فتحتُ عينيّ على عالمٍ آخر...
عالمٍ مختلفٍ تمامًا عن أي شيءٍ رأيته من قبل.
كان الظلام هنا أكثر عمقًا، أثقل، كأن له وزنًا يسحق صدري، وكل شيء يهمس بصوتٍ خفيٍّ لا يُسمع، لكنه يُشعر به داخل العظام.
الهواء خانق، مشبع برائحة الحديد الصدئ... رائحة الدم.
نهضتُ ببطء، أبحث بعيني عن ملامح المكان، حتى بدأت الرؤية تتضح تدريجيًا، لأكتشف أنني وسط غرفةٍ مظلمةٍ لا نافذة فيها، فقط جدران مائلة، وسقف منخفض كأنه يختنق معي.
لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة...
كان المشهد أمامي.
كانت الغرفة مليئة بالدم. نعم، دمٌ حقيقي يغطي الأرض والجدران، يتساقط من الأعلى كأن المطر قرر أن يهطل أحمر هذه المرة.
في كل زاوية، كانت هناك دمى… عشرات الدمى، مصطفّة على الرفوف وعلى الأرض، تنظر نحوي بعيونٍ زجاجيةٍ تلمع بخبثٍ غريب.
لكنّ شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي…
كل دمية كانت تشبهني.
نفس الملامح، نفس الشعر، نفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر.
لكن كل واحدة كانت مختلفة قليلاً — واحدة مبتسمة حتى الجنون، أخرى بلا عينين، وثالثة مقطوعة الرأس.
كانت تتحرك بخفةٍ، بلا صوت، كأنها تتنفس معي، تنتظر شيئًا مني.
وقعت عيناي على طاولةٍ خشبيةٍ في منتصف الغرفة، مغطاة بقماشٍ أسود، والدم يسيل من فوقها إلى الأرض.
اقتربتُ منها بخوفٍ شديد، قلبي يدق بعنفٍ حتى شعرت أنه سيخرج من صدري.
رفعتُ طرف القماش ببطء...
فتجمدتُ في مكاني.
كان رأسي هناك.
وجهي، بشرتي، عينيّ المفتوحتين تحدقان في الفراغ.
شعرتُ بأن الأرض تدور من حولي، وأن شيئًا داخلي انكسر بصمت. أردتُ أن أصرخ، لكن صوتي اختفى تمامًا.
وفجأةً بدأت الدمى من حولي تتحرك.
لم تكن خطواتها تُسمع، لكنها كانت تقترب، تتمايل ببطءٍ كمن يرقص على لحنٍ لا أسمعه.
ابتساماتها تتسع، وأفواهها تبدأ بالتقطّر دمًا.
إحداهنّ كانت تمسك خصلاتٍ من شعري، تداعبها كأنها كنز.
أخرى كانت تجرّ أصابعها على وجهي المقطوع، تضحك ضحكة مكتومة، ودماؤها تلطّخ الطاولة.
ثم — فجأة — بدأت أكبرهن حجمًا بالتحرك.
كانت أطول، وجهها أكثر واقعية من باقي الدمى، عينها اليسرى تنزف خيطًا رفيعًا من الدم.
اقتربت من الطاولة، وانحنت نحو رأسي…
ثم بدأت تلتهمه.
صوت تمزيق اللحم اختلط بضحكاتها الحادة.
كانت تمضغ بشراهةٍ، الدم يسيل من فمها كأنها تستمتع بكل لحظة، وأنا أتراجع للخلف، أصرخ بلا صوت، أبحث عن أي مخرج، لكن الجدران كانت أقرب من أي وقت.
وفجأة توقفت تلك الدمية عن الأكل، ورفعت رأسها نحوي.
كانت عيناها تلمعان بلونٍ رماديٍّ باهتٍ لا حياة فيه.
ابتسمت ببطءٍ شديد، وقالت بصوتٍ أعرفه جيدًا… صوتي.
> "مهلًا… ألن تسلمي عليّ يا باني؟"
ارتجف كياني كله.
ذلك الاسم... لم أسمعه منذ زمنٍ بعيد.
ذلك الاسم الذي كنت أحاول نسيانه، كأنه لعنة.
> "من... من أنتِ؟!"
قلت بصوتٍ متقطع، بالكاد يخرج من فمي.
ضحكت الدمية، ضحكة باردة كسكينٍ حادٍّ يشق الهواء.
وبينما تقترب خطوة بخطوة، تغيرت ملامحها أمامي.
وجهها الطفولي الزائف بدأ يذوب، الجلد يتقشر، العيون تنزلق في مكانها، حتى لم يبقَ سوى وجهها الحقيقي...
وجهي.
لكن ليس تمامًا.
نصف وجهها كان لي، والنصف الآخر كان مشوّهًا، محترقًا، أسود اللون.
ورغم ذلك... كانت تشبهني أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم.
> "أما زلتِ لا تتذكرينني؟"
قالتها بنبرةٍ خافتةٍ كأنها تنهيدة.
ثم أمالت رأسها، والابتسامة لم تفارق شفتيها.
"أنا... توأمك، يا باني."
تراجعت إلى الوراء، اصطدمت بالحائط البارد، وقلبي كاد يتوقف.
> "ستيفاني…؟"
لم أصدق ما أراه.
هي ميتة... كان يجب أن تكون ميتة منذ زمن بعيد.
اقتربت أكثر، عيناها تلمعان بلونٍ غامقٍ بين الأسود والأزرق.
> "ميتة؟ لا، باني... أنا لم أمت."
قالت بصوتٍ ينزف ألمًا وحقدًا في آنٍ واحد.
"أنتِ من أخذ حياتي. كنتِ السبب في كل هذا. كنتِ الوجه الذي أحبوه... وأنا الوجه الذي خبأوه."
كنت أرتجف، أريد أن أصرخ، أن أنكر، أن أهرب، لكن لساني لم يعد لي.
> "كنتِ الطفلة التي أنقذوها... وتركوني في النار."
تقدمت خطوة أخرى، وملامحها تتشوه أكثر مع كل كلمة.
"كنتِ السبب في موتي... والآن، سأستعيد ما سُلِب مني."
مدت يدها إلى صدري، أصابعها طويلة، باردة كالموت.
ضغطت على قلبي بقوة، شعرت أن أنفاسي تختفي، وأن عالمي كله يتلاشى في ضوءٍ رماديٍّ باهت.
> "لا تقلقي يا أختي... لن أؤذيك.
سأجعلكِ فقط... ترين ما فعلتِ."
ومع آخر كلمة، انفتح خلفها جدار الغرفة، كأنه فمٌ عملاق يبتلع النور.
من داخله، خرجت أصوات، صرخات طفلةٍ تحترق، تتوسل، تنادي باسمي:
> "باني... باني... لا تتركيني..."
كانت صرختها تخترق أذني، تخترق قلبي، تعيد كل شيءٍ إلى البداية.
ثم ساد الصمت.
سقطت على الأرض، والظلال تبتلعني من جديد، ببطءٍ، كأنها تعرف أن الوقت لم ينتهِ بعد.
وعندما نظرتُ للأعلى، رأيتُها تقف فوقي، تهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
> "لقد عادت اللعبة... يا باني."