الفصل الثالث

الفصل الثالث

19 0

استغفر الله العظيم وأتوب إليه.

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

صلوا على الحبيب المصطفى، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله

قراءة ممتعة💙

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"عشق مُهدد"

الفصل الثالث

اقترب من خزانة الملابس، وأخرج جلبابًا كحلي اللون من الكتان. بدأ يرتديه بتمهلٍ عازمًا الخروج مع حفيدته إلى السوق التي ما زالت نائمة! وأمام المرآة الصغيرة وقف يمشط شعره الأشيب ومرر كفي يده على ذقنه الخفيفة، واسترد قائلًا بعيناه التي تناظر كافة ملامحه:

- ياه يا سليمان عجزت خلاص.

خرج متكئًا على عجازه البني بتريث، قاصدًا غرفة "نرمين" المجاورة له؛ حتى تستيقظ فيذهب معها.

مع تجاوزه السبعين أصبح الخروج من المنزل أمر شاق عليه، ولا سيما صعود الدرجات ونزولها، رغم أنه سكن بالطابق الأول لأجل هذا، تاركًا باقي المبنى ورثًا لحفيدتيه بعد مماته.

لكنه استشعر رغبته العارمة بالخروج اليوم ولم يستطع إحجامها.

وعند دلوفه غرفتها وجدها خالية ومرتبة، فتعجب متى خرجت منها وهو مستيقظًا منذ السابعة، وقرأ ورد من القرآن حتى تأتي الثامنة والنصف فيوقظها!

لم يترك نفسه في حيرة وأخرج هاتفه الصغير ذا النوع القديم واتصل على رقمها وهو يقترب من باب المنزل، فأته ردها سريعًا:

- أيوه يا جدو، أنا نزلت. فطارك في المطبخ يا حبيبي، ماشي.

ازداد حيرة متى فعلت ذلك؟ سألها بترقب وهو يرتدي حذائه للخروج:

- أنتِ فين؟

ردت عليه بهدوء:

- لسه نازلة قدام البوابة أهوت.

تبسم عندما أدرك أنها ما زالت بالأسفل، فأخبرها بحرص وهو يغلق الباب وراءه:

- طب استني أنا جاي معاكِ.

ضيقت ما بين حاجبيها بحيرةٍ وعادت تفتح البوابة بالمفتاح بعد إخراجه من الحقيبة. صعدت الدرجات مسرعةً وقابلته في منتصفهم، وأخبرته بتساؤل:

- أنتِ محتاج حاجة طيب اجبهالك؟

هز رأسه برفض، وأخبرها بتوضيح:

- لأ، حابب أشم شوية هوا واتمشى.

أمالت رأسها قليلًا غارقه في التفكير، رغم أن من بعمره يشعرون بقليل مما فيه إلا أنه بسبب حزنه على ما فقده مسبقًا أثر ذلك على صحته كثيرًا. رسمت على محياها ابتسامة عذبة، وأخذته بيده تضمها بذراعها الأيمن برفق، ونظرت إليه بعمق مستشعرة هيبة ووقار تدنوا منه، فتلاعبت بحاجبيها مردفة بمرح، وبداخلها تتمنى ألا يشعر بالتعب سريعًا:

- إيه الجمال والحلاوة دي بقى! كده كتير يا حج.

ارتسمت على شفتيه بسمة سريعة وعقب بمدحٍ وهو ينزل الدرجات بمساعدتها، ويده الأخرى تمسك العصا الخشبية.

- هو في أحلى وأجمل وأرق منك.

ضحكت بخفةٍ وأخبرته بسرور وهي تعدل حقيبتها التي انزلقت من كتفها الأيسر:

- الله، الله وبنعرف نتغزل كمان.

ترك ذراعها بعد خروجهم من البوابة، وأصبح يستند على عجازه بكلتا يديه. أخذ شهيقًا عاليًا وأزفره على مهل، ينظر بين الطرقات التي حُرم منها ولولا ما يواجهه من صعوبات بعد العودة لخرج كل فترة. أخبرها بهدوء وظهره مواليًا لها:

- عيب عليكِ، مش عشان كبرت يبقى راحت عليَّ!

زفرت بضيقٍ متيقنة شعوره، ولم ترد أن تجعله أسيرًا للحزن فأخبرته بضحكة خافته، وهي تحتضنه بحنان فاجئه:

- كبرت إيه، اصبر بس أنا هستغل انك معايا وهنجيب طلبات كتير، أنا ما صدقت انك نزلت معايا.

وكأن كلماتها ردت إليه الروح، فرد برحابة صدر وهو يبادلها الاحتضان بحنو:

- اعملي اللي نفسك فيه، أنا لسه بصحتي الحمدلله. وكل شهر هنزل معاكِ مرة بإذن الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسير في الطريق بتعجلٍ، وعينيها تنتقل بتشتت بين الكتاب الذي تحمله بيدها اليمنى، وبين الطريق أمامها، تراجع ما حفظته في درس الكيمياء، وسيتم تسميعه بعد دقائق. بعد أن تأخر خروجها من درس الفيزياء؛ فكانت تسأل المعلم عن مسألة مبهمة، قضت وقتًا طويلًا في محاولة إيجاد الناتج النهائي، الذي وقف حائلًا بينه وبين الإجابة، رافضًا وبقوة توصلها إليه. إلى أنها تفاجئت في النهاية أن المسألة كانت ناقصة الشكل و الرموز، وما انتجته من حلولًا للوصول إلى النتيجة أصاب معلمها بالدهشة، ممكن جعله يثني على ذكائها وأنها عبقرية ولم يجد في الدفعة أحد مثلها. حفزها أنها إذا استمرت على هذا الأمر ستكون من بين أوائل الطلاب، بل والأولى من بين الجميع.

أثرت كلماته في جوفها بشدة، التي كانت درعًا محفزًا إياها على استكمال هدفها، التي تسعى لتحقيقه ولن ترضخ حتى تقوم به.

وصلت "هنادي" إلى غرفة الدرس بأنفاس لاهثه. وتسلل إليها الراحة وهي ترى وفد الطلاب المنصبين حول المكان. زفرت باطمئنان فلم يحن وقت الدخول، وتحدثت بخفوت بعينين تناظر الكلمات باهتمامٍ عالي:

- طب الحمدلله قدامي وقت أراجع مرة كمان.

الخمس دقائق التي مرت كانت كفيلة لجعلها تعيد المراجعة مرتان مما أخذته في الحصة الماضية. بدأ الطلاب في الدلوف إلى الداخل، بعد أن أعلمهم السكرتير الخاص بالمعلم بذلك، ودلفت هنادي من بينهم غافلة عن تلك الأعين التي تلتهمها بجوع، عازمًا على نيلها في أقرب وقت أمكن...

لحظات وكان المكان ممتلئ بالطلاب، منهم من يجلس في الأمام، ومنهم في الخلف، كانت تحب الجلوس في المنتصف، لا تظهر كثيرًا؛ كي لا تكون ظاهرة للجميع. ولا تبتعد عن أنظار المدرس؛ كي ترى ما يدونه ويشرحه بوضوح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسير جواره بفخرٍ واعتزاز، حاميها ووحيدها في الحياة هي وشقيقتها، رغم أن لديها أولاد خالتها المرحومة إلا أن علاقتهم ليست بالأفضل حالًا. ابنة خالتها "رنا" تكن داخلها مقتًا وكرهًا لا تعرف ماهيته، ولكنها تتغاطى نظراتها وأفعالها؛ كونها لا تحب الجدل أو العتاب. فقط تبتعد تاركة الشخص في ضالته، فتتآكله كيفما كانت.

رفعت جزء من ثوبها الفضفاض الزيتوني عند مرورها؛ عبر بركة مياه موحلة في منتصف الطريق، وقد تلوثه مياهها من الأسفل.

صدح صوت الباعة عند اقترابهم من الشارع المتمركز داخله السوق، وكل على حدا منتظر إنهاء بيع ممتلكاته، ما بين عرض الخضراوات و الفاكهة بسعر رمزي، وبين دعوة من أحدهم بأخذها منهم والبسمة تعلوا وجوه، وأخرى نافرة.

مررت عينيها على الأصناف المرصوصه أمام كل شخص، تبحث عن أفضلهم، بخبرة امرأة تعرف الطازج من غيره. رغم كونها لا تخرج كثيرًا من المنزل إلا عند الحاجة، وتعتمد اعتماد كلي على "نورين"  التي علمتها كيف تتسوق ببراعة، دون هزيمة أحد الباعة. فكلتاهما متناقضتان، لكن تناقضهم يكمل الآخر!

أوقفها "سليمان" وهو يشير بجدية على البائع المجاور له، والذي كان متقينًا أنها تسير بتباطؤ كالسلحفاة من أجله:

- الخيار ده شكله بلدي، هاتي منه.

رمقته بعينين صقريتين تتأكد من قوله؛ لعدم وجوده في هذا الوقت إلا نادرًا، تبسمت برضا مقبلة عليه بعد تيقنها قوله، وأخذت تلتقطه يداها بمهارة عالية. أردفت بلطفٍ بعد رؤيته واقفًا يناظرها بعمق:

- تعال نقي معايا، ورانا طلبات كتير نجيبها!

انصاع لطلبها حبًا وزادت في شراء الطلبات حتى امتلأت يديها بهم، تاركه يداه تحمل كيس حمل داخله كيلو من الموز! تخشبت ملامحه من فعلتها ولكنها لطفتها بقوله الذي كان كالبلسم له:

- مبسوطة قوي انك معايا.

لم يستطع ردح بسمته عن الخروج، وأخبرها بحبور:

- فاضل حاجة نجيبها؟

عصفت ذهنها لحظة عما جلبته وهزت رأسها رافضة، مجيبة بهدوء:

- لا كده كله تمام. يلا نروح.

هز رأسه وسار بخطوات حاول تسريعها بكل ما أوتي من قوة؛ رحمة بتلك المسكينة الحاملة بين يديها أكياسًا ثقيلة، بدت كأنها أثقلت ذراعيها. وما إن خطت قدماها حتى زفرت بضيق بعد تذكرها أهم شيء لها:

- ياالله، نسيت أجيب لانشون.

نظر الجد حوله بتعجب محاولًا رؤية محل بقالة بالقريب ولكن بسبب ضعف بصره لم يرى، فأخبرها بتساؤل:

- طب في سوبر ماركت هنا؟

أجابته بهدوء، وهي تبادر على وضع الأغراض على الرصيف:

- اه في واحد قدام شوية، نورين بتجبلي منه على طول.

وبمزيج ما بين الجديدة والأمر تحدث، بعد تفهمه رغبتها في تركه فتجلب مرادها ثم تعود إليه:

- ماشي يلا بينا.

التقتتهم يداها مرة أخرى بتوترٍ، وحاولت معارضته:

- بس...

لكن نظرته الصارمة جعلتها صامته. فسارت جواره قاضمة شفتيها بضيقٍ من تهورها. وما إن وصلت إليه حتى وضعت الأغراض جواره، وأخبرته باهتمام وهي تناظره:

- مش هتأخر، خليك هنا.

قطعت الطريق بتعجل، ودلفت تبتاع ما تريده، التقطته يداه وقربته من أنفها في لحظتها. تغلغلت رائحته داخل أنفعها، وارتسمت بسمة هائمة على شفتيها، سرعان ما عنفت فعلتها بداخلها؛ عقب نظرة البائع الذي رمقها بتعجب تام من غباء فعلتها كل هذا التأثر لأجله، فماذا عن حب إنسان!

ظلت تهز قدميها بتوترٍ كبير، تريد العودة إلى جدها في أسرع وقت متقينة أنه لم يعد قادرًا على الوقوف كثير، وقد مرت خمس دقائق تقف أمام الكاشير. لكن الرجل الذي أمامها قد جلب كثير من المشتريات فتطلب حسابه أن يأخذ وقتًا. وعند انتهاءه زفرت براحة وحاسبت الرجل وغادرت مسرعة...

صدمة تملكتها عندما عبرت الطريق ووجدت تجمع عدت أشخاص في المكان الذي تركت به جدها، اقتربت بخطى مثقلة وعينيها تناظر جسده الهزيل الذي تلقاه الرصيف بترحاب.

خرج صوت أحدهم بتأثر:

- يا حرام، حاولوا تشوفوا حد من أهله!

وأخرى تتسائل:

- إزاي ده حصل؟ هو مات؟

فيجيب أخر بقلق:

- مش عارف!

وبشفاة مرتجفة صرخت، وعقلها يرفض هذه الفكرة:

- جدووو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت الساعة والنصف على خير، من شرح المدرس، والتسميع، وبعد أن انتهى، بدأ الطلاب بالخروج، فأوقفهم صوت المعلم عبر مكبر الصوت بعد قوله:

- لحظة الكل يرجع مكانه.

عادوا يجلسون مكانهم وعلامات الاستغراب على وجوه بعضهم، والبعض الأخر يشعر بضيق من عودتهم مرة أخرى.

بدأ يخبرهم  بحدةٍ وهو ينظر إلى الجميع:

- بعد كده الكل يدفع فلوس الشهر مقدم، مش هقبل بالمؤخر تاني، اللي مش هيدفع بعد كده مقدم يبقى يروح يشوف مدرس تاني.

ثم خفف من حدته، يخبرهم ما جعله يغير ما اعتادوا عليه:

- لما شوية طلاب ييجو شهر كامل وبعدين اتفاجئ إنهم مشيوا ومدفعوش الشهر؟ وأنا طول الشهر أفضل أتعب في صوتي وأحاول أوصل المعلومة ليكم على قد ما أقدر، وفي الأخر ده اللي أخده منكم؟؟ مع الأسف تصرفاتكم هي اللي بتخلينا نعمل كده... تقدروا تتفضلوا.

خرجت هنادي بين هذا الوفد الهائل من الطلاب الذي يصل إلى مئتان، وهي تقضم أظافرها بتوتر، ماذا تفعل؟

دائمًا ما تأخذ المال من والدتها عند بداية الشهر، وأيضًا لا تعلم هل معها مال يكفي كي تدفع، أم ما تملكه يكفي لمدخرات الشهر فقط؟ خاصة أنها الآن مريضة بإنفلونزا حادة، أصابتها في مقتل.

زفرت بغم، تنظر إلى السماء تستغيث بربها؛ ليصلح الحال ويساعدها...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسير مستندة على الحائط متحركة بخمولٍ، وأعين ناعسة لا ترى منها بوضوح، حتى وصلت إلى المطبخ تقف على أعتابه، ترى والدتها تحضر الطعام بتمهل. تثاءبت فوضعت كف يمناها بتلقائية تزامنًا مع سؤالها:

- أيهم مشي؟

تركت "نعمة" ما بيدها، ورفعت عينيها تناظرها بسخرية معقبة:

- وهيفضل لدلوقتي يعمل إيه... فاضي زي ناس!

فركت عينيها محاولة رد النوم الذي ما زال أثره واضحًا لكنها تثاءبت مرة أخرى فلم تجد أفضل من العودة إلى الفراش. فأخبرتها وهي تعود أدراجها بكسلٍ:

- طيب أنا شكلي هكمل نوم.

رفعت شفتيها بتهكمٍ مستيقظة على قرب الظهيرة ولم تكتفي! ولكونها تريد الجلوس في هدوءٍ وإكمال الطعام على راحةٍ لزجرتها.

تركتها طالبة الصبر من الرحمن على ما تفعله من ذنبٍ في حقها.

عادت تنظر باهتمامٍ للدجاجة التي بين يديها، تضع في أطرافها تتبيلة البصل المفروم بالملح والفلف الأسمر بعناية، حتى تتركها في الثلاجة بعد الانتهاء؛ فتتشرب النكهة لبعض الوقت، قبل وضعها على النار.

وأثناء عودتها تذكرت مبتغاها، وما حدث أمس مع أحلام واقتراحها الذي فكرت فيه كثيرًا حتى وجدته في صالحها، رأتها فرصة للتحدث عن الأمر فذهب النوم من عينيها رغمًا عنها. متيقنة أن والدتها لن ترفض؛ فهي تريد السعادة لزواج أيهم اليوم قبل الغد.. تبسمت بلؤمٍ ذاهبة إلى الحمام، تغسل وجهها بالماء الفاتر، حتى تفيق أكثر وتنظف أسنانها. وبعد انتهاءها خرجت بحماسٍ مفرط، متقدمة على والدتها تخبرها بمرحٍ:

- مش أنا مجاليش نوم.

كانت نعمة قرب الثلاجة تضع داخلها الدجاجة بعد انتهاءها، فأخبرتها بتهكمٍ:

- وده من إيه إن شاء الله؟

أخرجت الكرسي الخشبي من الطاولة المتواجدة جهة اليمين من المطبخ ثم جلست عليه براحة، تخبرها ببراءةٍ غير معهودة:

- قولت أجي أقعد معاكِ شوية يا والدتي، أونسك حرام!

نظرت إليها باستخفاف، فمتى فعلت ذلك دون غرض! وعادت بعينيها تخرج الطماطم لصنع الصلصة للخضار. وقالت بنبرة جافة:

- هاتِ اللي عندك يا لمى.

وقد تفهمت قصدها سريعًا لكنها أخبرتها بجهلٍ مقصود، وهي تشير على ما رأته فوق الطاولة:

- قصدك السكينة!

اقتربت "نعمة" منها تضع حبات الطماطم أمامها، ورتبت على كتقيها تحادثها بشبه أمر:

- آه يا حبيبتي، خديها وأعملي الطماطم.

وجلست على المقعد براحةٍ، وأردت تعذيبها أكثر لتلاعبها معها، فأردفت بنبرة ماكرة وهي ترفع قدمها اليمنى على ركبتها تدلك الكف برفقٍ:

- فيكِ الخير يا لمى مكنتش قادرة أكمل. وهاتيلي يا بنتي الكرسي بتاعك هنا قدامي أحط عليه رجلي؛ أصلها قايدة عليا نار من الواقفة.

تبسمت "لمى" بتوترٍ شاعرة أن فعلتها لم تكن في صالحها بتاتًا، لم تتخيل المساعدة بصنع شيء، فلو علمت لأجلت الحديث بعد إتمام الطعام، وأكملت النوم براحةٍ. ولكونها تريد تليين والدتها، وعدم إحداث خلافٍ قبل بداية الحوار بينهم، رضيت بالأمر الواقع إرغامًا. لذلك أخبرتها بحماسٍ كاذب، وهي تشارف على الإقتراب من الحوض بعد أن أعطتها الكرسي:

- حاضر ده أسهل حاجة في الدنيا، عيب عليكِ يا ماما.

وهمست بسخرية، وهي ترفع قدميها على الكرسي:

- أنتِ هتقوليلي.

بدأت "لمى" تغسلها بكسلٍ ظاهر، وحين انتهت بدأت تقطعهم بأخذ واحدة... بواحدة، تقطعها إلى نصفين غير متساويين. الأكثر الذي حمل العنق الأخضر ألقته في القمامة بضيقٍ فلا تحبذ رؤيته، والأخر الذي بدى أحمر زاهيًا وضعته في طبقٍ وقد أحبت منظره. تأففت بضيقٍ متى تنهتي!

ولم تكمل عشرة دقائق على وقوفها إلا وسمعت صياح والدتها، التي نظرت إليها صدفةً ودُهشت من فعلتها! 

- بهدلتي الطماطم يا لمى، ابعدي... ابعدي...

فتوقفت عن التقطيع باضطرابٍ وتنحت جانبًا، بعد إبعاد "نعمة" لها التي أكملت في تعنيف::

- ولا كأن عندك عشر سنين، مش عارفة تقطعيها!!!

تسائلت "لمى" باستغرابٍ؛ فقد كانت تقوم بالأمر على أكمل وجه!:

- في إيه يا ماما... منا بقطعها، هو حصل إيه!

نظرت "نعمة" بحسرةٍ إلى الطماطم التي ذهب نصفها داخل كيس القمامة هدرًا من ابنتها، وهي تقول:

- لأ ولا أي حاجة خالص، نصها اتشال بس. كيلو الطماطم ب تلاتين جنية والهانم ولا على بالها!

ضيقت ما بين حاجبيها بتعجبٍ تام، وحادثتها بتبرير وهي تُشير عليها باشمئزاز:

- البتاع الأخضر ده هاكله إزاي، لازم يتشال.

رمقتها بامتعاض، فما فعلته ما هو إلا عدم مسؤولية :

- في كذا طريقة لتقطيعها، يا ستي مش عارفة اسأليني! العيب عليا... أنا اللي نسيت إزاي بنتي شاطرة في المطبخ.

وأخذت السكينة من يدها بغضب مكبوت، تكمل ما تبقى بغرس السكين داخل العنق، وتدويرها حوله إلى أن انتزعته دون إتلاف شيء.

فظلت "لمى" تناظرها باهتمام، ولولا أنها لديها غرضٍ لغادرت. وحينما علمت الطريقة هتفت بهدوء محاولة تلطيف الأجواء:

- خلاص عرفت الطريقة خليني هكمل.

لم يهدأ روع "نعمة" بل أنها استشاطت، فرفعت إبهامها في وجهها بحدةٍ، وزجرتها بقولها:

- لمى قولي عاوزة إيه... بدل ما أحلف ما أسمعك أبدًا!

أخبرتها باستسلامٍ، وهي تغادر من المطبخ قاصدة غرفة الجلوس:

- خلاص تعالي نتكلم بره. موضوع أنتِ نفسك يحصل من زمان،  وتقريبًا قرب.

جلست على الأريكة تضع قدم على الأخرى تهزهم بعنف، الآن ترى أنه كان من الأفضل شرح الأمر منذ البداية، بدلًا من سلب الوقت فيما لا يفيد!، يا لها من حمقاء.

هزت رأسها رافضة الفكرة هي ليست بحمقاء! كل ما في الامر أنها تريد تمهيد الوضع وإرضاء والدتها تجاهها لبعض الوقت، حتى تستطيع السطرة على اقتراحها بعنايةٍ. وهذا لمصلحهتم جميعًا، وبالأخص ذاتها! ارتفعت بسمتها تدريجيًا واعتدلت من جلستها، بعد استماع خطوات قدوم والدتها، متيقنة أنها فهمت مقصدها كليًا. التي أتت والبسمة الحانية مرتسمة على شفتيها، متغافلة عما فعلته منذ قليل. وهي تتساءل بداخلها، هل هناك من تقدم لها، ثم رأته مناسب؟

هل ستتزوج؟ هذا ما تتمناه في الحياة أن تفرح بها، ويطمئن القلب عليها، الذي يظل طوال الوقت يتمنى الأفضل لأبنائه.

وعند جلوسها جوارها سألتها "لمى" بترقبٍ:

- فاكرة صحبتي أحلام؟

أكدت لها وهي تخبرها بسعادة:

- آه، جابت ليكِ عريس من طرفها.

نظرت لمى لوالدتها بشرٍ، يبدوا أنها فهمت الأمر بالطريقة الخاطئة، الطريقة التي تريد حدوثها في أقرب وقت! وهذا أمر لم يعجبها، أغمضت جفونها بضع ثوانٍ تحاول كبح عضبها، وفتحتهم مع رسمها بسمة متصنعة، وأخبرتها برفضٍ تام:

- لأ يا ماما عريس إيه بس، مش في بالي أبدًا

اختفت بسمة "نعمة" تدريجيًا، ورمقت ابنتها بضيقٍ؛ تراها تتلاعب بمشاعرها! وهتفت بانزعاج:

- آمال إيه اللي نفسي فيه غير كده في الدنيا دي.

رفعت حاجبيها بتلاعبٍ، وتحدثت:

- يمكن في لأيهم.

توسعت عيناها متفاجئة، وتساءلت بحماسٍ:

- بجد! عندها عروسة ليه؟

رسمت على وجهها ملامح الأسى ببراعةٍ، وتحدثت بنبرةٍ حزينة:

- هي نفسها يا ماما... أطلقت من جوزها ومتهنتش بالجواز خالص. كان جلدة معاها حرفيًا، والبت بقت متعقدة من الرجالة وشايفة كلهم نفس النسخة. وصعبانة عليا جدًا فأنا شايفة إن أيهم هيخليها تغير رأيها؛ لأنه أكيد مش هيستخسر فيها حاجة، فقولت أعرضها عليكِ تشوفيها وانتِ عارفة أحلام كويس، إيه رأيك..

أصابت كلماتها قلب والدتها بدقة، فحزنت "نعمة" من داخل أعماقها، متيقنة أنه كُسر قلب أحلام... التي لم تكمل عامٌ على زواجها! الأكيد أن ما عانته الفتاة ليس بالقليل، لكن الحزن شيء وولدها شيء آخر، فلا يوجد مقارنة؛ فلن تخاطر بولدها لأجل صديقة ابنتها! فإن اعجبته مسبقًا ما تركها تذهب من يده. فهتفت رافضة الفكرة:

- أنتِ عارفة أخوكِ كويس، لو كان بيفكر فيها كان اتجوزها وقت ما عرفها من الأول مكنش استنى لحظة واحدة، فلا يا لمى شيلي الموضوع من دماغك.

لم ترضى بالرفض، ولن ترضى سوى بالقبول، وإن كان إرغامًا. الأمر أصبح يشغل بالها، وإن لم تظفر بأحلام اليوم، ستأتي أخرى كما أخبرتها وتأسر قلب شقيقها، ولن تحب هذه الفكرة.

فتساءلت بهدوءٍ:

- يعني أحلام مش عجباكِ؟ ولا عشان أيهم مفكرش فيها قبل كده!

وأكملت بتبرير، وهي تضع يدها على ركبتها بحنو:

- غير هو مشفهاش غير مرات يتعدوا على الصوابع، يعني لو شافها دلوقتي مش هيفتكرها، دي بقت حاجة تانية خالص، أحلى بكتير.

غمرها الاقتناع لحظة، وقبل أن تتركه يتسلل داخلها ببراعةٍ، أرادت الاطمئنان عن شرع الله. فتسائلت بفضولٍ:

- أيوه بس انتِ بتقولي مطلقة! طب...

قاطعتها بحنق غير مبرر، تدافع عن الأخرى:

- ومالهم يا ماما المطلقات! عيب ولا حرام!!

بررت لها بقولها وهي تقول:

- ملهمش يا حبيبتي، كل ما في الأمر العدة بتاعتها خلصت ولا لسه؟

ابتلعت ريقها باضطراب، تغافلت عن هذا الأمر كليًا. فأجابتها كاذبة بيسمة متوترة:

- قربت تخلص، متقلقيش. هيكون الفترة دي بينهم تعارف بس وبعد ما تخلص يتجوزها.

نظرت لها بشك ولم تقتنع، فأخبرتها برفضٍ قاطع، ووقفت عازمة على العودة إلى المطبخ؛ لإكمال ما تركته:

- لأ. بعد عدتها يحلها ألف حلال، مش يمكن ترجع لجوزها!

اوقفتها لمى بسخرية:

- بقولك بقت متعقدة منه، هترجعله إزاي؟

ردت عليها بإيمان قلبٍ مؤمن بأوامر الله:

-  يمكن قلوبهم تحن لبعض، وممكن لأ. دي حدود ربنا، وواجب علينا نعملها. ربنا عز وجل قال: {...وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا...}.

وأشارت بكف يدها تمنعها من مقاطعتها، وأكملت بحدةٍ:

- خلاص!! الموضوع مينفعش لحد ما عدتها تخلص يا لمى، بطلي تجادلي في باطل.

وغادرت تاركة ابنتها وراءها، تسب فكرة أحلام وكلماتها، التي أصبحت تشعرها بتهديد قادم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع...

#عِشق_مُهدد

#إيمان_صلاح

عذرًا على التأخير.

رأيكم يهمني💙

توقعاتكم للقادم أحبائي في الله😍

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عشق مهدد

المؤلف ايمان صلاح
2025/11/03 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة