الفصل الثاني

الفصل الثاني

19 0

استغفر الله العظيم وأتوب إليه.

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

صلوا على الحبيب المصطفى، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

_____________________________

■عِشق مُهدد■

"الفصل الثاني"

ما زالت جالسة على الأريكة، بعد أن أنهت الحديث مع يحيى.

ظلت تنتظر مجيء "منى" السيدة التي تساعدها بجلب الأغراض التي تحتاجها من الخارج؛ لعدم قدرتها على السير لفترة طويلة، وإلى الآن لم تأتِ. تمكن القلق منها؛ خوفًا من حدوث مكروه لها. كانت تبرر تأخرها بحدوث زحمة مرور، أو انشغالها بأمرٍ ما. لكن أتى الليل ولم ترها!

مدت يدها اليسرى تأخذ الهاتف المتواجد بجانبها، ضغطت على الرقم المدون باسمها، تهاتفها عساها تطمئن:

-السلام عليكم.

هتفت بذلك ابنتها، لترد عليها مجيبة التحية بهدوء:

-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، معاكي طنط ناهد يا هنادي.

وضعت "هنادي" القلم على المكتب، إذ كانت تذاكر إحدى المواد الدراسية، وهتفت بترحاب شديد:

-أهلًا يا طنط، إزيك؟ عاملة إيه؟

ردت "منى" بحنو:

- حمدلله بخير، أنتو عاملين إيه؟ ووالدتك موجودة يا حبيبتي؟

أجابت بإيجاب:

-آه، موجودة. دقيقة بس و هديهالك.

أرجعت الكرسي الخشبي الذي كانت تجلس عليه إلى الوراء بكف يدها اليمنى وغادرت حجرة دراستها، تطرق على باب غرفة والدتها بأدب، تبعه دلوفها إلى الداخل. مدت يدها بالهاتف إلى والدتها التي فتحت أعينها عقب دخولها وإضاءة الغرفة، فناظرتها باستفهام، فأخبرتها "هنادي" بهمس:

-طنط ناهد عاوزاكِ.

حاولت "منى" استجماع بعض من قوتها لرفع يدها لأخذ الهاتف من ابنتها لكنها لم تستطع.  سرعان ما تداركت "هنادي" الوضع، وضغطت على زر الميكروفون، ثم جلست بجوار والدتها ترمقها بأسف، وتستمع لما تقوله بحزن، ولو أمكنها إبعاد المرض عنها لفعلت..

بينما "منى" تعلم سبب اتصال "ناهد"، لكن ليس بيدها شيء تفعله. فأخبرتها بصوت مبحوحٍ، جاهدت في إخراجه، وقد بان ما بجسدها من وهن:

-أيوه يا أبلة ناهد... أنا أسفة والله ليكِ... معرفتش أجي النهاردة... تعبانة... اعذريني.

ساد صمت قصير، تبعه زفير عالٍ. تحمد "ناهد" ربها؛ أنه مرض وليس مكروه عسير لأحد منهم. وأيضًا حزنت على نيل المرض منها، حتى صوتها يخرج بصعوبةٍ.

حقًا إن العامل المشترك بين الجميع، هو المرض!!

لا يترك أحد، ولا يفرق يين غني وفقير. ولا بين ظالم ومظلوم.

لا يستطيع أحد مهما كانت مكانته في المجتمع، أن يبعده.

بل عليه الدعاء لهم، ويتمنى حصولهم على الشفاء العاجل، لذلك هتفت بتأثر:

- ألف سلامة عليكِ يا بنتي، ربنا يشفيكِ، ويعافيكِ. ملوش لازمة الأسف يا "منى" دي حاجة غصب عنك ومش بايدك، متضايقيش نفسك يا حبيبتي هنزل أنا.

كان عليها تبرير تقصير لم تقصده بالمرة، وإن كان لسيدة طيبة، مثل: ناهد. فقد تظن أنها تكاسلت بإرادتها. فأخبرتها بخفوت:

- كان نفسي أجي، بس حاولت ومقدرتش. بعتذر عن تقصيري معاكِ.

عارفة إنكِ مش هتقدري تنزلي، بس غصب عني.

اعترضت "ناهد" حديثها، وأخبرتها بيقين:

- أوعاكِ تقولي تقصير تاني! أنا من غيرك احتاس والله، متشليش همي. كفاية وجودك ومساعدتك ليا دايمًا يا بنتي. هنزل أنا، أهو منها أغير جو، بقالي كتير مخرجتش من البيت. هقفل دلوقتي يا حبيبتي عشان ترتاحي، خلي بالك من نفسك، في رعاية الله.

أغلقت الهاتف تدعو لها بظهر الغيب، وأن يتمم الله شفاءها على خير. تحاملت على نفسها وأمسكت عكازها الذي تراه سندها الأخير في الحياة، تستند عليه. دلفت إلى غرفتها تنقي الثياب التي سترتديها، عازمة على الذهاب لزيارة "منى"؛ عليها أن تقف جوارها، مثلما كانت تفعل معها أثناء مرضها..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد إنهاء المكالمة، نظرت "منى" لابنتها بحنان، وهتفت تشجعها:

- يلاه يا حبيبتي، روحي كملي مذاكرة، ربنا معاكِ. متجيش تاني يا هنادي أنتِ في الثانوية، وكل دقيقة مهمة في وقتك، ماشي يا بنتي.

أجابت "هنادي" بطاعة؛ حتى لا تتعبها أكثر:

- حاضر يا ماما.

قبلتها على جبينها، ثم ذهبت إلى غرفتها، وبدأت تدرس وتبذل جهدها عازمة على الوصول إلى هدفها الذي تتمناه بشدة.

بينما "منى" كانت تتنهد بتعب؛ فقد مر يوم دون جني المال، وقد يزيد عن ذلك بسبب المرض. وكل وقت يمر يشعرها بحاجتها إلى كسب النقود. نظرت إلى صورة زوجها الراحل، تهتف بصوت غلبه الحسرة:

- سبتنا ومشيت... مكنتش عارف إنك هتمشي بدري. لو كنت سمعت كلامي وسبت مبلغ للزمن... آه، بس.

سرعان ما هزت رأسها رافضة الوقوع فريسة للحزن. لا يهم ما حدث بالماضي، فقط عليها أن تقف صامدة لأجل ابنتها. هتفت بصرامة، تقنع نفسها أنه تعب قليل وسيزول:

- مش هخلي التعب يكون عجزي، شوية برد شديد وهيروح زي اللي قبله،... يا رب، خففه يا رب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"بمنزل سليمان الحجازي"

ظلت "نورين" جالسة أمام التلفاز تشاهد فيلمًا يتبعه آخر، لا غير.

منذ تخرجها من الكلية ولا تجد ما تفعله سوى ذلك.

مرت الساعات عليها وقد أعدت "نرمين" لها الفشار أكثر من مرة؛ كي يقضوا أمسية رائعة، وعزمت أن يكون هذا أخر طبق تصنعه.

جلست "نرمين" جوارها ووضعت الطبق بينهم، وأخبرتها بنبرة حازمة:

- آخر واحد على فكرة.

أما الجد فقد سئم من جلوسه بمفرده داخل الغرفة؛ تاركًا حفيدته تسمع افلام لا يجد المتعة بها، ولا يحبهم. خرج من الغرفة بعزمٍ، عاقدًا النية بجلب ما يناسبه. استشعرت "نرمين" دخوله، فهتفت بسعادة:

- جدو.

أشار بعينه على الطبق ففهمت "نرمين" ذلك وأبعدته مسرعةً، فجلس يتوسطهم على الأريكة، يحيطهما بذارعيه.

سرعان ما نظر إلى جهاز التحكم عن بعد بخبث، فالتقطه بسرعة بعد إبعاد ذراعه عن "نورين"، التي فهمت ما يفكر فيه، فصاحت باعتراض تام:

- لأ، يا جدو... عاوزة أكمل الفيلم.

رمقها بضيق وهو يضغط على بضعة أرقام، يجلب قناة للأفلام القديمة، التي كانت تبث فيلم لإسماعيل ياسين. توسعت بسمته اتساعًا، وتوهجت أساريره فرحًا؛ فهو يحبه.

- كفايا عليكِ كده، سمعتي كتير النهاردة. اسمعي معايا الفيلم ده جميل ولا يجي حاجة جنب الأجنبي بتاعك.

كتفت ذراعيها أمام صدرها، تهتف بحنق:

- أنت قلبت في أهم لقطة في الفيلم كله، الله يسامحك.

تدخلت "نرمين" في الحوار التي كانت تبتسم في الخفاء، تخبرها بعتاب:

- نورين جدو حابب يقعد معانا عاوزاه يمشي ولا إيه؟ أنا سمعت معاكِ الفيلم عشانك. اعملي كده مع جدو بردو، اسمعي معانا لأن مفيش حاجة أهم من وجودنا سوا.

أجل، ما قالته صحيح. لا يهم ما يشاهدونه، الأهم تواجدهم معًا.

شقت البسمة وجهها، وأسندته على ذراع جدها بلطف، تستمتع بتواجدهم حولها. رمقت عينيها طبق الفشار المتبقي منه القليل، قضمت شفتيها بحزن؛ لا يوجد ما يمتعها أثناء المشاهدة. سرعان ما ابتسمت وأخبرت جدها بهمس:

- جدو قولها تعمل فشار بس مش تعرفها اني اللي قولتلك بالله.

رفع حاجبه بتعجب مردفًا:

- اشمعنا؟

شدت ذراعه بضيق من صوته العالي، واختلست النظر إلى نرمين تجدها لم تلاحظ فأكملت بصوت خافض مبررة له:

- يا جدو وطي صوتك هتزعقلي، خليها تعمل عشان نسمع ونستمتع.

هز رأسه بتأييد ووجه كلامه لنرمين يحثها على القيام بقوله:

- عاوزين فشار اعمليلنا شوية حلوين.

فتبتسم بسخرية مردفة:

- عاوزين ولا عاوزة؟

تظاهرت بالجهل وعقبت:

- جدك اللي طلب مش أنا!

ولن تقتنع "نرمين" لكونها عالمة أن جدها لا يأكل سوى القليل، فناظرتها بأعين مشتعلة. استشعر "سليمان" أنه إن لم يتدخل سيحدث ما لا يحبه، فأخبرها بلين:

- خلي قلبك حنين يا نرمين.

فترد بحسرة:

- يا جدو، دي مفترية خلتني أعمل كذا مرة!

أمسك يديها يربت عليها بحنان يخبرها:

- طب ولو قولت عشاني المرة دي؟

وبطاعة ردت:

- مش هقدر أرفضلك طلب. عموما كنت عاملة حسابي أنها هتطلب تاني ف سبت طبق جوه.

وهمت بالوقوف حتى تجلبه، إلا أن "نورين" سبقتها بسعادة وهي تخبرها:

-خليكِ أنا هجيبه. يا أحلى أخت، وأجمل بنت ف الكون.

جلبت الطبق بفرحة عارمة، وعادت تجلس مكانها. أحاطها الجد بذراعه بحنو، وجلسوا بجو أسري سعيد. مع الحامي لهم، والسند الوحيد بالحياة.

بعد مدة تذكرت "نرمين" حاجتها لبعض المكونات لأجل طعام الغداء، لتقول بـ توتر؛ خوفًا من عدم قبولها:

- نورين، عايزاكِ تروحي السوق تجيبي خضرة عشان المحشي.

ابتعدت عن أحضانه، ترمقها بطرف عينيها باستنكار:

- وجاية دلوقتي تقولي، افرضي ملقتش حد موجود؟ الساعة بقت 7 يا نرمين!

أجابت ببسمة بلهاء:

- أصلي نسيت ولسه فاكرة دلوقتي، انزلي بس ممكن تلاقي.

أشارت بيدها بلا مبالاة، تعود إلى أحضان جدها مرة أخرى:

- هروح بكرا الصبح.

تقدمت منها، تهزها من كتفيها بإصرار، تحثها على الذهاب:

- أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه، على أساس هترضي تصحي أوي. فأكملت بتهديد صريح:

-قومي إنزلي بدل ما أنزل أنا وأخليكِ تعملي أنتِ الأكل.

وقفت "نورين" تفر هاربة بسرعة وهي تهز رأسها بنفي تام:

- لأ خلاص، كله إلا المحشي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خرجت "نورين" من البناية تذهب إلى مقدمة الشارع؛ كي تركب وسيلة مواصلات للذهاب إلى السوق. بعد وصولها، أشارت بيدها اليمنى لتوقف إحدى سيارات الأجرة، تزامنًا مع إشارة سيدة أخرى للسائق.

نظرت "نورين" إليها لتراها سيدة كبيرة، ابتعدت إلى الوراء تتيح لها الصعود مكانها. رمقتها السيدة بنظرة متفحصة، ووجدت وجهها مألوفًا، فظلت تناظرها بتمعن على أمل تذكرها. وأثناء ذلك، ملَّ السائق من الانتظار فغادر مبتعدًا، باحثًا عن رزقه بمكان آخر.

- إزيك يا نورين.

هتفت "ناهد" بذلك بعد تذكرها أنها تلك الطفلة التي كانت تلعب مع ولدها أثناء الطفولة. ردت "نورين" باستغرابٍ، تجهل من تكون:

- الحمد لله، هو حضرتك تعرفيني؟

هزت رأسها بسعادة، تجيب بتأكيد وهي تقترب منها:

- أيوه يا بنتي، أنا أم يحيى اللي كنتِ بتلعبي معاه زمان وأنتِ صغيرة، وبيتنا في آخر الشارع. افتكرتي؟

حاولت أن تعصف ذاكرتها لتتذكر ذلك آل يحيى. وبعد بضع دقائق مرت على "ناهد" بفارغ الصبر، أيقنت بهم أنها مناسبة لولدها.

استطاعت "نورين" تذكر القليل من الذكريات الماضية، كوقوفه جوارها يحميها من الأطفال الذين أرادوا إبراحها الضرب؛ خاصةً بسبب شعرها الذي كان لا مثيل لطوله بين جميع الفتيات، بلونه البني الفاتح. لكن الآن أصبحت تحب الشعر القصير، وقد صبغته باللون الأسمر.

- يعني افتكرت شوية حاجات.

تهللت أساريرها فرحًا، فاحتضنتها بسعادة، تخبرها بصدق:

- طب الحمدلله، كبرتي ما شاء الله يا نورين، وبقيتي أحلى من الأول.

ارتسمت على شفتيها بسمة خجولة، وردت عليها بأدب:

- شكرًا يا طنط.

ابتعدت عنها مردفة بحماس:

- استني، هوريكِ يحيى كمان.

أخرجت أحدث صورة تملكه له، ومدت الهاتف إليها وعينيها مثبتتان على ملامحها، ترى تأثير ملامح ولدها عليها. وقد رفعت "نورين" حاجبيها بإعجاب، لم تظن أنه سيكون بتلك الجاذبية.

قالت ناهد بحزن حقيقي، مشتاقةً لولدها:

- أهو أنا زيك كده، بشوفه من شاشة التليفون؛ أصله مسافر من أول ما اتخرج ولسه مرجعش. بس هيجي قريب لما أدورله على عروسة، عشان أول ما ينزل يتجوزها على طول.

ربتت على ذراعها بحنوٍ، وأردفت بإشفاقٍ:

- إن شاء الله تفرحي برجوعه وجوازه.

انشرح قلب "ناهد" لها، إنها آية في الجمال، ويبدو أنها حنونة، وبها صفات يبحث ولدها عنها. فإذا صارت لابنها ستطيب خاطرها، وتؤنس وحدتها. فسألتها بترقب:

- أنتِ اتجوزتي ولا لسه؟

أجابتها بمرحٍ:

- لأ، السنجلة جنتلة يا طنط.

تبسمت "ناهد" فرحةً؛ فالطريق مُنفتح أمامها. وبنبرة دافئة خرجت من صوتها، أخفت بها نية واضحة تحدثت:

- هو في أحسن من إن الست يكون عندها راجل طول بعرض، يحبها ويعملها كل اللي نفسها فيه؟

تمنت "نورين" تواجد ذلك حقًا، فمن مواصفات فتى أحلامها أن يكون كذلك. لذلك أخبرتها بتأسفٍ سرعان ما تلاشى:

- لأ، مفيش أحسن من كده، بس للأسف مش موجود منهم يا طنط.

ابتسمت "ناهد" بدهاءٍ، وأكملت تلقي الطعم بمهارةٍ، متمنية نجاح فكرتها:

- ومين قال؟ عندي الأحسن. طويل وعريض، وجذاب كمان. وأنتِ قمر اللهم بارك مليون واحد يتمناكِ.

دُهشت "نورين" بعد أن تيقنت ما ترمي إليه، ولوهلة اعتقدت أنها سمعت خطاءً، لكن كلماتها كانت واضحة، يفهمها الصغير من أول الأمر.

تنهدت "ناهد" بحزن مما فعلت، متذكرة أنه يريد دفعة من النساء، يختار من بينهم من تعجبه.

عليها البحث عن أخريات غيرها. يشعرها أن النساء سلعة؟ ذاك الأحمق تتمنى أن تبرحه ضربًا؛ كي يعود إلى رشده.

فهتفت بوداعٍ، متيقنة أنها لا تريد إشغال فكرها بشيء لا تجزم وقوعه.

- همشي أنا يا بنتي، فرحت إني شفتك، فرصة سعيدة.

ردت عليها بتشتتٍ:

- أنا أسعد.

وأغمضت عينيها تتذكر ملامح وجهه محاولة حفظها في الذاكرة، ولا تعلم "ناهد" أن الكلمات أصابت قلب "نورين" بدقة؛ قلبها الذي ظلت تحافظ عليه طوال سنوات حياتها، قد أُسر من سراديب الماضي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلفت "هنادي" إلى داخل غرفة والدتها بهدوء، تطمئن عليها، وتعلم هل تناولت العلاج أم لا؟ اقتربت من السرير ترمقها باهتمام، عينيها مغلقتان تدلان على انغماسها في نومٍ عميق، تُخرج همهمات متألمة، وتتنفس من فمها بصعوبةٍ.

اقتربت من الدرج الصغير تُخرج الدواء من داخله، قلبته بين يديها بانزعاج لم تتناول علاجها بعد. تقدمت منها بتمهلٍ، تهزها من كتفها برفق:

- ماما... ماما... يلاه اصحي عشان تخدي العلاج.

أطبقت "منى" حاجبيها بضيق، وفتحت عينيها بثقل، وأثر النوم مسيطر عليها. ثوانٍ معدودة وبدأت تستوعب ما تريد. ساعدتها "هنادي" في الاعتدال من نومها، تاركة والدتها تناظرها بضيق.

لِمَ جاءت وتركت دراستها؟ ألم تخبرها مرارًا أن تعطي كامل وقتها لذلك؟ وأنها ستكون بخير ما دامت تبذل جهدًا يجعلها راضية؟ ماذا تفعل بقلقها؟ فهي تذعر من عدم جلبها نتيجة عالية في الثانوية. تتمنى أن تأخذ مجموع عالي يدخلها جامعة من الجامعات المرموقة، تريحها في المستقبل؛ حتى لا تعاني مثلها.

وضعت راحتي يديها على وجنتيها، تملس عليهما بمحبة:

- هنادي يا حبيبتي أنتِ في ثانوية، كل وقت بتضيعيه حتى لو علشاني فهو مهم ليكي أكتر. مش عاوزاكِ تقاسي زيي، أنا لو كان معايا شهادة كنت اشتغلت بيها وارتحنا من اللي إحنا فيه.

تبسمت "هنادي" بود، فقط لو تتوقف والدتها عن القلق نحو المجموع النهائي، فهي لديها هدف وتسعى لتحقيقه، وتبذل قصارى جهدها من أجله.

- متقلقيش يا ماما، أنا في بالي هدف وهوصله بإذن الله، هدخل طب يا حبيبتي وهتكوني فخورة ببنتك. ودلوقتي اسمعي كلام دكتورتك المستقبلية وخدي العلاج.

أنهت كلامها بإعطائها كوب الماء وقرص من الدواء. رن جرس الباب، فتسألت "منى" بتعجب:

- غريبة... مين جاي دلوقتي؟

هزت "هنادي" كتفيها بجهلٍ، وذهبت تفتح الباب للطارق. سرعان ما ابتسمت حالما رأت "ناهد" أمامها. رحبت بها بحفاوةٍ ودعتها للدلوف:

- يا أهلا، منورانا يا طنط والله، اتفضلي، البيت بيتك.

دلفت "ناهد" إلى الداخل، وأغلقت "هنادي" الباب عقب دخولها. احتضنتها "ناهد" بحنان، وملست بيمناها على شعرها البُني بإعجابٍ شديد، وكان به خصلات شقراء ويصل طوله إلى آخر ظهرها:

- احلويتي يا هنادي، ما شاء الله، ربنا يحفظك يا بنتي يا رب، ويفرحنا بيكِ.

بادلتها الاحتضان ببسمة متوهجة تظهر بياض أسنانها:

- الله يخليكِ يا طنط تسلمي.

ابتعدت تشير بيدها إلى غرفة المعيشة؛ كي تجلس داخلها، مكملة بذات الترحيب:

- اتفضلي يا طنط.

تقدمت "ناهد" إلى الداخل بهدوء، وأعطت ما تحمله يدها اليسرى لهنادي، وهي تخبرها بنبرة حنونة:

- خدي يا حبيبتي دي معاكِ. والدتك فين؟ جيت عشان أطمن عليها.

أخذت ما تحمله بامتنان؛ فقد جاءت لوالدتها بعد علمها بمرضها.

حقًا إنها سيدة طيبة، ربما غيرها كان سيتكبر على المجيء معللًا عدم اكتراثه وكأنها جماد؟ حتى الجماد يتعامل برقة بالغة، و يا حبذا إذا كان شيء أثريًا، يرتعبون من حدوث مكروه له. لكن لم ترد أن تتعبها بجلب شيء لهم، يكفيهم رؤيتها فقط، فأردفت بعتاب لطيف:

- ليه يا طنط التعب ده؟ لزمته إيه بس؟ كفاية وجودك واللهِ.

جلست "ناهد" على المقعد وزفرت بإرهاق بسيط من المجهود الذي بذلته في صعود السلالم، سرعان ما ردت عليها بالنفي:

- ولا تعب ولا حاجة، هو أنا باجي ليكم فين بس؟

لحظات وخرجت "منى" التي تحاملت على نفسها في الوقوف بعد استماعها لصوت "ناهد"، محاولة التماسك بما تشعر به من ألم. جلست في المقعد المجاور لها، تضع يمناها على قدمها اليسرى، مرحبة بها بحفاوةٍ:

- وأنا اللي بقول البيت منور النهاردة. والله، وزمان يا أم يحيى.

وعند سماع اسمه، خفق قلبها بشدة، كم سمعت عنه من أحاديث وأقاويل جعلتها تتمنى لقاءه... و تنتظر عودته إلى بلاده سالمًا من أي مكروه. ولن يزول الانتظار...

منذ أن وعت وبدأت تنضج، تستمع لمدح والدتها له، كبرت على وصفه ومعرفته...

ترى صورًا له متجسدة أمام عينيها، عند ذهابها مع والدتها إلى منزلهم، تتمنى ولو بيوم أن تراه على الحقيقة، أمامها بطوله الشاهق. تريد أن تشعر برائحته متغلغلة في المنزل، وتستنشقها أنفها فترد الروح، وتعود الراحة إلى قلبها الصغير.

- هنادي، يلاه يا حبيبتي قدمي الواجب، وشوفي وراكِ إيه.

فاقت على صوت والدتها الذي أيقظها من سراب عشقٍ يسبب لها الألم. هزت رأسها بإيجاب، وغادرت تتركهم يتحدثون بالكثير، قاصدة الذهاب إلى المطبخ حتى تصنع الشاي للضيفة.

تنهدت بصوت عالٍ تطلب من الله أن يلهمها الصبر عمَّا تشعر به من مشاعر تجاه شخص لم تره سابقًا...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عادت "نورين" إلى المنزل بضجر، تجولت في السوق بحثًا عن الأغراض ولم تجدها، ولو لم تستمع لشقيتها لما آست.

أخبرت شقيقتها التي تبعتها إلى غرفتها، وهي تلقي بجسدها على الفراش بتعب:

- ملقتش خضرة، انزلي أنتِ بكرا بقى، سلام أنا عاوزة أنام.

كتفت "نرمين" ذراعيها بضيق، وهي تلومها بقولها:

- منتي مش بتعملي معايا حاجة في البيت ولا حتى هتحشي.

احتضنت "نورين" وسادتها بحب، وردت على شقيقتها بدلال:

- اتصدقي نسيت إني مش بعمل حاجة، تسلمي يا أحلى أخت.

تبسمت "نرمين" بحنو، وغادرت لتنام هي الأخرى بعد أن أغلقت إنارة الغرفة. تسطحت على السرير، وسرعان ما حل عليها مجهود اليوم من مشقةٍ، وغرقت في أحلامها، داعية الله بتضرعٍ وخفوتٍ أن يرزقها زوجًا حنونًا، يصب عليها الحب صبًا، عابدًا لله.

بينما "نورين" ترى نفسها غارقة بقصة حب، وبات الفارس يحيى!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع...

رأيكم يهمني جدًا، يارب يكون فصل لطيف وممتع❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عشق مهدد

المؤلف ايمان صلاح
2025/11/03 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة