دخلت لورينا قاعة الطعام بخطوات واثقة. كانت القاعة فسيحة على شكل مستطيل، تصطف على جوانبها الخادمات برؤوس منحنية، أشبه بتماثيل بشرية تنتظر الأمر. في المنتصف، مائدة طويلة تتلألأ بالأطباق المذهّبة وما لذ وطاب من طعام، فيما يجلس دوق كريستن بثقله المعتاد على الكرسي الأوسط، وإلى يمينه كانت سايا، تنظر نحو الداخل بابتسامة مريبة، وخلفها خادمتاها اللتان لا تفارقانهما.
أشار الدوق إلى الكرسي الأيسر بجانبه، فتقدّمت لورينا وجلست كما لو أنها كانت تفعل ذلك منذ ولادتها. وضِع أمامها طبق يحتوي على قطعة لحم ضخمة غير مقطعة، تحيطها أدوات مائدة لا يستعملها إلا من تشرب دم النبلاء.
ابتسمت سايا ببراءة مصطنعة، ثم أشارت بلطافة خبيثة إلى شوكة وسكين لا علاقة لهما بلحم أمام لورينا. كان واضحًا أنها تحاول إذلالها.
ابتسمت لورينا داخليًا:
أوه، نفس المسرحية القديمة؟ كم هذا ممل... في حياتي السابقة كنت لأقع فيها، لكن الآن؟ الآن أنا المؤلفة، وهم مجرد شخصيات في فصلي.
رفعت يدها بهدوء، أمسكت بالأدوات الصحيحة، وبدأت بتقطيع اللحم برشاقة وهدوء متعمد، كأنها أميرة وُلدت في قصر.
تجمّدت سايا، واتسعت عينا الدوق، بينما بدت ماري في حالة من الذهول.
"من أين تعلّمتِ آداب النبلاء، يا لورينا؟" سأل الدوق بشك خافت، وهو الذي اختار يتيمة بلا ماضٍ.
نظرت إليه لورينا بعينين بريئتين، ثم طأطأت رأسها وكأنها تخجل:
«هل... هل فعلت شيئًا خاطئًا؟ كنت أعمل في مطعم راقٍ سابقًا، وكان الزبائن يأكلون هكذا... فظننتها الطريقة الصحيحة.»
تذكر الدوق تحقيقاته السابقة. أجل، لقد عملت في مطعم صغير. ابتسم وقد هدأت شكوكه.
"بل العكس... أداؤك ممتاز."
لكنه لم يعلم... أن محاولته السابقة لاختراق عقلها عبر سحر السيطرة قد فشلت فشلًا تامًا. قدرة لورينا كانت درعًا صامتًا، ولم يترك له مجالًا حتى ليشك في أنها خارج نطاق سلطته. في نظره، كل شيء يسير حسب خطته... وهو لا يدري أنه يراقب شبحًا خارج تحكمه.
وهنا استدارت لورينا نحو سايا، بعينين تلمعان بالخبث المحجوب خلف البراءة:
«غريب... ظننت أنني ارتكبت خطأ. أختي سايا أشارت إلى شوكة السلطة وسكين الخبز... أم أنها تشتّتت فقط؟»
نظر الدوق بسرعة نحو سايا، التي تجمّدت ملامحها.
«ربما ضغط القصر يشوّشك قليلاً، أليس كذلك يا سايا؟» أضافت لورينا بابتسامة تُقطّر سُمًّا مغلفًا بالسكر.
صوت الدوق علا بغضب:
"تصرفاتك مخزية يا سايا! دوقية كريستن، التي امتدت لآلاف السنين، لا تحتمل مثل هذه الجهالات."
سايا، التي اعتادت التلاعب بغيرها، لم تتوقّع أن تقع ضحية لعبة كانت تتقنها. نهضت من مكانها بغضب، صفعت المائدة بيديها، وغادرت القاعة وخادمتاها خلفها كظلّين مرتبكين.
بينما كانت العيون تتبع سايا، جلست ماري ساكنة، تراقب لورينا... من هذه الطفلة؟
في إمبراطورية "شيريا"، حيث القوى السحرية تتوزع بين الطبقات النبيلة، تسيطر أربع دوقيات عظيمة:
فاليدريك: سادة الظلام.
نوفاليس: أسياد الشفاء.
ألثيرا: محاربو الهالة.
كريستن: مختصو سحر السيطرة العقلية.
وفوقهم، العائلة الإمبراطورية التي توارثت قدرة الإبطال، والتي تجعل الجميع تحت سيطرتها... تقريبًا.
لكن، هناك شواذ لكل قاعدة... وأنا إحداهم.
قدرة لورينا النادرة تمنع أي محاولة للسيطرة على عقلها. ولهذا لم يستطع الدوق معرفة نواياها الحقيقية. لا يشك، لأنه لا يستطيع حتى الشك.
بعد العشاء، خرجت لورينا بهدوء، لتستوقفها خادمة من خادمات سايا.
"آنسة لورينا، سيدتي سايا متعبة وتحتاج لمساعدة... هل تسمحين بأخذ الآنسة ماري؟"
ابتسمت لورينا بلطف زائف:
«بالطبع، لكن... هل أختي بخير؟»
"لا تقلقي، ستصبح بخير."
رافقت ماري الخادمة على مضض، تاركة لورينا تعود لغرفتها بهدوء. وبعد وقت ليس بطويل، عادت ماري إلى الغرفة، نظراتها قلقة وصوتها خافت.
"سيدتي... لقد حدث تمامًا كما قلتِ... سايا طلبت مني أن أسممك."
ابتسمت لورينا بلا دهشة:
«وقلتِ لها إنك ستفعلين، أليس كذلك؟»
"أجل... قلتُ لها إنني سأنتظر الفرصة. كان معها فارس، لم يُبعد يده عن سيفه لحظة... لقد كانت ستقتلني فورًا إن رفضت."
اقتربت لورينا منها، وضعت يدها على كتفها برفق:
«لهذا السبب طلبت مساعدتك... ماري، إن بقيتِ معي، سأحميك وكل من تحبين.»
ركعت ماري، وقلبها يخفق بإخلاص جديد، وأدّت قسم الولاء.
ابتسمت لورينا ببرود المنتصر:
«سؤالك التالي سيكون... ماذا سنفعل الآن، أليس كذلك؟»
"أجل سيدتي... بشأن التسميم؟"
«سأستغل سُمّ سايا ضدها...»
"ستسمّمينها؟!"
ضحكت لورينا ضحكة قصيرة:
«لا يا عزيزتي... أنا من سيتسمم.»
---
🩸 يتبع...
هل بدأت الحرب الباردة بين لورينا وسايا؟
هل ستتمكن لورينا من النجاة من السم فعلاً؟
وهل ماري ستبقى مخلصة حتى النهاية؟
أخبِرونا في التعليقات، ما رأيكم بخطوة لورينا الجريئة؟ وماذا ستفعل سايا لاحقًا؟
ايليا