من البشارة

من البشارة

4 0

من البشارة إلى الجب

"إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ"

كان الليل في كنعان هادئاً، والكون ساجداً لرب العالمين، حين استيقظ الغلام يوسف من نومه وقلبه يرفرف بنور غريب. هرع إلى أبيه النبي الكريم يعقوب عليه السلام، وفي عينيه بريق الصدق والنقاء، ليقص عليه رؤيا عجيبة رآها في منامه؛ لقد رأى أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رأاهم له ساجدين.

نظر إليه يعقوب عليه السلام، وتأمل وجهه الوضاح، فعرف بفراسة النبوة وعلمها أن ابنه الصغير سيكون له شأن عظيم، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفاه ليحمل رسالة الأنبياء من قبله. وضع يعقوب يده الحانية على كتف يوسف، وقال له بصوت يملؤه الحب والحرص: "يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".

لكن أسرار البيوت لا تظل خفية طويلاً؛ فقد لاحظ الإخوة مدى تعلق أبيهم بيوسف ومحبته الخاصة له، فتحركت في نفوسهم ظلال الغيرة والحسد. واجتمع الإخوة يوماً يتدبرون أمرهم، فقال قائل منهم: "اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ". تصاعدت لغة المؤامرة، إلى أن استقر رأيهم على خطة يبعدونه بها تماماً عن طريق أبيهم دون قتله، فجاءوا إلى يعقوب يطلبون منه أن يرسل يوسف معهم ليرتع ويلعب ويتمتع بالطبيعة، وأظهروا له حرصهم الشديد عليه، قائلين: "أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".

أشفق يعقوب في البداية، وأبدى تخوفه القديم من أن يأكله الذئب وهم عنه غافلون، لكنهم ألحوا حتى وافق الأب المكلوم على إرساله. وما إن خرج الإفوة بيوسف إلى الصحراء الممتدة حتى بدت قسوة القلوب؛ فنزعوا عنه قميصه، واتفقوا على إلقائه في غيابة الجب (البئر المعتمة العميقة)، ليكون طعاماً لسيارة المارة.

أُلقي يوسف في قاع الجب الوحشي، وهو الغلام الصغير البريء، لكن الله سبحانه وتعالى لم يتركه وحيداً في ظلمات البئر وبرودتها. أوحى الله إليه، تثبيتاً لقلبه وبثاً للأمان في صدره: "وَلَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ".

وفي أثناء ذلك، جاءت قافلة مسافرة تريد مصر، فأرسلوا واردهم الذي أدلى دلوه في البئر ليمتلئ بالماء. فلما رأى الغلام متعلقاً بالحبل، هتف بصيحة الفرح: "يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ"، وأخفوه بضاعةً عندهم ليبيعوه في سوق مصر. هكذا خرج يوسف من قاع الجب ليُباع بثمن بخس، دراهم معدودات، مساوقاً لقدر الله الذي أعدّه ليكون على خزائن الأرض، وليبدأ فصلاً جديداً من أقدار العزة والتمكين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يَوٌسِفُ آلَصّدٍيَقُ.

المؤلف Just Jessie _72
2026/09/01 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة