الفصل الأول

الفصل الأول

24 0

بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

________________________

■عِشق مُهدد■

"الفصل الأول"

في أحد الأحياء الراقية بمدينة نصر.

بمنزل هادئ، تجلس سيدة على الفراش تتسطح بتعب، وعينيها تغشى الدموع داخلها؛ تندب حظها على وصول ابنتها الثلاثون عامًا، وقد فاتها قطار الزواج، فمن سيرغب الزواج بثلاثينية؟؟

تركتها مثلما أرادت، حتى وصل بها الأمر إلى ذلك..

طرقات على غرفتها تبعها دخول ولدها إلى غرفتها، يلقي التحية والسلام قبل الذهاب إلى العمل كعادته، وجد الحزن مخيم على ملامح وجهها، اقترب منها يتساءل رغم معرفته ما بها:

- مالك يا أمي؟

هتفت والدته "نعمة" بحسرة:

- هيكون مالي يا أيهم، هو ورايا إيه غير موضوع أختك، أنا خايفة يا ابني أموت قبل ما أطمن عليها، أديك شايف أنا مبقدرش اتحرك كتير زي الأول، والعمر بيجري وهي لسه متجوزتش.. دي حتى عدت التلاتين سنة يا أيهم!! فضلت ترفض أي عريس يجي ليها، كتير اتقدم ليها والرفض ديمًا، ليه يا بنتي رفضتي؟ "أصل مش عاوزة استعجل، عاوزة أعيش حياتي براحتي، أحقق اللي نفسي فيه"، وفي الآخر لا حققت حاجة، ولا حتى اتجوزت، قاعدنا وخلاص.

صمتت لحظة تستعيد أنفاسها لتقدر على الاستمرار في الكلام  ثم انفجرت في الحديث:

- قالت عاوزة عربية، وجبنا العربية، خصصت حساب ليها في البنك بتحط ليها مبلغ كل شهر معرفش بتصرفه على إيه! حتى الفلوس بتضيع على الفاضي، أصلها معرفتش قيمتهم خالص، مشتغلتش ولا تعبت عشان تاخد بالها من اللي بتصرفه، أنت اللي بتتعب يا ابني والفلوس دي من تعبك أنت، وكفاية أوي عليك كده يا أيهم، هتفضل مستحمل لحد امتى؟

يستمع لما تقوله مرارًا وتكرارًا دون يمل، وكيف يمل وهي محبوبته الأولى! أمسك يديها بحنان يخبرها ببسمة:

- يا أمي هو أنا قلت زهقان لسمح الله! أنا عندي مين في الدنيا دي غيركم أنتو الاتنين، مهما تطلبوا مني هوافق، كفايا رضاكي عني يا أمي.

هيجي يوم وتلاقي نصيبها جاي، وهتوافق وقتها وهتفرحي متشليش الهم إنتي بس..

أنهى حديثه بتقبيل رأسها بحنان.

أخبرته بضيق وهي تعتدل من نومها حتى تسند على ظهر الفراش:

- طب سيبك منها دلوقتي.

لتكمل بعد أن أخذته في أحضانها بحنو:

- أنت يا أيهم، يا فرحتي الأولى، عاوزة أفرح بيك مش ناوي تفرحني؟

أجاب ببسمة:

- لسه ملقتش بنت الحلال.

ضيقت نعمة حاجبيها تتساءل بضيق:

- وهتلاقيها امتى! أنا تعبت من الانتظار.

رد أيهم بصدق وهو يبتعد عن أحضانها، يربت على خدها برفق:

- لما ربك يريد، النصيب هيجي. ووعد يا ست الحبايب أول لما أشوفها، مش هسيبها هفضل وراها وأعرف عنها كل حاجة، وهاجي أقولك على طول.

زمت شفتيها بعدم رضى، تجيب باعتراض:

- لأ تيجي تقولي وبعدين نعرف مع بعض، مينفعش تروح لوحدك.

قهقه بخفة، يهتف بصراحة:

- مينفعش؛ عشان ممكن مقدرش أوصل ليها تاني، هحتاج أعرف بيتها عشان أتقدم ليها. الأهم ادعي أعرف أنها هي اللي من نصيبي من أول مقابلة؛ لأن مضمنش أشوفها تاني أمتى، والصدف هتجمعنا وقتين، وامتى هعرف أنها هي، مش يمكن بعديها ب كام سنه!!

دعت الله أن يعجل اللقاء، هاتفة برجاء:

- روح يا أيهم يا ابني يارب تقع في طريقك النهاردة قبل بكرا، يارب.

ليردد بتمني:

- يارب.

رتبت على صدره برفق، تهتف بحنان:

- يلاه يا حبيبي، قوم روح شغلك ربنا يوفقك يارب.

غادر مع بسمة على شفتيهم وداخلهم يرددون ذات الدعوة ألا وهي الزوجة؟؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما في بداية الحي الثامن.

تفعل الروتين اليومي من الأعمال المنزلية المحببة إلى قلبها، من تنظيف المنزل، وطهي الطعام. منذ صغرها وهي معتادة على ذلك، حتى أصبح عمرها خمس وعشرون عامًا، بخلاف شقيقتها التي تصغرها بعامين، تحب الخروج من المنزل كثيرًا؛ لذلك تستعين بها لجلب الأغراض من الخارج.

طرقات مزعجة تطرق على الباب، بالتأكيد شقيقتها ذهبت لإحضار بعض الطعام للإفطار، تأففت بضيق من تصرفاتها البلهاء، متى ستنضج؟

منذ لحظات كانت تفكر بها والآن أتت على ذكرها، يا ليتها ذكرت ما تتمناه في الحياة، هل كان سيأتي مثلها؟

- تعرفي لو كنت جبت في سيرة ربع جنية مخروم مكنش جه.

أخبرتها بذلك بعد أن دخلت، لتجلس الأخرى على المقعد المجاور للباب، تزيل الحذاء من قدميها، تضعه في الركن المخصص لوضعه. أجابت ببسمة ساخرة:

- عارفة، جيت ليكي أنا؛ أصلي أغلى منه.

أمسكت منها الأغراض؛ تبحث عما تعشقه بشدة، أخرجت بخار من أنفها كثور هائج، لا يرى من شدة انفعاله:

- فين اللانشون؟

تنهدت مجيبة بضيق:

- مش لقيت.

ابتسمت بخبث بعد تذكرها تواجد قطعة في الثلاجة:

- طيب مش مشكلة.

ثم ما لبثت أن ضيقت حاجبيها بضيق، وعقلها يضع أمام عينيها شيء تتمناه بشدة، ألا وهو اقتلاع شعرها من رأسها البُني، الذي تتفاخر بظهوره للجميع:

- فين مفتاحك يا زفتة؟

وضعت إصبع يديها في فمها تحاول التذكر أين وضعته، أو الأصح قولًا أين سقط منها؟

- مفتاحي.. مفتاحي.. مفتاحي.. ممم مش فاكرة.

كانت تدور حولها ببطء وبعد أن أنهت الحديث، ركضت مسرعة إلى غرفتها، تفر هاربة، مغلقة الباب ورأها في خوفٍ؛ فلن تتركها حتى تعثر عليه. ظلت تنظر في أرجاء الغرفة المبعثرة، عليها تنظيم الفوضى، ستجده بالتأكيد في أحد الأماكن.

تأففت بانزعاج، محركة شعرها بعشوائية، لمَّ لم تكن الكبرى حتى تضع القوانين بدلًا منها؟ أو لماذا لم تكن منظمة؟

انتفضت فزعًا بعد طرق شقيقتها باب غرفتها، تهتف من وراء الباب:

- اخلصي يا زفتة لاقي المفتاح عشان هروح أحط الأكل، قدامك عشر دقايق عشان لسه معملتش العصير.

هتفت بضجر:

- ياربي على الظالم والمفتري.

- بتقولي إيه؟؟

هتفت "نرمين" بذلك ببسمة، لترد "نورين" بطاعة لا تليق على حالها بتاتًا:

- بقول حاضر يا نرميين حاااضر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بغرفة مجاوره لهم، ذات أساس قديم مُذ السبعينات.

منذ استيقاظه وهو يقرأ في الجُرنان، يقرأ ما تقع عليه عيناه، تلك الصحف تشمل الكثير عما يحدث في البلد.

حتى أتت صغيرته (نورين) من الخارج، صاحبة البهجة العالية، الضحكة الصاخبة الرنانة، التي لا تكف عن الصياح مثل: الطفل الرضيع.

منذ خروجها من بطن والدتها- رحمها الله- وهي هكذا، كأنها عادة التصقت بها؟ ترك ما كان يفعله من يده، على المائدة الصغيرة جواره؛ لتذكره محبوبته الراحلة- زوجته- أخذت أكثر صفاتها، وجمال ملامحها، حتى أنه يناديها على اسمها (نور).  خرج من الغرفة بهدوء وتمهل فلم يعد في ريعان شبابه؛ حتى يركض ويمرح مثلهم، لكنه يرى نفسه بهم وكأنه من يفعل ذلك.

- جدو يلاه اقعود عشان ناكل.

هتفت نرمين بذلك، بعد انتهاءها من وضع الطعام على المائدة، جلس على المقدمة، منتظر مدللته الصغيرة..

لا تكف نزاعات بين شقيقتها، وهذا ما يجعله يبتسم دائمًا.

صراعهم يشتمل على المرح، تركض إحداهم وراء الأخرى، لتبتهج سعادة، وكأنها لم تفعل شيء، بل تمرح بالضرب!

أحيانًا أخرى يمتزج بالكذب، بقولها أنها حزنت مما فعلت لتصدق ما قالته مقتربة منها تعتذر، حتى تقول كنت أخدعكِ وتركض ضاحكة. حقًا لا يقدر العيش دونهم.

خرجت "نورين" من الغرفة، مضيقة عينيها بضيق، وبين يديها مفاتيحها الخاصة، تحركهم بقوة، مصدرة صوت صاخب مزعج. رتبت الغرفة حتى باتت نظيفة، ظلت تبحث في أرجاءها لم تجده، لتضع يديها داخل جيب بنطالها تزفر بضيق، حتى شعرت بوجوده داخل اليمين، شعرت بغضب عارم أهدرت وقتها بالبحث عنه وفي النهاية كان معها؟ وهذا فقط بسبب استهتارها، وقلة مراعتها في ترك الأشياء داخل أماكنها الخاصة، فلو خصصت لكل غرض مكان، لما عانت.. جلست على المقعد تتناول الطعام في صمت.

نظر "سليمان" إلى "نرمين" الجالسة على يمناه، باستغراب ما هذا الهدوء المخيف المطل عليها؟

حركت شفتيها تهمس ببسمة ارتفعت بضحكة رنانة، جعلت "نورين" تُلقي المِلعَقة بقوة على المائدة، وتهدر بها:

- والله يا نرمين لو مسكتيش، بصي معرفش هعمل إيه، أنا على أخري سيبيني في حالي.

لتردف الأخرى مستنكرة حديثها:

- الله وأنا مالي، حد قالك تبهدلي أوضتك بالطريقة دي؟ منتي لو منظمة كنتِ هترتاحي ومش هتتعبي نفسك.

هتفت نورين بضيق من تكرار ذلك، فهي لا تكف عن الإلحاح بلزوم ترتيب الغرفة:

- نفس أسطوانة كل شوية، ما خلاص هو مش ورانا غير الأوضة.. الأوضة!

تنهدت نرمين بيأس، تنظر إلى جدها تستغيث به:

- جدو اتكلم الله يخليك عشان أنا تعبت معاها.

هتفت نورين ببرود، داعية الله أن توافق، وتريح عنها هذا الهم:

- على فكرة ممكن تريحي نفسك وتعملي الأوضة بنفسك.

ضيقت عينيها بفهم من شقيقتها الخبيثة، تعلم أن طريقة حديثها مزيفة، لتجيب بخبث آخر:

- ههه قولي كده بقى، عمالة تلفي وتدوري عشان أرجع أروق ليكِ الأوضة زي زمان، مش كده؟

هزت نورين رأسها بتأكيد، ناظرة بترجي بعينيها العسلي الشبيهة للقطط. لتكمل نرمين بابتسامة، غارسة المِلعَقة داخل الطعام وتلتهمه بتلذذ:

- لأ احلمي يا حبيبتي بعيد، أنا مش مخلياكِ تعملي أي حاجة في البيت، غير أوضتك اللي حتى متبترة تعمليها.

زمت شفتيها بعدم رضى، تتمتم بضيق:

- كتر خيرك بصراحة مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.

أشارت بيديها تهتف بحذر:

- سمعاكِ بتقولي إيه على فكرة.

التزمت "نورين" الصمت التام أثناء تناول الطعام. بعد أن انتهت رفعت عيناها تنظر إلى شاشة الهاتف المضيئة بالمنبة! وقفت بعجلة من على المقعد، تهتف ببسمة:

- الحمد لله شبعت.

لتكمل بصياح تندفع إلى غرفة المعيشة:

-نرمين الفيلم جاي هدخل أسمعه، لما تخلصي اعملي فشااار.

هز سليمان رأسه بلا فائدة:

- مفيش فايدة فيها، هتفضل هبلة، الله يكون في عون اللي هيتجوزها.

ابتسمت نرمين له بهدوء، مكملة تناول الطعام بنهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما في إحدى العمارات السكنية المجاورة لهم، تجلس امرأة بعقدها الخمسون في شقتها على المقعد، ممسكة أحد هواتف التكنولوجيا الحديثة.

عقلها لا يسعها على فهم خواصه، بخلاف أفراد عصره. تتحدث مع ابنها المغترب، عن طريق الفيديو، ببرنامج الماسنجر.

من أفضال التكنولوجيا عليها، رؤيتها ولدها الغائب، ببلاد لا ينتمي إليها، ولا تستطيع الوصول إليه، عند حدوث أي مكروه له.

مرت سنوات على غيابه، وتواجده بالخارج؛ للعمل في إحدى الشركات، حتى أنها لم تره منذ ذهابه، إلا من الهاتف!

تتمنى أن تلمسه، تضمه داخل أحضانها، تستنشق رائحته، زكية أليس كذلك؟

نضج وصار ذو ملامح رجولية، جذابة، قوية، فاتنة. 

نظرت له بعشق، تتساءل متى يأتي؟ ويزيل ما يريده من عقله الصلب!

أخرجها صوته، يخبرها بضيق ونفاذ صبر قارب على الانفجار:

- يا أمي مش ناوية تدوري ليا على عروسة تاني! أنا زهقت، عاوز أنزل واتجوز واحدة من بلدي، تشيل اسمي، وأقدر أجيب منها أولاد براحتي، أنتِ عارفة كويس إني مش عاوز أخلف من دالين عشان أجنبية ومش من بلدي، وكان اتفقنا قبل الجواز إنها مش تحمل، مش لازم تعرفي العروسة إني متجوز؛ أصلها هتعرف من فين إني متجوزه قبلها؟ اللي قبليها عرفتيهم واترفضت، بلاش المرة دي كمان تعرفيهم.

تنهدت بحزن، وغم، كل حديثه عن الأمر ذاته، لا يكل ضيق!!

كيف تكذب على الفتاة التي وفي يومٍ قد تكون زوجته؟؟

لِمَ لا يصدق في قوله؛ كي يرزقه الله بزوجه ترعاه مثلما رعاها بعدم الكذب؟

العلاقة المبنية على الكذب غير دائمة، كيف تفهمه ذلك!!

رأى التردد المصاحب لوجهها، أكمل بلين؛ كي توافق:

- يا أمي مش نفسك تشوفي ابنك؟ ومتجوز من بنت بلده بدل بلد غيره؟ على فكرة أنتِ وحشتيني أوي، نفسي أشوفك، ألمسك، مش نفسك في كده؟؟ شوفي حد عشان أجي وتبقى الفرحة فرحتين، فرحة رجوعي، وجوازي كمان. مش عاوزة تشوفيني عريس ولابس البدلة السودا ولا إيه؟؟ أنا عارف إنك حاولتي تلاقي عروسة ليا وكلمتي كذا واحدة، بس كانو بيرفضو؛ لأنك صارحتيهم إني متجوز.

تنهد بحزن زائف مستردًا حديثه بتبرير:

- لو كنت اتجوزت قبل ما أسافر مكنتش قدرت أتكفل بمصارف الجواز وقتها، ولا حتى أخدها معايا، لكن دلوقتي أقدر؛ لإني معايا فلوس وأخدت الجنسية خلاص. وافقي يا أمي، عاوز ابن من صلبي، عاوز يكون ليكِ حفيد تلعبي معاه براحتك. طب عشان خاطره وافقي، لو مش عشاني عشانه هو طيب!!

يعلم أنها ستوافق بالتأكيد مشتاقه له!! ففي كل مكالمة، تخبره أنها مشتاقة له، ولقربه، يكفي بعاد عنها.

لم يرد استغلالها لكن ما سيقوله بنظره ما هو إلا رغبه، يريد تحقيقها، يكفي أنها توافق، وإن كانت الطريقة غير لائقة.

وكانت كلماته متقنة، أصابها بدقه فائقة، كصياد بارع في الصيد، يعلم أماكن ضعف فريسته، ومتى تسقط وتستسلم له، وكان الشوق لرؤيته موضوع إصابتها.

حدثت نفسها "ماذا أفعل يا الله؟ تعبت من إلحاحه.. هل أوافق وأتركه يسير بطريقه مثلما يريد؟ أم أرفض، فيمنعني من رؤيته؟ وأنا أتمنى أن ألقاه!! إن الأمر مرهق بشدة، لكني سأوافق، ليحدث ما يحدث هذه حياته وليست حياتي. فكل إنسان مسؤول عن نفسه"

تنهدت "ناهد" باستسلام هاتفة:

- خلاص يا يحيى أنت حر، دي حياتك مش حياتي، أعمل اللي أنت عاوزه. هشوف ليك كذا بنت وأنت اختار، شوف هتتكلم تقول ليها إيه، بس دي هتكون أخر مرة، خلي في بالك لو حد سألني أنا هقول الحقيقة؛ لإني مش مضطرة أكذب.

انشرح قلبه ببسمة صادقة، غافلًا عن كذبه الذي قد يأخذه إلى الهلاك.

كذبة... يتبعها كذبات... يبني حياته بهم!!

- تمام يا أمي، سلام مؤقت لحد ما تدوري نتكلم..

أغلق تاركًا إياها تندب حظها؛ على موافقتها ذهابه الغربة. فما نتج عن تواجده بالخارج، إلا تحويله شخص غريب غير الذي عرفته، وعلمته أمور دينه.

تغير، وصار التغير أسوء..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بأحد المطعام المتواجدة في مدينة نصر، تجلس في زاوية بعيدة عن الأشخاص، أمامها صديقتها التي لم تكف عن البكاء، والدموع تنساب من عينيها.

حادثتها في الرابعة عصرًا تخبرها أن زوجها طلقها.

مر نصف ساعة على هذا الحال، فلم تكف عن إخراج دموع زائفة بنظرها.

انتهى صبرها على الصمود، فإذا لم توقفها لن تتوقف وقد جذبت أنظار المتواجدين في المطعم.

هتفت بصياح، تخبط على المائدة بكف يديها بقوة، محدثه صوت حاد أثار فزع الآخرى:

- جرى إيه يا أحلام، ما خلاص يا ماما صدعتيني، عاوزة أعرف بس أنتِ بتعيطي ليه أصلا؟

التقطت "أحلام" منديل من العلبة تجفف الدموع من وجهها، تهتف بحزن:

- إزاي مش عاوزاني أعيط، أنا بقيت مُطلقة، اطلقت يا لمى أنتِ فاهمة يعني إيه طلاق؟

تراجعت لمى إلى الوراء، تسند ظهرها على المقعد، تبتسم بثقة كبيرة، مخرجة عبارات متيقنة من صدقها:

- مش عليا أنا الكلام ده، أنتِ بالذات أكتر واحدة فرحانة إنك اطلقتي منه، مش هننصب على بعض، ونقول إنك زعلانة وانقهرتي يا عيني.

توترت عيناها، تتحرك بكل الاتجاهات إلا عندها:

- قصدك إيه.

قهقهت لمى بخفة، تجيب:

- أنتِ عارفة قصدي كويس، بس شكلك حابة تسمعي، أنتِ مش كان عجبك إنه متحكم في المصاريف، انسان بيحافظ على ماله، كنتِ عاوزة واحد يديكِ فلوس من غير ما يسألك صرفتيهم في إيه ولا عملتي إيه. بخلاف "سعد" كان بيسأل وبيستفسر، وحماتك لوحدها حكاية.

هتفت بتهكم:

- وطلاما أنتِ عارفة كده، قاعدة بتسمعيني ليه.

اقتربت من المائدة، تستند بذراعها الأيمن، تضع كفها على ذقنها، تنظر لها باستخفاف:

- مستنياكِ تخلصي المسرحية البايخة دي.

ثم زمت شفتيها بعدم رضى:

- المرة الجاية بقى حاولي تخليها صادقة يا قلبي.

أنهت كلماتها بقهقهة خفيفة، بدلت حال الأخرى إلى الحنق. نظرت إليها بضيق خفي، وعينيها لم تتزحزح من عليها، كلماتها كانت حقيقة لكنها أحبت زوجها وكانت تتغاطى عن بعض أفعاله.

سرعان ما وجدتها تمسك حقيبتها تخرج هاتفها، اختلست النظر إليه لتجد أن خلفية الشاشة وضع عليها صورة شقيقها "أيهم" بلحظة هامت بملامحه، كتلة من الرجولة أمام عينيها، بل فريسة تستطيع من خلاله كسر "لمى".

ف أخبرتها بمكر وهي تناظر وجهها تتأكد من أثر كلماتها عليها:

- ما تظبطيلي مع أخوكِ أيهم.

تفاجأت "لمى" من كلمات "أحلام" التي أطلقتها على مسامعها، كصاروخ أفزعها بشدة، ماذا تقول تلك الحمقاء، عن أي تظبيط تتحدث؟

وضعت الهاتف على المائدة، تهتف بغضب:

- أنتِ اتجننتي يا أحلام، اظبطلك مع أخويا؟ ليه شايفة أخويا عيل من المراهقين بيجري ورا البنات؟

أجابت ببسمة، تصحح لها خطأ مفهومها:

- مقصدش يا حبيبتي، أقصد تظبيط يودي لجواز، مش وقت وخلاص.

وقفت "لمى" من مقعدها تقترب من الأخرى تهدر بها:

- نعم، تتجوزي أخويا؟

اقشعر بدنها خوفًا من مظهرها حاولت الثبات بقولها:

- آه على الأقل واحدة تعرفيها، مش واحدة غريبة هتيجي تاخده منك، وده لمصلحتك خلي بالك.

ردت لمى بتهكم:

- مصلحتي إزاي إن شاء الله.

وضعت قدمها اليمنى على الأخرى، مجيبة بهدوء:

- أنتِ عرفاني كويس، أنا مش عاوزة حب وبتاع، على قد ما عاوزة أنه يديني فلوس وبس، أصرف براحتي وأعمل كل اللي أنا عاوزاه، زيك كده. ومش تقلقي مش هفكر أخليه يحبني. بدل ما واحدة تانية يختارها هي من طريقته وتعجبه، ووقتها هينساكِ أصلا، هيفضل يعاملها ويحب فيها قدامك، ويقول جبت ليها وعملنا وي.. وي.. وأنتِ يا حبت عيني هتتركني على الرف.

سكنت الأذن عن سماع الأجواء المحيطة بها، وأصبح العقل مسيطر، يعيد الكلمات السامة التي أصابته بدقة.

حبيبة .. تأخذ شقيقها منها .. يفضلها عنها .. توترت كليًا، واهتزت عيناها قلقًا من حدوث ذلك. عادت تجلس على المقعد والقلق يتاكلها كليًا متسائلة بجهل:

- هو ممكن يعمل كده؟

أكدت قولها بلؤم:

- أكيد مش ممكن، خصوصًا إن والدتك عاوزاه يتجوز.

هزت لمى رأسها رافضة الفكرة، لن تستطيع أن تقارن بأخر،

مهما حدث هي تريده أن يظل يحبها وتكون أول شخص مفضل لديه، لا تأتي أخرى وتحتل تلك المكانة بلمح البصر، لن تقدر أن ترى ذلك، لتفعل ما تمليه عليها أحلام.

فتخبرها بتردد:

- طيب شوفي هتعوذي أعمل إيه.

ابتسمت "أحلام" بتشفي بعد تيقنها أن كلماتها أصابتها. لعبت على أعصابها ببراعة، تعلم بيقين أن أيهم هو الأساس لها، حتى أنها قد تصفها مهوسه به.

لم يخبرها أحد أن تقلل من شأنها، وتستخف دموعها، لم تكن تزيف أي دمعة؛ لأنها أحبت زوجها في الحقيقة لكنه قابل الحب بطلاق؟ ستندمهم جميعًا أشد الندم على تعذيبها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع...

رواية #عشق_مهدد

بقلم #إيمان_صلاح

رأيكم في البداية🙈

أتمنى تكون عجبتكم❤

يحيى إيه رأيكم في تصرفه صح ولا غلط؟

طب أيهم هل هيجي يوم ويزهق من أهله؟

لمى وثقة بكلام أحلام تجاه أخوها وسيطرة عليها الغيرة تفتكروا هيوصلوها لايه؟

تابعوني

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عشق مهدد

المؤلف ايمان صلاح
2025/11/03 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة