ذاكرة الرماد

ذاكرة الرماد

11 0

كان الظلام هذه المرة مختلفًا. لم يكن فراغًا، بل كتلةً ثقيلةً من الذكريات القديمة، تتدفق نحوي كدخانٍ رماديٍّ يتشكل على هيئة وجوهٍ مألوفةٍ ومشاهد من ماضٍ كنت أظنه اختفى.

كنت أسمع صوت أنفاسي بوضوح، كأنها ليست صادرة مني بل من أحدٍ خلفي، يكررها بعد كل زفرةٍ ببطءٍ متعمد.

حاولت أن أتحرك، لكن الأرض التي تحت قدمي لم تكن صلبة… بل كانت رمادًا. رمادًا دافئًا ينبعث منه بخارٌ خفيف، كأنني أقف على بقايا حريقٍ لم يُطفأ بعد.

كل شيء هنا يهمس باسمي — ليس باني، بل ذلك الاسم الذي لم أرد سماعه أبدًا:

"ستيفاني..."

تجمدت في مكاني. الصوت كان ناعمًا، لكنه يحمل ألمًا عميقًا كطعنةٍ في القلب.

رفعت رأسي ببطء لأرى أمامي شيئًا يشبه منزل طفولتي. جدرانه متفحمة، النوافذ مكسورة، والباب الأمامي نصف محترق.

لكن رغم الخراب، شعرتُ أنني أعرف كل زاوية فيه، كل قطعة خشب، كل ركنٍ كان يومًا شاهدًا على ضحكنا الطفولي.

خطوتُ نحوه دون وعي، بينما الرماد يتطاير من حولي كعاصفةٍ صامتة.

كلما اقتربت، بدأت أسمع أصواتًا صغيرة — ضحكات، ثم صراخًا، ثم بكاءً مكتومًا.

مددتُ يدي لأفتح الباب، لكن قبل أن ألمسه، انفتح ببطءٍ من تلقاء نفسه، وأصدر صريرًا طويلاً يشبه أنينًا بشريًا.

دخلت.

الداخل كان كما أتذكره… تقريبًا.

الممر الطويل، صور العائلة على الجدران، الرائحة المميزة للمكان — مزيج من الخشب والعطر القديم. لكن هناك شيء لم يكن طبيعيًا…

كانت كل الصور نفسها، إلا أن الوجوه فيها لم تكن ثابتة. تتغير كل بضع ثوانٍ.

وجهي يتحول إلى وجه آخر، ثم إلى وجه محترق، ثم إلى ظلٍ بلا ملامح.

وفي زاوية الصورة الأخيرة، كانت ستيفاني تنظر إليّ، تبتسم ابتسامةً باردة، وكأنها تنتظر أن ألتفت إليها.

سمعت صوت خطوات صغيرة تأتي من المطبخ. خطوات طفلة.

تقدمت بخطواتٍ مترددة، وكل جزء في جسدي يصرخ بي أن أتراجع، لكن شيئًا أقوى من خوفي كان يدفعني إلى الأمام.

وحين وصلتُ إلى باب المطبخ، رأيتها.

فتاة صغيرة تجلس على الأرض، تلعب بدميتين.

واحدة تشبهني تمامًا، والأخرى نصفها محترق.

كانت تحركهما كأنهما تتحدثان معًا.

اقتربتُ أكثر، فسمعتها تقول بصوتٍ بريءٍ يشبه صوتي حين كنت طفلة:

> "أمي قالت إنكِ مريضة، ستيفاني... لكني لن أتركك. وعد مني."

تجمد الدم في عروقي.

كانت تلك أنا… وكنت أرى نفسي من الخارج.

كانت ستيفاني تجلس مقابلي، تبتسم بخجل، وتمد يدها لتصافحني. لكن حين لمست يدها، اشتعل المكان فجأة.

النار اندلعت من كل زاوية، وبدأ الدخان يملأ المكان، والطفلتان تصرخان، وأنا عاجزة عن الحركة.

صوت امرأةٍ يرتفع من بين اللهب، صوت أمي… وهي تصرخ:

> "أنقذوا باني! بسرعة!"

رأيت أبي يركض نحوي، يحملني بين ذراعيه، بينما كانت ستيفاني تُترك خلفنا، تصرخ وهي تمد يدها نحوي، عيناها تشتعلان بالدموع والنار.

> "باني! لا تتركيني!"

تلاشى المشهد فجأة، ووجدت نفسي راكعة على الأرض الرمادية، ألهث بشدة.

عينيّ دامعتان، صدري يضيق.

الرماد تحوّل إلى سائلٍ أسود يلتف حولي ببطء، كأنه يريد أن يبتلعني.

وفجأة سمعت صوتها — أقرب من أي وقتٍ مضى.

> "لقد وعدتِ… لكنك كذبتِ."

رفعت رأسي، فرأيتها.

كانت ستيفاني تقف أمامي، وجهها نصف محترق، لكن عينيها باردتان كالجليد.

تقدمت نحوي بخطواتٍ هادئة، والنار القديمة تشتعل في عينيها من جديد.

> "هل رأيتِ؟ لم يختاروني لأني خطر… بل لأني لم أكن مثلهم. كنتُ أرى ما لا يرونه. كنتُ أسمع أصواتهم في الظل، هم الذين يسكنون خلف المرايا. وبدلاً من إنقاذي… حبسوني داخلك."

حاولت أن أتكلم، لكن لساني لم يتحرك.

كانت الكلمات تتبخر قبل أن تخرج، كأنها تخاف أن تسمعها.

> "عائلتنا لم تقتلني فقط، باني... بل جعلت مني انعكاسك. سجينةً في ظلك، في خوفك، في نظراتك الفارغة. كلما نظرتِ في المرآة، كنتُ هناك... أراقبك."

دموعي انهمرت بلا وعي.

"أنا... أنا لم أكن أعرف، أقسم أني لم—"

قاطعتني بابتسامةٍ حزينة، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

> "كفى وعودًا... أختي. لا أريد سماع الأكاذيب بعد الآن."

تقدمت أكثر، حتى صار وجهها أمام وجهي مباشرة.

استطعت أن أرى نفسي في عينيها — لكن لم أكن أنا.

كان انعكاسي مظلمًا، غارقًا في الرماد.

مدت يدها إلى وجهي، ولمست خدي بأطراف أصابعها المحترقة.

> "لا تخافي، لن أؤذيك بعد الآن. فقط... أريد أن أذكّرك بما فعلوا."

وفجأة، عاد الضوء للحظةٍ قصيرة، رأيت فيها كل شيء:

والداي يهمسان بخوف، أصوات رجالٍ يجرّون فتاة تصرخ، والمرآة تُغلق كقبرٍ زجاجيٍّ على وجهها.

ثم الظلام.

وصوتها الأخير:

> "ستعيشين حياتي، وسأعيش ظلكِ."

تراجعتُ إلى الخلف، والرماد بدأ يتحول إلى يدين تمسكني من ساقي، تجذبني إلى الأسفل ببطءٍ مؤلم.

صرخت، لكن لم يسمعني أحد.

وقبل أن أغرق تمامًا، همست ستيفاني في أذني:

> "القصة لم تنتهِ بعد، باني... إنها فقط بدأت."

ثم ابتسمت.

واختفى كل شيء.

وجدت نفسي في نفس الغرفة التي بدأتُ فيها، الجدران سوداء، المرآة أمامي، والانعكاس هذه المرة… يبتسم.

لم أكن أنا.

.

.

.

.-إحسان

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هدف خاطئ

المؤلف ihssane🖋️
2025/11/10 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة