الفصل الرابع

الفصل الرابع

15 0

السلام عليكم، فصل طويل اعتذرًا عن الفصل اللي فات 🥹

قراءة ممتعة💙

"ما ستره الله عنك لا تبحث عنه"

مقتبس.

اذكروا الله❤️

لا تنسوا الصلاة على النبي💙

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

■عِشق مُهدد■

"الفصل الرابع"

صوت أزرار الكيبورد ملأ المكان من سرعة أصابع يدها المارة عليه، حينما كانت تكتب بعض المستندات الهامة. وما تبقى سوى القليل من اللمسات وتكون جاهزة للمراجعة النهائية ثم يأتي دور الطباعة.

وبين الحين والآخر تنظر باضطراب على مكتب "أيهم" الخالي من وجوده، وبين الساعة الذهبية اللامعة المتواجدة حول معصمها الأيسر الدالة على تأخره.

حاولت "مها" بقدر الإمكان تغطية غيابه الغريب في نظرها؛ بعد تأكدها من خروجه صباحًا، عقب إرساله رسالة تنص على أهمية النظر في رسائل البريد؛ لرؤية المشاريع المرسلة من العملاء وتجهيز ما تراه مناسبًا ومن ثم يتم مناقشته بينهم.

بررت تأخره بحدوث زحمة مرور أو عودته إلى المنزل لجلب شيء تناساه، لكنه لم يأتِ. ازداد تسرب القلق داخلها خوفًا من حدوث ضرر أصابه. وعند ارتفاع صوت أذان الظهر من برنامج وضعته على هاتفها المحمول، لم تستطع الانتظار وقتًا إضافيًا، متيقنة وجود خطب ما: خاصة بعد اتصالها عشرات المرات!

أمسكت هاتفها تتصل على والدته بقلق لم تستطع ردعه، وزفرت باضطراب حينما لم تجد رد. تبقى شقيقته التي ستجيب عليها بغير محبة وهذا ما تكرهه، لكنها تغاضت عن مشاعرها لأجله، رغم أنها تنفر منها أشد النفور، وتبغضها أشد البغض. وياليتها ما فعلت فسرعان ما تسرب إليها الندم عند سماع قولها الغليظ:

- الواحد كان ناقص قرف أكتر. نعم، عاوزة إيه!

تبسمت "مها" بسخرية فماذا كانت تنظر من فتاة متعجرفة مثلها؟ لا تقابلها سوى بنظرات تشككها في ذاتها، كأنها غير شريفة! حاولت التحكم في أعصابها، مذكرة خلايا عقلها عن سبب هذا الاتصال، ألا وهو الاطمئنان على "أيهم" دون إدراكهم الأمر؛ فلا تريد إثارة الخوف لوالدته الحبيبة، التي احتوتها بعد وفاة والدتها وكانت عونًا لها. ولو على شقيقته فتتمنى انكسارها وبجدارة. فأردفت بهدوء زائف:

- بكلم ماما نعمة ومبتردش عليَّ.

أرجأت "لمى" الرد للحظاتٍ، وقالت ببغض:

- أصلها مش فاضية، لأشكالك.

واتكأت على آخر كلمة تخرجها ببطءٍ شديد، قاصدة إغاظتها. عازمة على إخراج غضبها الذي حل عليها، بعد المناقشة الماضية بينها وبين والدتها، التي تركتها في غرفة الجلوس لإكمال الطعام، وظلت "لمى" داخلها؛ محاولة السيطرة على عقلها ومشاعرها بسماع التلفاز ولم يفدها. لكن أتى اتصال "مها" كفرصة ذهبية ليس لها مثيل؛ لأخذ نصيبًا من غضبها.

اغتاظت "مها" من حديثها، فصكت أسنانها بقوة محاولة التماسك، وأخبرتها من بينهم:

- بتعمل إيه؟

وضعت "لمى" قدمًا على الأخرى مبتسمة بعبث، وأغمضت عينيها تدير رأسها بتمتع، وأردفت بأسلوب لاذع:

- يخصك في إيه؟

العين بالعين، و السن بالسن. هكذا يدور حديثهم، والنهاية تكون غلق أحدهم المكالمة في وجه الآخر. لم تستطع "مها" كبح الرغبة في زجرها، فتركت العنان للسانها يتحدث بصراحة غير مبالي بشيء آخر:

- ولا حاجة... بس ربنا بلاها بواحدة بلوة وبومة زيك. حقها ماما نعمة تكون محسورة إنها جابت أشكالك، انتِ عالة عليها مش أكتر.

أنزلت قدميها تهزهما بعنف، مستشيطة من تذكيرها بحقيقة تتجاهلها دون اكتراث، ومع انعكاس الوضع الذي كان في صالحها أول الأمر، هتفت بقسوة:

- ملكيش فيه، خليكِ في اللي يخصك؟ أيهم يعرف إنك بتكلميني في وقت شغل! ولا اتصل عليه أقوله بنفسي؟

وعندما أخذت ما أرادته منها هتفت بنبرة ناعمة استفزت غريمتها:

- ميخصكيش، وبعدين من أمتى هيما بيمنعني عن حاجة!

وفازت هي بقطع الاتصال هذه المرة. وعادت تحاول مهاتفة أيهم بذعرٍ، داعية الله أن يكون بخير ويحفظه.

تاركة "لمى" على حافة الانهيار من الغيظ والامتعاض، فلطالما رأت "مها" منافسة لها، من مقارنات والدتها وحديث شقيقها عنها، الذي يجعلها راغبها في اقتلاع خصلات شعرها، التي لا تعلم لونه من حجابها التام الأسمر اللون الذي يزين وجهها ولا تغيره مهما ارتدت من ثياب! وإن غيرته سيكون بلون غامق؛ فملابسها التي رأتها عليها داكنة! والمنازعة لا تهتم بفارق العمر الذي بينهم، كونها تصغرها بخمسة أعوام، لكنها سنوات كفيلة بتوليد شرارات الكره والنقم. ألا يكفي أنها ترى شقيقها طوال النهار حتى الثالثة عصرًا؟ الذي يتركها برحابة صدر تخرج مبكرًا، وتكمل العمل في منزلها وتحادثه وقتما شاءت؛ لأجل والدها طريح الفراش! كل هذا بسبب "حسام" السمج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهي النخوة والشهامة التي تربى عليها، وتغلغلت داخل تصرفاته فتحكمت في أفعاله؟ أم الشفقة على هذا العجوز، الذي لم يساعده أحد من الحاضرين، منتظرين وصول سيارة الإسعاف؟ أم قلبه الذي ما إن أدرك الوضع، ونال نظرة من عينيها المضطربة، خفق بعنفوان بين ضلوعه، وتصرف دون انصياعٍ! وتخلف عن الذهاب إلى العمل لأول مرة في حياته، وظل جوار غرباء.

الوقت مر وهو واقف قرب باب الغرفة التي ينام بها هذا الرجل، الذي استطاع معرفة اسمه من الفتاة وأنه جدها، أثناء سؤال الأطباء حين وصولهم- بعد إغمائه عن الوعي على الرصيف- وقد صرح أحدهم بدخوله في غيبوبة سكرية مؤقتة، قد تصل إلى ساعتين، حسب درجة نقص الجلوكوز لديه، التي أظهرت انعدامه، فقد قاربت على استكمال مائة وعشر دقائق. التي كانت ستدخله في مشكلة عويصة أكبر، تجعله جبريًا محجوز داخل العناية المركزة. لكن ويالا حظه أنه شاهده أثناء مروره من الشارع، الذي سلكه مرغمًا؛ بعد زحمة المرور الهائلة من السيارات التي حدثت.

وخروجه متأخرًا لبعض الوقت من المنزل؛ بعدما غفلت شقيقته هذه المرة عن كوي ثيابه، وظل يحاول كيهم بمشقةٍ، رافضًا إيقاظها من نومها العميق. فكان هذا في صالح هذا الرجل صاحب الوجه الساكن، الشاحب.

نظر باهتمام إلى الفتاة التي لم يعلم اسمها بعد، ما زالت جالسة على الكرسي جوار الجد، تنتظر استيقاظه بفارغ الصبر. عاقدة أصابعها بعضها ببعض، وتهز إبهامها الأيسر بإفراط متوتر.

ترسل نظرات شاردة، بأعين أغشاها دموع خوفٍ مكتومة. تخرج همسات متقطعة من شفتيها، التي غدت دامية قليلًا من قضمها بين أسنانها، تدعو بها الخالق أن يرده سليمًا.

وقد التقطت أذناه أنه سندها الوحيد من بعيد وفاة والديها، اللذان فارقان الحياة ذاهبين إلى المولى.

فيخترق حديثها أوصاله، ولو لديه القدرة على شفاءه لفعل؛ لأجل هاتين العينين اللتين أصابتاه في مقتلٍ، دون عمد.

دنا منها بخطواتٍ هادئة، يخبرها بنبرة عميقة، محاولًا بث الطمأنينة داخل أعماقها:

- هيبقى كويس إن شاء الله، متقلقيش.

هزت "نرمين" رأسها أملًا، دون أن تناظره. ما تعرفه عنه أنه إنسان مد يد العون لهم ولم يتركها، إنما ثبتها بقوةٍ. فكان عجيبًا في نظرها من أفعاله التي زادتها انبهارًا.

وعادت تؤنب نفسها على ترك "سليمان" وحيدًا؛ لأجل شراء لحم محفوظ غير معلوم المصدر. وقطعت عهد بينها وبين ذاتها أنها لن تجلبه مرة أخرى، كرهته وأصبحت تنفر منه.

لو كانت جوار جدها حينما احتواه الظلام، لكانت أفضل حالًا من تركه وحيدًا يواجه هذه المحنة، التي هوت به إلى درجة تهدد حياته. وهي الحمقاء جعلته يسير أكثر من ساعة، متناسية مرضه السكري، وعدم تناوله الطعام وأخذ جرعة العلاج.

نظرت إليه بتأسف جليل، لم تعلم أن قوته ستخور! وأن الامر سيصل إلى هذا الحد.

فقط أحبت تواجده جوارها، يتسوقون ويعودون إلى المنزل سعداء، وتقوم بعمل الغداء بنشاطٍ، ويتناولوا الطعام بمحبة!

عقدت حاجبيها وارتجف جفنها السفلي من كبت بكاءها، يعصف ذهنها في محاولة لتذكر هل بان عليه التعب، أو المشقة؟

أم هذه سكرات الموت!

استغفرت ربها عند هذه اللحظة، لم يستطع قلبها تقبلها، واندفعت خفقاته شراسة، رافضة بعنفوان الأمر.

تنهدت بخوفٍ مكبوت أثقل صدرها، تدعو الخالق أن يستيقظ ويفتح عينيه، فتناظرهما وتطمئن حينها بصدق، وهمست بتضرع:

- يارب، قومه بالسلامة، أرجوك.

لا يعلم ماذا تفكر به في هذا الوقت، ولكنه لم يستطع تركها وحيدة، بعد إيصالهم بسيارته إلى المستشفى؛ لإجراء الإسعافات من أجل إنقاذه، وإن لم يكن بينهم وصال مسبق. وما يعرفه أنهم أصبحوا مسؤولين منه، منذ اللحظة التي تقابلت فيها أعينهم البنية.

وعاد يقف كما كان، يسند جذعه وكتفيه على الحائط، ويعقد ذراعيه ببعضهم. منتظر إفاقة الجد على أحر من الجمر، حتى وجد أن الأمر بدأ يتخطى الساعتين، عما قاله الطبيب، وتسرب القلق داخله. اعتدل في وقفته عازمًا على الاطمئنان دون إثارة الريبة في قلبها. وأخبرها بخفوت وهو يهم بالخروج، ولا يعلم هل سمعته أم لا!:

- هنزل أجيب حاجة، وهرجع.

نظرت "نرمين" إلى ذهابه وأصابها تشتت كبير، وجوده كان كفيل لتخفيف الألم داخلها، وإصابتها ببعض التوتر من تواجده؛ بنظراته الثاقبة التي شعرت بها ترمقها بعناية.

لكنه الآن ليس موجودًا، وهي وحيدة تستمع لصوت خفقان قلب جدها- من الجهاز الموصول على جسده- بقلبٍ فرطه الألم.

كأنه يترك لها الحرية للتعبير عما يجول بداخلها، هل استطاع معرفة أغوارها؟ برقت عيناها تعجبًا.

تركَ فرصة لدموعها المتحجرة داخل مقلتيها، التي لم تخرج بتاتًا، لتعبر عما يجيش بداخلها! فاندفعت كشلال هائج فتح طريقه، بعدما تغلغلت فيه أغصان الشجر المتكاثفة فسدت مجراه.

تنفست باضطراب واضعة يديها على قلبها الثائر، محاولة ردع هذه الموجة عن الازدياد؛ لطالما لم تحب الضعف ولا البكاء. سرعان ما شهقت بخفوت محاولة كبح دموعها التي تتزايد فعنفوان، وبشفاهٍ مرتجفة همست بتقطع وهي تخبط على صدرها برفق:

- مينفعش ... أضعف.

اندفعت إلى الحمام الملحق بالغرفة بخطواتٍ متعثرة، وبأصابع مرتعشة حاوطت ذراعيها تحتوي ذاتها، وهي تنظر لنفسها في المرآة هامسة بعنفٍ شديد امتزج بألمٍ، رافضة هذه الحالة التي أصبحت عليها:

- مينفعش أضعف، أبدًا... أبدًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتح عينيه فقابله ضوء عالٍ، شتت رؤيته. وصوت خرج من رأسه المثقلة "أين أنا؟"، استمعت أذنه صوت دقاتٍ مستمرة في الازدياد، ولا يعلم ما هي. حاجز طوق أنفه بضيقٍ فامتدت يده برعشةٍ تزيله بضجر وأنفاسه متسارعة، ولم تسعفه فخارت قوتها الضئيلة. لحظة بلحظة وبدأت الرؤية تتضح، الصوت كان لضربات قلبه، والحاجز ما هو إلا قناع للأكسجين، وهناك وجه يرمقه بتمعنٍ يتابع حالته باهتمام، الذي خرج ينتشله من الضياع:

- أهلاً يا جدو، حاسس بإيه دلوقتي؟

وعند سؤالها ضيق حاجبيه مستشعرًا تكسر عظام جسده بطريقة لم يعهدها، وبدأ يتذكر آخر ما حدث معه، عندما سقط مغشيًا عليه دون حمايةٍ. وحلول الظلام عليه دون رحمةٍ.

وأن حفيدته ذهبت لجلب ما تحب، نظر في أرجاء الغرفة باحثًا عن طيفها التي خلت منه، وهتف بصوت خفيض متقطع:

- نر..مين.

التقت أذنها الاسم ببراعة معتادة من هذه الحالات، وبطبع اعتادت فعله، أن تطمئن المريض عما يتسأءله وإن كان كذبًا، فلا يتضاعف مرضه. وهي لم تجدها عندما أتت، دنت منه تربت على كتفيه بحنو، مردفة بخفوتٍ:

- كويسة متقلقش، راحت تجيب حاجة وجاية. أنت حاسس بأيه دلوقتي؟

أغمض جفنه بتعبٍ وهمس:

- راسي... وجسمي...  مش قادر.

أخبرته الممرضة بعملية، وعينيها تتابع مؤشراته الحيوية بعناية:

- ده طبيعي؛ لأنك دخلت غيبوبة مؤقتة.

أخرج نفسًا ثقيلًا متعبًا، وغمغم بوهن في محاولة استيعاب الكلمة:

- إزاي؟

ناظرت إليه بشفقةٍ، وأردفت بلين:

- لمدة ساعتين بس متقلقش.

هز رأسه برفق، وعينيه تدنوا تجاه الماسك، يهمهم بخفوت:

- مضيقاني.

فهمت مقصده اعتيادًا لحالات مشابهة، فابتسمت مردفة بتشجيع:

- هيتشال أول ما تبقى كويس، ضروري يفضل معاك؛ عشان يساعدك على التنفس.

وعادت تنظر إلى مؤشراته الحيوية عبر الأجهزة التي بدأت تستقر، زفرت براحةٍ تخفض سرعة الأكسجين لتوازي تنفسه، وبابتسامة صغيرة على محياها عقبت:

- حمدلله على سلامتك الدكتور هيجي يطمن على حالتك، يكون الأستاذ أيهم ومدام نرمين جم من برا.

وذهبت تخبر الطبيب حتى يأتي وينظر على حالته، وتتابع هي حالاتٍ أخرى، مخلفة وراءها تساؤلات في عقل سليمان عن أيهم؟ وتواجد "نرمين" معه خارجًا!

لكن هذا التساؤل المتعجب زال؛ عقب رؤيته "نرمين" تخرج من باب ملحق بالغرفة، وتجفف وجهها المبلل بمناديل ورقية. اختلطت عيناه بعينيها الحمراء التي ما إن لمحته حتى اندفعت إلى أحضانه. فكان احتواءً مزجته بالخوف والضياع والاشتياق، خوفًا من فقده، ضيعًا من بعده، اشتياقًا لرؤيته.

- جدو، قلقتني عليك.

غمره احساس الدفء من احاطتها القوية التي جعلته يسعل، فتداركت الوضع وابتعدت عنه، ممسكة كفه بنعومةٍ، وعينيها تناظره بإهتمامٍ متألم، قائلة بعجلة:

- عامل إيه، حاسس بإيه؟ في حاجة تعباك؟

 

استطاع أن يشدد على يديها بخفة، وتوقف سعاله. وبصوت خرج مبحوحًا تحدث:

- أنا كويس.

زفرت براحةٍ وجلست على الكرسي أمامه، هاتفة بخفوتٍ موجهه حديثها لله عز وجل:

- حمدلله حمدلله، حمدلله أنك صحيت.

من رؤيته واحدة منهم غمره الاطمئنان، فتسأل بصوتٍ مرتجف قليلًا لتزداد راحته:

- نورين فين؟

أشارت بيدها في الهواء مع بسمة متعبة ارتسمت على محياها، تهتف بلطف:

- زمانها في سابع نومة، مردتش أكلمها اقولها عشان هتخاف وهتبدأ تعيط وهي دمعتها رؤيفة.

نظر لها بعمقٍ، فيبدو أنها هي من ارتعبت. وبنبرة صوت منخفضة، خرجت حزينة تحدث:

- شكل انتِ اللي دمعتك خانتك.

تهربت عيناها في كلا الاتجهات عداه، فبعد أن استوقفت بكاءها بمشقةٍ استطاعت الخروج، وعندما يعود لوعيه يجدها أمامه صامدة، إلى أنها رأته قد استيقظ في الوقت الذي تركته تفرغ ما في قلبها! ابتلعت ريقها بخفوتٍ وأردفت بكذبٍ واضح:

- لأ، كان رمش داخل جواها فدعكتها جامد عشان يتشال ومش نفع، فدخلت الحمام عشان أغسلها يمكن يتشال وحصل فعلا! وبعدين الاقيك صحيت وأنا جوه! طب استنى حتى أخرج؟ يعني يغمى عليك لوحدك وتفوق لوحدك بردو؟

وانهت حديثها باستنكارٍ واضحٍ على قسمات وجهها التي تشنجت. رغبتها في الإنكار أثبتت له أنها كانت في حالة تصارع شديد. تحولت نظرته إلى تأسفٍ؛ فكان يراها شامخة، يتكئ ويعتمد عليها بكل ما أراد، لم يتخيل قط أنها هشة وتخور قواها وإن أظهرت الثبات؟ وعند هذه اللحظة برقت عينيه ذهولًا، عن أمر لم يكن في خاطره بتاتًا؛ تركهم في هذه الحياة دون سند يتكئون عليه بعده! 

هل كان يضمن أن يعيش معهم لباقي العمر؟ اليوم فقد وعيه وعاد، ماذا وإن فارقته روحه دون عودة؟

حينها استشعر غباءه؛ بعد رفضه تزويجهم لمراتٍ عديدة؛ رافضًا قبول شخص للتقدم لواحدة منهم، دون اعلامهم واستشارتهم.

تأكد أنه ظالم في حقهم، حتى وإن كان محبًا لوجودهم جواره؛ كره من بعادهم عنه، وتعويضًا عن فقده لولده الوحيد، الذي رزق به! لم يحب "سليمان" رؤية ضعفها مثلها، اعتاد على قوتها وستظل هكذا في نظره... خروجه من الأمر بأقل الخسائر هو فرصة تأتي لحظة اما يلاحظها ويستغلها أو تمر دون اهتمام ويندم بعدها! لكن هو أدركها أشد إدراكًا وعازمًا على استغلالها اقصى استغلال. عليه أن يؤمن حياتهم، ويطمئن عليهم برجل جوار كل واحدة، شخص يستحقهم.

وإن كان يريد سندًا لهم من بعده، سيبحث عنه بنفسه ويجده!

ابتلع ريقه الذي جف من تناثر الأفكار داخله، ونظر إلى عينيها التي عادت ترمقه باهتزازٍ، وأخبرها بتقطع:

- ريقي ناشف... عاوز أشرب.

اندفعت تمسك عبوة المياه بتوتر، وملأت نصف الكوب الزجاجي، وهي تسأله بحذر قبل أن ترويه:

- بس هينفع تشرب؟

هز رأسه بتأكيد، فساعدته على الاعتدال بكل ما تحمل من قوة.

وأحاطته بذراعها الأيسر بحنو، وبدأت ترويه برفقٍ بعد إزالة القناع، الذي ما إن أبعدته حتى استشعر كسر الحاجز الذي طوقه. وما إن بدأت المياه تندفع داخل جوفه راوية ظمأه، حتى أحس أن روحه ردت إليه. حمد الله داخليًا على هذه النعمة الكبير التي لن يستطيع كائن حي العيش دونها- ربِّ أدمها نعمة وأحفظها من الزوال- لا لون دون ماء رغم شفافيته، ولا حياة دون طعام رغم تماسكهم في الطعم والشعور.

الطعام يتفاوت بين المُر، واللاذع، والمحلى، وقد يمتزج بثلاثتهم. هكذا هي الحياة: يوم مُر، وثانٍ محلى، وثالث مزيج فأحدث اللذوع، وأخير خليطًا بين ثلاثتهم.

حاولت "نرمين" إرجاعه كما كان، لكنه أشار بكف يده يوقفها، يسند جذعه على ظهر السرير بثقلٍ، وفي محاولة فهم ما حدث بعد إغماءه. تحدث بخفوت:

-جيتي لاقيتيني واقع؟

ابتلعت ريقها بحزن من تذكرها الحدث أمام أعينها، ووضعت الكوب على الطاولة المجاورة للفراش، وهي تزفر بأسف حقيقي؛ فلو لم تخرج من البداية ما حدث له هذا!:

- آه، أنا آسفة إني سبتك لوحدك، وآسفة إني خليتك تمشي كتير.

دهشت عينيه من ظنها الخاطىء، أنها تحمل نفسها الأمر! وأردف باستنكار:

- إيه اللي بتقوليه ده؟

عادت تجلس على الكرسي تهز أرجلها بعنف، ومن فرط انفعالها تحدثت بصوت علا نسبيًا:

- الدكتور قال إنك عملت مجهود ومكلتش ولا خدت العلاج، وده كله بسببي.

تنهد بخفوتٍ يمسك كف يمناها بحنان، واستطاع بطلاقةٍ التحدث مصححًا لها مفهومها الخاطئ:

- لأ مش بسببك، ده أمر مكتوب وهيحصل {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، سواء في البيت أو في الشارع أو أي مكان تاني. وكنتِ هتقدري تتصرفي زي ما قدرتي.

أخفضت وجهها تأسفًا وهمست بخفوت:

- بس أنا مقدرتش بنفسي! في واحد أول ما شافك ساعدني وجابك.

ومع أنه تدارك الوضع وأن المساعد كان الفتى الذي ظنته الممرضه زوجًا لحفيدته! لكنه يريد سردًا بالتفصيل عما حدث في أمره ورفع حاجبه معقبًا باهتمام:

- أيهم؟

ناظرته بتعجبٍ، هل كان مدركًا للأصوات من حوله، وتحدث بذهول:

- أنت كنت حاسس باللي بيحصل جنبك!

لم يجيبها وإنما أكمل تساؤله بترقبٍ، وعينيه ترمقها باهتمام:

- ومشي على طول.

هزت رأسها برفضٍ مردفة:

- لأ بالعكس فضل مصمم يفضل لحد ما تصحى ويطمن عليك بنفسه.

وببسمة خافتة رسمت على وجهه، الذي بدأ يستعيد نشاطه، هتف:

- هو فين طيب عشان أشكره.

حركت حاجبيها بعدم معرفة، مجيبة بهدوء:

- قال هيروح يجيب حاجة، معرفش ايه.

نظر إلى الباب منتظر رؤية هذا الأيهم بشوقٍ، متسائلًا هل يوجد أحد يهدر وقتًا لغريب في هذا الزمن؟ وعيناه تبحثان عن إجابة مبهمه، ملأت غموضًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلست "هنادي" على الفراش بإرهاق، مستشعرة حرارة تسري بأوصالها؛ بعد سيرها مسافة ليست بالقليلة في هذا الطقس للعودة إلى المنزل- بعد الانتهاء من حضور ثلاثة دروس متواصلة- الذي زادت حرارته فجأة، رغم نسمات هوائه العالية المثلجة في زوبعة لياليه. أزالت الدبوس عن حجابها وسحبته بإهمال، فتمردت بعض خصلات شعرها من الرباطة، طالبة التنفس بعد مدة زادت عن خمس ساعات أحكمت حبسه، ورغم جماله بات عبئًا عليها؛ بتلاصق خصلاته البنية على جبينها وقفاها المتعرقان.

انعقد حاجبيها متأففة بضيق، وفكت الرباط تعقده ثلاث مرات على هيئة كعكة، تمنع انفكاكه مرة أخرى. ظلت تفرك فروة رأسها الممتلئة بصداع حاد، وهي مغمضة العينين، مسندة جبينها على كفها الأيمن بيأس، والآخر تدور أصابعه على موضع الألم بحركات دائرية رقيقة.

وبعد مدة استكانت أوصالها وقادتها قدمها الى الخزانة تخرج ثياب ترتديه بعد أن تزيل آثار التعب من على جسدها، بأخذ استحمام ينعش روحها. تشتت أعينها بتعب متنهدة بحزن الأمر شاق عليها، وغرف الدروس في منطقة بعيدة عن البيت وما زالت في البداية! الشهور تمر سريعًا والطرقات عصيبة، لكن هناك أمنية تصر على تحقيقها بضراوة. تغلف قلبها بعظمةٍ أرخت قسمات وجهها هدوءًا؛ متذكرة كلمات معلمها الذي اعتز بها، التمعت عيناها إصرارًا للوصول، وافتخرت بذاتها وأوصالها. مع أنها من أسرة بسيطة من أبٍ ترك كل شيءٍ خلفه في سبيل نيل حب تغلغل داخل قلبه، الذي لم يكن ملكًا له ولا ملك لزوجته الأولى، إنما أصبح لوالدتها التي عشقته هي الأخرى ولم تكترث لكونها الثانية، يكفيها أن تكون شريكته. وما نتج سوى فقده إثر حادث مأساوي يثير الشك والشبهات، تاركًا امرأة نال منها الزمن، تتخبط بين الطرقات، باحثة عن أي مصدر دخل، تمسكه بين أسنانها بقوة، تسد به حاجة الجوع التي فقمتهم. حتى أسكنت السماء رزقًا وفيرًا تمثل في "ناهد" التي عرفتها صدفةً منذ تسع سنوات...

- جيتي يا حبيبتي؟

استفاقت على سؤال والدتها التي دلفت إلى الداخل، تقدمت "هنادي" مردفة باهتمامٍ بالغ:

- آه يا ماما، كنت هاخد شاور وأجي أشوفك، عاملة إيه دلوقتي؟

جلست "منى" على الفراش متنهدة بثقل، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ متقطع:

- حمدلله... أحسن شوية.

لم تغفل أذن "هنادي" عن صوتها المبحوح، ولا وجهها الواهي الذي اصطبغ بحمرة قاتلة. اقتربت منها بقلق، تضع يدها على جبينها متيقنه من شيء، وأردفت بضيق يغلفه خوف:

- أنتِ سخنة أوي، معنتيش بتعطسي!

رغمًا عنها وجدت يدها تتحسس خاصتها ببطءٍ، تتأكد من قولها، فهتفت مستنكرة:

- فين ده، دي خفيفة.

ثبتت "هنادي" كفها مرة أخرى على جبهتها، تقيس به الحرارة المتزايدة، وأردفت بقلق جليل:

- فين إيه؟ انتِ قايدة نار!

ابتسمت "منى" بوهن، وهي تجاهد في فتح عينيها المرهقتين، قائلة بحنو أمومي لم يزلزله المرض:

- أنا كويسة متقلقيش، مكنش حمومه خدتها قلبت عليَّ بشوية تعب.

تنهدت تأخذ شهيقًا بثقل، وتابعت بخفوت وقد افترست الحرارة بقايا قوتها:

- المهم روحي استحمي عقبال ما أعملك فطار زمانك جعانة.

أبعدت يدها عنها باضطراب، ونهرتها بحزم امتزج بعطف خفي داخل مقلتي أعينها التي اهتزت خوفًا:

- ماما. اسكتِ خالص، ينفع؟

وغادرت بلوعة، تجلب وعاء عميق يتسع داخله قدرًا مناسبًا من المياه وقطع الثلج، لعمل كمادات باردة. وعادت مسرعةً تسندها لتفترش الفراش. سرعان ما باشرت في وضع كفوف يديها إلى الوعاء، تأخذ قماشة بيضاء تغمسها داخله، وتعصرها برفقٍ تاركة بعض من امتصاص المياه داخلها، ووضعتها على جبين والدتها بتركيز، وظلت تناظرها بعتاب جليل، بعد إغماض أعينها عياءً، وتسليم روحها بضعفٍ لمرضٍ سلب قوتها...

اقتربت من الكرسي خاصتها تأخذه وتجلس عليه أمامها، وسألتها في طريق عودتها باهتمام:

- خدتي علاجك يا ماما؟

انكمشت شفتيها نفورًا عند ذكرها للدواء؛ بطعم مُر كالعلقم، وأجابتها بامتعاض:

- لا.

جلست على المقعد بضيق، واستنكرت قولها وهي تمد يديها تدير القماشة للجهة الأخرى، التي صارت محمية في دقائق معدودة:

- ليه يا ماما؟

فتحت عينيها تناظرها بحزن قائلة:

- طعمه وحش أوي.

ناظرتها بعدم رضا، وذمت شفتيها بتهكم مردفة:

- لا واللهِ؟ أنا حاسة إن المفروض تروحي للدكتور بجد؟

توسعت عينيها فرحةً، وأخبرتها بأمل غلبه اليقين:

- ما انتِ دكتورتي المستقبلية إن شاء الله، هروح لغيرك ليه؟ بتديني كشف مجاني، وبعدين احنا أولى بفلوس الدكتور. صحيح محتاجة فلوس؟

وأنهت قولها بتساؤل عند ذكر المال، جعل هنادي تتجاهل الرد عليها، والتقطت يدها القماشة بتوتر خفيض تضعها في المياه، متذكرة قول معلم الكيمياء الذي طالب الدفع مقدمًا ولن يقبل بأي تأخر. وإن كانت ظروفهم ليست أفضل حالًا، إلى أن والدتها أمتلكت عزة نفس عالية تجعلها غير قادرة على مد يديها احتياجًا للغير. لم تفكر يومًا للذهاب إلى معلم تخبره أن يدرس ابنتها مجانًا أو بشكل رمزي؛ منعنًا لاحراج قد يحدث فيما بعد. وقد اكتسبت منها هذه الصفة وغيرها، ومن بينهم الفطنة. ولولا ظروف والدتها التي منعتها من استكمال التعليم، واكتفاء وصولها إلى المرحلة الإعدادية، لأصبحت من الطبيبات المشهورات في العالم، بل أفضلهم.

ومن تأخرها في الرد، وحالة التشتت التي لاصقت ملامحها. استنبطت والدتها حدوث أمر ما، وابنتها لا تريد الافصاح عنه. عند هذه اللحظه تناست المرض، مثلما استطاعت أمس القيام للترحيب بناهد، التي كان مجيئها عربون امتنان وشكر لأفعالها. والآن لاجل فلذة كبدها تستيطيه التلغب على المرض بعزم، وبكل قوة تملكها تحاملت على نفسها للاعتدال، تستند بظهرها إلى ظهر السرير وقد تملكها الاضطراب من حدوث مكروه لها، فهتفت بنبرة قلقة، مزجت بالاهتمام:

- قولي يا هنادي في إيه؟ باين في حاجة حصلت، في حاجة ضايقتك؟ حد قالك كلمة! والله لو حد قالك كلمة لقطع زمارة رقبته!

عادت تجلس على المقعد تناظرها بأسف جليل؛ فلو كانت تستطيع منع الحدث لفعلت. وأخبرتها بخفوت:

- استاذ الكيمياء طلب فلوس الدرس مقدم بعد كده، وأنت مروحتيش لطنط ناهد ولا خدتي المرتب منها.

زفرت براحة مستشعرة تسرب الاطمئنان لقلبها، وأمسكت كفوف يديها تحتويهم بحنان، قائلة بلطف:

- هو ده بس؟ مالك شايلة هموم الدنيا كلها كده ليه فجاءة! الحمدلله مستورين بفضل منه وسعة، ابقي خدي يا قلبي الفلوس من الصندوق قبل ما تمشي. وخذي بزيادة واصرفي على نفسك ودلعيها هو أنا عندي غيرك في الدنيا دي كلها يا هنوده؟

خالطة البسمة التي ارتسمت على محياها حنانًا وامتنانًا في آنٍ وأحد، وغمرت عينيها دموع فخرٍ واعتزازٍ، جاهدت في ردع خروج شلالهم بعسر. حدوث الامتزاج بين الامتنان والفخر، وبين الاعتزاز والحنان، مزيجًا يضرب له الأمثال، بل لا تستطيع الكلمات أن تعبر عن شعورها في هذه اللحظة، ولو قصيدة شعيرة أو ألفية واحدة! تحبها حب لا يضاهي، فلا تملك غيرها في الحياة. اندفعت داخل أحضان والدتها، بعد جلوسها على جزء ظاهر من الفراش. فتلقتها يداها بحنو بالغ، وظلت تربت على ظهرها بمحبةٍ. استسلمت "هنادي" لهذه اللحظة الآمنة لعدت دقائق تخطت العشر دقائق، مستشعرة سكون الغرفة من حولها، عدا ضربات قلب والدتها التي تطمئنها أن الكون ما زال بخير رغم كوارثه، ورائحتها الوردية الطيبة التي تعشقها. ثم فلتت من بيدن أحضانها بعد تذكرها كلماتها، مردفة باعتراض عما سمعت:

- بعدين إيه زمارة رقبته معلش! من امتى الكلمات الغريبة دي؟

أعادتها لتستقر في أحضانها مرة أخرى رافضة فعلتها، ووضعت قبلة على رأسها ملأتها بالحب، ثم قهقهت بحبور قائلة:

- من نحية ألفاظ في كتيير غيرهم، أنا عندي كلام مينفعش يتقال قدامك مراعاة ليكِ يا قلبي. أمك مش أي حد.

هزت رأسها بتأييد، وقالت بصوت غلبه تهكم خفيض:

- طبعًا، طبعًا. انتِ هتقوليلي؟ سيبيني أروح أجيب العلاج.

انصاعت لطلبها وأخبرتها بصوت ضعيف، وهي تبادر بالقيام من على الفراش:

- ماشي، وأنا هروح أعمل فطار على السريع.

عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق، وناظرتها بعينين حادتين، مردفة باستنكار:

- انتِ لسه مفطرتيش، كمان!

إلى أن الألم خازلها، ومنعها عن القيام. استرسلت "هنادي" حديثها بسخرية، وهي تشير إلى مرضها بوضوح:

- على أساس إنك قادرة تقومي؟ نامي تاني يا ماما خليني أحطلك الكمادات وأروح اعمل فطار.

انصاعت لطلبها مرغمةً، فيبدو أنها ستلازم الفراش يوم آخر دون عمل. أعادت الاستلقاء على الفراش؛ متمنية أن تصبح بخير في أقرب وقت. وأخبرتها بتأسف ملأه استياء:

- كان نفسي أعملك لقمة تردلك الروح يابنتي... متزعليش مني.

ردت "هنادي" بصدقٍ غلبه الحنو، وهي تقوم بعمل الكمادات مرة أخرى، فلن تحزن منها لأجل وجبة طعام!،:

- مفيش أحلى من سندوتش جبنة وعليه بيضة بلدي مسلوقة أنما إيه حكاية. إنما انتِ يا حلوة مينفعش تاكلي بيض، هعملك شوربة خضار تفوقك كده، وتبقي كويسة بعدها بإذن الله. أنا روحي هتترد بجد لما تبقي بخير.

أغمضت "منى" عينيها بتعب، مستشعرة سكون جسدها، قائلة:

- وأنا هبقى في أحسن حال بس بمذاكرتك.

رفعت شفتيها بتهكم، معترضة:

- لا والله! منا بذاكر على طول هو أنا فين و الإمتحانات فين! طب بصي بقى أنا مش هذاكر النهاردة، وهخلي البت سلوى تجيلي بالليل نقعود سوا.

وضعت "منى"  كفوف كلتا يديها على رأسها تهزها؛ عزاءً لابنتها التي بدأت من التهرب عن الاستذكار، قائلة بحسرة:

- هتخيبي يا هنادي ويوم الخميس مش فيه مذاكرة عشان نعوض الجمعة ويجي الجمعة ونقول آخر أيام الأسبوع محدش بيذاكر فيها!

هزت رأسها ببسمة واسعة مستفزة، أظهرت أسنانها الناصعة وأردفت:

- آه، خليكِ بس في مرضك يا حجة.

برقت عينيها بحزم تنهرها:

- هنادي.

تبدلت البسمة لأخرى مرحة، تقبض أصابع يمناها عدا الإبهام الذي ارتفع، تقول بثقة مشيرة به عدة مرات:

- يا ماما كله تحت السيطرة، ده حتى تعالي أحكيلك حصل إيه النهاردة في درس الفيزياء، المدرس كان مبسوط جداً مني و...

أبدت والدتها كامل إنصاتها باهتمام، وتركزت كافة الحواس بترقب في انتظار ما ستقول بعد رؤية حماسها، الذي بدى أنه سيسعدها إلى أنها أبدلت حديثها لآخر فحل عليها الضيق عندما أخبرتها وهي تغادر الغرفة مسرعة:

- بعدين، بعدين هقولك. دواكِ يا حاجة، يلا باي دلوقتي.

وبحسرة تمتمت:

- بعد ما حمستيني!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نادت عليه بلهفةٍ عند وصولها إلى مكتبه:

- يحيى.

وقف بانفعال يقترب منها بأعين ملأها الغضب؛ من ندائها عليه بين الموظفين، بعد وصوله ألقت جسدها بين ذراعيه، الذي افترسه بتفنن فستان بنسجي، بادلها الاحتضان مرغمًا، ورسم بسمة مصطنعة؛ اضطرارًا للأعين الملتصقة عليهم، وغمغم بحنق:

- ما الذي أتى بكِ هنا؟

لم تكترث "دالين" ليديه التي أحاطتها بقوةٍ؛ قاصدًا إيصال ذروة غضبه التي أشعلتها. إنما دفنت رأسها في جوفه تستنشق رائحته بشغف، وأخبرته بتبرير محاولة امتصاص غضبه:

- اتصلت بك ولم تجب، قلت لأمر بنفسي وأرى زوجي العزيز ماذا يشغله عني؟

قرب شفتيه من أذنها يهمس بانفعال:

- برأيك ما الذي يمنعني؟ أليس العمل!

اقشعرَ جسدها تأثرًا، وابتعدت عن أحضانه راسمة بسمة بسيطة أخفت اضطرابها، تخبره برفق:

- قلقت عليك يا حبيبي، هاتفتك أكثر من عشر مرات، قولت لأتي وأركَ وأرى أبي أيضًا، لقد اشتقت له كثيرًا.

ودفنت أصابع يمناها بأصابعه، وهزت رأسها تشده بحنو ليسير معها فانصاع سريعًا، وزاد من توسع بسمته المتصنعة. ما إن اقترب من غرفة الأرشيف حتى شدها للدخول إلى الداخل مغلقًا خلفه، وأمسكها من كتفيها بعنفٍ، وأخبرها بهدوءٍ يسبق العاصفة:

- هل انتهيت من هذه الدراما دالين؟

وربما بسبب اعتيادها على انفعالاته لوجودها في الشركة عنده لم تهتم، فقد أخبرها مسبقًا أن رؤيتها تثير الجلبة لدى الموظفين والحديث الذي لا يريحه؛ إذ كيف لابنك المدير الألمانية أن ترتبط بمصري! فما الذي يجمع بينهم؟ وزمجرت بعنف:

- أبي يشك بنا يا يحيى.

عاصفته تبخرت بسبب أمر لم يضع له حسبان، ورفع حاجبه بتعجب مردفًا:

- ولِمَ ذلك؟ هل حديث الموظفين مازال في مخيلته؟

زفرت بضيق مردفة، وهي ترجع خصلاتها الشقراء القصيرة خلف أذنها:

- أجل يا يحيى، لأنك لم تفكر بإنجاب أطفال مني، فبالتأكيد سيظل الشك حليفه!

ابتلع ريقه توترًا ما كان ينقصه سوى حماه المصون! الذي لا يعجبه العجب؟ ألا يكفي أنه لا يجد من يتزوجها؟ خفف من قبضته ليجعلها لينة، وخرجت نبرة صوته هادئة نسبيًا، يسألها بترقبٍ:

- ألا تتذكرين العقد؟

هزت رأسها إيجابًا، وعقبت بزم شفتيها بأسف:

- أجل ولن أخالفه، لكنه بيننا نحن فقط وليس هو.

زفر بارتياح عند تأكده أنها مازالت متذكرة، وأخبرها ببساطةٍ:

- حسنًا أخبريه إنك رافضة فقط ولا تريدين أن يحدث لجسدك شيء.

ثم مرر يده على خدها بحنانٍ وأردف بنبرة عميقة:

- هل أنتِ قادرة على فتح بطنك سبع طبقاتٍ، والقيام بعملية كبيرة؟

طبقت ذراعيها ببعضهم مبتسمة بسخرية، وهي تغمغم:

- هناك ولادة طبيعية إذا نسيت. وأيضًا هذا عذر شبع من سماعه مراتٍ عديدة يا يحيى!

ضيق عينيه بشك، هل تفكيرها تغير مع الوقت؟ فسألها بتوجس وهو يبعد يديه عنها:

- هل تريدين أطفال يا دالين؟

هزت رأسها قطعيًا، وكانت نظراتها بينت له أنها لن تفكر ولن ترغب. تراجع الى الخلف قليلًا متحدثًا بجمودٍ:

- حسنًا لنلازم اتفاقنا كما كان، ولا تأتي مرة أخرى هنا، خصوصًا أمام الموظفين.

تحفظه عن ظهر قلبٍ، وتحبه أشد الحب. ما يمنعها عن التفكير هو قسوته وبعاده الذي قد يفعله دون اهتمام بها! قطعت المسافة الفاصلة بينهم، تضع يديها على رقبته بدلالٍ قائلة:

- أردت أن أبين لأبي أننا على ما يرام.

أحاط خصرها بذراعه، ونظر إليها بعمق، وهو يهمس بحنان:

- وهو كذلك يا دالين دون أن تبيني، هل عاملتك بقسوة مسبقًا؟

داعبها صوته العذب فالتمعت عيناها عشقًا، متحدثة برقة:

- كلا، أنت كنت خير زوجٍ لي، وستظل.

أحس بالفخر حينها فهي تعزز من رجوليته ولم تكتفي بذلك بل تؤكد استمراها! وهذا ما يجعله يستمر في زواجهم؛ فهي تعوضه كثيرا عما يفقده في عمره الذي تخطى به الثلاثون ومما يراه أمام عينيه من شهواتٍ. فقد أصاب عند زواجه منها واختارها بعنايةٍ، لم تفده كزوجه فقط بل كمنصب عالٍ لم يصل له دون توصية من والدها العزيز. وبصوتٍ رخيم تحدث:

- عيناكِ العاشقة الزرقاء هذه تصيبني بالجنون، ونحن في مكان لا يسمح بالجنان!

قهقهت بخفة ووضعت رأسها على صدره الذي استقبلها بضربات قلبٍ مضطربه، كأنه يؤكد لها أنه عاشقًا لها حتى وإن لم يصرح، إلى أنها تلاشت عقب قوله الفاخر:

- لكنك تعرفين أنني سأتزوج بأخرى، وهي من ستنجب ابني.

أخفت ألم قلبها عند هذه اللحظة المؤلمة، التي وافقت عليها ضمانًا لزواجه منها. وأخبرته بهدوء زائف وهي تبتعد عن أحضانه بجفافٍ أحدثه:

- أعلم يا يحيى ولكن لم ترضى بك واحدة بعد.

عيناه نظرت إلى المستقبل، مستشعرًا حدوث أمنيته في القريب العاجل، وأخبرها بيقين:

- لكن هذه المرة سوف أجد؛ فأمي وافقتني على ألا نخبرهم حقيقة زواجي.

بيأسٍ منه ومن أفكاره التي سئمت منها، دعت الرب داخلها ألا يجد واحدة. وقالت بحزم وهي تخرج من الغرفة، تخفي حزنها ببراعة متقنة:

- هيا نسلم على أبي سويًا وربما اجعلك تغادر مبكرًا.

وبرفضٍ قاطع تحدث وهو يلحق بها:

- كلا لا أريد هذا، حديث الموظفين يضغط علي. ألا يكفي أني يوميًا أسمع أني أوقعت ابنة الرئيس في حبي؟

لم تستطع أن تجيبه بضيقٍ، وهي تعلم أن الأمر يفجعه. أخذت قدرًا من الأكسجين النقي وزفرت بعجلةٍ، متوقفة عن السير وأدارت جسدها تنظر إليه بعمقٍ، وهي تقول بيقين:

- هذا يجعلك تفتخر بذاتك؛ لأنه لا مثيل لك.

أمسكها من كتفيها بخفةٍ، لاثمًا خدها بنعومة. فانشقت شفتاها عن بسمةٍ فرحةٍ، ولانت مشاعرها للمسه، متناسية ما أخلفه ببساطةٍ. وأخبرته باعتراضٍ:

- هذا ليس كافي، سوف تعاقب اليوم.

ذم شفتيه بعدم رضا، وعقب بغلظة:

- لنمر من عند أبيك مرور الكرام، ثم نرى ماذا سيحدث مساءً. وأيضًا، أنتِ التي ستعاقب على هذا الثوب.

ثنى ذراعه ورفع حاجبيه بتلاعبٍ وهو يناظرها ببسمة عابثة ارتسمت على شفتيه، فوضعت يدها تسير جواره بتهلل من اعتراضه أخيرًا على ثيابها، فهي ترتديهم قاصده رؤية غيرته، التي لا يراها سوى منظره أمام المجتمع، فكيف تكون زوجته بارزة مفاتنها أمام الخلق! قاصدين الوصول إلى مكتب والدها.

يتبع...

رأيكم يهمني جدًا💙

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عشق مهدد

المؤلف ايمان صلاح
2025/11/03 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة