يقولون إن الصمت أحيانًا أصدق من الكلمات… لكنهم لا يعرفون أن الصمت أيضًا يمكن أن يقتل.
منذ ذلك اليوم، لم أسمع صوتي من جديد.
كل شيء من حولي بدا طبيعيًا، لكن داخلي كان فارغًا كقبرٍ قديمٍ نُسي اسمه.
البيت لم يتغيّر… الجدران نفسها، النوافذ، الأبواب، حتى رائحة الغبار التي تعلّق في الهواء.
لكنني كنتُ أعلم أن شيئًا ما اختلّ في داخله، في داخلي…
كنت أمشي بين الغرف كمن يسير في حلمٍ يعرف أنه لن يستيقظ منه.
في الغرفة الكبرى، المرآة ما زالت هناك.
نظرتُ فيها، فرأيت وجهي — على الأقل، ظننت أنه وجهي —
بشرتي أكثر شحوبًا، وعيناي أعمق مما كانتا.
كان هناك شيء جديد في النظرة، شيء بارد، مطمئن… لكنه ليس لي.
سمعتُ صوتًا خلفي، خفيفًا، كأن الهواء نفسه يتكلم:
> "هل اعتدتِ المكان؟"
تجمّدت.
لم يكن هناك أحد، لكنني شعرت بأنفاس تلامس عنقي.
"أنا فقط أردتُ أن أراكِ تعيشين، باني…"
تقدّمتُ خطوة نحو الزجاج. الانعكاس ابتسم.
ابتسامة أعرفها جيدًا.
ابتسامة ستيفاني.
لم أستطع التحرك.
كان كل شيء فيّ يرتجف، لكن ليس من الخوف… بل من الإدراك.
أدركتُ أن ما كنت أخشاه طوال الوقت قد حدث فعلًا.
أن الظل لم يعد خلفي، بل بداخلي.
صوتها عاد، هذه المرة واضحًا:
> "أنا لم أسرقك، باني… أنتِ التي دعوتِني.
حين نظرتِ في المرآة تلك الليلة، كنتِ تريدين أن تختفي، أن تتركي كل شيء… وأنا فقط فعلتُ ما تمنّيتِه."
حاولت أن أصرخ، لكن الصوت لم يخرج.
كل ما سمعته كان ضحكتها — لا، ضحكتي —
تتردد من الزجاج، ثم من الجدران، ثم من أعماقي.
أغمضتُ عينيّ، وعندما فتحتهما، كانت الغرفة خالية.
المرآة نظيفة، صافية، لكن فيها انعكاس غريب…
فتاة تشبهني تمامًا، تضع يدها على الزجاج، تنظر إليّ برجاءٍ صامت.
في البداية ظننت أنها أنا، لكن شيئًا في عينيها كان مختلفًا.
كان فيهما خوفٌ لم يعد لي.
مددتُ يدي نحوها، ولمستُ السطح البارد.
لحظة واحدة فقط، وبدأ الزجاج يتماوج، كأن الماء يبتلع الضوء.
همست الفتاة:
> "أعيديني… أرجوك، أريد أن أخرج."
ابتسمتُ.
> "لكنّك خرجتِ بالفعل، باني."
ثم انطفأ كل شيء.
---
مرت أيام… أو ربما أسابيع، لا أدري.
الناس يقولون إنني تغيّرت، إن صوتي أصبح أكثر هدوءًا، نظراتي أكثر ثباتًا.
الأم تقول إنها أخيرًا تشعر بأنني بخير.
الأب يبتسم لي كما لم يفعل من قبل.
حتى الغرفة التي كنت أخاف منها صارت مكاني المفضل.
لكن في بعض الليالي، عندما أكون وحدي، أسمع من خلف الجدار طرقًا خفيفًا،
كأن أحدهم يطلب الدخول.
أحيانًا أرى انعكاسًا غريبًا في الزجاج — فتاة تبكي بصمت،
تمسح دموعها وتهمس:
> "أنا هنا… لستِ أنتِ."
عندها أضحك بهدوء،
وأطفئ الأنوار،
وأقول لنفسي:
> "بل أنا من بقي، وأنا من أرى.
الظلّ لا يُكسر… إنه فقط ينتظر الدور ليحيا."
ثم أغمض عينيّ،
وفي الظلام، أسمع صدى خطواتها يبتعد…
أو ربما يقترب.