معترك الفتنة (العفة والثبات)
"وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"
بلغ يوسف عليه السلام أشده وآتاه الله حكمة وعِلماً، فصار شاباً يافعاً يجمع بين جمال الشكل وكمال الأخلاق والنقاء الرباني. وفي هذا القصر الفخم، وُضع يوسف في أعظم اختبار بشري للقلوب، حيث وقعت امرأة العزيز في حبه الشديد، ففقدت صوابها وحكمتها أمام فتنته، وسعت لإغوائه بكل الطرق الممكنة.
ذات يوم، استدرجته امرأة العزيز إلى غرفتها الخاصة، وغلقت الأبواب المحكمة مغلقة كل منافذ الهرب، وقالت بلهفة المفتون: "هيت لك". هنا تجلت عظمة النبوة وطهارة النفس؛ فلم يتردد يوسف لحظة واحدة، ولم تأخذه رغبة أو هوى، بل وقف شامخاً بعفته وإيمانه، وصدح بصوته المدافع عن طهارته: "معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون".
هرب يوسف نحو الباب الخارجي تتسابق خطاه مع الخطر، وتكدست خلفه الأبواب المغلقة، بينما سعت هي لتمسك بقميصه فبد من دبره. وعند الباب، ألفيا زوجها السيد العزيز واقفاً، فبادرت المرأة باتهام يوسف لتبرئة ساحتها قائلة: "ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أو عذاب أليم".
دافع يوسف عن نفسه بكل ثقة وبراءة قائلاً: "هي راودتني عن نفسي"، وشهد شاهد من أهلها بحكمة بالغة؛ إن كان قميصه قد قُدَّ من قُبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأى العزيز قميصه قُدَّ من دبر، عرف براءة الشاب الطاهر، وقال لامرأته: "إنكم كيدكن عظيم، يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبكِ إنكِ كنتِ من الخاطئين".
لكن الشائعات سرعان ما انتشرت في نسوة المدينة، فبلغ الأمر زليخا، فأجمعت على إظهار برهان براءتها أمام الجميع؛ فدعتهن وأحضرت لهن متكأ وأعطت كل واحدة منهن سكيناً، ثم أرسلت إليه قائلة: "اخرج عليهن". فلما رأينه وأبصرن جماله وبهائه، أذهلهنّ الأمر وقطعن أيديهنَّ من شدة الدهشة وقلن: "حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم". فقالت زليخا متحدية: "فذلكنَّ الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم".
أدرك يوسف عليه السلام أن الفتنة تحيط به من كل جانب، وأن كيد النسوة قد يعود به إلى الضعف إن لم يعتصم بالله حق الاعتصام، فتوجه إلى ربه بقلب منكسر ومخلص قائلاً: "رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين".
فاستجاب له ربه ودفع عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم. ومع ظهور البرهان وسطوع براءته، بدا للرأي العام في القصر أن سجنه لفترة مؤقتة قد يكون هو المخرج والستر الأمثل أمام ألسنة الناس وكيدهم، فاختاره يوسف عن قناعة ورضا ليبقى طاهراً نقياً في وجه العاصفة.