وقف فيكتور أمام مكتب الاستقبال بحضور يملأ البهو كله دون أن يرفع صوته أو يتحرك بسرعة، كأن الغرفة كانت أصغر قبل أن يدخلها وتوسعت فجأة لتتسع له. نظر إلى راينر بعينين بنيتين دافئتين فيهما نوع من الاهتمام الذي يجعلك تشعر أنك الشخص الوحيد في العالم الذي يستحق النظر إليه الآن، وقال بصوت هادئ يحمل ابتسامة: أنت تبدو كأنك تحمل ليلاً طويلاً يا صديقي، أرجو أن الغرفة ستكون مريحة بما يكفي لتضعه جانباً ولو لبضع ساعات.
نظر إليه راينر وأجاب: غرفة رقم خمسة، في الطابق الثاني، هادئة وتطل على الشارع. ابتسم فيكتور ابتسامة واسعة وقال: ممتاز، أنا أحب أن أسمع الشارع في الليل، يذكرني بأن الحياة تمشي حتى حين ننام. ثم نظر إلى أدريان الجالس بهدوء مع ويسكيه وقال بنبرة مرحة: وهذا يبدو أنه شخص يعرف كيف يقضي ليله بشكل صحيح، هل الويسكي جيد؟ نظر إليه أدريان بتلك النظرة التي تقيّم قبل أن تقرر وقال: جيد بما يكفي.
جلس فيكتور على الكرسي المجاور لأدريان بحركة طبيعية كأنه كان يجلس هناك دائماً، ثم التفت إلى راينر وقال بنبرة ودية: هل تمانع يا صديقي؟ لن أطيل وأنا أعرف أن لديك عملاً. ثم دون أن ينتظر إجابة التفت إلى أدريان وقال: أنا فيكتور، تاجر بالمهنة ومسافر بالطبيعة. وأنت؟ قال أدريان: أدريان، كاتب. أومأ فيكتور برأسه باهتمام حقيقي يبدو على وجهه وقال: كاتب، هذه مهنة تحتاج شجاعة حقيقية، أن تضع ما في داخلك أمام الناس وتتركهم يحكمون عليه.
انتبه راينر إلى أن أدريان استقام في جلسته قليلاً حين سمع هذا الكلام، كأن شيئاً في داخله استيقظ فجأة. قال أدريان: ليست شجاعة بل ضرورة، الكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه يريد بل لأنه لا يستطيع ألا يكتب. ابتسم فيكتور وقال: هذا أجمل ما سمعته عن الكتابة منذ زمن طويل، وهل أنت منشور؟ نظر إليه أدريان بنظرة الرجل الذي اعتاد هذا السؤال وقال: ثلاثة كتب، خمس لغات. فتح فيكتور عينيه بإعجاب واضح وقال: خمس لغات، هذا إنجاز حقيقي، في أي مجال تكتب؟
فكّر راينر في الداخل وهو يراقب هذا المشهد: شيء ما يحدث هنا أمامي لكنني لا أستطيع تسميته بعد. فيكتور يسأل بطريقة تبدو فضول بريئاً لكن كل سؤال يفتح باباً جديداً ويستخرج معلومة جديدة، وأدريان ينفتح أمامه بشكل لم ينفتح معي رغم أننا تحدثنا أكثر. ربما لأن فيكتور يعطيه ما يحتاجه، الإعجاب والاهتمام والإطراء الذي يبدو صادقاً.
قال أدريان: أكتب في الفلسفة وعلاقة الإنسان بنفسه وبالعالم، كتبي ليست سهلة لكنها صادقة. قال فيكتور: الكتب الصادقة دائماً هي الأصعب والأبقى، هل هي متاحة هنا في بريطانيا؟ أجاب أدريان: في معظم المكتبات الكبرى وعلى الإنترنت بالطبع، الناشر الألماني وزّعها بشكل جيد. أومأ فيكتور وقال: ناشر ألماني، ممتاز، هم يعرفون كيف يتعاملون مع الكتب الجادة، هل العقد معهم طويل الأمد؟ قال أدريان بلا تردد: عقد مفتوح مع حق الأولوية لكل كتاب جديد.
وقف راينر في الداخل عند هذه الجملة وقال لنفسه: ها هو السؤال الذي كنت أنتظر أن يأتي دون أن أعرف أنني كنت أنتظره. سأل فيكتور عن العقد. سأل عن الناشر. سأل عن التوزيع. كل هذا في خمس دقائق بينما أدريان لا يزال يشعر أنه في محادثة أدبية عميقة مع رجل مثقف يقدر ما يقوله.
تابع فيكتور بنفس الاهتمام الدافئ: وهل أنت راضٍ عن الشروط؟ أحياناً الناشرون الكبار يأخذون أكثر مما يعطون. نظر إليه أدريان للمرة الأولى بشيء يشبه التأمل وقال: الشروط معقولة لكن هناك دائماً ما يمكن تحسينه. ابتسم فيكتور وقال: طبيعي تماماً، أنا في عملي أتعامل مع عقود كثيرة وأعرف كيف تعمل هذه الأمور، لو احتجت يوماً رأياً أو مشورة فأنا في غرفة خمسة وأبوابي مفتوحة دائماً.
قال راينر في الداخل بوضوح تام: الآن رأيته. جاء فيكتور بحقيبة واحدة صغيرة في منتصف الليل إلى فندق قديم، وفي أقل من عشر دقائق عرف اسم الناشر وطبيعة العقد وأن أدريان غير راضٍ تماماً عن الشروط، وقدّم نفسه كمن يستطيع المساعدة. الابتسامة الدافئة والعينان البنيتان والاهتمام الذي يجعلك تشعر أنك الوحيد في العالم، كل هذا كان أداة لا طبيعة. فيكتور لا يرى الناس، هو يرى ما يمكن أن يأخذه منهم.
وقف أدريان أخيراً وأخذ زجاجته الفارغة تقريباً وقال: أنا ذاهب للنوم، الكتابة ستكون أوضح في الصباح. صافح فيكتور بحرارة وقال: كان شرفاً، وأتمنى أن أقرأ كتبك قريباً. حين صعد أدريان السلم بخطواته الثابتة المعتادة بقي فيكتور جالساً وحوّل نظره إلى راينر ببطء، وللمرة الأولى منذ دخل الفندق تغيرت ابتسامته قليلاً، لم تختفِ، لكنها أصبحت أهدأ وأكثر تأملاً، كابتسامة من أنجز ما جاء من أجله ويستطيع الآن أن يرتاح.
قال فيكتور لراينر بنبرة ودية لكن مختلفة: رجل مثير للاهتمام هذا أدريان، كثير المعرفة. أجاب راينر بهدوء: نعم. نظر إليه فيكتور لثانية بتلك العينين الدافئتين ثم قال: أنت تلاحظ كثيراً يا صديقي، رأيتك طوال الوقت. ثم قام بحركة خفيفة ومريحة وقال: ليلة طيبة، وشكراً على الترحيب. وصعد السلم بخطوات مختلفة تماماً عن خطوات أدريان، خفيفة وسريعة كخطوات رجل لا يحمل ثقلاً لأنه يضع أثقاله على عاتق غيره.
بقي راينر وحده مجدداً في صمت الفندق، وفكّر أن الليلة الواحدة أعطته شخصين مختلفين تماماً في الشكل لكنهما ربما متشابهان في شيء عميق لم يستطع تسميته بعد. أدريان يبني نفسه على أنقاض الآخرين وفيكتور يبني نفسه من جيوب الآخرين، وكلاهما يبتسم، وكلاهما يبدو في البداية كأنه يعطيك شيئاً بينما هو في الحقيقة يأخذ. نظر راينر إلى المفاتيح الخمسة الباقية على الجدار وتساءل في هدوء: ماذا يخبئ الآخرون؟