وجدا أخيرًا محلًا صغيرًا للإلكترونيات في نهاية الشارع، دخلا واشتريا شاحنًا يناسب الهاتف، وطلب آدم من صاحب المحل أن يسمح له بشحنه لبضع دقائق مقابل بعض المال الإضافي. جلسا على كرسيين بلاستيكيين بجانب المنفذ الكهربائي، أعينهما لا تفارق شاشة الهاتف وهي تعرض بطء شحنه، وكأن كل دقيقة تمر أطول من الأخرى.
حين وصلت البطارية أخيرًا إلى نسبة كافية، شكر آدم صاحب المحل، وخرجا معًا يبحثان عن مكان هادئ بعيدًا عن الأعين ليفتحا الهاتف بأمان. وجدا زاوية معزولة خلف مبنى مهجور قليلًا، جلسا على الأرض جنبًا إلى جنب، وضغط آدم على زر التشغيل بيد ترتجف قليلًا من التوتر والترقب.
ظهرت على الشاشة رسالة واحدة فقط، فيديو مسجل، بعنوان بسيط: "شاهده حين تكون وحدك يا آدم."
نظر إلى يارا للحظة، وكأنه يستأذنها بصمت أن تبقى بجانبه رغم ما قالته الرسالة، فأومأت له بالبقاء دون تردد. ضغط على تشغيل الفيديو.
ظهر وجه لمى على الشاشة، شاحبًا، عيناها منتفختان وكأنها بكت طويلًا قبل التسجيل، لكنها كانت تحاول أن تبتسم من أجله.
"آدم، إذا كنت تشاهد هذا، فهذا يعني أنك بخير الآن، والحمد لله." توقفت للحظة، تمسح دمعة تحاول إخفاءها. "أمي... تراقب كل شيء، كل مكان، كل شخص قد تكون له علاقة بك. لا أعرف كيف تفعل ذلك بالضبط، لكنها لن تتوقف حتى تجدك. أريدك أن تكون حذرًا جدًا، أكثر مما تتخيل."
مسحت وجهها بسرعة، وحاولت أن تبدو أقوى مما هي عليه فعلًا.
"لكن لا تقلق عليّ، أنا بخير، حقًا. هي لا تستطيع أن تفعل بي شيئًا الآن، أنا أعرف ذلك، وأنت تعرفه أيضًا. همّي الوحيد هو أنت."
توقفت قليلًا، وكأنها تجمع شجاعتها لآخر جزء من الرسالة.
"هناك شيء يجب أن تعرفه. الأسبوع القادم، ستقيم أمي حفلًا كبيرًا في المنزل، حفل رسمي لشركة 'التطوير العقاري'، ستُدعى إليه كل الشخصيات المهمة في المدينة. طلبت مني أن أساعدها في التحضير، وأنا... أعتقد أن هذه قد تكون فرصتك يا آدم. لا أعرف بالضبط ماذا تخطط أن تفعل، لكن إن كنت تحتاج إلى الدخول إلى المنزل يومًا، أو إلى مكتب أبي القديم، فهذه ربما تكون الفرصة الوحيدة التي ستحصل عليها قريبًا. كوني بجانبك بقدر ما أستطيع في تلك الليلة."
انتهى الفيديو فجأة، والشاشة عادت سوداء. بقي آدم صامتًا لثوانٍ طويلة، عيناه مثبتتان على الشاشة المظلمة وكأنه يحاول أن يستحضر وجه أخته من جديد.
"مكتب أبي القديم..." همس لنفسه أكثر مما تحدث إلى يارا. "لا بد أن الأدلة على ما فعلته كريمة لا تزال هناك. مستندات طبية، فواتير أدوية، شيء ما. لم تجرؤ على التخلص من كل شيء، ليست وهي تحتاج أحيانًا إلى تلك المستندات نفسها لأغراضها الخاصة."
نظرت إليه يارا بقلق يتصاعد، تقرأ في عينيه فكرة تتشكل، فكرة تعرف مسبقًا أنها لن تعجبها.
"آدم... لا تقل لي إنك تفكر في الذهاب إلى ذلك الحفل."
لم يجب مباشرة، بل واصل التفكير بصوت مسموع.
"سيكون المنزل مليئًا بالناس، حراسة أمي ستكون مشغولة بالضيوف لا بمراقبتي أنا تحديدًا. قد تكون هذه الفرصة الوحيدة لأدخل، أصل إلى المكتب، وأخرج بدليل حقيقي قبل أن تصل إليّ."
"لا، آدم، هذا جنون تمامًا،" قاطعته يارا بحزم، صوتها يرتفع من فرط القلق. "ستدخل بيدك إلى عرين الأسد! إن رأتك ولو لثانية واحدة، فلن تفلت هذه المرة."
"أعرف المخاطرة،" أجابها بهدوء موجع، لكنه ثابت. "لكن ليس لديّ خيار آخر يا يارا. إن لم أثبت ما فعلته الآن، فستبقى حرة، وستستمر في مطاردتي إلى الأبد، وربما تؤذي لمى في النهاية مهما قالت إنها بخير. يجب أن أنهي هذا، مرة واحدة وإلى الأبد."
ساد صمت ثقيل بينهما، صمت يارا هذه المرة لم يكن غضبًا، بل عجزًا عن إيجاد حجة تقنعه بالعدول عن قراره.
بعد لحظات، رفع آدم رأسه فجأة وكأن فكرة جديدة خطرت له للتو.
"يارا، هل تعرفين شخصًا بارعًا في الحواسيب؟ شخصًا قادرًا على التعامل مع أنظمة مراقبة معقدة، ربما تعطيلها أو اختراقها؟ أنا بصراحة لا أفهم في هذا المجال شيئًا يُذكر."
ابتسمت يارا ابتسامة صغيرة واثقة، ورفعت حاجبها بمرح خفيف.
"أعرف، لكن في الحقيقة لسنا بحاجة لأحد آخر تحديدًا،" قالت بخفة. "أنا أدرس علوم الحاسوب يا آدم، هذا مجالي بالضبط، هه. كل ما نحتاجه فعليًا هو حاسوب جيد أستطيع العمل عليه، ووقت كافٍ لأدرس النظام. ولدي أيضًا صديق زميل في الجامعة، اسمه زياد، متخصص أكثر مني في هذا النوع تحديدًا من الاختراقات، قد نحتاج خبرته لبعض التفاصيل الدقيقة."
اتصلت به فورًا، لكن الهاتف رنّ طويلًا دون أي إجابة.
"لا يرد،" قالت وهي تنظر إلى الشاشة بانزعاج خفيف. "لكن لا بأس، أعرف مكان سكنه. يمكننا أن نذهب إليه مباشرة."
نظر إليها آدم بدهشة خفيفة، لم يتوقع منها أن توافق على اقتحام حياتها الشخصية إلى هذا الحد من أجله.
"أنتِ متأكدة؟ لا أريد أن أورّطكِ في هذا أكثر مما فعلت بالفعل."
"لقد تجاوزنا مرحلة (لا أريد أن أورّطكِ) منذ زمن يا آدم،" ابتسمت يارا ابتسامة متعبة لكنها حازمة. "هيا، ليس لدينا وقت نضيعه."
مشيا معًا باتجاه الحي الجامعي حيث يسكن زياد، يارا تقود الطريق بثقة من اعتادت المكان، وآدم يتفحص محيطهما بلا توقف من فرط الحذر الذي أصبح جزءًا من طبيعته الآن.
لم يلحظا الرجلين اللذين بدآ يتبعانهما من بعيد منذ خروجهما من الحي القريب من محل الإلكترونيات، خطواتهما محسوبة، متباعدة بما يكفي ليبدوا وكأنهما مجرد عابري سبيل، لكن أعينهما لم تفارق ظهري آدم ويارا للحظة واحدة.
عند اقترابهما من مبنى سكن زياد، شعر آدم فجأة بشيء غير مطمئن، إحساس غريزي جعله يبطئ خطواته وينظر إلى الخلف.
"يارا،" همس بصوت منخفض جدًا. "لا تستديري بسرعة، لكن أظن أن هناك من يتبعنا."
اتسعت عينا يارا فزعًا مكتومًا، وحاولت أن تتصرف بطبيعية رغم ذلك.
"منذ متى؟"
"لا أعرف بالضبط، لكن شعرت به منذ قليل." أمسك بيدها بإحكام أكثر. "حين أقول لكِ اركضي، اركضي نحو المبنى مباشرة، لا تنظري خلفكِ."
لم تكد الكلمة الأخيرة تخرج من فمه حتى انطلق الرجلان نحوهما بسرعة مفاجئة، أي محاولة للتمويه قد تخلوا عنها تمامًا الآن.
"اركضي!" صرخ آدم.
اندفعا معًا نحو مدخل المبنى، لكن أحد الرجلين كان أسرع مما توقعا، اعترض طريق آدم فجأة ووجّه له لكمة قوية في وجهه جعلته يترنح للخلف. صرخت يارا باسمه، لكن الرجل الثاني كان قد اقترب منها هي أيضًا، يداه ممدودتان نحوها بلا رحمة.
استدارت يارا بسرعة، واستحضرت كل ما تدربت عليه من سنوات دون تفكير، فوجّهت ركلة حادة مباشرة إلى صدره أفقدته توازنه للحظة، لكنه كان أضخم بكثير من سامر، وأكثر خبرة على ما يبدو، فاستعاد توازنه بسرعة وأمسك بمعصمها بقوة مؤلمة.
في الوقت نفسه، كان آدم قد نهض من صدمة اللكمة الأولى، غضب خالص يشتعل في عينيه وهو يرى يد ذلك الرجل تمسك بيارا. اندفع نحوه بكل ما تبقى له من قوة، وأطاح به أرضًا بضربة كتف قوية حرّرت يد يارا من قبضته.
"الآن! اركضي نحو المبنى!" صرخ آدم وهما يركضان معًا، أنفاسهما متقطعة، قلبيهما يخفقان بعنف، والرجلان ينهضان خلفهما ببطء، مصممين على ألا يتركا الفريسة تفلت هذه المرة بسهولة.