«فرحة بعد المعاناة!»

«فرحة بعد المعاناة!»

10 0

•. «فرحة بعد المعاناة»

كانت هناك فتاة في مقتبل العمر تُدعى سُهَير، كانت لطيفة، لكنها لم تحظَ بالإهتمام ڪبقية الفتيات، وكأقرب مثالٍ على ذلك حالها بين شقيقاتها، كانت طيبةً، خدومةً، ونقيّة القلب، ولكن لسببٍ ما، كانت تُهمَل وتُعامَل معاملةً مختلفة عن أخواتها.

كانت سُهَير الفتاة الثالثة في العائلة، وكانت والدتها تتوقع أن يكون مولودها ولدًا، لا فتاة.. وعندما جاءت سهير أنثى، كرهتها؛ إذ رأت فيها خيبة أملٍ لتوقعاتها، فلم تهتم بها، بل أهملتها.

كبرت سهير دون أن يلحظ الناس، بل حتى أقربهم إليها، كيف نمت وتغيّرت.. لقد تولّى والدها وجدها تربيتها، واعتنى بها شقيقها كذلك، فكانوا لها السند.. ومع ذلك، كانت تُعامَل دائمًا معاملةً تمييزية، مختلفةً عن أخواتها.

لم يكن يُستمع لها، وعندما بلغت سنّ المراهقة، ظلّوا يعاملونها كطفلة.. فإذا دارت نقاشات الكبار، قيل: «أبعدوا الأطفال»، فتُعزَل سهير معهم، وكأنها ما تزال طفلة، رغم أنها لم تعد كذلك.

مرّت الأيام، وكانت حياة سهير مكرّسةً لأهلها وبيتها، كانت تذهب إلى المدرسة، لكنها كانت من الطالبات المجتهدات.

كانت تحب مشاهدة الكرتون ومسلسلات الأنمي، وتفرّغ طاقتها باللعب في الشارع.

كانت تحاول أن تنسى أنها ليست محبوبة كالبقية، وأنها مختلفة عن أخواتها.. كانت تصبر وتحلم، لكنها اعتادت على الألم؛ فقد كان الجميع يضربها.

وهكذا، أصبحت حياتها قاسية، اعتادت عليها قسرًا، حتى لم تعد تشعر بشيء.

عندما كانوا يجتمعون كعائلتين، كانوا يقولون دائمًا: «لا ندري كيف كبرت سهير! نحن حقًا لم نشعر بطفولتها، ولم نشعر بوجودها كما شعرنا ببقية إخوتها».

كانوا يستعجبون، لكنهم نسوا أن الله لا ينسى خلقه أبدًا؛ فإن أهملتَ ما كان يجب عليك الاهتمام به، فالله لا يهمل.

فبفضل الله، وباهتمام من أحبّها حقًا في صغرها، كبرت سهير وبلغت سنًا تُعدّ في زمننا السابق غير مناسبة للزواج، لكن البعض كان يراها كذلك.

وفي يومٍ من الأيام، جاء والدها بخبرٍ مفاجئ، وقال:

«لقد طُلِبَتْ يدكِ يا سهير، والمقابلة قريبة».

شُحب وجه سهير، واتّسعت عيناها، وقالت بخوف:

«لا أريد… لا أريد أن أتزوج! ما زلتُ صغيرة.. أريد أن أدرس، أريد أن أشاهد برامجي المفضلة، الزواج مسؤولية!»

فقاطعها والدها قائلًا:

«ولكنكِ دائمًا تهتمين بشؤون البيت، وأنتِ فتاة نشيطة».

عارضت وهي تهز رأسها:

«لا… لا أريد».

فقال لها بصوتٍ آمر:

«سوف تقابلينه، والمقابلة الشرعية بعد يومين».

استجابت سهير لأوامر والدها؛ فهي دائمًا ما تطيع والديها طاعةً نابعةً من داخلها، وكان هذا حالها منذ الصغر.

طبعًا، وبحكم أنها ما تزال صغيرة، استسلمت سهير للأمر الواقع، لكنها في داخلها لم تكن راضية عن فكرة الزواج.

قالت لنفسها:

«لن أجهز نفسي جيدًا… سأرتدي ثيابًا قديمة، ولن أرتب مظهري، ولن أفعل أي شيء.. سأذهب بمظهرٍ مهمل حتى يكرهني، ولا يفكر في الزواج مني».

كانت هذه خطتها الصغيرة.

وفي يوم المقابلة، كانت بجانب خالها.. وكان خالها قريبًا جدًا منها، الأمر الذي جعلها تشعر بالحرج، وتمنى قلبها لو أن خالها يبتعد قليلًا.

عندما دخل الخطيب، كان بشعرٍ أسود مُصفّفٍ للأعلى، وثيابٍ أنيقةٍ ومعطّرة، ولحيةٍ وسيمة تزيّن وجهه..

لقد أُعجبت سهير بمظهره، رغم أنها لم تُرد الاعتراف بذلك.

وعندما جلس أمامها، شعرت فجأة بأنها هي المهملة فقط، وأنها هي من قصّرت في حق نفسها.

لكن الصدمة الأكبر كانت حين بدأ يسألها عن الدين، وقال كلامًا لم تتوقع أن تسمعه من رجلٍ جاء لخطبتها.

سألها:

«هل تُصلّين يا سهير؟ هل تقرئين القرآن؟»

وطرح عليها أسئلة دينية تتعلق بالشرع.

ربما أجابت عنها، وربما لم تجب عن بعضها، لكنها في النهاية سكتت؛ لأنها لم تكن تتوقع هذه الأسئلة أصلًا.

ثم، وبشكل مفاجئ، خرجت من غرفة المقابلة مسرعة، وهي تشعر بخذلانٍ وصدمةٍ ممّا حدث.

لقد أدركت أنها أهملت نفسها كثيرًا، في الوقت الذي ظهر فيه هو بأجمل صورة؛ شكلاً وسلوكًا ووعيًا.

ومنذ تلك اللحظة، شعرت بأن شيئًا ما بدأ ينمو في قلبها… لكنها لم تكن تعرف ما هو بعد.

كان خطيب سهير يُدعى عطية، كان رجلًا معروفًا بسكينةٍ خاصة، تبثّ الهدوء فيمن حوله وتمنحه وقارًا وهيبةً في الوقت نفسه.

كان هادئًا، طيبًا، لا يُسمع منه إلا الكلام الحسن، فقد كان مُهذّب اللسان دائمًا، فلا تخرج منه إلا الكلمات الطيبة.

كانت سهير كلما رأته تشعر بشيءٍ مميز لم تفهمه، شعورًا غامضًا لم تستطع تفسيره.

وكان الناس حين يتحدثون عنه لا يذكرون إلا أخلاقه الحميدة، لقد كان عطية حقًا كما يدل اسمه؛ عطيةً من الله.

كان بارًّا بوالديه، محبًّا لأهله، وفيًّا لأصحابه، مساعدًا للآخرين، ومهتمًا بمن حوله.

كان خلوقًا إلى درجة أنه كان يُجسّد الدين في سلوكه وأخلاقه، وكأنه مقتدٍ فعلًا بالنبي ﷺ في هدوئه وسمته.

كان من أجمل ما مرّ في حياة سهير، وربما لم يكن أهلها أنفسهم بمثل ما كان عليه من حسن الخلق والهدوء.

منذ فترة سابقة.. قبل أن يتقدّم لخطبتها، كان عطية يراقبها من بعيد في المدرسة، أو حين كانت تلعب مع أخيها في الشارع. كان يراها، وكانت تعجبه، لكنها لم تكن تعلم بذلك.

حتى جاء اليوم الموعود، وتقدّم لخطبتها… ليصبح عطية خطيب سهير، ذلك الرجل الشهم الصادق الطيب الخلوق.

تحدّد يوم الزفاف، وكان عمر سهير آنذاك ثمانية عشر عامًا، لم تكن صغيرة من حيث العمر، لكنها لم تكن تفهم معنى الزواج فهمًا حقيقيًا، إذ كانت تفسّره بتفسيرات بسيطة وخاطئة نابعة من وعيها البريء.

كل ما كانت تعرفه أن الفتاة تتزوج، وتهتم بالمنزل، وتعتني بزوجها، وتغسل له ثيابه.

لم تكن تدرك المعنى الحقيقي للزواج؛ فقد كانوا دائمًا يُبعدونها عن مثل هذه الأمور، ويعاملونها كأنها طفلة، رغم أنها لم تعد كذلك.

كانت صغيرة حقًا في وعيها، نقية وبريئة إلى حدّ كبير.

وعندما حُدّد يوم زواجها من عطية، كان يومًا مميزًا.

ارتدت فستانًا أبيضًا جميلًا أبرز ملامحها؛ فقد كانت جميلة فعلًا، ببشرتها البيضاء، وعينيها اللتين تجمعان بين الحدة والهدوء في آنٍ واحد، وشعرها الطويل الجميل.

كانت ملامحها خجولة، يغلب عليها الحياء، حتى بدت الأجمل في يوم زفافها.

وقد فُرشت سجادة حمراء في طريقها، تعبرها كعروسٍ في لحظتها المنتظرة.

وبعد انتهاء مراسم الزفاف، اصطحبوها إلى زوجها عطية.

جلست في السيارة بجانبه، وقلبها يخفق كطبولٍ لا تهدأ.

لم تكن تعرف كيف تتصرف، فهي للمرة الأولى تُترك وحدها مع رجل، وليس أي رجل.. إنه زوجها الآن، وليس هناك خالها أو والدها أو أخوها.

حاول عطية أن يتحدث معها، لكنها كانت صامتة تمامًا، غارقة في خجلها، تكتفي بالإيماء.

حتى سألها سؤالًا، فاضطرت إلى الإجابة، لكنها كذبت كي تنهي الموقف وتتجنب أسئلة أخرى.

قال لها:

«هل تناولتِ شيئًا اليوم؟»

فأجابت:

«نعم».. وهي في الحقيقة لم تتناول شيئًا، فقد شغلتها تجهيزات الزفاف والتوتر، ونسيت الطعام تمامًا.

ابتسم بهدوءٍ قائلًا:

«حسنًا… وماذا سيحدث الآن؟»

ترددت كلماته في داخلها، بينما كانت سهير غارقة في عالمٍ من الارتباك والخوف.

لم تكن تدرك تمامًا ما ينتظرها، ولا معنى أن تصبح زوجة، ولا فكرة أن حياتها ستتغيّر تمامًا.

كانت فقط فتاة بريئة.. لم يشرح لها أحد معنى ما هي مقبلة عليه.

وعندما فتح عطية باب منزلهم الجميل، أخذها إلى الغرفة.

وعندما كانت تنفض الغرفة بنظراتها المندهشة، فإذ به يقترب منها قليلًا.. فزعت سهير وقالت له:

«اخرج! أريد… أريد خصوصيتي!»

استغرب عطية، وحاول أن يتحدث معها بهدوء، لكنها كانت مصرة على موقفها، فتركها وخرج.

وعندما عاد، وجدها قد ارتدت إحدى بيجاماتها الخاصة بالنوم. تنهد بهدوء، وحاول أن يضبط نفسه ويتعامل مع الموقف بعقلانية.

كانت تنظر إليه بملامح خجل وعدم الفهم، لا تعرف كيف تفسّر وجوده في حياتها الآن.

ابتسم وقال بهدوء:

«حسنًا.. أنتِ لم تتناولي شيئًا، فلنذهب إلى المطبخ ونختار لكِ ما تأكلينه».

قالت بسرعة:

«سأذهب وحدي».

وذهبت، بينما كان يتبعها بهدوء من بعيد.

كانت تفكر في نفسها بارتباك:

«لماذا يتبعني في كل مكان؟ إنه رجل كاللصقة! لم لا يتركني وحدي.. أنا متوترة حقًّا!!»

وفي لحظة ارتباك، وهي تبحث عن المطبخ، دخلت خطأً إلى الحمام، ثم صاحت بخجلٍ شديد.

اقترب بهدوء وأخبرها:

«المطبخ من هنا»، وأشار لها إلى الاتجاه الصحيح.

ذهب معها، وأخرج بعض الطعام، وتناولا معًا شيئًا بسيطًا.

وبعد ذلك، بدأت تغسل الأطباق البسيطة، وتعيد ترتيبها بطريقة منظمة ودقيقة.

نظر إليها عطية مسترسِلًا بإعجاب:

«أنتِ حقًا نظيفة جدًا وماهرة في أمور المنزل».

قالت بخجل:

«دائمًا يقولون لي ذلك».

فابتسم وقال:

«لقد عرفت ذلك من طريقة ترتيبك للأشياء».

...

عندما عادا إلى غرفتهما، كانت سهير لا تزال مرتبكة، لكنها بدأت تشعر بشيء من الهدوء، فذهبت لتجهّز نفسها للنوم.

وبعد حوالي نصف ساعة، قال لها عطية بهدوء:

«لحظة.. أنتِ ستنامين؟ أعني… هل فهمتِ ما يجب فعله؟»

صمتت قليلًا، ثم قالت بارتباك:

«ماذا تريد الآن؟»

حينها أدرك أنها لا تعرف شيئًا عمّا يُفترض أن يحدث، فقال بهدوء:

«حسنًا… نامي إذن».

كان الأمر مرهقًا له نفسيًا، لكنه حاول أن يتقبّله.. فمن ارتباكها الشديد، فهم أنها حقًا لم تكن تفقه شيئًا عن الزواج بمعناه الحقيقي.

...

ومرّ اليوم الأول.

وفي صباح اليوم التالي، أخبرها عطية بهدوء:

«إذا سألك أحد عن شيء يخص الزواج، فقولي: لقد حدث خير إن شاء الله».

استغربت من كلامه، لكنها لم تجادل، وكعادتها، أطاعت ما قيل لها تمامًا.

فكانت إذا سُئلت من أهلها أو قريباتها أو معارفها، ترد بنفس الجملة التي قالها لها زوجها عطية.

في اليوم الثاني، أحضر لها بعض الكتب لتفهم معنى الزواج بشكل صحيح.

صُدمت سهير عند رؤيتها، وشعرت بإحراج شديد، ثم بدأت تدرك أنها دخلت حياة جديدة تمامًا، وأنه لا مهرب مما هي فيه.

وضعت يدها على فمها من شدة الخجل، وقلبها مضطرب،

وفي ذلك الوقت، كان عطية قد خرج إلى أصدقائه، وتركها وحدها لتقرأ وتفهم وتستوعب بهدوء.

كانت تتمتم في نفسها بارتباك:

«كيف كنت أظن أن الزواج مجرد أمور بسيطة؟ يا لي من ساذجة… ماذا سأفعل الآن؟ ماذا أفعل؟»

ومرّ اليوم الثالث، وقد تركها على راحتها، يحاول أن يسهّل عليها الفهم بأسلوب محترم وهادئ، دون ضغط، وبكل حياء.

أخبرها بالحرف:

«عندما تكونين جاهزة، أخبريني».

ثم مرّ اليوم الرابع، ولم تكن قد أصبحت جاهزة بعد.

كان عطية صبورًا وحليمًا، يتعامل معها برفق شديد واحترام.

لم يكن يضغط عليها أبدًا، بل كان يقدّر حالتها؛ فهي فتاة نقية وبريئة، لم تُهيّأ لهذا الفهم من قبل، وكان يتعامل مع ذلك بحذر ووعي.

....

حتى اليوم الخامس، وكان عطية قد بدأ يشعر بالتعب من طول الانتظار، رغم صبره الشديد ومحاولته مراعاة حالتها بكل هدوء،

وفي ذلك اليوم قال لها بهدوءٍ حازم:

«اليوم لا مجال للتأجيل.. جهّزي نفسك».

شعرت سهير بمزيج من التوتر والخجل، لكنها أيضًا أحسّت أنها أثقلت عليه كثيرًا، وأن صبره عليها كان أكبر مما توقعت.

وفي تلك الليلة، تمّ ما شرعه الله بين زوجين في إطار الزواج الشرعي، بهدوءٍ وسترٍ ورحمة، كما ينبغي أن يكون.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت سهير ترى زوجها بعينٍ مختلفة؛ فقد أدركت أنه ليس كما كانت تتخيل في خوفها الأول، بل رجلٌ حليم، كريم، وصبور، يحمل لها احترامًا ورفقًا.

شيئًا فشيئًا، بدأت مشاعر الطمأنينة تنمو داخلها، وتحول خوفها السابق إلى شعورٍ بالأمان.

ومع مرور الأيام، تعلّمت أن الحب الحقيقي لا يكون بالصورة التي رسمها الخوف في عقلها، بل بالرحمة، والستر، والتفاهم.

وأدركت أنها محظوظة بزوجٍ مثل عطية… فبدأ قلبها يميل إليه بهدوء، دون أن تشعر، ومع الوقت أحبته حبًّا شديدًا، فهو يستحق!

____.

-_انتهىٰ_-

-•- هذه كانت قصة سهير؛ الفتاة التي، رغم صعوبات الحياة، ورغم أنها لم تنل طفولة كبقية البنات، إلا أنها عاشت حياةً تليق بها، بفضل الله ورحمته.

وهذه القصة أُهديها إلى صديقتي الغالية، والتي اسمها سهير.

وأحداث هذه القصة حقيقية وجميلة، وليست من نسج الخيال.

إنها قصة تروي حياة صديقةٍ مقرّبة جدًا لي، أحبّها في الله.

وأرجو من الله أن يتغمّد زوجها الراحل عطية بواسع رحمته، وأن يجعل مثواه الجنة، وأن يجمعه بها في الفردوس الأعلى مع النبيين والصالحين.

رحم الله زوجها الغالي عطية.ᥫ᭡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لا نهاية للحكايات `

المؤلف 𝓐𝓶𝓪𝓷𝓲 𝓩𝓲𝓭𝓪𝓷
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة