همس من الماضي...

همس من الماضي...

16 0

“ستيفاني؟! هذا ليس اسمي... بل كان اسمًا... من الماضي...”

كانت تلك آخر الكلمات التي خرجت من فمي قبل أن يختفي الظل تمامًا، تاركًا المرآة تلمع ببقايا ضوءٍ بارد.

سكنت الغرفة، وسكن معها كل شيء... حتى نفسي. شعرت بأن الهواء صار أثقل، وكأن الجدران تقترب منّي ببطءٍ مرعب.

هل فعلاً قال “ستيفاني”؟ لكن... من تكون؟ ولماذا بدا وكأنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي؟

جلست أرضًا، أضع يديّ على رأسي الذي يكاد ينفجر من الألم. صورٌ مبعثرة تتساقط في ذهني كقطع زجاج مكسور — فتاة صغيرة، ضحكة طفولية، يدان متشابكتان... ثم صرخة.

الصرخة كانت حقيقية، تخترق أذنيّ الآن كما لو أن مصدرها خلفي مباشرة.

التفتُّ بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد. فقط ظلال تتحرك بخفةٍ على الجدران، كأنها تتنفس. أغمضت عينيّ محاوِلةً طرد كل تلك الهلاوس، لكن الأصوات لم تتوقف. كانت تهمس باسمي... لا، بل باسمٍ آخر:

“ستيفاني...”

فتحتُ عينيّ، أبحث عن الصوت، لكن الغرفة تغيّرت. الجدران لم تعد سوداء كما كانت، بل صارت مغطاة بصورٍ باهتة، وجوه كثيرة... وجوه لأطفال، وامرأة تشبهني. اقتربت منها بخوفٍ شديد، أحدّق في الملامح التي صارت أكثر وضوحًا مع كل خطوة.

كانت تلك أنا... وأنا طفلة.

وفي الصورة التالية، فتاة تشبهني لكنها ليست أنا — نفس الوجه، نفس العينين، لكن بشيءٍ مختلف... أكثر ظلمة، أكثر حزنًا.

تحت الصورة كان مكتوب بخطٍ باهت:

“ستيفاني وباني، التوأمان المنفصلتان.”

تراجعتُ خطوتين للخلف، وكأن الأرض انكمشت تحت قدمي.

توأمان؟! أنا لم يكن لي توأم... أليس كذلك؟!

تسارعت أنفاسي، وشعرت بأن شيئًا يراقبني من خلف الصور. لم أكن أسمع سوى دقات قلبي التي تتسارع مع كل ثانية تمر.

ثم جاء ذلك الصوت مجددًا، أقرب هذه المرة، خلف أذني مباشرة:

“أخذتِ كل شيء... حتى اسمي.”

صرختُ وابتعدتُ للخلف، اصطدمت بالحائط، ويديّ تبحثان عن مخرج.

لكن الغرفة لم تعد غرفة، كانت تتغير أمام عينيّ، تتنفس وتتحرك كما لو كانت كائنًا حيًّا.

الأرض صارت زلقة، والجدران تتموج كسطح ماءٍ أسود، والمرآة التي كانت أمامي صارت فجوة مظلمة.

خرج من تلك الفجوة خيط من الدخان الأسود، يتلوى كأنه ينبض بالحياة، حتى بدأ يتشكل أمامي ببطء... هيئة فتاة.

وجهها شاحب، شعرها ينسدل مبللًا يغطي جزءًا من وجهها، وعيناها تلمعان ببريقٍ غامق كأنهما قطرتا حبر في ظلامٍ لا ينتهي.

عرفتُها فورًا، دون أن أقول شيئًا.

هي... “هي أنا.”

لكنها ليست أنا التي أمام المرآة سابقًا.

كانت هي... توأمي.

ابتسمت تلك النسخة الباهتة مني وقالت بصوتٍ خافتٍ متكسر:

“أخيرًا تتذكرينني... أختي.”

تجمدت مكاني، الكلمات تخرج متقطعة من فمي:

“مستحيل... أنتِ ميتة... لقد—”

قاطعتني بابتسامةٍ حزينة تحولت إلى ابتسامةٍ مجنونة:

“مِتُّ؟ لا يا باني... أنا لم أمت. أنتِ التي عشتِ مكاني. كنتِ السبب... أخذتِ حياتي، وتركتِني أختنق في الظل.”

ارتجفتُ، جسدي يرفض تصديق ما أسمعه. “أنا... لم أفعل شيئًا! كنت طفلة!”

اقتربت مني بخطواتٍ بطيئة، ومع كل خطوة كانت الغرفة تظلم أكثر، كأن وجودها يطفئ الضوء نفسه.

“كنتِ الطفلة المحظوظة... كنتِ باني الجميلة، المحبوبة... وأنا؟ أنا كنتُ الوجه الآخر، الوجه الذي لم يرد أحدٌ أن يراه. تركتِني أموت، والآن دوري لأعيش... من خلالك.”

مدت يدها نحوي، أصابعها باردة كالثلج. حاولتُ التراجع، لكن ظهري اصطدم بجدارٍ صار طريًا، كأنني أغوص فيه.

“اتركيني! أنتِ لستِ حقيقية!”

ضحكت بخفوتٍ قاسٍ وقالت:

“كل ما تخافين منه... هو الحقيقي.”

صارت يدها أقرب، حتى شعرت ببرودتها تسري في صدري، كأنها تسحب أنفاسي. حاولت الصراخ، لكن صوتي اختنق في حنجرتي.

وفي تلك اللحظة، تذكّرت شيئًا... صورةٌ قديمة، نار، صراخ، وطفلة تبكي بجانب السرير المحترق.

كانت تلك هي... ستيفاني.

كانت تناديني.

كنتُ قد وعدتُها... أن أعود.

ولم أعد.

فتحتُ عينيّ، والدموع تنهمر دون أن أشعر. لكن عندما نظرتُ أمامي، لم أجدها بعد الآن.

فقط المرآة... ووجهي الشاحب المنكسر.

لكنني سمعتُها — تلك الهمسة الأخيرة التي سبقت الصمت:

"لن أختفي بعد الآن... يا باني."

وانطفأ الضوء.ثم سمعتُ ضحكةً خفيفة.

ضحكتي… لكن ليست مني.

من بين الظلال خرجتْ هي، تشبهني تمامًا، ترتدي نفس ثيابي، حتى الجرح الصغير على حاجبي الأيسر كان لديها.

لكن عيناها مختلفتان… عينا موتى.

> "ألم تقولي إنكِ لا تخافين من شيء؟"

قالتها بصوتي، ثم اقتربت حتى كدت ألمس وجهها.

"الآن… حان دوري لأعيش. وأنتِ… ستظلين هنا، بين الظلال."

ابتسمت، ثم مدت يدها نحو قلبي.

شعرتُ ببرودةٍ غريبة تغمر جسدي، كأن حياتي تُسحب ببطءٍ شديد.

كنت أصرخ داخلي، لكن صوتي ما زال عالقًا هناك… داخلها.

آخر ما رأيته قبل أن تبتلعني الظلمة…

هو وجهي.

لكن لم يكن لي بعد الآن.

.

.

.

."إحسان خليلي"

."لا اسمح لاحد ان يسرق ما اكتبه"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هدف خاطئ

المؤلف ihssane🖋️
2025/11/10 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة