الصحن والنمل

الصحن والنمل

3 0

كان منزل راينر في الطابق الثالث من بناية حجرية قديمة تقف في شارع ضيق لا تصله الشمس إلا في ساعة واحدة من النهار، كأن الشمس نفسها قررت أن تمر من هناك على عجل دون أن تقيم. كانت الشقة صغيرة بالمعنى الحرفي للكلمة، غرفة واحدة تضم سريراً ومكتباً وكرسياً وكومة من الكتب على الأرض رتّبها راينر مرة واحدة ثم تركها تكبر كيف تشاء. لم يكن يهتم بترتيب المكان لأنه لم يشعر يوماً أنه يسكن هنا بالمعنى الحقيقي للسكن، كان يعود إليه كما يعود المسافر إلى محطة قطار، مكان للانتظار لا للإقامة.

في صباح يوم إجازته القصيرة جلس راينر على الكرسي الوحيد في الشقة وأشعل قهوته وأمسك الفنجان بيديه دون أن يشرب، يشعر فقط بالدفء ينتقل من الخزف إلى راحتيه ببطء. كان الصمت في الشقة مختلفاً عن صمت الفندق، صمت الفندق كان حياً يتنفس ويحمل أصوات من ينامون فيه، أما هنا فكان الصمت ميتاً ومسطحاً كورقة بيضاء لم يُكتب فيها شيء بعد. رفع عينيه إلى السقف وسأل نفسه بلا مقدمات: من أنت يا راينر حين لا يراك أحد؟

لم يجب. ليس لأنه لم يعرف، بل لأن الإجابة كانت تخيفه أكثر من السؤال. حين لا يراه أحد كان راينر لا شيء بالمعنى الحرفي، لا دور يؤديه ولا شخصية يرتديها ولا صوت يصدر منه، فقط جسد يحتل حيزاً في فضاء لا يعرف لماذا هو فيه. فكّر أن معظم الناس حين يكونون وحدهم يكونون أكثر أنفسهم، لكنه حين يكون وحده يشعر أنه أقل من أي وقت آخر، كأن وجوده يحتاج إلى نظرة خارجية تثبته، وبدونها يبدأ في التلاشي.

قام ليضع الفنجان في المطبخ الصغير، وحين وضعه في الحوض رأى الصحن. كان صحناً واحداً متسخاً تركه منذ يومين، فيه بقايا طعام جفّت على حوافه وتشقّقت بطريقة تجعله يبدو أقدم مما هو عليه. شيء في هذا الصحن المتسخ الوحيد في الحوض الفارغ جعل راينر يتوقف ولا يكمل حركته. ربما لأنه كان صحناً واحداً فقط، لا صحنين ولا ثلاثة، صحن رجل يأكل وحده دائماً ولا يحتاج أكثر من صحن واحد. نظر إليه طويلاً وشعر بشيء يتحرك في أعماقه ببطء كأن باباً قديماً يُفتح.

ودون أن يقرر أو يختار، وجد نفسه يرى مطبخاً آخر في مكان آخر وزمن آخر. مطبخ أكبر وأضوأ يعتمل فيه دائماً أصوات وروائح وحركة لا تهدأ، مطبخ طفولته في بيت العائلة في مدينة أخرى غادرها منذ سنوات كأنه غادر كوكباً لا مجرد مدينة.

كان راينر في العاشرة من عمره حين بدأ يلاحظ الأشياء بطريقة تختلف عن أقرانه، ليس بطريقة الطفل المتفوق الذي يحفظ أكثر أو يفهم أسرع، بل بطريقة الطفل الذي يقف أمام شيء بسيط ويرفض أن يتركه حتى يسأل عنه كل الأسئلة الممكنة. كانت عائلته تجلس على المائدة كل مساء، أبوه يتحدث عن عمله بنفس الكلمات تقريباً، وأمه تمرر الطعام وتبتسم الابتسامة المعتادة التي لا تتغير، وأخوه الأكبر يأكل بسرعة ليعود إلى غرفته، وراينر يجلس في مكانه ويراقب الجميع بعينين هادئتين ويفكر في سؤال لا يجرؤ على قوله: هل هم سعداء فعلاً؟ وإن كانوا كذلك، لماذا تبدو سعادتهم كأنها عادة لا شعور؟

لم يكن يقول هذا لأحد. تعلّم مبكراً أن بعض الأسئلة تُزعج الناس ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تجعلهم يتوقفون ويفكرون فيما اتفقوا جميعاً على عدم التفكير فيه. وكان هذا الصمت الاختياري هو أول شكل من أشكال الوحدة التي عاشها راينر، وحدة من يرى ما لا يراه الآخرون ويصمت لأن الكلام لن يُفهم.

في يوم من أيام الصيف الحار وجد راينر نفسه وحيداً في الحديقة الصغيرة خلف البيت والجميع نائم في القيلولة. كان الجو ثقيلاً والأرض ساخنة، وعلى الرصيف الحجري كان هناك صف طويل من النمل يسير بجدية مذهلة نحو هدف لا يعرفه راينر. جلس على قدميه وراقبهم طويلاً، هذه الكائنات الصغيرة التي تسير دون أن تتوقف، دون أن تتردد، دون أن تسأل إلى أين، كل واحد منها يحمل شيئاً أكبر منه بكثير ويسير في نفس الاتجاه الذي يسير فيه من أمامه.

ثم مدّ راينر إصبعه ووضعها في منتصف الصف. توقف النمل للحظة ثم التفّ حول الإصبع وأكمل مسيره كأن لا شيء حدث، بنفس الجدية وبنفس الخطوات الثابتة. رفع راينر إصبعه وضغط على نملة واحدة بخفة. لم يشعر بشيء في البداية، فقط راقب الصف يكمل بدونها كأنها لم تكن موجودة أصلاً. لم يحزن عليها أحد ولم يتوقف أحد ولم يتغير شيء في مسير الصف الطويل الجاد.

ضغط على نملة أخرى، ثم على ثالثة، والصف يكمل بنفس الجدية ونفس الهدف المجهول. جلس راينر الصغير على الأرض الساخنة وفي رأسه سؤال كبير جداً بالنسبة لعمره، لكنه لم يبدُ كبيراً له آنذاك، بدا طبيعياً كأنه كان ينتظره منذ زمن: ما قيمة حياة كائن إذا كان كل من حوله يعيش نفس الحياة بنفس الطريقة، ولا يُلاحَظ غيابه حين يغيب؟

لم يجد إجابة يومها. وظل الصف يسير وراينر يراقب حتى نادته أمه من الداخل، فدخل البيت وأكل ما أعدّته دون أن يخبر أحداً بما فكّر فيه. لكن السؤال بقي. لم يكبر معه فحسب بل تشعّب وتعمّق وأخذ أشكالاً مختلفة مع السنوات، صار أحياناً: ما قيمة إنسان إذا عاش مثل كل الناس؟ وأحياناً: هل أنا أيضاً مجرد نملة في صف لا أعرف وجهته؟ وأحياناً في لحظات الصمت الثقيل: هل سيُلاحظ أحد إذا غبت؟

عاد راينر إلى مطبخه الصغير في أدنبره وإلى الصحن المتسخ أمامه. فتح الحنفية وبدأ يغسله ببطء والماء الدافئ يجري على يديه. فكّر أن ذلك الطفل الذي جلس على الأرض الساخنة وسأل عن قيمة الحياة لم يتغير كثيراً في جوهره، كبر جسده وتعقّدت أسئلته وأصبح يعمل في فندق في مدينة ضبابية بعيدة عن كل من يعرفه، لكن السؤال الأساسي بقي هو نفسه ولم يجد له جواباً بعد كل هذه السنوات.

وضع الصحن النظيف على الرف ونظر إلى يديه وهما تقطران ماء، وقال لنفسه بهدوء: ربما الفرق الوحيد بيني وبين النملة أنني أعرف أنني لا أعرف وجهتي. وربما هذا يكفي. أو ربما لا يكفي على الإطلاق. ارتدى معطفه وخرج من الشقة نحو الفندق، حيث تنتظره بقية الليل وبقية الأسئلة وبقية الأشخاص الذين لا يعرف بعد ما الذي يخبئه كل واحد منهم خلف وجهه المرئي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية سبعة اقنعة

المؤلف Isaac Neuton
2026/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة