في مكتبها الفخم، وسط ناطحة سحاب تحمل اسم شركتها الكبرى، جلست كريمة خلف مكتبها الزجاجي، هاتفها في يدها، ونظرة الحسم لا تفارق عينيها. اتصلت برقم حفظته ذاكرتها جيدًا.
"سامر؟ أريدك أن تقابلني في المقهى المعتاد. الأمر يخص آدم."
بعد ساعة، كان سامر -الذي يعرفه الجميع بأنه صديق آدم المقرب منذ الطفولة، لكنه في الحقيقة عين كريمة الساهرة منذ سنوات- يجلس أمامها في ركن هادئ من المقهى، هذا اللقاء لم يكن الأول من نوعه، بل واحد من عشرات اللقاءات السرية التي جمعتهما على مر السنين.
"أين وصل الآن؟" سألته كريمة مباشرة، دون مقدمات، وهي تحرك فنجان قهوتها ببطء.
"لا يزال مختفيًا تمامًا. لم يتصل بأخته، ولم يظهر في أي من الأماكن التي نراقبها." أجاب سامر بهدوء من اعتاد على هذا الدور.
ابتسمت كريمة ابتسامة باردة، ووضعت فنجانها جانبًا.
"أنا أعرف أكثر منك إذن. فتاة جاءت اليوم إلى المنزل، والتقت بلمى، وخرجت حاملة حقيبة له. لمى أعطتها إياها، وعلى الأغلب زوّدتها بعنوانك أنت تحديدًا، فهو العنوان الوحيد الذي تعرفه لمى خارج هذا المنزل."
اتسعت عينا سامر قليلًا، مندهشًا من دقة معلوماتها كالعادة، ثم استعاد هدوءه بسرعة.
"إذن ستأتي إليّ هي من تلقاء نفسها."
"بالضبط،" قالت كريمة بثقة من اعتاد أن تسير خططه كما يريد. "راقبها من الآن، اقترب منها إن استطعت، فقد تكون أقصر طريق نصل بها إليه."
"كما هو الحال دائمًا،" قال سامر وهو يقف مستعدًا للانصراف، وكأن هذه الكلمات جزء من طقس معتاد بينهما منذ زمن طويل.
من جهتها، كانت يارا تسير في الشارع، الحقيبة على كتفها، والورقة التي كتبت عليها لمى العنوان في يدها. نظرت إلى الظرف المغلق الذي أعطتها إياه، وتساءلت في داخلها: "رسالة؟ في هذا الزمن؟ من يكتب رسائل ورقية بعد؟" لكنها لم تجرؤ على فتحها، فهي ليست ملكها.
شعرت بجوع مفاجئ، فدخلت إلى متجر صغير مفتوح على مدار الساعة لتشتري شيئًا خفيفًا. لم تلحظ أن شخصًا كان يتبعها منذ خروجها من منزل لمى، يحافظ على مسافة آمنة، عيناه لا تفارقانها.
بينما كانت تتفحص الرفوف، اصطدمت بشخص كان يقف خلفها فجأة.
"آسفة!" قالت مرتبكة.
"لا بأس،" أجاب الشاب بابتسامة ودودة، لم تكن تعلم أنه سامر نفسه، الذي تعمّد الاقتراب منها الآن بعد أن تتبعها بصمت طويلًا.
اشترت حاجياتها، ونظرت إلى ساعتها فجأة، فأدركت أن الوقت يداهمها، وأسرعت الخطى نحو محطة الحافلات، غافلة تمامًا عن أن عينين ما زالتا تراقبانها من بعيد.
وصلت إلى المحطة لاهثة، وطلبت من السائق أن ينتظر قليلًا، وكأن حدسها كان يخبرها أن أحدًا لم يصل بعد. وبالفعل، بعد لحظات، صعد سامر إلى الحافلة، ونظر حوله وكأنه يبحث عن مقعد، قبل أن يتجه نحوها.
"أتسمحين لي أن أجلس هنا؟" سألها مشيرًا إلى المقعد المجاور.
اندهشت يارا قليلًا، لكنها أومأت برأسها موافقة. جلس، وتبادلا التعارف بأدب: "أنا سامر."، "أنا يارا."، لكنها شعرت بشيء غريب في طريقة نظره إليها، شيء لا تستطيع تفسيره، جعلها غير مرتاحة تمامًا رغم ابتسامته اللطيفة.
"إلى أين أنتِ ذاهبة؟" سألها.
"إلى ضاحية الياسمين، عند صديق لشخص أعرفه."
ابتسم سامر بطريقة غريبة وقال: "يا للمصادفة، أنا ذاهب إلى هناك أيضًا."
تبادلا حديثًا عابرًا لبقية الطريق، لكن يارا شعرت بارتياح حين وصلت محطتها، ونزلت وحيدة، تاركة سامر خلفها -أو هكذا ظنت.
جلست على مقعد خشبي في حديقة صغيرة قرب المحطة لتستريح قليلًا وتنظم أفكارها. نظرت إلى الحقيبة في حضنها، وتساءلت إن كان من حقها أن تفتحها لتفهم أكثر عن هذا الشخص الغامض الذي تبحث عنه. ترددت طويلًا، أخلاقها تمنعها، لكن فضولها -وربما حاجتها لفهم الخطر الذي تورطت فيه- كانا أقوى.
"سأفتحها فقط لأفهم... لا أكثر،" قالت لنفسها مبررة قرارها.
فتحت السحاب ببطء، وكأنها تخشى أن يخرج من الحقيبة شيء لا تستطيع تحمّله. وجدت أغراضًا عادية في البداية: بعض الملابس المطوية بعناية، دفتر صغير مهترئ الأطراف، وهاتف محمول مغلق تمامًا.
مررت يارا إصبعها على شاشة الهاتف المطفأة، وشعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الأسفل، حين لمست أصابعها بطاقة هوية صغيرة، مختبئة بين طيات قماش الحقيبة وكأن أحدًا تعمّد إخفاءها هناك.
أخرجتها وقرّبتها من عينيها. لم يكن الاسم المكتوب عليها اسم آدم، بل اسم شخص آخر تمامًا، لا تعرفه، لم تسمع به من قبل. حدّقت في الصورة المرفقة طويلًا، محاولة أن تجد فيها أي ملمح مألوف، أي خيط يربطها بما تعرفه، لكن لا شيء.
توقف نبض قلبها للحظة وهي تتساءل: "من هذا الشخص؟ ولماذا هويته مخبأة هنا، بهذه الطريقة بالذات؟"
وضعت البطاقة جانبًا بيد مرتجفة، وأخرجت الظرف الذي أعطتها إياه لمى. ترددت للحظة قبل أن تفضّه، وكأن جزءًا منها كان يعرف أن ما بداخله سيغيّر كل شيء. فتحته أخيرًا، وأخرجت الورقة المطوية بعناية، وبدأت تقرأ.
مع كل سطر تقرؤه، كانت عيناها تتسعان أكثر، ويدها التي تمسك الورقة ترتجف بشكل لم تعد تستطيع السيطرة عليه. وصلت إلى الأسطر الأخيرة، فشهقت بصوت مسموع، وكأن الهواء نفسه انسحب من رئتيها فجأة. وقفت من مكانها بحركة لا إرادية، الورقة لا تزال بين أصابعها، وقلبها يخفق بعنف حتى شعرت أنه سيُسمع من حولها.
نظرت إلى بطاقة الهوية الغريبة، ثم إلى الرسالة، ثم إلى الهاتف المغلق الذي بات فجأة يبدو لها وكأنه يخفي أسرارًا أكبر بكثير مما تخيلت. سؤال واحد كان يلحّ عليها بقوة، لا تجد له جوابًا: هل توصل هذه الحقيبة له كما هي، وتنتهي من كل هذا كما وعدت نفسها في البداية... أم أن ما رأته للتو غيّر كل شيء، وجعلها جزءًا من هذه القصة، شاءت أم أبت؟
بعد صراع داخلي قصير، قررت أن تكمل ما بدأته. فتحت تطبيق الخرائط، أدخلت العنوان الذي أعطتها إياه لمى، وبدأت تمشي خلف السهم الأزرق الذي يقودها إلى مكان لم تكن تعرف أنه سيغيّر مجرى حياتها بالكامل.
كان المكان الذي أوصلتها إليه الخريطة منعزلًا وموحشًا، منزل قديم في طرف حي شبه مهجور، الإنارة فيه ضعيفة، والصمت مخيف. ترددت يارا للحظة أمام الباب، لكنها استجمعت شجاعتها وضغطت على الجرس.
انفتح الباب، وظهر أمامها الشاب نفسه الذي اصطدمت به في الحافلة: سامر.
فتح الباب، وتجمّد الاثنان للحظة حين وقعت أعينهما على بعضهما.
"أنتِ؟!" قالت يارا بصوت متردد بين الدهشة والحذر، وهي تتذكر فورًا وجهه من المتجر، ثم من مقعد الحافلة المجاور لها.
لم يُظهر سامر أي أثر للمفاجأة، فقط ابتسامة هادئة رسمها بإتقان من اعتاد على مثل هذه المواقف.
"يبدو أن القدر يجمعنا كثيرًا اليوم،" قال بخفة مصطنعة، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "ما الذي أتى بكِ إلى هنا بالضبط؟"
ترددت يارا للحظة، لا تعرف كم يجب أن تكشف لغريب لا تثق به بعد.
"هل تعرف آدم؟" سألته بدل أن تجيب مباشرة.
"أنا صديقه منذ الطفولة،" أجاب ببساطة، وكأن الجملة وحدها كافية لبثّ الطمأنينة فيها، لا داعي للوقوف عندها. "تفضلي، الباب."
خطت يارا للداخل بحذر واضح، رغم كل مظاهر الود التي حاول أن يبديها.
دخلت يارا بحذر، جلسا في الصالة الباردة، وبدأ يسألها بأسلوب هادئ لكنه استجوابي:
"لماذا تبحثين عن آدم بالضبط؟"
بدأت تشرح له القصة من بدايتها، لكن حديثهما قُطع فجأة بصوت جرس الباب مرة أخرى.
"انتظري هنا، سأذهب لأرى من الطارق،" قال وهو يقف متجهًا نحو الباب.
لم تمرّ ثوانٍ حتى سمعت يارا أصوات تصادم وضرب عنيف قادمة من الخارج. قفزت من مكانها مذعورة، واتجهت نحو الباب لترى شخصًا يرتدي ملابس سوداء بالكامل وقناعًا يغطي وجهه، ينهال بالضرب على سامر.
أمسك بها الشخص المقنّع من يدها فجأة.
"تعالي معي، الآن!" قال بصوت آمر.
"لا! أرجوك لا!" حاولت أن تفلت منه، رعبًا وارتباكًا.
لكنه لم يستمع، سحبها للخارج، وركضا معًا حتى وصلا إلى مكان أكثر أمانًا على بعد شارعين. توقفت يارا لاهثة، ونظرت إلى من أنقذها -أو خطفها، لم تكن تعرف بعد- ورأته يرفع يده ببطء وينزع القناع عن وجهه.
كان آدم.
صُدمت يارا وتجمّدت في مكانها للحظات، ثم انفجر غضبها فجأة.
"أنت! ماذا فعلت به؟! من أنت أصلًا؟!"
لكن قبل أن يجيب، أدركت فجأة، ووسط كل هذا الارتباك: هذا هو الشخص الذي تبحث عنه منذ الصباح.
"أنت آدم..." قالتها بصوت أهدأ فجأة، وكأن كل القطع بدأت تجتمع أمام عينيها.
تذكّرت فجأة الغاية الأصلية التي دفعتها لكل هذا منذ الصباح. أدخلت يدها في حقيبتها الخاصة، وأخرجت محفظته الجلدية، تلك التي سقطت منه في الشارع أول مرة، ومدّتها إليه.
"هذه محفظتك، سقطت منك حين اصطدمت بي هذا الصباح. كنت أبحث عنك طوال اليوم لأعيدها لك فقط، قبل أن يتحول الأمر إلى كل هذا."
أخذها آدم بيد مرتجفة قليلًا، وتفحصها للحظة وكأنه لا يصدق أنها ما زالت سليمة، قبل أن يرفع عينيه إليها من جديد.
"أعطيني أغراضي،" قال بصوت متوتر، مشيرًا هذه المرة إلى الحقيبة الأخرى على كتفها، عيناه تتفحصان المكان حولهما باستمرار كأنه يخشى أن يكون هناك من يراقب.
"هذه ليست لك أنت وحدك،" أوضحت يارا وهي تمدّها إليه أيضًا. "التقيت بأختك، وهي من أعطتني هذه الحقيبة تحديدًا لأوصلها إليك."
توقف آدم تمامًا، وشحب وجهه.
"لمى؟! ماذا فعلت أمي بها؟! هل هي بخير؟!" سألها بذعر واضح، صوته يرتجف من الخوف على أخته.
"كانت بخير حين رأيتها، لكنها خائفة جدًا. ذهبت إلى منزلكم." أضافت يارا.
عندها فقط أدرك آدم حجم الخطر الذي وضعت يارا نفسها فيه دون أن تدرك.
"إذن أمي تعرف بوجودك الآن..." قالها بصوت شبه مهزوم.
"والتقيت بصديقك أيضًا،" أضافت يارا، "لماذا ضربته؟ من هو بالضبط؟"
لم يتردد آدم هذه المرة، ولم تكن في صوته تلك الصدمة التي توقعتها يارا. كانت نبرته باردة، محسوبة، وكأنه يتحدث عن حقيقة يعرفها منذ زمن طويل ولم يعد يؤلمه قولها بصوت مرتفع.
"سامر ليس جاسوسًا جديدًا عليّ يا يارا. أمي وضعته بجانبي منذ سنوات، منذ كنا في المدرسة. وأنا أعرف ذلك منذ وقت طويل."
توقفت يارا مصدومة، حاولت أن تستوعب ما قاله للتو.
"تعرف؟! منذ متى؟! ولماذا بقيت تتعامل معه إذن وكأنه صديقك؟!"
ابتسم آدم ابتسامة باهتة، فيها مرارة أكثر مما فيها فرح.
"لأن سامر لا يعرف أنني اكتشفت أمره. وأن يبقى يظن ذلك... هو أفضل سلاح أملكه ضد أمي. ما دام يعتقد أنني لا أزال أثق به، سيستمر في إخبارها بما أريدها أن تعرفه أنا، لا بما تريد هي معرفته."
نظرت إليه يارا بذهول، تدرك للمرة الأولى أن الشاب الذي أمامها ليس مجرد هارب خائف، بل شخص يلعب لعبة خطيرة ومحسوبة منذ سنوات، وحيدًا، دون أن يخبر أحدًا.
"إذن... طوال هذا الوقت، وأنت تتظاهر أمامه؟" همست بصوت شبه غير مصدق.
"طوال هذا الوقت،" أكّد آدم بجدية. "ولهذا بالضبط، ما فعلته اليوم -مقابلته في المتجر، ثم في الحافلة، ثم هنا- ليس صدفة بريئة كما تظنين. لقد كان يراقبكِ منذ خروجك من منزل أختي. هو من قادكِ إلى هنا عمدًا."
اتسعت عينا يارا فجأة، وتذكرت كل التفاصيل الصغيرة التي بدت لها غريبة طوال اليوم، لتتجمع أخيرًا في صورة واحدة مرعبة أمامها.
"يعني... كنت طُعمًا منذ البداية، ولم أكن أعرف."
نظر إليها آدم بجدية لم تفارق عينيه، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا هذه المرة، وكأنه يحاول أن يخفف عنها وطأة ما قاله للتو:
"لم تكوني طُعمًا مقصودًا يا يارا. أنتِ فقط وقعتِ في منتصف حرب لم تبدئيها. لكن من الآن، لن أدعك تدفعين ثمنها وحدك."