دبوس الشعر

دبوس الشعر

2 1

مشيا جنبًا إلى جنب في الشارع شبه الفارغ في ذلك الصباح المبكر، يارا متلفعة بسترة آدم الواسعة، قبعة وقناع خفيف يغطيان معظم ملامح وجهها، بينما كان آدم يرمق كل زاوية وكل وجه يمر بجانبهما بحذر شديد. كانا يبحثان عن أقرب محل لبيع الإلكترونيات ليشتريا شاحن الهاتف.

"أظن أن هناك محلًا في نهاية هذا الشارع،" قال آدم وهو يشير بيده، محاولًا كسر التوتر الصامت بينهما بحديث عادي. "لن يطول الأمر."

لم يكن يعلم أن عينين كانتا تراقبانهما منذ خطوتهما الأولى خارج المخبأ، تتبعانهما من مسافة آمنة، تنتظر اللحظة المناسبة.

وفي لحظة غفلة، حين انعطف آدم للحظة نحو واجهة محل ليتأكد من الاتجاه، امتدت يد قوية من زقاق جانبي ضيق، أطبقت على فم يارا من الخلف وسحبتها بعيدًا بصمت شبه تام.

حاولت أن تصرخ فلم يخرج من فمها المكموم سوى صوت خافت لا يكاد يُسمع. تجمّد جسدها للحظة من هول المفاجأة، بينما همس صوت بارد في أذنها:

"لا تتحركي، ولا تصدري صوتًا."

لكن الصدمة الأولى لم تدم طويلًا. شيء ما بداخل يارا، تدربت عليه لسنوات طويلة، استيقظ فجأة من غفوته. غرزت كوعها بقوة في معدة من يمسك بها، فارتخت قبضته لجزء من الثانية، كفى ليخرج من حنجرتها صوت مكتوم أولًا، ثم صرخة عالية واضحة:

"آدم!"

استدار آدم فورًا، وحين رأى المشهد اندفع كالسهم نحوهما. كان سامر، وقد استعاد توازنه بسرعة، يسحب سكينًا صغيرة من جيبه ويقرّبها من رقبة يارا.

"خطوة واحدة أخرى يا آدم، وأقسم أنني سأقتلها هنا في هذا الشارع."

توقف آدم في مكانه، قبضتاه ترتجفان من العجز، عيناه لا تفارقان يارا للحظة. لكن يارا، رغم الرعب الذي كان يعصف بها، لم تكن تلك الفتاة الضعيفة التي ظنّها سامر. بحركة واحدة سريعة ومدروسة، أمسكت بمعصمه، لوته إلى الخلف بقوة، ثم أسقطته أرضًا بضربة كتف حادة، فطارت السكين من يده وارتطمت بجدار قريب.

وقف آدم مذهولًا للحظة، ينظر إليها وهي تلهث فوق جسد سامر المستلقي على الأرض، متألمًا وعاجزًا عن النهوض بسرعة. فتح فمه ليقول شيئًا، لكن لا كلمة واحدة خرجت منه، وكأن ما رآه للتو أفقده القدرة على الكلام تمامًا.

لم يكن هناك وقت للإجابة الآن.

"الحقًا. الآن يجب أن نرحل قبل أن يصل غيره،" قالت يارا وهي تمسك بيده، وركضا معًا مبتعدين عن المكان بأسرع ما يمكن.

توقفا أخيرًا لالتقاط أنفاسهما في زاوية هادئة بعيدة، وكلاهما يفكر بالسؤال نفسه.

"كيف عرف مكاننا بهذه السرعة؟" سأل آدم نفسه بصوت مسموع، أكثر من كونه يسأل يارا. "كنا حذرين، لم نتوقف في مكان واضح..."

توقف فجأة، ونظر إلى شعرها المتطاير من تحت القبعة، وشيء ما لمع بخفة تحت أشعة الشمس الصباحية: دبوس شعرها.

"من أين اشتريتِ هذا الدبوس بالضبط؟" سألها بجدية مفاجئة.

"من المتجر... حين اصطدمت بسامر هناك." أجابت يارا بارتباك، ثم اتسعت عيناها فجأة وهي تدرك ما يفكر فيه.

اقترب منها آدم، ومدّ يده نحو شعرها بحذر شديد، وكأنه يمسك شيئًا قد ينفجر في أي لحظة. أخرج الدبوس بلطف، وقلّبه بين أصابعه. كانت هناك نقطة معدنية صغيرة جدًا، بالكاد تُرى، مزروعة في قاعدته.

توقف قليلًا وهو يتفحصه، ثم أطلق ضحكة قصيرة جافة، لا فرح فيها إطلاقًا.

"بالطبع..." قالها بينه وبين نفسه أولًا، ثم رفع عينيه إليها. "حين اصطدم بكِ في المتجر، لم يكن ذلك صدفة، وهذا الدبوس لم يكن هدية بريئة كما بدا لكِ. زرع فيه جهاز تتبع دون أن تشعري، وتبعنا بفضله طوال الوقت."

شحب وجه يارا.

"إذن كل شيء... منذ المتجر... كان مدبّرًا؟"

"كنت أعرف أن أمي لن تكتفي بمراقبتي وحدي بعد اليوم. الآن أصبحتِ أنتِ جزءًا من اللعبة في نظرها، وهذا بالضبط ما كنت أخشاه." قالها آدم بصوت متوتر، غضبه لم يكن من المفاجأة بحد ذاتها، بل من عجزه عن حماية من حوله رغم كل حساباته.

ركضا في الأزقة الضيقة، حتى وصلا إلى محل صغير مضاء بضوء خافت، فدخلاه للاختباء لدقائق وتفقّد أنفسهما. طلب منها آدم أن تتفقد الحمّام الصغير في الخلف.

"تأكدي ألا يكون هناك شيء آخر يشبه هذا الدبوس، على ملابسك أو حقيبتك. لا أريد أن أُفاجأ مرة أخرى."

دخلت وفتشت بعناية، جيوب معطفها، حقيبتها، حتى حذاءها، لكنها لم تجد شيئًا. خرجت وهزّت رأسها نفيًا. أخرج آدم الدبوس من جيبه ورماه بعيدًا في صندوق قمامة معدني قبل أن يغادرا المكان.

مشيا في الشارع الهادئ، والصمت بينهما ثقيل، مليء بأشياء كثيرة لم تُقل بعد. لاحظ آدم شعرها الطويل ينسدل حرًا على كتفيها بلا دبوس يجمعه، تتطاير خصلاته مع كل نسمة هواء.

"انتظري هنا لحظة،" قال فجأة، ودخل إلى محل صغير للإكسسوارات كان قد فتح أبوابه للتو. خرج بعد دقائق، ممسكًا بدبوس شعر بسيط، بلا زخرفة كبيرة، لكنه أنيق.

اقترب منها بحذر، ووقف خلفها. تردد للحظة، ثم جمع خصلات شعرها بحركة يديه الخشنة قليلًا لكنها لطيفة، وثبّت الدبوس بعناية. شعرت يارا بدفء غريب يسري في جسدها من لمسته، ولم تفهم لماذا لم تتحرك، ولماذا لم تعترض هذه المرة.

"الضربة التي وجّهتها له كانت رائعة،" قال وهو يمشي بجانبها من جديد، محاولًا كسر التوتر بابتسامة خفيفة.

"آه، نعم،" ابتسمت أخيرًا، وشعرت أن الابتسامة الأولى منذ ساعات تتسلل إلى وجهها.

"لم تخبريني أنكِ ماستر في التايكواندو،" أضاف وهو ينظر إليها بطرف عينه.

فردت عليه بنبرة ساخرة وهي ترفع حاجبها:

"وهل تظن أنت أخبرتني بالكثير عن نفسك؟"

ضحك آدم ضحكة قصيرة، أول ضحكة حقيقية منذ بداية هذا الكابوس، وواصلا السير جنبًا إلى جنب، وكأن للحظة واحدة فقط، نسيا كل شيء.

في مكان آخر من المدينة، كانت كريمة تقف أمام النافذة الكبيرة لمكتبها، هاتفها في يدها يرتجف من شدة قبضتها عليه. الخبر الذي وصلها للتو جعل وجهها يحمّر غضبًا.

"ماذا تقصد أنهما هربا مرة أخرى؟! وأن سامر فشل من جديد؟!" صرخت في الهاتف.

توقفت للحظة، أنفاسها تتسارع، ثم قالت بصوت بارد كالجليد، أكثر رعبًا من صراخها:

"حسنًا إذن... إن لم تنفع الطريقة الهادئة، فسنجرّب طريقة أخرى. أحضروا لي أفضل رجالنا. الليلة."

وضعت الهاتف على المكتب ببطء، ونظرت إلى صورة قديمة على الجدار، صورة عائلية بها آدم وهو طفل صغير، وابتسامة باردة رسمت على شفتيها.

"ستعود إليّ يا آدم... بطريقة أو بأخرى."


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف حنان
2026/08/29 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة