أين أنا.. ؟

أين أنا.. ؟

23 0

فتحتُ عينيّ ببطء، مستيقظةً من نومةٍ لا معنى لها، لا أشبه النوم الحقيقي الذي يبعث في النفس راحة، بل كانت لحظةً غريبةً تتداخل فيها الأحاسيس، كأنني انبعثت من عالم آخر. وجدت نفسي في غرفةٍ مظلمةٍ، لا نور يخترقها، مجرد فراغٍ باردٍ محاطٍ بجدرانٍ سوداء حالكة. صمت رهيب يلف المكان، صمتٌ يقتل الأنفاس، كأن الجدران ابتلعت كل الأصوات من حولي، حتى أنفاسي التي تكاد تُسمع اختفت في هذا السواد العميق. لم أستطع تذكر كيف وصلتُ إلى هنا، ولا حتى لماذا وجدتُ نفسي في هذا المكان الغريب.

بدأت تتسرب إلى قلبي حيرة قاتلة، تلك الحيرة التي تحولت فجأة إلى رعب عميق ينساب في عروقي، حتى تجمد الدم في ركبتيّ من شدة الخوف. نظرتُ حولي يائسةً، أبحث في كل اتجاهٍ عن مخرجٍ يبعث بصيص أمل في روحي المتعبة، لكنني لم أجد سوى ظلامٍ قاسٍ يكاد يلتهمني كأنه يريد أن يبتلعني بالكامل. لم أعد قادرةً على تحريك ساقيّ، كأن شبحًا خفيًا قبض عليهما بإحكام، لم يعد لي أيّ سيطرةٍ عليهما. اتسعت عيناي بذهول، ومددتُ يديّ المرتجفتين أتحسس أيّ شيء، بابًا، مخرجًا، أو حتى رمق حياة، لكن لم يكن هناك سوى فراغٍ لا نهاية له، ظلامٌ ثاقب يبتلع النظر.

همستُ بصوتٍ مرتعش، تتردد بين أضلعي:

"هل من أحد هنا...؟"

لكن لم يأتِني أي جواب. استمررتُ في التلمس، رغم أن ركبتيّ قد انهكتهما التعب، حتى لمحت من بعيد، في أقصى زاوية الغرفة، ضوءًا خافتًا يتسلل من ثقبٍ صغير في السقف، يشير إلى مرآة صغيرة معلقة هناك. تقدمتُ نحوها، ووقفتُ أمامها أراقب امرأة لا تشبهني تمامًا، لكنها نسخةٌ مني... نسخةٌ كما أظن أنني عليها، أو ربما كما كنت أتمنى أن أكون.

همست شفتيّ المرتجفتين بسؤالٍ ملؤه الارتباك:

"ما... ما هذا؟"

فجأةً، جاءني الرد بصوت هادئ، لكنه ثقيل بالمعنى:

"أنا أنتِ."

تراجعت خطوةً إلى الوراء، وسرت في جسدي قشعريرة من قدميّ إلى رأسي. انعكاسي لم يتحرك، ظل واقفًا يحدق بي بعينين شاحبتين، خاليتين من الأمل، يحمل قلبًا مكسورًا، شغفًا مفقودًا، وخيانة ظاهرة على وجهه. حاولت أن أسألها مرة أخرى، أملاً في كلمة تشرح لي ما يحدث، لكنها بقيت صامتة، جامدة، كتمثالٍ من الظلال.

كانت صرخة مكتومة عالقة في حنجرتي، حاولت أن أهرب، لكن جسدي خانني. حاولت تحريك ركبتيّ، لكنهما رفضتا التعاون، وكأنهما ليسا لي.

تجمّدت في مكاني، متجمدةً بين الرهبة والغرابة، أتأمل تفاصيل انعكاسي الذي لا يكف عن ملاحقتي بنظراته الثاقبة. حاولت الصراخ، لكن صوتي محبوس في صدري. تكررت محاولات الهرب، كلها باءت بالفشل.

محاصرة بين الجدران السوداء، كان شبحي الآخر يحدق بي بعيونٍ لا رحمة فيها، كأنه ينتظر اللحظة المناسبة للهجوم. كان وجهه يحمل ابتسامةً كئيبةً مرسومةً بخبث. في تلك اللحظة، أدركت أن هذه الغرفة ليست مجرد مكانٍ عادي... بل هي بداية نهايتي.

لم أعد أهتم، كنت أترقب نهايتي منذ ولادتي، فقد زال كل دافع لي للبقاء. يومُ ولادتي كان موتي الحقيقي. حاولت أن أتذكر كيف وصلت إلى هنا، لكن ذاكرتي كانت ضبابية، تذوب مع كل محاولةٍ لفهم ما يحدث.

اندفعت في قلبي موجةٌ من الأسئلة التي تخنقني: من أنا؟ هل هذا حلمٌ أم كابوسٌ بلا نهاية؟ لماذا أنا هنا؟

كانت ذاكرتي تائهة، لم أعد أتحرك، فقط وقفت ساكنةً. شعرت أن جسدي لم يعد لي، حاولت المقاومة ولكن عبثًا، وعقلي يدوّي، لا أرى سوى ظلالٍ سوداء تتحرك حولي. بدأ الخوف يتلاشى، وأنا مدركةٌ أنه لا جدوى من المقاومة.

لكن فجأةً، انقلبت الأمور حينما شعرت بنفسٍ باردٍ كنسيم البحر في أعتى ليالي الشتاء، يتسلل ببطء على رقبتي. ولم ألبث أن تأملت المرآة، فلم يعد انعكاسي موجودًا، وكأني أصبحت غير مرئية. عاد ذلك الشعور المرعب بقوةٍ أكبر، دقات قلبي ازدادت، تنفسي صار متقطعًا، وغمرني الخوف.

فضولي لمعرفة مصدر هذا الشعور كان أعظم من خوفي. التفتُّ مذعورة، فلم أجد سوى ظلٍ أسود يراقبني من زاوية مقابلة.

همستُ بصوتٍ مبحوح:

"ما... ماذا؟ ألم يكن هنا قبل لحظة؟"

استدرت ببطء لأجد انعكاسي قد عاد، لكن هذه المرة ليست أنا... إنها هي.

ابتسامة غير بشرية ترتسم على وجهها، عيناها متسعتان بشكل مخيف، وبشرتها تبدو ذائبة. وضعت يدها على وجهها وهي تضحك ضحكة هستيرية، فمها يتسع حتى يصل إلى أذنيها، عيناها تتسعان، والبؤبؤ يضيق. غرست أظافرها الطويلة في جلدها وسحبت كأنها تخلع قناعًا.

ظهر ظل يشبهني تمامًا، لكن شيئًا بداخلي يقول لي إنه ليس أنا. تراجعت خطوةً واصطدمت بشيء ما، لم ألتفت من شدة خوفي، فقط تلمسته بيدي. كان شيئًا طويلاً، أنفاسه باردة، وجسده ساكن. كان هو الذي يظهر في المرآة، وكأني غير مرئية.

فجأةً، مرّ شيء بجانب أذني وقال:

"ضعي يدك عليه."

التفت بسرعة لأرى، لكنه اختفى تمامًا.

تقدمت بحذر نحو المرآة، وأنا أشاهد الظل يبتسم لي وهو يدير رأسه بطريقة غريبة.

وضعت يدي على المرآة، فغرست أصابعي في شيءٍ رطبٍ يشبه الرمال المبللة. سحبت يدي بسرعة، فسقطت على ظهري وأزحفت للخلف.

اتسعت ابتسامته وقال باستهزاء:

"التقينا أخيرًا يا ستيفاني..."

صُدمت، تلعثمت الكلمات في فمي، وقلت بصوتٍ متقطع:

"ستيفاني؟! هذا ليس اسمي... بل كان اسمًا... من الماضي."

ابتسامته اتسعت، وعيونه تلمعان بسخرية غامضة.

ثم اختفى الظل فجأة، تاركًا خلفه صدىً من الكلمات التي لم تُقال، وأسرارًا عميقة لا تزال تنتظر أن تُكشف.

إحسان خليلي🥀

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هدف خاطئ

المؤلف ihssane🖋️
2025/11/10 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة