--- لم تلاحظ الأم أنه ابتعد عنها لهذه الدرجة. تركته فقط ليلعب مع كلبه، ولكن الكلب ابتعد عن الخط المسموح به، فذهب وراءه الطفل ليلحق به. وعندما لاحظت الأم، كان الأمر قد انتهى. وقع فؤادها عندما سمعت صوت الرصاصة، كأن الرصاصة اخترقتها هي. لم تشعر بجسدها إلا وهي تركض، تتمنى أن ما يدور في عقلها لم يحدث. تتمنى لو أعطت ابنها الصغير بعض الاهتمام في هذه اللحظة. لا تلوم إلا نفسها وتلعن هذا العالم القاسي الذي ألقى بابنها وبها في هذا المكان. --------------------------------------------- كان في حجرة تكاد تقع، يحمد الله أن هناك مكانًا للعلم حتى وإن كانت حجرة متهالكة. يتذكر عندما كانت المدارس مبنى كبيرًا يحتوي على العديد من الحجرات، يتذكر عندما كان يتناقش في التاريخ مع زملائه في المهنة، فتتحول مناقشة العلم إلى مصارعة حرة، وكان دائمًا من ينتصر ويخرج من حجرة الأستاذة منتصرًا. وها هو الآن يريد أن يعود خاسرًا، ولكن في طمأنينة الانتصار، ولكن ليس انتصار النفس هنا بل انتصارًا في وطنه. دخل التلاميذ واحدًا تلو الآخر، يلقون السلام على معلمهم، فرد السلام عليهم، ثم وقف سائلاً لتلاميذه الصغار: "ماذا تعرفون عن منظمة A.F.E.R؟" كان الطلاب يعرفونها حتماً، فمن لا يعرف المنظمة التي حطمت حياة كل إنسان على كوكب الأرض؟ لكن لم يتوقع المعلم أن يسيطر الصمت مع اختلاف التعابير، فمنهم من يحمل في تعابير وجهه الكره، والآخر الحزن. ففضل أن يتحدث المعلم بدلاً عنهم: "هذه المنظمة من أخطر المنظمات في العالم. في بداية العام 2014 انتشرت بطريقة غير عادية، كانت تحمل كل حقوق الإنسان من طعام وشراب ومأوى وعلم. كانت منظمة عالمية تضم كل البلاد حول العالم، وكان كل إنسان على الأرض يجب أن يعطي المنظمة بياناته. سنوات مرت حتى بدأت تسيطر على البلاد بدون أن يلاحظ أحد، تتحكم في تحركات الإنسان وهل يجب عليه أن يسافر أم يبقى. تنهد المعلم ثم أكمل: ولم يعترض أحد، فجميع الأراضي والشركات والمصانع أصبحت تحت شعارهم ولم يلاحظ أحد أننا تحت السيطرة. تجول المعلم في الحجرة وهو يكمل: وإن اعترض أحد، لا تسمع من الباقين سوى "كيف سنعيش إذا؟ إنهم من يعطوننا كل ما يحتاجه الإنسان للعيش." استمر الاحتلال غير المرئي سنوات، حتى ظهر في بداية هذه السنة 2024 رفض من بعض الناس من جميع دول العالم. هنا ازداد صوت المعلم قائلاً: "ظهرت الحروب والثورات، انقسم العالم إلى قسمين: قسم يعمل لصالح المنظمة وقسم يريد الحرية. كان للمنظمة رأي عبودي أكثر، فجمعت من يريد الحرية ووضعتهم في بلدة واحدة للتحكم فيهم. لا يخرج منها أحد، ومن يتعدى حدودها يُقتل. ترى في هذه البلدة جميع بلاد العالم، من العربي والأجنبي، لكن فقط من يريد الحرية. لحل هذه المشكلة، نحن جميعاً نتحدث اللغة العربية لاختلاف لهجات الوطن العربي، والأجانب جميعهم يتحدثون الإنجليزية حتى يتعلموا اللغة العربية." قاطع المعلم صوت الرصاص، توجه المعلم إلى نافذة الحجرة ليرى ما يحدث. وجد امرأة تجري، تتجه نحو الحدود وكأنها في سباق مع فهد... أجنت؟! ------------------------------------------------ كان يجلس في إحدى مباني القناصين، يترقب أي أحد يتعدى حدود البلدة. لا يهتم باللذين يجلسان وراءه ويتحدثان ولا يعملان حتى، ولكن كان يسمع ما يقولان بدون فهم، لأنهما يتحدثان بلغة أخرى غير لغته. فقرر أن يذهب إليهما ويطلب منهما أن يهتما قليلاً بعملهما. "ودلوقتي أنا قاعد جنبك وآخر حاجة سمعتها من أمي قلبي وربي غضبانين عليك يا ابني. بحاول أقنعها إني انضميت للمنظمة علشان أحميها وهي مش عايزة تفهم كدة يا علي." أظهر "علي" حزنه للمتحدث أمامه، لكن قبل أن يرد وجد ذلك الجندي الأجنبي يتجه إليهم، فقال "علي": "استنى يا حسن، ده مارك جاي علينا." ولكن توقف "مارك" فجأة عندما سمع صوت طفل من الأسفل يتحدث بصوت عالٍ: " أوسكار! أنتظر لا تذهب إلى هناك المكان خطير هنا أمسك "مارك" ببندقيته وذهب إلى النافذة ليصوبها. برقت عينا "علي" و"حسن" عندما سمعا صوت الطفل. هل حقاً سيقتل الطفل؟ ركض حسن وأمسك ببندقية مارك مانعاً له من فعلها. "Are you kidding me? You gonna kill a child?!" " هل تمزح معي ؟ ستقتل طفل؟! "Oh my God, you don't know our work or what ?I'm sorry to you." " يا إلهي ، أنت لا تعلم عملنا أم ماذا ؟أشعر بالأسف إتجاهك " كان يتصارعان على البندقية: الأول يريد أن يقتل الطفل، والثاني يحاول أن يمنعه حتى انطلقت رصاصة طائشة نحو الأسفل بغير قصد من "حسن". ابتسم "مارك" بانتصار. لم يشعر "حسن" بدمعته تسقط من عينيه مع أول صرخة للطفل. هل هو من فعلها حقاً؟ وازداد بكاؤه عندما سمع صرخة امرأة يبدو أنها من بعيد، لكن من قوة الصرخة وصلت حتى الحدود. لم يكن يريد النظر إلى الأسفل حتى عندما قال له صديقه أن ينظر، لكن سمع صوت عويل الطفل وهو يبكي. إنه حي! ولكن قلب الطفل هو الذي مات. كان بعمر الثامنة، يجلس على ركبتيه ويبكي بحرقة على كلبه الذي تلقى الرصاصة. كان يركض وراءه كل تلك المسافة لكي لا يحدث هذا، ولكن الآن حدث. فمن نحن لنمنع القدر؟ بتلقائية، ابتسم "حسن" بين دموعه. كان يشعر بالحزن تجاه الكلب، ولكن كان يحمد الله أنه ليس الطفل. يعيش طول عمره يحمل ذنب طفل بريء. وها هي أمه وصلت، التقطته وهي تبكي لتضمه إلى حضنها، تحمد الله أنه بخير. ولكن هو بخير جسداً، فقد تحطم روحه وفؤاده. فهذا الكلب تذكار من أبيه الشهيد. اقتربت من أذنيه وهي تقول: "لا تقلق، سأشتري لك كلباً جديداً يا بني." "ولكني أحب هذا الكلب. إنه غالٍ على قلبي يا أمي." كان يقولها ببكاء وهو يدفن رأسه في حضن أمه. نظرت أمه إلى المكان ثم أخذته إلى داخل البلدة. ---------------------------------------------------- استيقظت للتو. لا أعلم لماذا هناك حشد من الناس حول أمي. سمعت صوتها الذي كان يرافقه الألم وهي تناديني: "براء، تعالي." وعندما ذهبت إليها، لم أتوقع أن تضمّني إليها أنا وأخي الصغير "آسر". همست لنا وهي تبكي: "لا تبتعدوا عني، التفكير في بعدكم قتلني." ولكن ماذا حدث؟ لا أريد أن تحمل أمي حزناً، فإنها تحمل مشاكل صحية كثيرة وهذا سيزيد من حالتها سوءاً. وما خطب أخي هو الآخر؟ لماذا هو شارد، عيناه باهتتان ينظر إلى اللامكان؟ ماذا يحدث هنا أيها القوم؟ قاطع ضوضاء تفكيري صوت أخي أخيراً، ولكن ردّ فعله زاد من ضوضائي. صدم حضن أمي وهو يقول: "لماذا لم تأخذي جثته؟ لماذا تركته هناك؟!" جثة؟! أي جثة يتحدث عنها أخي؟ وحينها ازداد بكاء "آسر" كثيراً. كان الجميع على وجوههم الحزن لهذا الصغير. لكن أيتركني تفكيري بمفردي أم قلبي وأنا أرى أمي وأخي في هذه الحالة؟ ركض أخي نحو كوخنا ثم أقفل الباب بقوة. كانت أمي ستلحق به، لكن منعها أستاذ تاريخ البلدة، ثم توجه إلي وقال: "براء، أريدك في معروف. تعالي معي." استأذنت أمي للذهاب معه، وها هي وافقت. ---------------------------------------- أنا آسر، فتى سوري يعيش في بلدة عبودية تحت اسم حر. أنا وعائلتي كنا أربعة حتى أصبحنا ثلاثة بعد موت أبي شهيداً في آخر ثورة ضد المنظمة. كان يعمل بيطرياً، كان يربي في حب الحيوانات وأعطاني أوسكار لأربيه وأهتم به واستأمنني عليه. ازداد تعلقي بأوسكار بعد موت أبي، عندما كان الجميع مهتمين بالبكاء والحزن، كان هو بجانبي يهتم بي. كان يشعر أنني أموت من الحزن، لكنه فضل البقاء معي وأصبح ونساً لي في الحزن. وها هو الآن قد مات أيضاً بدون أن يودعني مثل أبي. ولكن لن أسكت. تسللت من خلف نافذة كوخنا، تشبثت في مكاني عندما سمعت انفجاراً قوياً من بعيد. الجميع ركضوا إلى هذا المكان، لكن كانت هذه فرصتي للهرب. --------------------------------------------------- تابع آسر خطواته بحذر، متسللاً عبر الأزقة المظلمة. كان يسمع أصوات الانفجارات من بعيد، وأصوات الصراخ والتوتر تعم المكان. عبر بين البيوت المتهالكة، محاولاً البقاء في الظلال حتى لا يراه أحد. كانت لديه خطة، ولكنها محفوفة بالمخاطر. وصل إلى نهاية الزقاق، حيث كانت توجد بوابة حديدية قديمة. كانت البوابة مغلقة، ولكن آسر كان يعرف كيف يفتحها. بحث عن الحجر الذي كان يخفي تحته المفتاح. وجد الحجر ورفع بهدوء، ثم أخذ المفتاح وفتح البوابة بحذر، حتى لا يحدث أي صوت يجذب الانتباه. دخل آسر من البوابة وأغلقها وراءه. كان المكان خالياً، وكأن الجميع كانوا منشغلين بالانفجار. أخذ نفساً عميقاً وبدأ بالجري نحو الهدف الذي خطط له. كان يعرف أن هذه هي فرصته الوحيدة للهرب. --- ------------------- --------------------------------------------------- في مبنى القناصين، كان علي وحسن لا يزالان في صدمة مما حدث. حسن كان يشعر بالذنب العميق لما حدث للطفل وكلبه. ولكن لم يكن لديهما وقت للحزن. سمعا صوت انفجار من داخل الحدود . نظر علي إلى الخارج وجدا حريق يقتل القرية كلها "لازم نعمل حاجة !" قال حسن ، وهو يتجه نحو الباب. لكن علي أمسك به ومنعه. " انت اتجننت مينفعش ندخل جوة الحدود ." "بس امي جوة لازم الحقها " قال حسن ، وهو يحاول تحرير نفسه من قبضة علي. ------------------------------------------------------ في مكان آخر، كانت براء تسير بجانب أستاذ التاريخ، الذي كان يقوده نحو مكان ما. لم تكن براء تعرف ما الذي يريده الأستاذ منها، لكنها كانت تشعر بأن الأمر خطير. "أستاذ، إلى أين نحن ذاهبون؟" سألت براء أخيراً. "يجب أن تعرفِ بعض الحقائق يا براء. هناك شيء مهم عليكِ معرفته عن المنظمة وعن وضعنا هنا." ------------------------------------------------------ استمر آسر في الركض، متجهاً نحو نقطة معينة في البلدة. كان يعرف أنه لا يمكنه العودة إلى حياته السابقة بعد ما حدث. كان عليه أن يهرب، أن يجد طريقة للخروج من هذا الجحيم. لكنه كان يعرف أيضاً أن هذا لن يكون سهلاً. وصل إلى مكان تجمع فيه مجموعة من الأشخاص. كانوا يخططون للهرب أيضاً، وكانوا يعرفون طريقة للخروج من البلدة. انضم آسر إليهم، متمنياً أن يكون هذا هو الطريق نحو الحرية. --- في النهاية، يبقى السؤال: من هما حسن وعلي؟ إلى أين سيهرب آسر وكيف؟ ما هي مهمة براء؟ ما الذي انفجر ومن المسبب بالانفجار؟ ما هي ردة فعل المنظمة بعد علمها بمحاولات الهروب؟ وهل ستزيد الاستعباد؟ لم تُلغَ العبودية أبداً، تمت توسعتها فقط لتشمل جميع الأعراق. (تشارلز بوكوفسكى) يتبع...
Doha mohamed