كان الوقت ظهرًا حين خرجت يارا من بوابة المدرسة، حقيبتها على كتفها، وذهنها مشغول بألف تفصيل صغير من يومها، حين اصطدم بها فجأة جسٌد يركض بسرعة لا تُصدَّق، فكادت تسقط أرضًا لولا أنها تشبّثت بحافة الجدار القريب.
لم يتوقف الشاب ليعتذر، ولم يلتفت حتى وراءه. كان وجهه شاحبًا، أنفاسه متقطعة، وعيناه تحملان رعبًا واضحًا وهو يجري بأقصى ما يملك من قوة. وخلفه، على بعد أمتار قليلة، ظهر رجلان ضخمان يجريان بدورهما، وكأنهما يطاردان فريسة لا يجب أن تفلت.
في خضم الفوضى، سقطت من جيب الشاب محفظة جلدية، ارتطمت بالأرض وانفتحت، فتناثر منها كل ما بداخلها: بطاقة هوية، بعض الأوراق النقدية، وصورة صغيرة قديمة الأطراف. لم يشعر الشاب بسقوطها، فقد كان همّه الوحيد أن ينجو بنفسه، حتى اختفى عن الأنظار عند منعطف الشارع، وتبعه الرجلان حتى غابا هما أيضًا.
وقفت يارا للحظات، قلبها يخفق بقوة مما رأته، ثم نظرت إلى الأرض فوجدت المحفظة. ركعت والتقطت محتوياتها واحدة تلو الأخرى بيدين ترتجفان قليلًا، ونظرت إلى بطاقة الهوية التي تحمل صورته: وجه شاب، ملامحه حادة لكن فيها شيء من الحزن الدفين، والاسم مكتوبًا بوضوح: آدم.
فكرت للحظة أن تتركها لأحد المارة أو تسلّمها لأقرب مركز شرطة وتمضي في طريقها. لكن شيئًا ما بداخلها -فضول، أو ربما شفقة على ملامح ذلك الخوف الذي رأته في عينيه- جعلها تقرر أن تعيد المحفظة إليه بنفسها.
بدأت رحلة البحث. سألت في المحلات القريبة من مكان الحادثة، وصفت الشاب لأصحابها علّهم يعرفونه، لكن لا أحد كان يعرفه. ذهبت إلى أقرب مركز شرطة، وسألت إن كان أحد قد أبلغ عن حادثة مطاردة في ذلك الحي، فقط لتُقابَل بنظرات لا مبالية وإجابة باردة بأنه لا بلاغ من هذا النوع.
مرّت الساعات وهي تتجول بين الأزقة، حتى وصلت إلى حي هادئ لم تطأه قدماها من قبل. وهناك، عند زاوية شارع ضيق، كانت عجوز تجلس أمام باب بيتها الصغير، تراقب المارة بعينين هادئتين أثقلتهما السنون. اقتربت منها يارا بأدب، وأخرجت الصورة من المحفظة.
"عمتي، سامحيني على الإزعاج... هل تعرفين هذا الشاب؟ اسمه آدم."
أمسكت العجوز الصورة بيد مرتجفة قليلًا، وقرّبتها من عينيها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة عرفت منها يارا أن الإجابة ستكون "نعم".
"آدم؟ بالطبع أعرفه يا بنيتي. منزل عائلته في آخر هذا الشارع، البيت الكبير ذو البوابة الحديدية السوداء. لكن... لم أره منذ مدة طويلة."
شكرتها يارا من قلبها، وأسرعت الخطى نحو الاتجاه الذي أشارت إليه العجوز.
ان المنزل أكبر وأجمل مما تخيلت. جدران بيضاء عالية، حديقة مرتبة بعناية، وبوابة حديدية سوداء ثقيلة تعطي انطباعًا بأن أصحاب هذا المكان ليسوا أناسًا عاديين. وقفت يارا أمامها للحظة، شبه مصدومة من فخامة المكان، ثم ضغطت على جرس الباب.
لا أحد أجاب.
ضغطت مرة أخرى، وانتظرت، وضغطت للمرة الثالثة، لكن الصمت كان سيد الموقف. كانت على وشك أن تستدير وتغادر، حين سمعت صرير الباب وهو يُفتح ببطء شديد، بضع سنتيمترات لا أكثر، بالكاد تكفي لظهور عينين حذرتين تتفحصانها من خلف الفتحة.
"من أنتِ؟" سأل صوت أنثوي هادئ لكنه مشوب بالتوتر.
"اسمي يارا. أنا آسفة على الإزعاج، لكنني أريد أن أُعيد أغراضًا تخص شخصًا يُدعى آدم. اصطدم بي في الشارع اليوم وسقطت منه محفظته."
انفتح الباب أكثر قليلًا هذه المرة، وظهرت فتاة في مثل عمر يارا تقريبًا، وجهها يحمل شبهًا واضحًا بالصورة التي في يد يارا.
"هل... هل رأيتِه؟ هل التقيتِ به فعلًا؟" سألت الفتاة وقد ارتسمت الدهشة على وجهها.
"نعم، لكنه كان يجري، وخلفه رجلان يطاردانه. لم أستطع حتى أن أتكلم معه."
تنهدت الفتاة بثقل، وكأن هذا الخبر لم يكن مفاجئًا لها بقدر ما كان مؤلمًا. أدخلت يارا برأسها إشارة لتقترب أكثر، ثم همست:
"أنا لمى، أخته. هو... هارب منذ أيام. زوجة أبي تريد أن تتخلص منه، ولا أحد يعرف السبب الحقيقي بعد. وأنا، منذ أن هرب، لم أستطع التواصل معه، لأن أمي تراقب كل تحركاتي."
ارتجفت يارا من هول ما سمعته. لم تكن تتوقع أبدًا أن قصة محفظة ضائعة ستقودها إلى هذا العالم من الأسرار المظلمة.
"أمي عندها معارف كثيرون، ونفوذ لا يمكنك تخيله. هي من أرسلت هؤلاء الرجال وراءه." أضافت لمى بصوت شبه مكسور.
لم تخبرها لمى بكل التفاصيل، بل اكتفت بالقول إن آدم ليس هنا الآن، وطلبت من يارا معروفًا غريبًا وثقيلًا في آن واحد:
"أرجوكِ... ابحثي عنه، وأعطيه هذه الحقيبة."
"أنا؟ لماذا لا تفعلين ذلك أنتِ بنفسكِ؟"
"لأنني لم أره منذ مدة طويلة، ولو رأتني أمي أتكلم معه أو أحاول الوصول إليه، فلن ترحمني." همست لمى وعيناها تلمعان بدموع لم تسمح لنفسها بأن تسقط.
مدّت لمى الحقيبة نحوها. ترددت يارا للحظة، شعرت أن هذا ليس شأنها، وأن الأفضل أن تنسحب من كل هذا قبل أن تتورط أكثر. لكن نظرة الأسى في عيني لمى كانت أقوى من كل تردد، فمدّت يدها أخيرًا وأخذت الحقيبة.
"سأذهب إلى الشرطة،" قالت يارا فجأة، وكأنها وجدت الحل الأبسط لكل هذا التعقيد. "سأخبرهم بكل شيء."
لكن وجه لمى ابيضّ فجأة.
"لا! أرجوكِ لا تفعلي ذلك. أمي لديها علاقات حتى داخل الشرطة نفسها. لو فعلتِ ذلك، فلن تُعرّضي آدم للخطر فقط، بل نفسكِ أيضًا."
صمتت يارا، مدركة فجأة حجم الورطة التي وضعت نفسها فيها بمحض إرادتها.
"لا أعرف مكانه بالضبط،" تابعت لمى، "لكنني أعرف عنوان صديقه المقرّب. ربما يكون آدم هناك، أو على الأقل صديقه يعرف أين هو."
كتبت لمى العنوان على ورقة صغيرة، ثم أخرجت من جيبها ظرفًا مغلقًا وأضافته إلى الحقيبة.
"وهذه... رسالة. أعطيه إياها أيضًا، من فضلك. إنها مهمة جدًا."
أخذت يارا الورقة والحقيبة، وشعرت لأول مرة في حياتها بأنها تحمل بين يديها شيئًا أثقل بكثير من مجرد أغراض شخص غريب.
في الجهة الأخرى من المدينة، وخلف أحد الستائر المطلة على حديقة المنزل الكبير، كانت امرأة تقف بصمت، عيناها الباردتان تراقبان يارا وهي تغادر البيت حاملة الحقيبة. لم تتحرك ملامحها، لم تُبدِ أي انفعال، فقط ابتسامة رقيقة وقاسية في آنٍ واحد ارتسمت على شفتيها.
"إذن هذه هي..." همست لنفسها. "لا بأس. سنجده بسرعة أكبر الآن."
عادت يارا إلى منزلها منهكة، غسلت وجهها بالماء البارد محاولة أن تستوعب كل ما حدث في ساعات قليلة. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، وقالت لنفسها بحزم:
"سأجده، أعطيه أغراضه، وأنتهي من كل هذا. بهذه البساطة."
لم تكن تعلم حينها أن شيئًا لن يكون بسيطًا بعد الآن.