( خالد) --- اسمي خالد مدرب جيش المنظمة رجل تونسي استلقيت في المسجد محررًا عقلي من الدنيا. لم أكن أعلم أن الاستلقاء في المسجد بعد الصلاة يحمل بين ثناياه الأمان والراحة. والأكثر جمالاً هو صوت علي الملائكي في الصلاة. لم أكن أعلم أن هذا الشاب يصلي بصوته العذب وخشوعه. إذا كنت أعلم هذا لما كنت فوتت صلاة إلا وأنا أصلي وراءه في جماعة. ثم انتقلت بتفكيري إلى ما فعلت أنا في دنياي. كنت من أكبر ضباط المنظمة الظالمة. لا أصدق عقلي أني كنت مغفلًا لأشارك في هذه الجريمة، حتى قاطع تفكيري صوت قراءة علي لسورة الفرقان: "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)" شعرت لوهلة بإحساس لم أشعر به في حياتي، إحساس لا أستطيع شرحه. ثم انتقلت بأفكاري إلى مدى رحمة الله بي وفضله. أتذكر عندما أتاني فضول لدخول القرية، وجدت فتاة تمسك البندقية بكل قوة. عرفت بعد ذلك أنها تدعى براء، والثلاثة رجال المسؤولون عن الحدود مقيدون. ترقبت لوهلة الناس هنا، فيبدو أنهم جميعهم غاضبون منهم حتى جاء صراخ امرأة عجوز وهي تنادي باسم ابنها: "حسن، لا، بني، لا يا براء." نظرت الفتاة إلى تلك العجوز ثم لاحظت ارتخاء يديها عن صمودها وقوتها. في البداية ترددت للحظات، ثم أسقطت البندقية: "لا أستطيع فعلها وقتل ابن السيدة ميرفت يا أستاذ موسى." ثم تقدم رجل يبدو أنه يبلغ الخمسين من عمره. عرفت أنه الأستاذ موسى الموجه إليه الحديث: "نحن ندين بالكثير للسيدة ميرفت. أطلقوا سراح الثلاثة." لكن فجأة أمسك أحدهم بالبندقية وعزم على إطلاق النار. قررت أن أتدخل أنا، ولكن ردة فعل براء كانت أسرع مني. أمسكت بالبندقية منه، وألفت يده خلف ظهره وأوقعته على الأرض. من يراها يظن أنها تدربت في معسكر جندي باحتراف. ثم صاح الشاب المقيد على الأرض: "إنه لا يعتبر ابنها. أي شخص من الخارج فهو خائن. أترحمونهم وهم لا يرحموننا؟ بأي عدل تتحدثون؟ يجب قتلهم." حتى صاح عليه السيد موسى قائلاً: "أنا الذي أدير هذه البلدة وليس لك شأن فيها. لا أحد له شأن. الحكم لن يؤذيك تحريره. إذا قتلته يمكن للمنظمة بسهولة أن يجدوا من يستطيع إدارة الحدود، ولكن من سيتأذى حقًا هي هذه الأم المسكينة. أطلقوا سراحهم." وبعد أن أطلق سراحهم، ركض طفل صغير باتجاه حسن. عانقه بقوة وهو يقول له: "كنت أعرف أن الله سينجيك بأي وسيلة." ولكن كان حسن شارد الذهن وينظر إلى الجميع كأنه يريد الإجابة عن سؤال: "ماذا يحدث هنا؟" وعند كشف أمري، قال علي إنني معهم حتى لا أُقتل، فهو بالكاد يعرفني ويعرف أنني لن أؤذيهم. ثم رحب أهل القرية بنا بابتسامة عالية، ثم ذهب الجميع للصلاة. تطوع علي ليصلي بهم، وها أنا الآن أجلس في المسجد في طمأنينة لم أشعر بها في حياتي.جلست أفكر في التحول الذي حدث في حياتي وفي حياة أهل البلدة. من كوني أحد ضباط المنظمة الظالمة ----------------------------------------------------------- ( ميرفت) أحاول منذ ليلة أمس التحدث مع حسن، لكنه لا يتذكرني. ولكن حدث شيء غريب؛ قال لي إنه يتذكر أن هناك فتاة تدعى براء، لكنه لا يتذكر من أين يعرفها. ثم أخذه آسر وذهبت معهما براء إلى مقبرة أبيه، فربما يتذكر شيئًا لأنه قال لي إنهما ذهبا إلى هناك ليلة أمس. مرَّت ست ساعات ولم يعودوا. سمعت صوت هدم في الخارج، فخرجت لأرى ما الذي يحدث. وجدت جميع أهل البلدة يقفون في الخارج بلا حول ولا قوة. تهدم المنظمة مبانينا لتقليل البلدة والاستفادة من المساحة. إنهم يقدمون الحدود ليحصرونا! وجدت علي يضع يده على رأسه بحزن. ربت الأستاذ خالد على كتف علي ومارك قائلاً: "أعلم أن المنظمة نبذتنا وعلينا ألا نتخطى الحدود، ولكن لا تيأسا." أعطى علي لخالد ابتسامة، ثم ترجم لمارك ما قاله خالد للتو. انتبه الجميع إلى صوت الهمهمات الذي زاد. التفت ثلاثتهم ليروا ما هذا!!! رأيت في الأفق مجموعة من الناس يسيرون باتجاهنا. كانوا مجموعة من جيوش خالد يحملون لافتات ويرددون شعارات تطالب بالعدالة. من بين الحشد، ظهر حسن وبراء وآسر. كان حسن يبدو عليه الإرهاق، لكنه كان مصممًا يبدو أنه قد عادت ذاكرته. قال حسن بصوت عالٍ: " هنقف مع بعض . مش هنسمح للمنظمة بأنهم يحصرونا او يهدموا البيوت ." بدأ الناس في البلدة يشعرون بالأمل مجددًا. بدأوا بتنظيم أنفسهم، رجالًا ونساءً وأطفالًا، كل منهم يساهم بما يستطيع. بعضهم بدأ في إعادة بناء ما هدمته المنظمة، والبعض الآخر في تنظيم مظاهرات سلمية عند الحدود. في تلك اللحظة، تقدمت براء إلى المنصة التي صنعها الأهالي من الخشب المكسور وقالت: "نحن هنا لنبني حياة جديدة، لن نتخلى عن بعضنا البعض. سنعيد بناء ما دمر، وسنحمي حدودنا بقلوبنا قبل أجسادنا." أحسست بأن البلدة بأكملها قد استيقظت على روح جديدة. الأطفال كانوا يلعبون بينما يعمل الكبار. كانت هناك روح تضامن لم أشهدها من قبل. وفي المساء، اجتمعنا جميعًا في المسجد، حيث قام علي بإمامة الصلاة، وصوته العذب يملأ المكان بالسكينة والإيمان. بعد الصلاة، جلسنا جميعًا نتحدث ونتبادل الأفكار حول كيفية التصدي للمنظمة. كانت الأفكار تتدفق، وكل شخص كان لديه دور يلعبه. شعرت بأن الأمل قد عاد، وأننا قادرون على مواجهة أي تحديات قد تأتي في طريقنا. وفي تلك الليلة، لم أستطع النوم. أدركت أن الإنسان يمكنه التغيير، وأن الإيمان بوحدة الجماعة يمكنه صنع المعجزات.
Doha mohamed