سنة الهدوء الذي يسبق العاصفة

سنة الهدوء الذي يسبق العاصفة

11 0

الفصل التاسع

سنة الهدوء ما قبل العاصفة

لم يكن النصر في قبيلة الحديد نهاية الحرب… بل بدايتها الحقيقية.

مع شروق الشمس، كانت العربات تتحرك في طوابير طويلة بين الوادي والجبال. عجلاتها الخشبية تصدر صريرًا ثقيلًا، والرجال يدفعون ويشدّون، فيما يقف الحراس على الجوانب بأسلحتهم تحسبًا لأي كمين.

وقف إسحاق فوق مرتفع صخري يراقب القوافل، ثم قال لياسين:

«من يملك المادة… يملك المستقبل.»

لم يعد الحديد مجرد معدن. أصبح مشروع دولة.

تم تحرير مهندس مختص في صهر المعادن يُدعى عمران. رجل في الأربعين من عمره، عيناه تلمعان كلما رأى الخام يُلقى أمامه.

تفحص قطعة حديد، ثم قال بثقة:

«أنتم تضيّعون قوتكم إذا صنعتم سيوفًا فقط. اصنعوا سبائك أولًا… السيوف تأتي لاحقًا.»

اجتمع إسحاق ومحمود وعمران وأيمن في ورشة بدائية أُنشئت قرب النهر.

قال عمران وهو يرسم بعصا على التراب:

«حاليا ستون بالمئة من الإنتاج سبائك تُخزَّن. أربعون بالمئة فقط تُحوَّل إلى أسلحة. إذا خسرتم معركة، ستملكون ما يعيدكم.»

تبادل محمود وإسحاق النظرات، ثم قال إسحاق:

«افعلها.»

بدأ العمل على فرن أكبر من أي شيء بنوه سابقًا. جمعوا الطين، الحجارة، وبنوا مجرى هواء لتحسين الاشتعال. كان الفحم يُغذّى باستمرار، والحرارة ترتفع حتى يحمرّ الحديد.

الشرر يتطاير في الليل كنجوم صغيرة.

قال أحد العمال بصوت مبهور:

«لم أرَ نارًا كهذه من قبل.»

رد عمران بابتسامة خفيفة:

«هذه ليست نارًا فقط… هذه مستقبل.»

في الجانب العسكري، لم ينتظر محمود.

جمع الجنود في ساحة واسعة وأخذ يرسم تشكيلات على الأرض.

«من اليوم لن نقاتل كقبيلة… سنقاتل كجيش.»

قسّمهم إلى وحدات:

رماة نشاب.

مشاة دروع.

استطلاع.

احتياط خلفي.

بدأ بتدريبهم على الانسحاب المنظم.

أحد الجنود سأل مستغربًا:

«ننسحب ونحن أقوى؟»

ابتسم محمود وقال:

«أحيانًا التراجع خطوة… يزيد من القوة»

كان يدرّبهم على تشكيل نصف قوس، وعلى التراجع دون انهيار. كان يريد جيشًا يتحرك كجسد واحد.

في إحدى الليالي، وقف مع إسحاق يتأمل الجنود.

قال إسحاق بهدوء:

«هل تثق بهم؟»

أجابه محمود:

«أثق بأنهم سيصمدون… إذا صمدت الخطة في أذهانهم»

ثم جاءت فكرة جديدة.

في صباح بارد، أشار إسحاق نحو السهول البعيدة حيث كانت خيول برية تجري بحرية.

قال:

«نحن بطيئون.»

نظر إليه ياسين مستغربًا:

«تقصد؟»

«نحتاج سرعة. نحتاج خيولًا.»

بدأت محاولات ترويض الأحصنة. كانت فوضوية في البداية. رجال يُسقطون أرضًا، خيول ترفس وتفرّ، وصيحات تعلو.

قال أحد الجنود غاضبًا وهو يمسح التراب عن وجهه:

«هذه وحوش!»

رد إسحاق بثبات:

«بل سلاح لم نفهمه بعد.»

تم تحرير رجل مسن كان في حياته السابقة مدرب خيول. وقف يراقب المحاولات ثم قال:

«أنتم تحاولون كسرها. لا تكسروا الخيل… اكسبوا ثقتها.»

بدأت المحاولات من جديد. ببطء… نجحوا في ترويض أول حصان.

عندما امتطاه أحد الجنود لأول مرة وسار به خطوات ثابتة، ساد صمت مهيب.

همس محمود:

«الحرب لن تعود كما كانت.»

لكن الفرسان كانوا ما يزالون قلة. التجربة في بدايتها، والخطر يقترب.

وفي الجهة الأخرى…

لم يكن زياد، زعيم النيزك، ساكنًا.

في وادٍ بعيد تحيط به الصخور الحمراء، وقف أمام تشقق اسفله مصنع قديم لمورد مهم

لم يكن حديدًا.

بل نحاس.

أمسك قطعة منه، تأمل لونها المائل إلى الحمرة، ثم قال:

«هم يملكون الحديد… ونحن نملك النار التي تشكّله.»

أحد رجاله اقترب وقال:

«المصنع مؤمن. العمال يعملون ليلًا ونهارًا.»

ابتسم زياد ببرود:

«جيّد. أريد رؤوس سهام نحاسية لكل رامٍ. أريد رماحًا أخف وأسرع.»

بدأت أفرانهم الصغيرة تعمل. النحاس أسهل صهرًا، أسرع تشكيلًا. لم يكن بقوة الحديد… لكنه كان وفيرًا.

وفي الساحة الكبرى، كان رجال النيزك يتدرّبون على الخيول.

فرسان يجربون الرمي أثناء الحركة.

كان يتعلم. لم يعد مجرد قائد مندفع. أصبح خصمًا يفكر.

وصل إليه خبر تحركات إسحاق.

قال أحد مستشاريه:

«هم يخزنون الحديد.»

رد زياد بابتسامة خفيفة:

«دعهم يخزنون. نحن سنجعلهم يستخدمونه كله… في معركة واحدة.»

عاد أحد كشافة إسحاق مسرعًا إلى الوادي.

كان وجهه متعبًا، وصوته يختلط بالغبار.

«سيطروا على مورد معدن برتقالي كبير. يصنعون أقواسًا جديدة… وفرسانهم يتدربون يوميًا.»

ساد صمت ثقيل.

قال ياسين:

«انه يقصدالنحاس...لكن النحاس أضعف من الحديد.»

رد عمران بجدية:

«لكن إذا كان عددهم أكبر… فلن تهم قوة المعدن كثيرًا.»

نظر إسحاق إلى السبائك المصطفة داخل المخزن. قطع حديد باردة صامتة… تنتظر.

ثم قال:

«إذن لا وقت لدينا.»

أجاب محمود:

«ليأتوا إلى السهل. هناك سننهيها.»

رفع إسحاق نظره نحو الأفق حيث تلتقي السماء بالأرض.

«لا… لن ننهيها بالقوة فقط.»

سأله ياسين:

«بماذا اذن؟»

ابتسم محمود لأول مرة منذ أيام.

«سننهيها بالعقل.»

وفي مشهد أخير…

في الوادي، سبائك الحديد تُرصّ بعناية.

وفي معسكر النيزك، رؤوس سهام نحاسية تُكدّس في صناديق.

كلا الجانبين يستعد.

كلاهما يعتقد أن النصر قريب.

لكن الحرب القادمة لن تكون بين معدنَين فقط…

بل بين رؤيتين للعالم.

واحدة تبني لتستمر.

وأخرى تهاجم لتسيطر.

واحدة تريد إثبات أن جيلها هو الأكفأ

وأخرى تريد إبادة ذلك الجيل

والسهل… ينتظر ....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عصر ما بعد التحجر

المؤلف Islam Vladoo
2026/02/15 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة