انعكاس لا يرى

انعكاس لا يرى

13 0

استيقظتُ على صمتٍ يطرق رأسي كأنه مطر من رماد... لا صوت، لا نفس، لا زمن.

الضوء الذي كان يتسلّل من النافذة اختفى، ولم يبقَ سوى ظلال تتراقص على الجدران كأنها تنزف رمادًا أسود. حاولت أن أتحرك، لكن أطرافي بدت كأنها غُرست في الوهم.

لم أكن وحدي، كنت أعرف ذلك... رائحتها كانت هناك، خلفي، تلتف حول عنقي بهدوء يشبه همس الريح في قبرٍ قديم.

سمعتُ ضحكتها، تلك التي كانت تسبق العاصفة دائمًا.

قالت:

> "لماذا تخافين مني، باني؟ ألسنا انعكاسًا واحدًا؟"

حاولت أن أجيب، لكن الكلمات خرجت مشوّهة من فمي كأنها طين مبلّل بالدم.

> "أنتِ لستِ أنا... أنتِ شيء آخر... أنتِ ظلي فقط!"

ضحكت من جديد، ضحكة طويلة، تكسّر معها الضوء المتبقي على المرآة المقابلة لي.

اقتربتُ منها بخطوات مترددة، وفي اللحظة التي واجهتُ فيها انعكاسي، رأيت وجهين لا وجهًا واحدًا...

وجهي — ووجهها — متداخلان، متناقضان، وكأن الزجاج لم يعد قادرًا على الفصل بيننا.

كانت عيناها أكثر صفاء من عيني، لكن فيهما سواد لا يمكن وصفه،

سواد يشبه الحقيقة عندما تُقال متأخرة.

قالت:

> "هل تعرفين لماذا سجنوك في الظل؟ لأنهم رأوا فيكِ ما رأوه فيّ...

الرغبة في الحياة التي خافوا منها، فاختاروا أن يدفنونا معًا."

تراجعتُ خطوة إلى الوراء. الجدران تنفّست. الأرض اهتزت تحت قدميّ.

في تلك اللحظة، أدركت أن البيت نفسه لم يكن سوى انعكاس آخر…

أن كل زاوية منه كانت تشهد علينا، على ما فعلته بنا العائلة، على ما كنّا سنفعله نحن.

ثم امتدت يدها من داخل الزجاج.

لم أعد أرى الفاصل بيننا. كنت أنا وهي، وهي أنا.

كل الذكريات القديمة — صراخ، دموع، وجه الأم، صورة الأب وهو يغلق الباب — تهاوت داخلي كأوراق محترقة.

أردت أن أصرخ، لكن صوتي خرج من فمها، لا من فمي.

أمسكتُ يدها... أو ربما هي من أمسكت بي.

الشعور كان دافئًا وغريبًا، كأنني ألمس نفسي للمرة الأولى.

> "باني..."

"ستيفاني..."

الاسمان اندمجا حتى لم أعد أفرق بين الحروف.

في لحظة خاطفة، انطفأ الضوء تمامًا.

صوت الزجاج يتكسر، وصوت أنفاسي يختفي، ثم لا شيء… سوى صوتها يهمس داخلي:

> "الظل لا يعيش بدون الجسد... لكن الجسد لا يدوم بدون ظله."

أفقتُ وأنا ممددة على الأرض.

كل شيء من حولي متصدّع، لكن الغريب أن المرآة كانت خالية...

لم يظهر فيها وجهي.

رأيت الجدار، الغرفة، كل شيء… إلا أنا.

اقتربتُ أكثر، لم أجد سوى نقطة سوداء صغيرة في مكان رأسي،

تكبر ببطء، تبتلع الزجاج، تبتلع الغرفة...

تبتلعني.

حين فتحتُ عينيّ من جديد، كنتُ واقفة أمام المرآة من الجهة الأخرى.

نظرتُ إلى الخارج... كانت هناك فتاة تشبهني تمامًا، تلمس الزجاج من الجهة المقابلة.

همستُ لها كما كانت تفعل هي دائمًا:

> "لماذا تخافين مني، باني؟ ألسنا انعكاسًا واحدًا؟"

لكن هذه المرة، لم تجب.

كانت عيناها دامعتين، يائستين، تبحثان عن مخرج من الظل الذي صرتُ أنا أملكه.

ابتسمتُ.

ابتسامة خفيفة تشبه الحزن أكثر مما تشبه الفرح.

مددتُ يدي على الزجاج، ثم أغلقتُ عينيّ ببطء.

في الظلام، كان صوتها يتلاشى، ومعه آخر خيط من باني.

> "الانعكاس لا يُرى... لكنه هو من يرى كل شيء."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هدف خاطئ

المؤلف ihssane🖋️
2025/11/10 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة