالحياة لأني كما قلت سابقا «لا يجب أن نحاول فهم الحياة». مشكلتي الحقيقية مع نفسي و ذلك بسبب البشر. هل فهمتم.... المشكلة ليست بيني و بين البشر بل بيني و بين نفسي، أو بطريقة اخرى بين الغريب الذي بداخلي و بين البشر و أنا هو ساحة المعركة. فأحيانًا أشعر أن قلبي الذي يريد حب البشر في مكان، وعقلي الذي يكره البشر في مكان، وأنا واقف بينهما لا أنتمي لأي جهة. فأنا كما قلت ساحة المعركة... نعم، لكنها ليست كتلك التي نعرفها، حيث الأعداء واضحون والأسلحة مادية. هنا، في داخلي، كل شيء ضبابي. "الغريب" الذي يسكنني ليس عدواً بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى ضميرٍ مُتعَب، أو حقيقة لا أريد مواجهتها بالكامل. اما البشر، أو بالأحرى، توقعاتهم وصورهم النمطية للحياة، ليسوا جيشاً منظماً يحاربني، بل هم أشبه بالطقس، بالبيئة التي أتنفسها، تؤثر فيّ دون أن أستطيع دائماً تحديد مصدر التأثير بدقة. وأنا، كساحة لهذه الحرب الخفية، أُستنزَف يومياً. أحاول بناء هدنة هنا، أو تحقيق انتصار صغير هناك، لكن الحرب الكبرى مستمرة، حرب البحث عن سلام داخلي في عالم لا يكف عن الضجيج، وعن ذاتي الحقيقية وسط أكوام من الأقنعة التي أُجبِرتُ على ارتدائها، أو ربما اخترتُها في لحظة ضعف ظننتُ فيها أنها ستحميني. آه لقد نسيت، ما أغباني، لحد اللحظة لم أذكر لكم لماذا لم أشعر باليأس بعد من البشر المتخلفون في زماننا هذا. السبب؟... غرباء مثلي. نعم، أولئك الذين ظهروا في حياتي فجأة، دون مقدمات، وكأنهم هدايا مغلّفة بالحيرة. لم يكونوا أصدقاء بالمعنى التقليدي، بل مرايا مشروخة رأيت فيها أجزاءً مني. دعوني أبدأ لكم بصديقي الأول: ياسين. يا ياسين، إن كنت لا تمانع — وعلى الأرجح لن تمانع — وحتى لو مانعت، فقد فات الأوان. لا تخف سأعرّفك ببساطة و بكل سطحية على الباحثين عن المعنى. يا رفاق التيه، ياسين صديقٌ انطوائي قليلا، يكبرني بعام واحد فقط، ولن أخبركم بعمري. يعيش في نفس الخراب الذي أعيش فيه، ولن أذكر لكم اسم منطقتنا الريفية، فهي لا تستحق الذكر. يشجّع الفريق الذي أكرهه — ولن أذكره أيضًا. تعرفت عليه وأنا طفل صغير، في مباراة كرة قدم في شبه ملعب. كان ياسين يشبه ظلًا يمشي... لا صوت، لا ادّعاء، لكنه دائمًا حاضر. لم يكن يسأل كثيرًا، وهذا ما أحببته فيه. كان يفهم دون أن يتكلم، كأنه عاش صمتي قبلي. لكن... كان هذا في البداية فقط. الآن... صرت أتحدث إليه كما أتحدث مع نفسي. أجلس معه ولا أشعر أن "الغريب" الذي بداخلي يطلب ابتسامة باردة أو جملة تصريفية لتجاوز اللقاء، بل يريد أن يثرثر ببساطة، دون تعقيد، ودون أن يختار كلماته بدقة خشية أن يُفهم بطريقة مختلفة. هو من أولئك الذين، حين تتكلم معهم، لا تريد الرحيل. ورغم أننا لا نلتقي كثيرًا حاليًا، إلا أني أفهم وهو يفهم أيظا أن الودّ ما زال بيننا، كما هو. دعوني أُعرّفكم الآن بعبد الرحمان،صديقي الثاني. رفيقي في الصف... وفي الثرثرة . عبد الرحمان انطوائي قليلا و لكن لديه مهارات اجتماعية على عكسي، لا يكبرني بعام، بل هو في مثل عمري بالضبط، ومنذ كنا في السنة الثالثة متوسط ونحن نجرّ معًا حقيبة المدرسة ومقاعدها الخشبية وصوت الجرس الكريه. ليس بيني وبينه رابطٌ فلسفي عميق لكنه يفهمني، علاقتنا ديناميكية بعض الشيئ. نتكلم عن كل شيء تقريبا لكن ليس بصفة معمقة، عن كرة القدم، السياسة أحيانا و احيانا اخرى عن مجالات العمل او الفلسفة لكن أغلب نقاشاتنا عن التنمر ومشاركة يوميات، و احيانا مشاركة تأملات. نختلف كثيرًا، ونتفق أحيانًا، لكننا دائمًا ما نعود لنفس الطاولة، نفس النكات، نفس التنهيدات التي تخرج بلا سبب واضح، ربما فقط كنوع من التواطؤ ضد عبث الحياة الجامعية. هو ليس المرآة المشروخة التي أرى فيها نفسي، بل أشبه بالنافذة التي أطلّ منها على عالم لم أختَره، وأحاول فقط أن أتأقلم معه لانه عنيد بعض الشيئ. ومع ذلك، عبد الرحمان جزء من هذه الفوضى الجميلة التي أسميها "حياتي"، ومن غربائي الذين يشبهونني... وإن اختلفنا في الآراء، نجتمع في الصمت. أتعرفون؟ لم أكن أظن أنني سأُقدّر هؤلاء الناس يومًا. كنت أظن أنني سأظل دائمًا وحدي، متقوقعًا في رأسي أو في بيتي مثلما يقول لي ياسين كلما رآني (و أخيرا خرجت من قوقعتك) أجادل أفكاري وأسكتها حينًا، وأصدقها حينًا آخر. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت أرى أن الغربة التي أعيشها، ليست عقابًا... بل مرآة. مرآة رأيت فيها انعكاسي مشوشًا، لكنه ليس وحيدًا كما ظننت. وهنا بدأت تتغير نظرتي للبشر، أو بالأحرى بدأت أقتنع أنه هناك من يشبهني ولو قليلا. ماذا؟... هل تتوقعون مني أن أضيف شخصيات أخرى أو أروي مواقف لي مع ياسين أو عبد الرحمان فقط كي لا تشعروا بالملل من هذا السرد؟ لا يهمني إن شعرتم بالملل. لقد عرفتكم بهما، وهذا يكفي. أنا لم أكتب هذا لأرضي فضول أحد أو للسير على قواعد السرد الكلاسيكية، بل لأتكلم كما أريد، عن من أريد، وبالطريقة التي أختارها. من الآن فصاعدًا، لا رغبة لي في الحديث عن الناس كأفراد... أريد أن أتحدث عن نفسي، عني، وعن البشر كفكرة، كحالة لا كأسماء. هذا ما أريده أنا-ليس انت-. أوه... آسف. إنه تمرد من الغريب، لكن سأنصت له هذه المرة." أتعلمون ما الغريب فعلًا؟ أنني عشت مع نفسي أكثر مما عشت مع أيّ أحد... ومع ذلك، ما زالت غامضة عليّ. أجلس معها كل ليلة، نتبادل الصمت،و أحيانا نتبادل اللوم على بعضنا، نتجاهل بعضنا أحيانًا، ثم نتصالح دون كلام. هي ليست عدوّتي، لكنها ليست صديقتي أيضًا. ربما تشبه تلك الجارة التي تراها كل يوم تتجسس على المارة من النافذة، تبتسم لها من باب الأدب، لكنك لا تعرف اسمها حتى. سأتحدث عنها الآن. ليس عن الجارة، بل عن وحدتي ايها الغبي، عن أفكاري حين ترفض النوم، عن لحظات الغضب التي لا أفهم فيها نفسي، عن الرغبة في الرحيل رغم عدم وجود مكان أريد الذهاب إليه. عن البشر... ككائنات تمشي على قدمين، تصرخ في صمت، وتبتسم لصور لا تمثلهم. تذكّرت مرةً كنت فيها جالسًا وحدي خلف المصنع، في مكاني المعتاد، تحت تلك الشجرة التي لا أعرف نوعها، لكني أحب ظلّها. كان الجوّ ساكنًا، والسماء رمادية كأنها نسيت أن تختار لونها ذلك اليوم. فتحت كتابًا، ثم أغلقته بعد ثلاث صفحات. لا لشيء... فقط لأنني شعرت أنني أقرأه لأهرب من شيء ما، لا لأفهمه. جلست أحدق في الرمال،و قال لي الغريب بصوت خافت: "هل هذا كل ما في الأمر؟ تظن نفسك عميقًا لأنك تحب الجلوس في مكان منعزل وتقرأ كتبًا حزينة؟". ضحكت قليلاً، لكني لم أجب. لم أملك الشجاعة للدفاع عن نفسي... ولا الرغبة في ذلك أيضًا. ذلك الحوار القصير بيني وبين نفسي لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، فكما قلت لكم سابقا... هو حوار لامتناهي لا أستطيع الهروب منه، مثل إزعاج venom لتوم هاردي إن كنتم تتذكرون؟ هههه أظنني بدأت بالجنون. أنا أعيش مع نسخة مني كثيرة الأسئلة وقليلة الأجوبة إن لم تكن منعدمة، تُراقبني أكثر مما تواسيني، لكنها لا تتركني. هي من اختارت هذا الطريق، أن نراقب الحياة بصمت، لا لنُصلح شيئًا، بل لنفهم لماذا لا ينصلح شيء. أنا وهي — أو لنقل أنا وأنا — نعيش في هدنة مؤقتة، كلما حاول أحد الاقتراب مني كثيرًا، اختبأتُ خلفها. ليس لأنني لا أحب الآخرين، بل لأنني لا أملك تفسيرات مُرضية لما يحدث داخلي. ولست مستعدًا لأن أكون عرضًا مفتوحًا لإعتقاداتهم الرخيصة. أتعجب أحيانًا من الذين يظنون أن الحديث هو أقصر طريق للفهم. بالنسبة لي، هناك أشياء لا يمكن شرحها بالكلمات، لا لأنها معقدة، بل لأنها هشّة، تنهار حين تلمسها اللغة، فلا تظن أنك تفهمني أيها القارئ لأنك تقرأ هذا الجزء الصغير من طريق طويل مليئ بالعقبات و يؤدي إلى مكان مظلم. أنا لا أهرب من الأسئلة لأني غامض جدًا أو لأني شاعر وجودي… لا، بل لأنني غالبًا لا أملك طاقة شرح "لماذا لم أفتح هاتفي منذ يومين"، أو "لماذا أبدو حزينًا رغم أن الطقس جميل"! أحيانًا تكون الإجابة بسيطة جدًا: "لست في المزاج"، لكن لا أحد يرضى بهذه الإجابة، فيبدأون بتحليل نفسي أكثر مما أفعل أنا لنفسي، لدرجة لو رأى سيغموند فرويد تحاليلهم النفسية لأصبح هو بنفسه مريض نفسي. ولهذا أصبحتُ ماهرًا في الصمت. ليس صمت العاجز، بل صمت من يعرف أن معظم الكلام لا يصل... أو أنه سيفتح باب نقاش لن أخرج منه حيًا. ولأنني أجيد الصمت أحيانا، صار بعضهم يعتقد أنني حكيم. يا لسخرية القدر... كل ما فعلته هو أنني لم أشارك نكتة سخيفة أو تعليقًا لا معنى له أو ضحكة تصريفية باردة، فتحولت فجأة إلى "الهادئ العميق الذي يفكر كثيرًا". بينما الحقيقة؟ أحيانًا أكون فقط جائعًا، أو أفكر إن كنت قد أغلقت باب الغرفة قبل الخروج أم لا، أو أفكر ماهو اليوم. لكن البشر يعشقون المبالغة، ويكرهون الفراغ، فيُسقطون على صمتي ما لا علاقة لي به. وهكذا، وجدتُ نفسي محاطًا بتوقّعات لم أطلبها، ومُتهمًا بالحكمة رغم براءتي منها(أصبحت الحكمة و الوعي في مجتمعنا جريمة). والأدهى؟ أنني بدأت أُصدّق ذلك أحيانًا... فقط لأبدو أكثر غموضًا. والأغرب من كل ذلك، أنني دائم الضحك. أضحك حتى صار يُنظر إليّ ككائن لا يعرف الحزن، كأن الضحك شهادة حسن سيرة وسلوك في هذا العالم البائس. لكنهم لا يعلمون أنني لا أضحك لأن الحياة مضحكة... بل لأنني إن توقّفتعن الضحك، سأبدأ في طرح أسئلة لا إجابة لها، وسأضطر لمواجهة تلك المسودات العالقة في ذهني، حيث تكتب الروح ملاحظاتها بهامش الحيرة. أحيانًا أشعر أني مهرّج في سيرك داخلي، والجمهور الوحيد هو أنا... وأني حتى حين أضحك، هناك نسخة مني تقف في الزاوية، تعبس. نسخة لا تُخدع بسهولة، تُدوّن كل شيء، وتنتظر اللحظة المناسبة لتقول: "كفى مسرحيات". لكن لا تقلق... لن أفتح معها هذا النقاش الآن. لديّ ما هو أهم. في الفصل القادم، سأدخل معك منطقة جديدة. منطقة لا ضحك فيها ولا عبوس… بل مجرد مراقبة دقيقة لهذا الكائن الغريب المُسمّى "إنسان". استعد، فالفصل التالي قد يشبهك أكثر مما تظن. احذر فقط أن تضحك كثيرًا… فقد يظنونك بخير. أما الآن، أريد أن أنام قليلا. تصبحون على خير يا رفاق.