«نهاية لم تُحْسب!»

«نهاية لم تُحْسب!»

18 0

يُروى في إحدى المدن أن السهر مضر، والأسوأ أنّ من يبقى مستيقظًا حتى الساعة الثانية والنصف ليلًا يتعرّض لأمر غريب ومخيف، ولا أحد ينجو منه.

كانت أسطورة تتناقلها الألسن لتخويف الأبناء ومنعهم من السهر، لكن في نظر بعض الشباب لم تكن أكثر من خرافة بالية.

في تلك المدينة عاشت فتاة في ريعان شبابها تدعى آمي.

فتاة ذات ملامح طفولية جميلة، عيناها السوداوان الواسعتان تعكسان براءة وفضولًا، وشعرها الكحلي الطويل ينساب على كتفيها.

آمي كانت عاشقة للسهر، لكن صرامة والدها لا تسمح لها بتجاوز الثانية عشرة والنصف.

ولطالما كرر عليها تلك الإشاعة التي كانت تسخر منها سرًّا وتعتبرها "حماقة سخيفة".

وفي ليلة بعينها، قررت آمي أن تثبت عكس ما يقوله والدها:

«حين أسهر حتى الثانية والنصف ولا يحدث شيء، سيعلمان أنّهما كانا يصدّقان مجرد خرافة!»

جاء اليوم الموعود… وبعد العشاء، أطفأ والدها أنوار غرفة المعيشة عندما دقت الساعة الثانية عشرة والنصف. كان يسير بجانب زوجته متجهًا نحو ابنتهما الجالسة على الأريكة تحمل هاتفها.

قال وهو يخلع نظارته محدّقًا فيها بزمرديتيه الحادتين:

"هيا يا آمي، ضعي الهاتف في الشاحن واذهبي إلى غرفتك."

"أبي… لا أرغب في النوم الآن!"

اشتدت نظراته وأجاب بصرامة:

"انتهى النقاش منذ زمن، لا سهر بعد الثانية عشرة والنصف. إلى غرفتك حالًا!"

خفضت رأسها وقالت بخضوع مصطنع:

"حسنًا… آسفة أبي."

صعدت الدرج بخطوات بطيئة، ثم توقفت عند المنعطف الأول واختبأت خلف الجدار، تسترق السمع لحديث والديها.

همست أمها بصوت رقيق وهي تتشبث بذراعه:

"عزيزي… لقد كنتَ قاسيًا على آمي."

تنهد الأب وهو يحدّق من النافذة في صفوف البيوت المتراصة، والقلق يطلّ من عينيه:

"أعرف… لكن الأمر خطير فعلًا. وهي تظن أننا نبالغ!"

ابتسمت زوجته برفق وقالت:

"لا تقلق… آمي دائمًا تسمع كلامنا."

"نعم… معكِ حق. ثم حتى نحن ممنوع علينا السهر."

ضحكت الزوجة بخفة، ودخلا غرفتهما وأغلقا الباب.

في تلك اللحظة أخرجت آمي رأسها من مخبئها، وهبطت الدرج بهدوء لتعود إلى الأريكة.

رمت ظهرها عليها براحة، وأمسكت هاتفها تتنقل بين التطبيقات: واتساب، إنستغرام، فيسبوك، تيليغرام… ومرّ الوقت دون أن تشعر.

لكن حين رفعت عينيها إلى شاشة هاتفها… تجمّدت!

الثالثة ليلًا.

ابتسمت بانتصار:

"ها أنا ذا… ولم يحدث شيء. سأذهب الآن لأخبرهما أنهما يصدّقان خرافة سخيفة!"

نهضت متوجهة نحو غرفة والديها، لكن… المنزل لم يكن منزلها!

الجدران اختفت، والسقف انعدم، ووجدت نفسها واقفة داخل كهف موحش تتناثر فيه الصخور العتيقة ورائحة العفن.

تجمدت أطرافها، وفجأة… مرّ بجانبها ظلّ خاطف كالبرق.

اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما. حاولت الركض… لكن قدميها لم تحملاها. سقطت أرضًا وهي تصرخ:

"أمي!!! أبي!!!"

ظهر ذاك الظل أمامها، يقترب بخطوات ثقيلة وصوت أجش كأنّه قادم من قاع القبور:

"لو كنتِ فتاة مطيعة… لأصغيتِ إلى تحذيرات والديك!"

شهقت آمي بصوت مبحوح:

"م-من أنت؟! أين أنا؟!"

"ليس مهمًا… فكّري بالأهم."

ارتجفت:

"ما… الأهم؟!"

ضحك بوحشية:

"كيف ستهربين مني ومن جوعي وجوع جيشي؟ نحن لم نتذوق طعم البشر منذ قرون!"

وفجأة أُشعل ضوء خافت، فكشف عن ملامحه:

وجه بشع، أنف دميم، عينان حمراوان متقدتان كالدم، جسد ضخم مبرقش، أنياب هائلة تتقطر منها اللعاب.

وخلفه، مئات من المسوخ المماثلة له تتقدم بخطوات شرهة.

صرخت آمي حتى تمزقت حبالها الصوتية. حاولت الركض، لكن…

في طرفة عين، هوىٰ شيء على الأرض، فتدحرج حتى وقف تحت الضوء.

كان… رأسها!

فقد فصل الوحش رأسها عن جسدها في اللحظة الأولى لمحاولتها الهروب.

انقضّت المسوخ على جسدها الملقى، تتناوشه بشراسة، تمزقه إربًا إربًا، بينما يتعارك آخرون على رأسها. اقتلع أحدهم عينيها السوداوين وقضمها بنهم، فيما هشّم آخر الجمجمة على الأرض حتى تناثرت شظايا العظام ودماغها، فقفزو عليه بعضهم بشراسة لعلى أحدهم يأكل منه.

وسط الجنون، جلس القائد الأكبر متكئًا، يتناول ذراعها ببطء وكأنّه يتذوق طعامًا فاخرًا، ثم أطلق ضحكة مجلجلة:

"مسكينة… كان عليكِ سماع كلام ماما وبابا!"

______

-انتهى-_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لا نهاية للحكايات `

المؤلف 𝓐𝓶𝓪𝓷𝓲 𝓩𝓲𝓭𝓪𝓷
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة