رواية "عشق مهدد"
"الفصل السادس"
قراءة ممتعة❤️
لو عجبكم الفصل مش تنسوا تقولوا رأيكم💙
-قال الله سبحانه وتعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
-قال رسول الله ﷺ: {مَنْ صَمَتَ نَجَـا}.
-قال رسول الله ﷺ: {أَمْسِكْ عليك لِسَانَكَ}.
-قال رسول الله ﷺ: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ}.
-قال رسول الله ﷺ:{إنَّ اللهَ كـرِه لكم قيلَ و قالَ}.
-قال رسول الله ﷺ:{أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ آَدَمَ فِي لِسَانِه}.
-قال رسول الله ﷺ:{إنَّ العَبْـدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَـطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لها بالًا يَهْوِي بها في جَهَـنَّمَ}.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب الأسبوع الأول فصوله بصبرٍ ومهارة، رغم صعوبات الوصول إلى النهاية التي ستستمر لأشهر، لكن البداية كانت لها ثمار رائعة؛ فرائحة التراب الدافئة تنبعث عبر أنفه من هذه الأرض الساكنة التي ستصبح في النهاية أكبر مول تجاري بمدينة الإسكندرية.
أراد "حسام" التأكد من قياسات الأرض عن طريق الحاسوب الخاص به، فذهب إلى سيارته بحماس- التي صفها خارجًا- وعند وصوله فتح الحاسوب، الذي رفض إطاعته. فتقلصت معالم وجهه انزعاجًا وهو يتمتم:
- كنت ناقصك في نهاية اليوم أنا، مالك كنت حلو الصبح؟
ألقاه على المقعد المجاور له بضيق وهو يهتف:
- طب دماغي بتاكلني دلوقتي، الحل إيه؟ أيهم يبعته ليا على الفون، منا غلطان كنت أحط الملفات عليه بردو!
إلا أنه وجد هاتفه مغلقًا، فزاد انزعاجه أكثر. أدار سيارته عازمًا على الذهاب إلى محل صيانة؛ لرؤية ماذا حل بحاسوبه؟ ولم يجد سوى "مها" يحادثها، التي سيصب عليها ضيقه. أوصل الاتصال بينهم بسماعة السيارة، وقد أجابت بسرعة، فابتسم بحبورٍ مردفًا:
- أنا قولت مليش غير الجمال ده، هو القمر تبعي اللي هيرد عليا، ست الحسن والجمال بتعمل إيه؟
وقد كانت "مها" أسفل بناية الشركة، بعد أن أغلقتها بالمفتاح الاحتياطي الخاص بها، وأخبرته بانزعاج:
- بلعب، تيجي تلعب معايا؟
استمع إلى أصوات بوق السيارات، ففطن وجودها خارج المنزل، فسألها باستفهام:
- بتعملي إيه في الشارع؟
سارعت في خطاها، محاولة العودة إلى المنزل سريعًا؛ للاطمئنان على والدها، قائلة بانزعاج وهي تعبر الطريق للاتجاه الآخر:
- لسه نازلة من المكتب. الأستاذ أيهم مجاش النهاردة، ولما الكل مشي قفلت.
رفع حاجبه اندهاش معقبًا:
- الله! إزاي.
أشارت بيدها لسائق أجرة مردفة بضيق:
- معرفش.. ومقالش السبب. سابني طول اليوم قلقانة عليه، واتصل كتير وميردش.. فكرته في البيت كلمت لمى، وطبعًا حصل ترخيم في الكلام منها، وفهمت أنه مش في البيت. وفي الآخر يبعتلي رسالة يقولي كله تمام والفون كان في العربية، بس مش هاجي النهاردة واقفلي بنفسك!
حرك رأسه برفض، وفتح زجاج باب سيارته، فاندفعت نسمات الهواء الباردة تلفح وجهه، وأخبرها بهدوء:
- الله ماله ده! المهم بما إنك لسه نازلة، أنا عاوز الملف بتاع الصفقة اطلعي أبعتيه ليا، محتاجه ضروري. بكرا الجمعة مش هلاقي حد يبعته، عاوز اتسلى عليه النهاردة، واللاب مش راضي يفتح، والأستاذة "سها" بطلت شغل.
وأثناء جلوسها على المقعد الخلفي للسيارة، صاحت بعنف:
- بتهزر صح، أنا ركبت التاكسي!!
ونظرت إلى السائق بحرج متحدثة، قبل أن يباشر في الذهاب، وبداخلها تسب "حسام" على إحراجها:
- معلش محتاجة أنزل.
وبما أن السائق لم يأخذ منها عنوان الذهاب بعد، سألها باستفهام وهو ينظر لها:
- استناكِ يا أستاذة؟
أخبرته بأسف وهي تغلق الباب بتوتر بعد نزولها:
- لأ..لأ.. هتأخر معليش، بعتذرلك بجد..
وفرت من أمامه، هادرة بصوت خافض منزعج:
- حسام أنت حيوان؛ احرجتني قدام الراجل، يخربيت معرفتك. هبعتلك الملف وتغور من وشي.
تيقن من ظهور احمرار طفيف على خديها بحرج، فأراد أن يحوله لخجل، ليخبرها بنبرة متلاعبة:
- هستحملك عشان أنتِ حلوة، وجميلة، وقمراية. كفاية عينيك النظرة منها توقع ميت واحد، وأنا منهم. هما العرسان اتعموا ولا إيه يابت؟ مفيش جديد؟
وكأن ذكره لهذا الأمر أثر فيها سلبًا؛ تذكرت جيمع الخطّاب الذين جاءوا مفتونين بجمالها، رافضين قرارها! قديمًا مرض والدها، بآخر عام لها في الجامعة. وكأي فتاة تحب والدها، التي لا تملك غيره في الدنيا، لازمت جواره، واهتمت به أشد الاهتمام. عندما يتقدم لها شخص جديد، ببساطة تخبره شرط وحيد تريده في الحياة، وهو أن يظل والدها معها! ويأتي الرفض لا محال.. حتى أنها بسطت الأمر باستئجار شقة تجاور شقة الزوجية، لكنَّ الرفضَ مسيطر على الجميع، وشروطها هي الشروط. فمضى الوقت في هذا.. إن بقيت جوار والدها، طوال حياتها دون زواج، ستفني عمرها له بإخلاص. وبلا اكتراث تحدث:
- موجودين بس رافضين قراري، وأنا مش هوافق على حد غير لما يوافق على شروطي، مستحيل أسيب بابا لوحده.
علامة حمراء من إشارة المرور ظهرت، عقب سيره فأوقف السيارة، وقال بثقة:
- بكرا تلاقي اللي يوافق يا غالية، اتقلي هيجيلك عيار تقيل. الله يسامح أمك، هي السبب.
وأنهى حديثه معها بمرح، ومع وصولها البناية أخبرته بتهكم:
- الله، وأنا مال أمي!
وأكمل بمزاح:
- أمك إيه! ده الله يسامحك أنتِ، أنتِ طفسة. كان زمانك مراتِ يا طفسة؛ بدل منتي أختِ، كان لازم ترضعي الخامسة!!
بعلمها أنه يحب والدته أشد الحب- رحمها الله- لكونها كانت كل حياته- كما هو والدها- خاصة أنه أخذ ملامح وجهها، وبعض من صفاتها، فأخبرته بصوت مستفز، ملأه الكيد:
- لأ وأنت الصادق دي العاشرة، والعشرين.. والميه.. يلا يا واد يا غيور، ده كله عشان أمك فطمتك قبل ما تكمل سنتين! يا صغنن لسه عقلك مش ناسي الموقف؟
ومع ظهور العلامة الخضراء، أدار محرك السيارة وقادها بسرعة، وهو يغمغم بغيظ:
- مش هنسهالك يا مها أبدًا، لاحظي أني أكبر منك.
زفرت بعنف من المجهود البسيط، الذي بذلته أثناء صعودها الدرج، وأخبرته بصوت منهوج، بعد دلوفها وغلقها الباب الزجاجي بالمفتاح:
- آه آه، هحترمك يا كبير يا غالي، أنا وصلت المكتب هيعتلك الملف بسرعة، عشان الحق أروح أشوف بابا.
أعطاها كامل اهتمامه، وأردف بحزن:
- هو عامل إيه دلوقتي؟ أنتِ اتأخرتي عليه جامد، كنتِ تمشي الموظفين، وتروحي الشغل مش هيطير.
أخبرته بهدوء، بعد جلوسها أمام جهاز الكمبيوتر وانتظار فتحه:
- مينفعش، إن شاء الله خير. أنا كلمت طنط كوثر تشوفه، وقالتلي نايم. لأ والجديدة، إنها عاوزاني أتجوز ابنها، بعد ما طلق مراته.
وأنهت حديثها بسخرية، فصاح باشمئزاز، مع ارتفاع ظهره عن المقعد، وعيناه تمر بين المرايا الجانبية؛ حتى يأخذ الجانب الأيمن، المتواجد به وجهته:
- هي اتجننت الولية الخرفانة دي؟؟ جواز إيه، وسعد إيه! يوم ما تتجوزي، تتجوزي مطلق!! لأ وكمان أمه "كوثر"!
أرخت ظهرها على المقعد، وأخبرته دون اهتمام:
- انعرف، مش فارق معايا كلامها، كله على بعضه هبل. بس بجد مرات ابنها ارتاحت بشكل مش طبيعي؛ دي خنيقة ياجدع.
ثم بخفة يد ومهارة أرسلت له ما يريد، فقالت بغطرسة:
- بعتلك الملف يا عم، عد الجمايل معرفش من غيري هتعمل إيه.
ويزيد تأكيد أهمية وجودها بتحريك رأسه تأييدًا، بعد أن صفّ سيارته قرب المحل:
- نعمل إيه بقى في سها و أيهم؟ ولا حد فيهم يجي فيكِ يا ست البنات. هو الراجل ده فين يا ترى؟ هو نزل طلب لسكرتيرة يا مها؟ أنا قولتله امبارح محتاج واحدة عشان سها خلاص وقفت. شكلك يا قلبي هتكوني معايا لحد ما يلاقي.
وأنهى قوله استنباء للقادم، فلم يكن محببًا لـ "مها"؛ إذ فُتح فمها بصدمةٍ، تحاول استيعاب أنها ستضطر للتعامل معه وقتًا ليس بالضئيل، وقهقهت بسخرية مردفة:
- أكيد هيلاقي.. وأنا بنفسي هجبلك متشلش هم. أنا مش فضيالك ولا ليا خلق لدوشتك أساسًا.
وختمت حديثها صراحةً، جعلته يتقمص دور الحزن وأخبرها بنبرة مؤنبة:
- على فكرة كده هزعل منك!
وقفت ترتشف بعضًا من الماء تروي عطشها، وأخبرته بانزعاج خفيف غلبه الصدق:
- حسام حبيبي، أولًا أنت مش هتزعل فبطل، ثانيًا أنت مش سهل؛ عاوز اللي يكلمك كل شوية. وأنا أيهم أرحملي منك؛ مبيتكلمش كتير.. هادي.. ساكت، أنتو عكس بعض!
أخبرها بفكاهة:
- بقولك عاوز أتجوز، وأجيب لعيالي دستة أخوات؛ بما إني وحيد في الحياة، ومعنديش لا أخ ولا قريب ولا حبيب!
رفعت شفتها تهكمًا وقالت:
- يا راجل كده معندكش! أنا بعتلك الملف. سلام، عشان الوقت.
وأغلقت معه داعية الله بصلاح حالة، فالتقطت بيديه الهاتف؛ ليفتح رسالة الملف، وعيناه تلتهم ما يريد ببراعة. وبسمة واسعة عاشقة للعمل ارتفعت على شفته؛ هذا المساء.. وغدًا سيكونان حافلان بالعمل...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما راودها من الحلم الثاني سعت بحثًا في تحقيقه، لكن لم يكن بالأمر السهل. بحثت في الشركات المتواجدة جوار منزلها بمسافة معقولة، فلا يتعبها مشقة الوصول إلى العمل- الذي تسعى جاهدة في نيله- ولا الرجوع إلى المنزل. زفرت بإرهاق بعد نيل التعب منها، استشعرت أن الحياة غير عادلة؛ لم تقبل شركة من الشركات توظيفها متعليين أنها ليس لديها خبرة كافية! وأن السنة التي أخذتها راحة في المنزل بعد انتهاء الدراسة، كانت ستكون مثمرة إذا استفادت منها في تطوير مجالها..
رمقت وجهتها الأخيرة بعناية، عقب ظهورها أمام مرآة أعينها، التي قررت جعلها آخر بحث؛ لقربها من المنزل عن الأخريات، والآن يفصلها عنها أمتارًا عديدة.
نظرت "نورين" إلى الطريق من ناحية اليسار بحماسٍ، في محاولة عبور الطريق الممتلئ بالسيارات السريعة.. وعندما لم تستطع المرور، تبدل حماسها إلى خنقة أثناء صياحها:
- حتى العربيات مرخمة عليا! ده إيه النحس ده؟
فعادت تكمل سيرها؛ لحين ظهور اللحظة المناسبة لتعدية الطريق للجانب الآخر. خمس دقائق مرت، دون إيجاد لحظة حاسمة، فتنهدت بتعب تأخذ أنفاسها المهدرجة، وتمتمت بسأم:
- يعني أنا قولت دي آخر شركة هشوفها، وبعد كده خلاص. دي إشارة إني هترفض بردو؟ صح! أبطل أكابر مش كده؟
نظرت "نورين" إلى الأوراق التي بين يديها بحزن، الحاملة معلومات عن شهادتها. فقبضت عليهم بإحكام بيسراها، آخذه شهيقًا عاليًا وأخرجته في سرعةٍ. والتمعت عينها بعزم في محاولة الوصول؛ فليس بعد اقترابها من مقر الشركة، وسعيها في الوصول إليها تذهب وتهدر هذا الوقت الثمين، الذي كانت تستطيع قضاءه بين شاشة التلفاز!
- لأ هروح بردو، واللي يحصل، يحصل.. وإن شاء الله هلاقي شغل وهتقبل؛ لأنها شركة مش كبيرة أوي زي الباقيين، لأ دي كبيرة.. بس مش أوي.. غير هما هيحكموا عليا من غير شغل ليه!! الناس التانية مبتفهمش بجد، المفروض الانسان يشوف خبرة الشخص قدام عينه، مش بشوية أوراق؟
وعند تشجيع ذاتها، وتبريرها موضع الرفض، استطاعت العبور للرصيف الآخر بسرعةٍ، فصاحت وهي تضم قبضة يمناها وتهزها بحماس:
- يس يس.
صعدت سلالم البناية التي تتواجد بها شركة "A&H للمقاولات" بحماسٍ. وعندما وصلت للطابق المنشود المخصص للشركة، دفعت الباب الزجاجي بيمناها، الذي كان محكم الغلق! جحظت عيناها من الصدمة، وبدأت تشعر بالشفقة على ذاتها، وتمتمت بخنقة:
- هما قفلوا بجد!!! هعيط والله! أنا غبية مكنش حلم يأثر عليا بالسلب كده وأقوم مخصوص أنفذه؟ مش كفايا حلم يحيى!
وعند ذكرها اسمه هفوةً، غاصت بتفكيرها عن الحلم الذي حلمته وكان متواجد داخله، يحادثها بسعادةٍ وضحكاتٍ عالية تخرج منه- رغم أنها ما سمعت صوته حقيقةً- بطريقة مطمئنة. ثم سرعان ما رأت الباب الخشبي المفتوح، ففطنت أنه مازال هناك أحد في الداخل، ربما! وتسرب الأمل داخلها مرةً آخرى. فطرقت بخفةٍ على الباب المغلق عدت طرقات. فتنفست براحةٍ، عقب إقبال فتاة إليها ببسمة خافته- كانت مثل طوق النجاة- وسألتها بأدب، بعد أن فتحت لها:
- أيوه، محتاجة حاجة؟
هزت "نورين" رأسها تأكيدًا، وهي تجيبها بما تريد دفعة واحدة:
- آه، آه.. كنت بدور على شغل، وقولت أجي أشوف لو أنتو محتاجين حد يشتغل معاكم. مش عاوزاكِ تحكمي عليا من الأوراق. أنا آه مشتغلتش قبل كده، لكن بفهم كويس جدًا في الشغل، وبتعلم بسرعة. أنا لسه والله متخرجة من سنة، مكنتش سنة تخليكوا ترفضوني؟
برقت أعين "مها" اندهاش، طلب "حسام" جاء على طبق من ذهب دون بحث وعناء عن احداهم وعمل مقابلات مزعجه تسأم منها، وتبسمت بخفةٍ من عفوية التي أمامها، وأخبرتها برفق:
- طب اهدي طيب، تعالي ادخلي، وارتاحي.. بعدين نشوف الموضوع ده.
ناولتها الملف الخاص بها بارتباك، حينما دلفت إلى الداخل، وأخبرتها بخجل:
- تمام، ماشي.. الملف، هو مفهوش خبرة ولا حاجة، كل اللي فيه النتيجة، والدرجة النهائية.
تناولته منها، وقبل رؤية ما فيه سألتها بترقبٍ؛ فمن حديثها استشعرت تشكيكها بقدراتها، وتوترها الزائد عن حده. أثناء إشارتها لها بالجلوس على الكرسي:
- الأول أنتِ ليه مفكرة نفسك هتترفضي؟
جلست "نورين" ضامة قدميها ببعضهم، وأرجعت خصلات شعرها خلف أذنها متحدثة بخفوت:
- لأن روحت كذا مكان، وقالوا ليا مينفعش نقبلك؛ عشان معندكيش خبرة.
قوست "مها" شفتيها اعتراضًا على رد الآخرين الجاف، وبدأت تعطي اهتمامها إلى ملف الـcv الخاص بها، بعد أن جلست هي الأخرى على مقعد أمامها. رأت أن دراجاتها عالية، فأخبرتها بإعجاب صريح:
- أنتِ درجاتك كويسة جدًا؛ ممكن رفضوا عشان مش محتاجين ناس تانية، هما الخسارنين إنك مش معاهم.
ثم نظرت إليها باهتمام، وأخبرتها بعملية:
- إحنا فعلا محتاجين حد، لسه عارفة حالًا من الباشمهندس "حسام" لو كنتِ جيتي الصبح كنت قولتلك مش محتاجين. بس محتاجين سكرتيرة تدير شغل "حسام"، لو مناسب معاكِ تعالي على السبت إن شاء الله؛ يكون استاذ أيهم موجود ويشوف الدنيا.
لم تصدق "نورين" أن نسبة القبول كانت عالية، فرحتها كانت لا تسعها، فصاحت بساعدة وهي تصفق بيديها، معبره عن احساسها الحقيقي بكل عفوية، قائلة:
- بجد يعني هشتغل معاكم؟؟ أنا موافقة جدًا جدًا، المهم اشتغل أنا زهقت من قاعدة البيت، اسمك إيه أنا نورين.
ومدت "مها" يدها بحفاوةٍ، فبادلتها "مها" التحية بمودة:
- وأنا مها، ربنا يعمل اللي فيه الخير، حطي بردو احتمال للرفض.
وضعت الرفض في اعتبارها، ولن تحزن إذا حدث.. يكفي أنها قابلتها بمودة وإحسان، فنظرت إليها بامتنان، وهي تقف حتى تهم بالمغادرة:
- تسلميلي يا مها جدًا جدًا. أنا مش عارفة اقولك إيه، وإن شاء الله هيكون في موافقة.
وهمت في الذهاب بحماسٍ، ثم تذكرت أنها لم تعطيها رقم هاتفها، فعادت تخبرها بأسف:
- نسيت أديكِ رقمي.
رفعت "مها" حاجبها باعتراضٍ مردفة:
- هو مش في الملف؟
ضربت على جبينها بخفة، معتذرة بتوتر:
- آه، آه.. آسفة نسيت، من الحماس.. بس مش أكتر..
أمالت "مها" رأسها إلى اليسار، وهي تتخيل "نورين" تعمل مع حسام -مثلما كان يبحث- متيقنة نيل إعجابه بها، فيبدو أن شخصيتها التي تراها أمام أعينها، مناسبة له. من عفويتها وبراءتها وطفولتها! فسألتها بفضولٍ؛ حتى تتيقن علاقة ناجحة بينهم قبل أن تصدع "حسام" بالحديث عنها:
- مخطوبة يا نورين أو متجوزة؟
ضيقت حاجبيها تعجبًا من السؤال وأجابت:
- لأ، ولا في حد في حياتي. بس هو في سبب؟
تبسمت "مها" بخفةٍ، وأخبرتها بهدوء:
-لأ، مجرد روتين؛ عشان نكتب في بياناتك.
هزت رأسها وسألتها ببسمة متوترة:
- على موعدنا السبت؟ هستنى اتصالك.
وقفت "مها" هي الآخرى تهم في الانصراف فبعد ان أنهت المكالمة مع "حسام" تزامن صوت طرقات "نورين"، وأخبرتها بخفة:
- إن شاء الله، ربنا يعمل الخير.
وغادرت "نورين" بخطواتٍ متوترةٍ، الوضع ما زال تحت التهديد؛ متوقف على موافقة صاحب العمل، الذي قد يرفضها مثل الآخرين.
هزت كتفيها دون اكتراثٍ، وهي تنزل الدرجات السلم سريعة. قائلة لذاتها، فليحدث ما يحدث، إن كان خيرًا سيكون. وربما يكون بداية خير في مسيرتها، بما أنها أخرت المجيء إلى هذه الشركة، وجعلها آخر مكان تدلفه، وكان بالايجاب. ولو جاءت صباحًا لحدث الرفض أيضًا. فهذا خيرٌ لها. أوقفت سيارة أجرة، وأملته عنوان منزل ابنة خالتها "رنا"، عازمة على قضاء اليوم معها؛ اضطرابًا من ترك الجد ونرمين لها وحيدة. لتندمهم بعدم سماعهم صوتها يومًا كاملًا، كما فعلوا معها، باجرائها اتصالات عديدة دون إجابة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برقةٍ ناعمة، ترتشف من كوب الكابتشينو الساخن.
ورعشة خفيفة سرت بجسدها من نسمات الهواء، التي غلبتها البرودة، جعلتها تضع الكوب على الطاولة وتزيد من ضم الجاكت الخاص بمعذبها حول جسدها.
رمقت سرحانه أثناء جلوسه على المقعد الأمامي مقابلها باستفهام متعجب، لم يلقي بالا لانكماش جسدها، فقط ينظر إلى الأمام، يرمق حركة السيارات المندفعة بسكون عجيب.
ماذا حدث له؟ والدها تحدث معه بلطفٍ، دون تدخل في تفاصيل. بعد أن حذرته بعينيها ألا يفتح حديثه عن الإنجاب؛ فهذا أمر يخص حياتها! وقد رضى عن قرارها متيقنة أنه مؤقت. لم تستطع البقاء ساكنة فهتف بقلقٍ:
- يحيى، ماذا بك؟
ليزداد قلقها من عدم إجابته، وسرحانه الطاغي البارز في عيناه، التي زادت تشتتها. مدت يدها تهز كفه الذي وضعه على الطاولة بطاقة معدومة.
اختفت أفكاره عند لمسها، فأخبرها متسائلًا بلهجته المصرية، غير شاعرًا بما حدث، وانزلاق لسانه بلغة لا تفهمها.
- نعم عاوزة إيه؟
وعند اقتضاب حاجبيها، تيقن خطأه. فسارع في إخراج نبرة صوت مهتمة باللغة الألمانية، وإن كانت كاذبة:
- هل انتهيتِ؟
أخرجت الهواء من أنفها بضيق، وهتفت:
- أجل أريد العودة؛ أشعر بالبرد.
أشار بيده برفقٍ للنادل بعد أن تقابلت أعينهم، وقد فهم على الفور وذهب لجلب الحساب. ونقل عيناه اليها يرمقها بشماتة من عدم انصاعها لحديثه، وغمغم:
- حتى لا تكابري في الثياب الفاضحة يا دالي.
كتفت ذراعيها معًا بانزعاجٍ، وذمت شفتيها بعدم رضا، تجاهل قللقها وسؤالها قاصدًا؟ وتحدث بالعربية دون وعيٍ، وهو الذي عاهدها أنه لن يفعلها؟ وهمست حاقدة على بروده:
- حسنًا لن أكررها.
وبتلاعبٍ همس في أذنها بعد مجيئه جوارها:
- كرريها في منزلنا عزيزتي.
زفرت بضيق تمسكه من ذراعه، تنظر إليها بأعين منفعلة قائلة:
- ما بك يحيى؟ منذ مجيئنا وأنت في مكان آخر؟
ومن تعمقه في ملامحها أيقن قلقها عليه، وضع كفوف يديه بجيبي بنطاله رمادي اللون، وأخبرها بشوقٍ بعد أخذه شهيقًا استمتع في أخذه:
- أفكر في الفتاة التي سأتزوجها، كيف ستكون؟
قهقهت بسخرية، ما كان ينقصها سوى هذا؟ ليتها ما سألت. وأضافت باستنكار:
- ولَمِ يا يحيى؟ وأنت معي!
اقترب بوجهها منها بسعادة، متمتمًا بعبث:
- أريدها مثلك، ولكن بملامح عربية.
تستطيع القسم أن عيناه حملت عشقًا لن يفصح عنه سوى بالنظرات، وأن أظهره تلاعبًا بكلماته التي مزجها بين السم و الترياق. قتلها ببحثه عن أخرى- للمرة التي لا تعلم عددها- وأحياها ببحثه عن شبيها لها..
وابتعد عنها بعد مجيء النادل بالحساب، فدفع له بهدوء مع بسمة متكلفة رسمها على شفتيه إظهارًا لتعاونه، وانصرف بعد إنتهاء الحساب...
وأعاد يرمقها بنظراتٍ متفحصة، مدركًا وقع كلماته عليها. واسترد حديثه بلا اهتمام:
- هكذا خطر في بالي، لا تأخذي الأمر لمحملٍ آخر، هيا بنا.
وقفت تهدر بصوت منفعل جذب أنظار الجالسين جوارهم:
- يحيى... الآمر أصبح لا يطاق.
رفع حاجبه الكثيف وضيق عينيه بضيق، وأردف بغطرسة:
- وما هو؟ أنت تعرفين أني سأفعل ذلك بيومٍ ما؟
همست داخليًا، "ولكني تمنيت ألا ياتي، وأن تزيل هذا التفكير من عقلك وتكتفي بي". هزت رأسها برفضٍ كاذب، مردفة:
- ليس كما تفكر، الجو يا يحيى... أشعر بالثلج.
ابستم لها، وتمتم وهو يمد ذراعه بحنان:
- تعالي سأدفئك.
رفعت رأسها تكبرًا مردفة بلهجة آمره:
- كلا، أحملني.
ابتسم بعبث ملبيًا طلبها، وحملها بين يديها سريعًا، استطاع إدراك برودة قدمها الظاهرة فسارع في خطاه نحو سيارته.
ارتسمت البسمة على وجهها، الذي دفنته داخل صدره بتلذذٍ. وقابل جسدها دفئه، الذي رمم انكسارها بتسارع دقات خاصتها بسلاسة.. وابتسامة الجالسين ارتفعت أيضًا، كأنهم شاهدوا أقل خلافًا دار بين الأحبة، والحبيب داوى جراح محبوبته بأيسر وأجمل الطرق!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زفير متعب أخرجته بثقل عقب جلوسها على الأريكة في غرفة الجلوس، بعد أن وضعت الطلبات التي ابتاعتها برفق جدها في الثلاجة. وقد تعجبت من أن ذاك الذي ساعدهم استطاع جلبها، مخبرًا إياها أن بعض الناس اقترحوا وضعهم في صندوق السيارة، أثناء نقل الأخريين الجد معه.
لم تشغل بالًا بالوضع، فقط اعتقدت تركهم في الطريق..
إنما اختلج لبّها استفهامًا لشخصٍ واحد، حمل اسم غريب، وصفاتٍ أغرب؟! من هو؟ وماذا يريد؟ ولِمَ هدر ساعات ثمينة في مساعدتهم والوقوف جوارهم؟ فمن يفعل مثلما فعل لديه دافع وحافزٍ، وإذا كان كذلك، فماذا يكون دافعه. أهو انتقام؟ فمع عدم مخالطتها الآخرين، وإغلاق باب التعامل مع الرجال خاصةً، وأن حدث فيكون بحدودٍ حادة- خلافًا لشقيقتها التي تتعامل مع الجميع كأنهم أهلٌ لها- كان ما قام بفعله أمر غير معهود بنظرها..
نطرت إلى ما جلبه- من طلباتٍ للجد- من ماله الخاص، دون أخذ ثمنهم أو حساب المشفى! كأنهم معدومين من مصدر دخل!! أرادت أن تخبره أنها تملك مالًا وفيرًا، فمن هو حتى ينفق عليهم؟ لكنه وفر عليها جهد الحديث، كأنه استشعر ما تتمن قوله، وأخبرها صراحةً:
- أنا حابب الخير اللي بدأته أنهيه بكل خير، فأتمنى متعترضيش، وأنا قصدي خير متقلقيش.
حينها أسكنتها كلماته، رغم أن الهدوء من شيمها.
وقفت"نرمين" بتمهل ترى ماذا جلب؟ بعد تركه المشتريات جوار الباب ومغادرته دون حديثٍ آخر.. وتحدثت بخفوت أثناء تقدمها:
- أنا مش فاهمة هو في حد كده بجد؟ ولا عشان أنا مبختلطش بالناس وكلهم كده عادي؟ معرفش بجد.
فتوقفت عن السير مدركة أمرًا زال عن تفكيرها، هاتفة بيقين أثناء هزها رأسها:
- بس بجد من غيره مكنتش هقدر أعمل حاجة، أنا ممتنه ليه بطريقة فظيعة.
وقضمت إبهامها بأسنانها، معاتبة ذاتها على جفافها معه، الذي زاده إعجابًا بها:
- بس انا مدتلوش وش، كان لازم أشكره جدًا، ده وقف جنبي واقفة مفيش بعدها!
ثم عنفت ذاتها؛ مسندة يدها على رأسها بثقل، متذكرة نظراته الصائبة:
- بس بأمارة إيه! ده عينه منزلتش من عليا وكان موترني؟ محدش قاله يساعدني!
فبرزت عيناها ذهولًا، ونقلت كفها تضعه على فمها، بعد مرور تلاقي أعينهم للمرة التي لا تعلم عددها في ذهنها:
- بس نظراته مكنتش نظرات وحشة، كانت ... كانت حنينة!
هزت رأسها عنفًا تزامنًا مع ضربها خدها برفقٍ، هاتفة بزجر:
- مالك يا نرمين فوقي!! إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟ واحد ساعدنا وكان عاوز يقدم خير وخلص خلاص خيره، والأمر انتهى ندعيله دعوة حلوة وخلاص! تعالي نشوف جدو صحي ولا لأ؛ عشان ياكل.
وقدمت خطواتها التي أوقفتها والتقطت يمناها بخفةٍ مشتراياته، وذهبت بها إلى المطبخ، أخرجت ما تلتقطه يداها على سطحه، مع همهمات تخرج من فاهها إعجابًا، التي ارتفعت أثناء إخراجها لوح شيكولاتة كبير الحجم، الذي صادف كونه نوعها المفضل. قلبته بين يديها بتمعنٍ، وببسمة رقيقة رسمتها تحدثت، وهي تنظر إليها بمحبة:
- هاكلك قبل النوم، يا جميلة أنتِ.
وضعته جوار علب الزبادي، وأخذت اثنان منهم في طريقها لإطعام الجد بهم، ثم تاتي له بشوربة خضار. وقد وجدته نائم في سُبات عميق، اقتربت منه تهزه برفقٍ قائلة:
- جدو اصحى، يا جدو.
استفاق بنصف عين يناظرها، وحاجبه الايسر مرتفع للأعلى، يخبرها بصوت متعجب:
- هو أنا نمت؟
قهقهت بخفة مردفة، بعد جلوسها على جانب الفراش:
- ياه دانتا نمت نوم مفيش بعده، قوم بس كل عشان تاخد العلاج ونقيس سكرك يا جميل، وبعدين أرجع كمل نوم تاني.
فتح أعينه وأغلقها مرتان. ثم اعتدل من نومه مسندًا جذعه إلى ظهر الفراش، وفرك عينيه بحركات دائرية خفيفةٍ، سرعان ما سألها:
- أيهم لسه برا؟
هزت رأسها برفضٍ، وبدأت تسرد له ما حدث:
- لأ، مشي أول ما حس إنك بدأت تنام على نفسك نزل منه لحاله، بعدين جاب طلبات من على الباب ومشي على طول. أنا مستغرباه جدًا يا جدو، هو في حد كده بجد؟ حد يضيع اليوم كله على ناس ميعرفهومش؟ ولا هو انسان فاضي ومش لاقي حاجة تشغله، فقرر يضيع يومه في مساعدتنا؟
أخبرها برفضٍ، وصرح لها ما حدث من حوارٍ بسيط بينه وبين "أيهم" بعد مجيئه لتلبية طلبه في شرب الشاي معه الذي انتهى بشرب قهوة لأيهم وله عصير.
- لأ ده صاحب شركة مقاولات، وقالي حسيت إني عاوز أساعدكم، ولو مكنتش عملته كده مكنتش هبقى مرتاح. واعترفلي كمان إن الموضوع بالنسبة ليه غريب بردو، زي ما غريب علينا. شكله انسان صريح، وكمان ابن حلال. أنا شايف انه عملة نادرة في الزمن ده، حتى مبقاش ليه موجود. لما حد بيلاقي شخص زيه بالظبط وأحسن كمان، مبيسيبوش يضيع من ايده أبدًا..
كلماته التي حملت نوايا مبطنة- غير مفصحًا عنها- جعلت الشك يتسرب داخلها، وهي أشد من تعرف "سليمان" وتعرف تفكيره، وبداخها تتمنى أن ما تظنه يكون خطأ.
رفعت حاجبيها بلا اكتراثٍ، مؤكده لذاتها أن "أيهم" شخص مر صدفةٍ كما فعل الغير، لن تعطيه فرصةً زائدة عن حده. وأخبرته بحزم، وهي تمد يدها بالزبادي:
- يلا قوم كل الزبادي، اكون غرفتلك طبق شوربة خضار.
أمسكها من يدها يضعها على المنضدة جواره، ولم يتفوه بحديثٍ عن الشوربة، التي أكدت طهيها؛ فهو لا يحبها. وأخبرها بجدية:
- بكرا اعمليلنا المحشي، زمان نورين صدعت رأسك عشان مطبختيهوش النهاردة، واعملي حساب أيهم معانا.
مع حديثه عن شقيقتها التي ما إن هاتفتها عنذ وصولهم منذ ساعات تسأل أين هي؟ حتى أرهقت رأسهم من الصياح؛ عن تركها وحيدة طوال الوقت، حبيسة في غرفتها بين نومٍ وسماع مسلسلات، ودون طعام. حتى تملكها الضجر وذهبت إلى الخارج، دون افصاح عن مكانها. ففرحت بذهابها؛ حتى لا تعلم ما حدث لجدها وتنهار داخليًا.. إلى أن أتى الحديث عن ذاك الشاب، فرفعت شفتيها بتهكم مردفة:
- ده اللي هو إزاي يعني؟
أخبرها ببساطةٍ، أثناء محاولته النهوض من على الفراش:
- زي الناس، واحد تعب معانا طول اليوم، لازم نقدمله شكر ولو بسيط، إحنا أهل كرم بردو، ولا إيه؟
وأنهى حديثه معها بلين بعد وقوفه، يلمس أوتار قلبها الطيب وقد أصابتها كلماته، فخرج حديثها تأكيدًا عليه:
- آه طبعًا، مش عاوز حاجة تانية أعملها غير المحشي؟
انشرح قلبه في سعادةٍ، وأخبرها بأعين لامعة، كأنه يرى الطعام أمام مرآها:
- صينية مكرونة بالبشاميل، وكفتة، وكباب كوابري وأهم حاجة تكتري السمنة البلدي جواه عشان يطلع طعمه خيال. حاسس إني عاوز دلوقتي الأكل ده حالًا!! كان في باقي قطعتين جلاش لسه في التلاجة؟ هاتيهم أكلهم.
ختم كلماته المتمنية وهو يناظرها بلهفة، وقد كانت تستمع إلى ما يقوله بهدوء، تاركة إياه يفصح عما يتمنى، حتى سألته بأسلوب لطيف وساخر:
- بس كده؟ حاجة كمان يا حبيبي؟
كاد يجيبها بشيء إضافي، إلى أنها وقفت بعنفٍ، فتراجع إلى الخلف بأعين مذهولة، متيقن ثورتها عليه في هذه اللحظة. ولم تخيب ظنه، إذ هدرت به وهي تشير بيديها في الهواء بانفعال:
- أنت ملاحظ إنك المفروض تعبان!!! وقايم من غيبوبة؟؟! ولا أنت لحقت نسيت؟ أنت هتاكل شوربة خضار يا جدو.
ونهت قولها بتصميم وهي تغادر الغرفة، قاصدة غرف طبقًا كبيرًا فيكون عقابًا له. وبداخلها استياء كبير من تغافله عن صحته.. فلن تتحمل حدوث الأمر مرة أخرى، فلتقوم بما نبهها به الطبيب عن غذائه المناسب. أما هو فقط اغتاظ داخليًا من تأكيدها هذا النوع من الغذاء بالنسبة له وجبة عقاب لا يحبذ تناولها، وإن قالت له تناول طعام آخر سيلتهمه برحابة صدر... سرعان ما أيقن علو صوتها؟ كيف تتحدث معه بتلك الطريقة؟ فذهب إليها يخبرها بضيق:
- وطي صوتك! نورين فين؟
أخذت شهيق عالي بغضبٍ مكبوت، تزامنًا مع إخراجها طبقًا مسطحًا، وأردفت بسأم من أفعالهم:
- متزفتة في الشارع، قمصانة الهانم، ومبتردش. أبصر راحت لرنا ولا قاعدة في مكان؟ الله أعلم.
حذرها بجدية، أثناء جلوسه على المقعد البلاستيكي الأبيض، وهو ينظر إلى ما تبادر في فعله بضيقٍ:
- ألفاظك بدأت تخرج عن السيطرة، فين الجلاش مش عاوز شوربة خضار.
فترد بصرامة حانقة، بعد أن بدأت في سكب الطعام بالطبق:
- والله أنت اللي بقيت تخرج عن السيطرة، وهتاكلها يعني هتاكلها.
ابتلع ريقه في حسرة، وتغلغلت رائحة الطعام المسلوق داخل أنفه، مما جعله يخبرها بحزن مصطنع:
- وديني دار المسنين يا نرمين؛ عشان ترتاحي.
لم يزلزل حديثه جديّتها، ومع ارتفاع حاجبيها للأعلى بتحدٍ تفوهت:
- طب يلااا!! مفكر هتاكل هناك جلاش، ومكرونة بشاميل، ومحشي!
رمقها بحنقٍ متمتمًا:
- قليلة الأدب صحيح.
ضحكت وأخبرته بشماتة:
- هتاكل شوربة الخصار يعني هتاكل، ملكش غيرها لمدة يومين. متحاولش تجادل كتير؛ عشان النهاية معروفة هتاكلها يعني هتاكلها. ولو هتقدر تستحمل عزومة أيهم بكرا من غير ما أنت تاكل، اعزمه عادي.
شهيق غاضب أخذه في جوفه دون حديث، وعاد إلى غرفته، صافعًا الباب خلفه بقوةٍ. فصاحت بصوتها المرح- الذي وصل إلى مسامعه- مما جعله يبتسم حينما قالت:
- رجعت بقيت أسد، طب الحمدلله.
وأثناء سعادته همس بتصميم:
- هكلمه يا نرمين، ده بقى حفيدي الخامس، وأهم واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعدت "هنادي" لوالدتها الطعام وذهبت في سُبات، عقب وصول "سلوى" من الخارج، تاركة إياهم تجلسان في حريةٍ. نظرت "هنادي" بحزن إلى صمت "سلوى" السائد، وانكماشها على المقعد دون حديث، فقط تنظر إلى ما أمامها بتشتتٍ. وقد تركتها مثلما تحب، دون تدخل في أحاديثٍ؛ لأنها تعلم سبب حزنها.
لكن الأمر زاد عن حده، وصمتها جعلها تخشى حدوث شيء لرفيقتها. فأمسكت مرفقيها بحنان، وأخبرتها بيقين تراه سيحدث عاجلًا أم بعيدًا:
- على فكرة هيندم أنا واثقة، وهيبقى كويس معاكِ، وبكرا تقولي هنادي قالت.
رمقتها "سلوى" بنظرة تقطع القلوب وتنهش الأبدان، جعلت جسد "هنادي" يرتعش من وصول رفيقتها إلى حالة ميؤوس علاجها؛ من شقيقها. وحمدت ربها أنها لم ترزق بأخٍ حاد في التعامل، مثل "خالد". هي ذاتها ترهب في التعامل معه، فليكن الله في عون أهله.
ومن يعالج الجرح، ليس سوى حبيب تأتي سيرته، فتطيب الخواطر والأبدان، وتجعل القلب دقاته متسارعةٍ بعنفوان، والبسمة تنشق تلقائيًا دون مساعدة، وإن كان من طرف واحدٍ!
ورغم اقتناعها بخطأ ما ستقوله، إلى أنها تراه سيغير مزاج وحالة "سلوى"، فأخبرتها بلؤم عازمة على إنهاء هذا الصمت المريب:
- أخبار بلال إيه؟ طمنيني في تطور من نحيته ولا لسه؟ هنفرح بيكم قريب!
وعند سماع اسم المحبوب، الذي تلقته الأذن بخفة، خرجت عن صمتها، متمتمة بصوت مهزوز:
- معرفش، مشفتوش بقالي يومين.
ثم سرعان ما خطر في ذهنها أمر سيسعدها سعادةٍ مؤقتة:
- تعالي ننزل الشارع يا هنادي شوية.
تبسمت هنادي بخفة عند تحقيق ظنها، وانتقلت يدها تضعها على قدم الآخرى باهتمام، قائلة باستفسار:
- عيوني، عاوزة نتمشى فين.
وقفت تخبرها صراحةً:
- هنروح عند بلال أشوفه.
وكان الحديث كالصاعقة بالنسبة لها، ما ظنت أن ذكره سيأتي لرؤيته؟ فهدرت بزجر:
- أنتِ عبيطة؟ بلال آيه وبتاع إيه؟؟ وتشوفيه فين؟
هزت رأسها تأكيدًا على حديثها، وأردفت بتصميم:
- آه عبيطة، هتيجي معايا ولا لا؟ لو مجتيش هروح لواحدي.
قضمت "هنادي" شفتيها بعنف، معنفة ذاتها على تفكيرها الأحمق. حركت رأسها بيأسٍ؛ بقاءها صامته كان خير مما تفكر به الآن. فهتفت بصوت هادئ، في محاولة بائسة منها لمنع الواقعة من الحدوث، وإظهار المنطق للعقل:
- يا سلوى مينفعش، العشاء أذنت من زمان، وأخوكِ..
وقبل أن تكمل حديثها قاطعتها "سلوى" بقسوةٍ:
- على أساس أنتِ اللي عمايلك صح! بتحبي واحد متجوز وأكبر منك بـ 18 سنة؟ وقاعد بيدور على عروسة عشان يخلف منها ما يخلف من الأولى ولا يولع؟
جحظت أعين "هنادي" صدمة، وبلحظة خاطفة وقفت تكمم فمها، وتقلص وجهها انزعاجًا ونهرتها بعنف:
- اسكتِ وطي صوتك الله يخربيتك. اعمل ايه يعني لأ انتِ قادرة تقاومي ولا انا؟ بعدين بتعايريني بحبي؟
أبعدت يدها عنه ضيقًا، وأدارت أعينها بلا اهتمام، أثناء قولها:
- هتيجي ولا لأ؟
وانصاعت "هنادي" قسرًا، دون حديث. نما داخل أعماقها جرح من حديث "سلوى" القاسي معها، وحزن على تذكيرها هذا الأمر الخاطئ، الذي تقوم به دون قصد، لكنها تملك أعذارًا!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحياة عبارة عن مساومة بين الأفراد، وأخذ وعطاء. لا تفرق بين كبير ولا صغير، ولا بين أب وابن. وقد اعتاد بسبب والده على إعطاءه ما يريد فرضًا وكرهًا، وسلبه منه ما يريد رغمًا عنه.
وهذه المرة استطاع مساواته على أخذ سيارته البيضاء، في سبيل الموافقة على آمره، بأن يكون بديلًا للسكرتير الغائب اليوم عند مقر عمله.
فوالده لا يستطيع قضاء يومه دون مساعد؛ بعدما أصبح مدرس مشهور، انتشرت شهرته بين الطلاب، حتى صار يأتيه من مختلف الأماكن؛ رغبة في نيل معلوماتٍ لن تُسرد من دون خبير مادة الكيمياء مثله.
تبسم "زياد" بسخرية من سنوات حياته التي عاشها مع والده؛ لم يجد بها طعم السند كما يرى مع "بلال"، الذي وقف والده جواره كالأسد الجارح.
وها هو يومٍ آخر مر بفعل ما يكره، بعد إلقاء يمين الطلاق على والدته، التي بكت حرقةً من ألا يحنث هذا اليمين، فتصبح محرمة عليه من آخر طلقةٍ!
وعلى نقيضها هو يتمنى حنثه، لكن نظراتها المرجوه وبكاءها ينهش قلبه، فينصاع لطلبها مضطرًا.
حينها ساومه بشيء تمناه ولن يستطيع الوصول إليه سوى بهذه الطريقة.
يتناقض والده بين الأفعال، وبين أنه معلم قدوة لأجيالٍ تتخلف عليه، فيمين الطلاق لا ينقطع من فاهه، والسب والقذف. لكن هذا يكون من نصيب ولده فقط! وكأنه جلبه ليصب عليه ثورته من الطلاب الحمقى! اكتسب كل صفات السوء التي رأها منه بوضوحٍ ومنها: الخبث، والخداع، وألا يظهر حقيقته لأحد. وهكذا يفعل مع "بلال" بعد أن هاتفه وأخبره بسلاسةٍ بعد وصوله صوت همساته المقتضبة:
- يلا أنا تحت أنزل.
وقد كان "بلال" في حالةٍ لا تسمح له للذهاب إلى أي مكان؛ من أثر التعب اللاحق بجسده، طوال جلوسه بمحاضرات الجامعة، دون انقطاع. كأنهم جميعًا تعاونوا على إعدامهم؟ فأتى مثل القتيل، وذهب في سبات دون انقطاعٍ إلا من هادم اللذات هذا. فتح عينيه بثقل متيقنًا أنه هو الأحمق؛ بعد أن تركه يضع رنة صارخة، تميز اتصاله من بين الجميع، كأنه محبوبًا له؟
ضغط على زر مكبر الصوت وترك الهاتف على الوسادة وغمغم بصوت مثقل:
- مش قادر، عاوز أكمل نوم يا زياد.
رفع حاجبيه بتهكم، مزامنة مع رفع شفته العلوية جهة اليسار، هاتفًا بسخرية:
- ليه عندك ظروف ولا إيه؟؟ قوم بدل ما أطلع أجيبك بنفسي، وأقول لأبوك ابنك بقى حريف شرب إنما إيه.
ورغم نبرته الساخرة حملة تهديدًا مبطنًا لم يدركه "بلال" إنما شعر بالخوف من سماع أحدٍ من أهله كلماته، التي ستكون لها واقعٍ شديد سلبي. فانتفض فزعًا وقد طار النوم من عينيه. أغلق المكبر نادمًا على تشغيله، وفتح مصباح الهاتف بتوترٍ، يمرره في أرجاء الغرفة، وينظر بتمعن هل يوجد أحدًا؟ وعندما رأى خلوها زفر براحةٍ، مغلقًا ما فتحه، ويضع الهاتف على أذنه، يتحدث بانزعاج:
- الله يخربيتك فاتح الاسبيكر، افرض حد سمعك؟
ما جعله يجازف بشرب ممنوعاتٍ- تضر كل خليه من خلايا جسده- هو أنس بشرية شيطانية تمثلت في "زياد" الذي عزم على تعكير نقاء "بلال"، وقد ضحك بسعادةٍ بعد تخيله منظره، وأردف بتفاخرٍ من ذاته:
- يابني حتى لو عرفوا هو أنت تيجي فيا إيه؟ إحنا لو اتحطينا في مقارنة هتبقى أنت الصبي وأنا المعلم.
اهتزت مقلتاه قلقًا عند هذه النقطة، التي لا يريد حدوثها يومًا، فهو يدخن خفاءً عنهم لدرجة أنه لم يصل إلى حد الشراهيةً والادمان، وبعيد كل البعد عن المواد المخدرة. رغم أن "زياد" حاول معه مراتٍ عديدة، لكنه أبى شربهم، وسيظل يرفض. ولا يعلم أن كثرة الإلحاح تأخذ مجرى آخر غير محمود..
- تف من بوقك أنا مكتفي بكده. المهم أنت مجتش ليه؟؟؟ الدكتور خالد طلب مننا بحث عنب، بيقول إنه إجباري.
ضرب على مقود السيارة بعنفٍ، وبلسانه الذي أخرج ألفاظٍ جارحة تحدث:
- يلع.. أنا ناقص قرف ... على المسا، مش هيخلينا نخلص آخر سنة على بياض؟
فتح فمه متثائبًا فأدمعت عيناه تأثرًا، وألقى بثقل جسده يفترش الفراش، في محاولة العودة إلى النوم. فغمغم بنعاس:
- ولا أنا ناقص قرفك، وعاوز أكمل نوم.
الشر تملك من قلب "زياد" فقبض على يده بقوة، وهو يتخيل ذاك الدكتور أمام عينيه، وهسهس بكره حاقد:
- شكلي في الآخر هديله هيت شوت توجعه، ومينسهاش أبدًا.
تكرر تثاؤبه أثناء استهجانه بقوله:
- الله يخربيتك... هو دكتور خالد عملك إيه؟
ولم يكن الرجوع إلى نومه بالأمر السهل، فمع دلوف شقيقته العاصف إلى داخل الغرفة، جعلته ينتفض هلعًا، مغلقًا الهاتف في وجه هذا الذي يسحبه إلى القاع.
- بلال؟
التي سألته بملامح مبهمة، لم يستطع فهم ماذا تريد؟ أو هل استمعت لتهديد صديقه منذ البداية؟ وافصاحه عن جريمته النكراء، وعند هذه النقطة تمكن منه الرعب...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع...
مش تنسوا التصويت ورأيكم يهمني. 💙️