وقفتْ مشدوهة، وملامحها تعكس أكبر صدمةٍ تلقتها في حياتها. ظلّت تتأمل المشهد أمامها بعينين متسعتين؛ الحمّام العمومي خالٍ تمامًا، وصديقتها "آنييبِل" ليست فيه.
خرجت شتيمةٌ مكبوتة من بين أنفاسها في لحظة غضبٍ مصدومة:
«ذلك الحقير، لقد أخذها إلىٰ هُناك!!!"
ثم اندفعت خارجةً من الممر، تاركةً حقيبتها خلفها ساقطة قرب طاولتهما، خرجت من أبواب المقهى بسرعةٍ جنونية، حتى دوّى صوت فتح الباب بين زبائن المطعم.
ظلّت تركض كالمجنونة، شعرها يتبعثر ويتطاير خلفها مع كل خطوة، شعرت بأنها مذنبة… لأنها لم تُبح بسرّها لصديتقها، أو لأنها كانت مجرد وسيلةٍ لما حدث.
كانت الغصّة تخنقها، كطعنةٍ حادة؛ شعرت وكأنها خائنة، لم تُرد أن يحدث ذلك… استمرّت في الركض.
تركض… تركض… ولا ترى ملامح الأماكن من حولها.
تركض، ورأسها منخفض، وأنفاسها متقطعة، وعبرتها محتبسة. كانت تخشى أنها فقدتها إلى الأبد.
هي.. حقًا.. لم تُرد أن يحدث ذلك، أو كانت ترجو هذا من أعماقها!
عادَت بها ذاكرتها إلى ذلك اليوم… الذي جعل حياتها جحيمًا داخليًا لا يعلم به أحدٌ سِواها.
"أليس" في صغرها... لم تكن تحب القطط، وربما لم تكن تكرهها أيضًا، لكنها لم تستطع تقبّلها.
كان الخوف منها يسكنها؛ لم ترها يومًا لطيفة كما يراها الآخرون، أحيانًا كانت تشعر أنها مجنونة أو غبية، لأن الجميع يراها كائنًا وديعًا، بينما كانت تراها مصدر قلقٍ غير مفهوم.
لم تعرف سبب تلك الفوبيا التي كانت تعتريها كلما اقتربت منها قطة، أو جلست على سياج منزلهم، أو فوق إحدى النوافذ. كانت تخشاها... فحسب!
وفي إحدى المرات، جاءت قطة سوداء.
لم ترها لطيفة... بل على العكس، شعرت منذ اللحظة الأولى أنها مختلفة عن بقيّة القطط الأخرىٰ.
دخلت القطة إلى المنزل عبر نافذة المطبخ، بينما كانت أليس تحاول فتح زجاجة عصير، فقد كانت عطشى حقًا.
وما إن التفتت حتى وجدتها أمامها... ساكنة، تحدّق بها.
تجمّدت في مكانها.
حاولت إبعادها، فرمت لها قطعة لحم، لكن القطة لم تلتفت إليها، لم تهرب، لم تتراجع.
وهذا… ما أخافها أكثر!
لأول مرة، لم تستجب قطة لمحاولاتها في التخويف، بل استمرت بالاقتراب… خطوة بعد خطوة.
حتى تعثرت أليس وسقطت أرضًا.
تيبّس جسدها من الخوف، بينما قفزت القطة فوقها، واستقرّت على صدرها، ووجهها قريب جدًا منها.
في تلك اللحظة، شعرت أن قلبها سينخلع من مكانه، وأنها قد تموت في أي ثانية.
ثم—فجأة—
وقعت عيناها على سكينٍ سقط بجانبها، بدافعٍ غريزي… أمسكت به، وطعنت القطة.
تلوّت القطة ألمًا أمامها، وبدأت تنزف… حتى سكن جسدها تمامًا، ماتت القطة، لم تستوعب أليس ما فعلته!!!
شعرت بدوارٍ شديد، وكأنها على وشك فقدان الوعي، للحظة، ظنّت أنها ستموت من هول ما حدث… لكنها تماسكت بصعوبة.
ثم… نظّفت المكان، أخفت كل شيء.
وحملت جثة القطة، وتخلّصت منها بعيدًا… بعيدًا جدًا… حتى لا يكتشف أحد ما حدث.
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد الخوف مجرد خوف، بل أصبح… سرًا دفينًا يرعبها حتىٰ النخاع.
«أليس»
في ذلك اليوم، لم أنم أبدًا.
كنت أخشى إن أغمضت عيني؛ أن أرى تلك القطة مجددًا، أو أقتلها مجددًا في كوابيسي، لذلك بقيت مستيقظة، مذعورة، ولم أستطع أن آكل شيئًا بعد ذلك المشهد.
وفجأة—
هبت ريحٌ قوية، فتحت نافذة غرفتي رغم أنني كنت قد أحكمت إغلاقها.
اندفعت الريح إلى الداخل، باردةً وقاسية، وكأنها تشقّ جسدي، اقتربتُ من النافذة لأغلقها، وبالفعل فعلت… لكن عندما التفت—
تجمّدت في مكاني.. كان هناك شخص، طويل… يشبه البشر، لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا، عيناه حمراوان، وثيابه غريبة، وهيئته... مرعبة.
في البداية ظننته إنسانًا، لكن عندما تحرّك قليلًا، لاحظت أذنيه… كانتا أطول من أذني البشر بقليل.
تراجعتُ للخلف ببطء، ثم قال بصوتٍ مخيفٍ يهزّ المكان:
"لقد قتلتِ قطّتي."
ارتجف جسدي... همستُ بخوف:
"أ… أتقصد تلك القطة؟"
هزّ رأسه ببطء، ثم بدأ يقترب، خطوة… تلو الأخرى.
كان طويل القامة، متوسط البنية، لكن حضوره كان طاغيًا ومخيفًا، كل شيء فيه كان يبعث على الرعب، حتى أصبح قريبًا جدًا مني.
قال بصوتٍ منخفض، لكن مرعب:
"قتلتِ القطة والتي أخفيتِها… ويجب أن تُعاقَبي."
تجمّدتُ تمامًا:
"مهلًا.. لم أقتلها إلا لأنها أخافتني.. وهي كانت تتصرف بغرابة—"
"لا تهمني قصصك، إما العِقاب وإما أن أنتهي إلىٰ جسدك!"
"ماذا؟!"
أضاف موضحا:
"ستكونين وعائي، تساعدينني على تحقيق هدفي!
وإن رفضتِ… سأنهيكِ."
لم أستطع التماسك، صرختُ، ودموعي تنهمر بلا سيطرة، لكنّه وضع يده على فمي، وقال ببرود:
"لا تهمّني دموعك.. ما قلته؛ أمرٌ حتمي."
ثم—وبهدوءٍ مرعب—
جلس على سريري، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأنه في مكانه، وأضاف:
"ولأكن صريحًا... لولا ما حدث، لما استطعت العبور إلى عالمكم."
كان نظر إليّ باحتقار، ثم تكلم بخفّة:
"أنا أدعىٰ ثاروز، ملك شياطين العالم السفلي."
تجمّد الدم في عروقي:
"وأنا أريد السيطرة على فتاة، وستساعدينني في ذلك."
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة، لم أعد أتنفس، نظرتُ إليه مرتجفة، وقلت بصوتٍ مكسور:
"أنا… موافقة… سأساعدك… فقط… أرجوك… لا تقتلني."
ومنذ تلك اللحظة، أصبحتُ أداةً لذلك اللعين… ثاروز.
خرجت من عالم ذكرياتها عندما توقّفت أمام محطةٍ قديمةٍ مهجورة.
تسلّل الخوف إلى جسدها، رغم أنها زارت هذا المكان من قبلٍ معهُ... مع ذلك النذل—السافل—الذي سلب منها أمان حياتها وهدوءها.
تقدّمت بخطواتٍ بطيئة، مترددة… لكنها ثابتة، كانت خطواتها منتظمة رغم ارتجافها من الداخل، عندما انعطفت يمينًا، وجدت حجرةً بلا باب.
دخلت، وتجمّدت في مكانها، كانت هناك رسوماتٌ غريبة على الأرض… دائرة مرسومة بالدم.
دمٌ جاف.. اتّسَعت عيناها، وعندما التفتت—
رأته... أنيابه تقطر دمًا، صرخت بصوتٍ متقطّعٍ من شدّة البكاء:
"لقد جرحتَها بأسنانك... أيُّها النذل!"
ابتسم، وقال بنبرةٍ ساخرة:
"آه... أهلاً يا أليس، أخيرًا وصلتِ."
اقترب خطوةً، وأضاف:
"لقد فاتتكِ المراسم... وكانت رائعة للغاية!
لكنكِ كنتِ تنقصيننا، وكنت أعلم أنكِ ستأتين في هذا الوقت تحديدًا!"
تراجعت، وهمسَت:
"أنا… أنا…"
قاطعها، ضاحكًا بسخرية:
"لا تقولي لي... أنكِ، وأنتِ تنفذين أوامري... اعتبرتِها صديقتكِ حقًا؟"
تجمّدت...
"تذكّري ما قلتِه لي ذلك اليوم عندما أخبرتِني" أنها خط أحمر! " ظننته مجرد مزاح... أم أنَّكِ صدّقتِ كذبتكِ بنفسك؟"
اهتزّ صوتها:
"أنا…"
اقترب أكثر، وعيناه تلمعان ببرودٍ مرعب:
"لا يهمّني مصيركِ، يا أليس كل ما يهمّني؛ أنني حصلت عليها.. بفضلكِ."
سقطت كلماتُه عليها كطعنة، ثم ابتسم ابتسامةً باردة:
"على أي حال… ستتحرّرين الآن."
رفعت رأسها ببطء نحوه.
"أليس هذا ما أردتِه؟ أن تتحرّري مني... من جبروتي.. إلى الأبد؟"
صمتٌ ثقيل خيّم على المكان.
"هذا اليوم قد جاء."
انحنى قليلًا، وهمس:
"لذا… عيشيه."
ثم أضاف بابتسامةٍ مظلمة:
"ابتسمي، يا أليس."
في وسط الدائرة المرسومة بالدم… كانت "آنييبِل"ممدّدة فاقدة للوعي، ترتدي ثيابًا مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت ترتديها قبل قلي، فستانٌ أحمر بلا أكمام، طويل حتى أطراف أصابعها، ينسدل بشكلٍ غريب… كأنه لا ينتمي لهذا العالم، كان شعرها مفرودًا، وعلى جبينها كُتب اسمٌ واحد:
"ثاروز".
شعرت "أليس " بأن قلبها يتمزّق، اقتربت خطوة، ثم همست، وهي تحوّل نظرها بعيدًا عن ذلك الكريه:
"ابتعد عني… فقط ابتعد."
رفع كتفيه بلا مبالاة:
"لا يهم."
ثم ابتسم ابتسامةً باردة:
"ما رأيكِ؟ أتريدين أن أجرحكِ بمخالبي؟ لا تقلقي… لن أستخدم أسناني. فأنتِ لستِ من نوعي."
لم ترد.. فقال بسخرية:
"ما بكِ؟ أين صوتكِ؟"
ارتجفت "أليس"، ثم فجأة—وبكل ما تبقّى فيها من قوة—
جرحت نفسها.. عضّت إبهامها حتىٰ سال الدم من يدها، وقطرته داخل الدائرة.
ونظراتُها لا تفارقان "آنييبِل"، كانت عيناها فارغتين بلا نور.. بلا حياة.
في تلك اللحظة… كرهت نفسها بشدة.
"ما هذا؟"
قالها ثاروز باستغراب، ثم ضحك:
"لا تخبريني… أنكِ أحببتِها حقًا؟"
اقترب قليلًا:
"أنتم البشر… مخلوقات ضعيفة. تافهة. ترضخون أمام مشاعركم."
ثم فرقع بأصابعه:
"على أي حال… انتهى الأمر. ثوانٍ فقط—"
لكن فجأة—
تحرّك جسد "آنييبِل"، تجمّد ثاروز:
"ماذا…؟ كيف؟!"
فتحت "آنييبِل" عينيها ببطء.. لم يكن هذا ضمن الخطة.
تمتم بغضب:
"من المفترض أن تستيقظ؛ فقط بعد انتهاء المراسم…!"
لكنها استيقظت! وعندما فتحت عينيها… كان أول ما رأته:
"أليس..."
حاولت النهوض، لكنها لم تستطع، جسدها كان مقيّدًا بالدائرة.
"أليس …؟ ما الذي يحدث؟"
صوتها كان ضعيفًا… مرتبكًا.
"أليس، لقد… قابلت شخصًا… ثم—"
توقفت فجأة... رأته!
"لحظة… أليس … إنه يقف بجانبي!!!"
اتّسعت عيناها:
"لا أظنه بشريًا… هل هو من الجن؟ أو… شيء كهذا؟"
بدأ الخوف يتسلّل إليها:
"كنا في الحمّام العمومي… أليس كذلك؟ أين أنا الآن؟ لماذا لا أستطيع الحركة؟!"
ثم نظرت إلى وجه "أليس" وتجمّدت...
"أليس … لماذا وجهكِ هكذا؟"
همست:
"هل… كنتِ تبكين؟"
صمت... ثقل..
ثم بصوتٍ مكسور:
"أليس… أجيبيني!! أنا خائفة! …"
اقترب منها ثاروز:
"يا عزيزتي… لا ترهقي نفسكِ بمعرفة ما حدث! "
ثم، بنبرةٍ حادّة مفاجئة، وهي تنظر إلى ثاروز:
"أنت! من أنت؟ وماذا تريد؟ وما الذي تفعله بصديقتي؟!"
ابتسم ثاروز ببطء، وقال:
"على العكس، السؤال الحقيقي هو…"
مال برأسه قليلًا، وعيناه تلمعان:
"ما الذي كانت تفعله لكِ صديقتك... في خدمتي؟"
تجمّدت "آنييبِل" ببطء…
رفعت نظرها إلى "أليس".
"أليس…؟"
لم تستطع "أليس" أن تتحمّل نظرتها، خفضت عينيها.
ولم تجب.. حاولت "آنييبِل" أن ترفع جسدها المتعب، لكنها فشلت.
نظرت إلى "أليس" بعينين مضطربتين، وقالت بصوتٍ متوتر:
"أليس … ما الذي يتحدث عنه هذا المجنون؟ هذا… الشيء البغيض؟ أجيبيني! أنا لا أفهم شيئًا!"
ارتجف صوتها أكثر:
"كل تلك الأمور التي كنتِ تقولين لي إنني أتخيّلها… هي حقيقية؟ هو السبب، أليس كذلك؟!"
صمتت "أليس"...
"تكلّمي!" صرخت آنييبِل "لماذا أحضرتِني إلى هنا؟ أخبريني! أنا… أنا حقًا لا أفهم!"
همست "أليس"، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"أنا… لم أكن أعلم أنه سيبدأ قريبًا… تمنّيت أن يطول الوقت…"
اتّسعت عينا "آنييبِل":
"أليس …؟ ماذا تقولين؟ أنا لا أفهم! سأجنّ!"
سقطت كلمات "أليس" أخيرًا، مكسورة:
"سامحيني… سامحيني… كنتُ مجبرة…"
"عن ماذا تتحدثين؟!"
ردّت آنييبِل، وقد بدأ الخوف يتحول إلى صدمة.
وقبل أن تجيب—
تدخّل "ثاروز"، قاطعًا الحديث، بنبرةٍ باردة:
"دعيني أوضّح لكِ.."
ابتسم بسخرية:
"صادقتكِ منذ المدرسة… فقط لأنها كانت تنفّذ خطتي."
تجمّدت "آنييبِل"، فصرّح قائلًا:
"لم تكوني مخطئة تمامًا… أنا لستُ بشريًا، أنا شيطان."
اقترب خطوة:
"كنت أتحكّم بها.. كل تصرّفاتها تجاهكِ… لم تكن بإرادتها."
صمت ثقيل.. ثم أضاف:
"طلبتُ منها أن تصادقكِ.. أن تقترب منكِ، أن تكسب ثقتكِ… حتى أتمكّن منكِ في اللحظة المناسبة."
شهقت "آنييبِل":
"تتمكّن… مني؟ ماذا تقول؟!"
نظر "ثاروز" إلى "أليس"، ثم عاد بنظره إليها:
"علاقتكما… كانت خطة."
سقطت الكلمات كالسكاكين:
"انتظرتُ أن تكبري.. حتى تصبحي جاهزة!"
اقترب أكثر، وصوته ينخفض:
"ثم… أستولي عليكِ."
ارتجفت "آنييبِل"، ونظرت إلى "أليس":
"أليس... أخبريني أنه يكذب... أجيبي!!!"
لكن "أليس"لم تستطع..
قال "ثاروز" بهدوءٍ مخيف:
"يا عزيزتي، سأخبركِ بكل شيء من البداية... إلى النهاية."
ثم مرّر يده على رأسها، كما لو كانت شيئًا صغيرًا:
"أليس كانت تحت أمري، اقتربت منكِ بسببي… وعندما حانت اللحظة… أصبحتِ بين يدي."
صمت.
"كل ما كان بينكما… لم يكن إلا طريقًا إليكِ."
اتّسعت عينا "آنييبِل" بصدمةٍ قاتلة.
ببطء…نظرت إلى "أليس" تلك النظرة…لم تستطع "أليس" احتمالها، خفضت رأسها، وانهمرت دموعها، تسقط على الأرض… مختلطةً بآثار الدم.
"أنا لا يهمني كلامه…"
سكتت مِن التعب، وبالكاد أكملت:
"لماذا لا تنظرين إليّ؟ لا تقولي لي إن كلامه صحيح!
أحقًا اقتربتِ مني، وصادقتِني، فقط لأنكِ كنتِ تنفذين أمرًا؟! هل حدث ذلك حقًا؟ أخبريني!"
بكت، ثم صرخت صرخةً تعالت في أرجاء الحجرة:
"أنا… أنا حقًا آسفة! لم أكن أعلم أن حياتي ستنقلب رأسًا على عقب… لكن صدقيني، في البداية كان كل شيءٍ مجرد خطة…"
ارتجف صوتها، وتابعت وهي تبكي:
"لكن عندما تعرّفت عليكِ… وعرفتُ كم أنتِ نقيّة، عاطفية، عفوية، طيبة، ونبيلة… وتحبين بصدق… أنا حقًا، حقًا ندمت منذ تلك اللحظة، لقد اعتبرتكِ صديقة حقيقية!"
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها:
"لكنني كنتُ مجبرة… مجبرة على الاستمرار، ومع ذلك، تمنيتُ من داخلي أن يطول الأمر… أن لا يفعلها أبدًا… أن يبقى كل شيء كما هو، حتى لو كان زائفًا… كان ذلك أهون عليّ مِن سلبكِ!"
خفضت رأسها، ودموعها تنهمر:
"وعندما وصلتِ إلى السن التي كان ينتظرها… بدأ يتصرف بغرابة، يرعبكِ ويُربككِ… وكنتُ أتجاهل، أتجاهل كل شيء، وكأنني لا أرى… رغم أن ذلك كان يمزقني من الداخل."
ضغطت على قلبها وهي تبكي بحرقة:
"كنتُ أكره نفسي… أحتقرها… أحتقرها كثيرًا! لكن لم يكن بيدي حيلة… أنا ضعيفة!"
صرخت بصوتٍ مكسور:
"أنا ضعيفة… ولا حول لي ولا قوة… لقد تمكن مني… جعلني وسيلة للوصول إليكِ، أنا آسفة.. سامحيني.. آسفة حقًّا!…"
ساد الصمت، لم ترد آنييبِل.
ظل وجهها بلا تعبير، هادئًا… وكأن كل شيءٍ بداخلها قد انكسر في لحظة واحدة.
تقدّم ثاروز مصفِقًا، وجذب انتباهها نحوه، كانت أليس تنظر إليه بعينين غاضبتين، متسعتين على نحوٍ مخيف.
قال ببرودٍ ساخر:
"هل انتهت هذه اللحظة الدرامية؟ كم أكره الدراما…"
قلّب عينيه، ثم تابع بلا مبالاة:
"على أيّة حال… آنييبِل أنتِ ملكي الآن."
فرقع بأصابعه، فجأة، ارتفع الدم في الهواء، متشكّلًا كنجمةٍ معلّقة، يقترب، يقترب منه... ثم، وبحركةٍ خاطفة، نثره علىٰ وجهها.
في تلك اللحظة تغيّر كل شيء، اتّسعت عينا آنييبِل.. بياضٌ كامل، بلا أيّ بؤبؤ، وقفت على قدميها ببطء.
ابتسم، وقال بصوتٍ منخفض:
"لقد تمّ كل شيء، أنتِ حرّة الآن.. يا أليس!"
على الجانب الآخر، ساقطت أليس على الأرض، ركبتيها تلامس برودة بلاط الحُجرة، لكنها… لم تشعر بشيء، تلك اللحظة التي تمنّت أن تطول… ها هي تعيشها الآن.
تعيش مرارتها، تعيش حقيقة أنها خانت صديقتها… الصديقة التي أحبتها بصدق، رغم كل شيء.
رفعت نظرها ببطء، وعيناها تشتعلان حقدًا وغضبًا،ثم تذكّرت...
السكين، في حقيبتها.
منذ تلك اللحظة التي رأت فيها تلك القطة.. كانت دائمًا ما تضع واحِدًا؛ منذ أن انقلبت حياتها إلى وجعٍ متواصل…
بسرعة، أخرجت السكين، وانطلقت نحوه، وعيناها تشعّان بشراراتٍ لا تنطفئ.
لكنه.. أمسكها بسهولة، ولوى يدها خلفها واضعها أمامه.
سقطت السكين من بين أصابعها، قال بسخريةٍ باردة:
"لم أظن أنكِ ستغدرين بي.. بعد كل ما حدث بيننا."
ثم دفعها بعنف، حتىٰ ارتطم جسدها بالأرض بكل قوة… اقترب منها ورفعها.
كانت "أليس" تنظر إليه بنظرةٍ ثابتة، رغم الدم الذي كان يسيل من رأسها.
قال ببرود:
"كان اتفاقنا؛ إن ساعدتِني سأعفو عنكِ، أما الآن، وبعد أن أصبحتِ بلا فائدة، وحاولتِ غدري… لذا سأقتلكِ!"
ابتسمت أليس بمرارة:
"اقتلني… هيا اقتلني!"
ثم تابعت بصوتٍ منكسر:
"لا حياة لي بعد ما عشته... ظننت أن لحظة حريتي ستكون خلاصي.. راحتي، لكنني خسرت صديقةً؛ كانت تُعادِل حُريات العالم.. وأنا السبب.."
ارتجفت أنفاسها:
"الموت أفضل؛ مِن أن أعيش بوجعٍ لا ينتهي."
وقبل أن يخنقها بين يديه—
توقّف.. لأنّ صوت آنييبِل؛ دخل مسامعهما:
"أليس… لا بد أن ذلك كان مؤلمًا."
كان صوتها خافتة، لكنها لم تكن كالسابق، كانت تنظر إليهما بهدوءٍ غريب.
"أنا آسفة… لأنني لم أكن معكِ في تلك المحن الصعبة، وفي تلك الضغوط التي وُضعتِ فيها من أجل الوصول إلى حريتك."
صمتت لحظة، ثُمَّ تابعت:
"لا بد أنكِ رأيتِ كوابيس كثيرة… أشياء مرعبة لم تستطيعي إخباري بها."
اقتربت خطوة:
"رغم أنكِ كنتِ دائمًا تخبريني بكل شيء يزعجك، ولكن أعظم ألمٍ في حياتك كان يضايقك؛ تحملته بصمت… ما لم تستطيعي قوله كان أثقل مما ظننت."
ارتبك ثاروز:
"ما الذي يجري؟"
قرفصت آنييبِل، ثُمَّ التقطت السكين من الأرض.
"سكين… ماذا؟ ماذا تفعلين؟!"
قالتها أليس بحدة.
لكن آنييبِل ابتسمت ابتسامة حزينة:
"أنا آسفة… لأنني لم أكن بجانبكِ."
"كنتُ أعيش في نعيم الجهل… بينما كنتِ أنتِ تتحملين كل هذا الجحيم وحدكِ."
ارتفع صوتها قليلًا:
"لا ذنب لكِ… لذلك يجب أن تتحرري من هذا الكابوس."
اتسعت عينا أليس:
"ماذا تقولين؟!"
رفعت السكين عاليًا.. ثم، في لحظةٍ واحدة—
غرستها في صدرها، طاعنةً قلبها...
سُمع صراخٌ مدوٍّ مِن ثاروز، اهتزت له الجدران، وتحوّل إلى لهبٍ يملأ المكان.
ثم بدأ يتلاشى… حتىٰ أصبح كرمادٍ في الهواء، واختفىٰ.
سقطت آنييبِل على الأرض... ركضت أليس إليها بسرعة:
"آنييبِل! هل تسمعينني؟!"
أمسكتها بين يديها، بصوتٍ متقطع، وبأنفاسٍ تقترب من النهاية، قالت آنييبِل وهي تضع يدها على وجه أليس:
"أنا آسفة لهذا، ولا تلومي نفسك.. لقد سامحتكِ، فكنتِ ضحيةً بدوركِ.."
"هذا ليس مهمًا الآن، لا تتكلمي أكثر، سأتصل بالإسعاف!"
سكتت متألمة، هزّت رأسها نافية:
"لا أمل في نجاتي.."
فجأةً الدم اندفع بقوّة مِن فمها، لحظتها انهمرت دموع أليس فعانقتها مجهشة بالبكاء والنحيب:
"لا آني.. أرجوكِ لا ترحلي..."
بصعوبةٍ لفظت:
"عيشي… سعيدة، فلقد تعذبتي وحزنتي بما يكفي..."
انزلقت يدها ببطء، تاركة أثر الدم على وجه أليس…
ثم سكنت.. ماتت آنييبِل، لتعيش أليس؛ حُرَّةٌ مِن ثاروز والندم.
________________________.
-_انتهىٰ-_
𝓐𝓶𝓪𝓷𝓲 𝓩𝓲𝓭𝓪𝓷