كانت الساعة تقترب من الثانية صباحاً حين بدأ راينر يسمع نفسه من الداخل، ليس صوتاً حقيقياً يُسمع بالأذن، بل ذلك الهمس الداخلي الذي لا يأتي إلا حين يكون الصمت ثقيلاً جداً ولا يجد مكاناً يهرب إليه. نظر إلى مكتب الاستقبال أمامه، إلى الأوراق المرتبة والقلم الذي لم يكتب به شيئاً منذ ساعات، وسأل نفسه للمرة الأولى بهذه الصراحة القاسية التي لم يعتدها: هل هذا ما أريده حقاً؟ وحين لم تأتِ إجابة، لم يفاجأ، لأن ما أزعجه لم يكن غياب الإجابة بل كان احتمالاً آخر أكثر إرعاباً وأشد وطأة على روحه، ماذا لو لم يكن يريد شيئاً أصلاً؟ ماذا لو أن هذا الفراغ الذي يحمله ليس غياب هدف بل غياب الرغبة في الهدف نفسها؟
الناس من حوله كانوا يريدون ويحبون ويكرهون ويحلمون ويخافون، وهو كان يمشي فقط، يمشي دون أن يعرف نحو أين أو لماذا أو متى يتوقف. حدّق في المفاتيح السبعة المعلقة على الجدار أمامه، سبعة أشخاص ينامون فوق رأسه الآن، سبعة أشخاص لهم أسباب لوجودهم هنا في هذا الفندق القديم في قلب أدنبره الضبابية. وهو أيضاً موجود هنا، لكن لأي سبب حقيقي؟ قال لنفسه إنه يحتاج المال، لكنه في أعماقه كان يعرف أن المال لم يكن السبب الوحيد ولا الحقيقي، بل ربما اختار هذا الفندق القديم لأن أحداً لن يسأله فيه من يكون أو ماذا يريد أو إلى أين يذهب حين تنتهي وردية ليله الطويلة.
فكّر راينر أن الاختباء ربما أسهل من الظهور، وأن الصمت ربما أريح من الكلام، وأنه ربما لا يريد شيئاً لأنه يخاف أن يريد ثم يخسر، وخسارة ما لا تريده أهون بكثير من خسارة ما أحببته يوماً وبنيت عليه شيئاً من نفسك. كان غارقاً في هذا كله حين سمع خطوات تنزل من السلم، خطوات كان يعرفها بالفعل رغم أنه لم يسمعها إلا مرة واحدة من قبل، ثابتة وبطيئة لا تستعجل ولا تتردد، كخطوات رجل يعرف أن العالم سينتظره أينما ذهب.
ظهر أدريان من الظلام بنفس بدلته الرمادية التي لا تشوبها شائبة، كأنه لم يلبسها للتو بل وُلد بها ولن يخلعها أبداً، وكان يحمل في يده زجاجة ويسكي نصفها فارغ وكأساً واحدة فقط وضعها على المكتب بحركة من يضع شيئاً يملكه في مكان يملكه. جلس على الكرسي المقابل لمكتب الاستقبال دون أن يُستأذن ودون أن يسأل، كمن يجلس في مكانه هو لا في مكان غيره، وصبّ لنفسه جرعة ببطء مسرحي ثم حدّق في الكأس طويلاً قبل أن يرفع عينيه الرماديتين الهادئتين ويقول دون أن ينظر إلى راينر: الكتابة تكذب عليّ الليلة.
نظر إليه راينر وانتظر دون أن يتحرك، فتابع أدريان وهو يدير الكأس بين أصابعه كأنه يزن شيئاً ثميناً: الكلمات تأتي لكنها فارغة من الداخل، وأنا لا أكتب كلمات فارغة لأن الكتابة عندي ليست هواية ولا عادة بل هي الطريقة الوحيدة التي أعرف بها أنني ما زلت حياً وما زلت أنا، وحين تكذب عليّ الكتابة فهذا يعني أن شيئاً ما في الداخل لم يستقر بعد. فكّر راينر في الداخل وهو يسمع هذا: حقيقة من يتحدث هذا الرجل؟ حقيقته هو فقط أم الحقيقة التي يريد أن يصدقها الآخرون؟ لكنه لم يقل شيئاً وبقي ينظر إليه بهدوء.
رفع أدريان عينيه إليه أخيراً وسأل: أخبرني، هل فكرت في ما قلته البارحة؟ في سؤالك عن نفسك؟ هل وجدت شيئاً؟ أجاب راينر بصدق: فكرت كثيراً لكنني لم أجد إجابة واضحة، كأن السؤال يكبر كلما حاولت الإجابة عنه بدلاً من أن يصغر. ابتسم أدريان ابتسامته تلك التي تبدأ في الفم ولا تصل إلى العينين أبداً وقال: هذا لأنك تبحث في المكان الخطأ تماماً، الناس يبحثون عن أنفسهم في الآخرين وفي العلاقات وفي آراء من حولهم، ويظنون أنهم سيجدون هويتهم في عيون شخص آخر أو في كلمة مديح أو في لحظة حب، وهذا هو خطأهم الأكبر الذي يدفعون ثمنه طوال حياتهم. أنا أعرف من أنا لأنني قررت منذ زمن بعيد أنني لن أحتاج أحداً ليخبرني.
قال راينر بهدوء: وكيف وصلت إلى هذا؟ أومأ أدريان برأسه كمن كان ينتظر هذا السؤال بالتحديد وقال: سنوات من العمل الحقيقي على النفس، سنوات من الانضباط والوضوح ورفض كل ما يشتت أو يُضعف. أنا لم أضيّع وقتي في علاقات تستنزف طاقتي أو في أناس لا يرتقون إلى مستوى النقاش الذي أحتاجه والذي أستحقه، اخترت نفسي على كل شيء آخر وهذا الاختيار كلّفني الكثير في البداية لكنه أعطاني في النهاية ما لا يملكه معظم الناس طوال حياتهم، أعطاني اليقين الكامل.
قال راينر: واليقين وحده يكفي؟ نظر إليه أدريان كأن السؤال يستحق إجابة مفصلة وقال: اليقين هو كل شيء في الحياة يا راينر، الإنسان الذي لا يعرف من هو يتحرك كالريح التي تذهب حيث تأخذها الأشياء لا حيث تختار هي، يتأثر بكل كلمة ويتشكل بكل نظرة ويتغير بكل موقف حتى يصبح في النهاية مجرد انعكاس لما حوله لا شيئاً قائماً بذاته. أنا لا أتحرك إلا حين أقرر أنا، ولا أتغير إلا حين أختار أنا، وهذا ما يفرق بين من يعيش ومن يُعاش.
سأل راينر في الداخل بهدوء: ومن قرر أن تنزل الليلة بزجاجة ويسكي وكأس واحدة لتتحدث مع موظف استقبال لا تعرفه في فندق في منتصف الليل؟ هل هذا أيضاً كان قرارك أنت؟ لكنه قال بصوت هادئ: هل كان صعباً هذا الاختيار في البداية؟ نظر إليه أدريان وفي عينيه شيء يشبه الارتياح لأن أحداً يسأله عن هذا وقال: في البداية نعم، خسرت أشياء كثيرة وعلاقات كثيرة وأشخاصاً ظنوا أنني متكبر لأنني رفضت أن أنزل إلى مستواهم ورفضت أن أتظاهر بأن ما يهمهم يهمني، لكنني اليوم حر بشكل لا يفهمه إلا من عاشه.
صمت راينر لحظة ثم سأل بصوت هادئ: هل تشعر بالوحدة؟ توقف أدريان وللمرة الأولى منذ بدأ الحديث لم يجب فوراً، بل صمت ثانيتين كاملتين قبل أن يقول ببطء: الوحدة هي ثمن التميز وكل من وصل إلى مكان حقيقي دفع هذا الثمن. لاحظ راينر أنه لم يقل لا، لم ينفِ الوحدة كما توقع، بل اعترف بها وسمّاها ثمناً يعني أنه يدفعها فعلاً وأنها موجودة في حياته بشكل حقيقي وليست مجرد كلمة.
تابع أدريان وقد استعاد نبرته الأولى: أنا كتبت ثلاثة كتب ترجمت إلى خمس لغات وقرأها أناس في أماكن لم أزرها، وأنا قرأت ما لم يقرأه معظم الناس في حياتهم كلها، وأنا أعرف قيمة ما أقوله وقيمة ما أنا عليه، وهذا ليس غروراً بل هو مجرد حقيقة يجب على الإنسان أن يعترف بها بدلاً من أن يتظاهر بالتواضع الكاذب الذي لا يخدع أحداً. قال راينر في داخله: ها هو يعود مجدداً، أنا، أنا، أنا، أربع مرات في أربع جمل متتالية، هذا الرجل لا يتحدث معي بل يتحدث أمامي ويستخدمني مرآة ليرى فيها نفسه ويسمع فيها صدى صوته، وأنا هنا لأومئ وأسمع وأعكس له صورته التي يريد أن يراها.
لكن شيئاً آخر لفت انتباه راينر أكثر من تكرار أنا، فكلما تحدث أدريان عن نفسه ازداد بريقه وارتفعت نبرته، وكلما سكت لحظة خُيّل لراينر أنه يرى شيئاً خلف تلك العينين الرماديتين الهادئتين، شيئاً يشبه الخوف، ليس خوف الضعيف الذي يرتجف، بل خوف من يبني جداراً عالياً وصلباً لأنه يعرف في أعماقه كم هو هش من الداخل ومن يخشى أن يلمسه أحد في المكان الصحيح. قال أدريان بعد صمت قصير: أنت تسمع جيداً يا راينر وهذه موهبة نادرة لأن معظم الناس ينتظرون دورهم في الكلام ولا يسمعون حقاً ما يقوله الآخر. شكراً قالها راينر بهدوء. أومأ أدريان برأسه كمن يمنح وساماً يستحقه صاحبه ثم أضاف: لو أنك تعلمت أن تعرف نفسك كما أعرف أنا نفسي لما احتجت أن تسأل من أنت.
وهنا توقف راينر في الداخل توقفاً حاداً لأن في هذه الجملة كان هناك شيء مختلف عن كل ما سبقها، لم يكن نصيحة بل كان حكماً صريحاً، كان أدريان يقول بشكل لا يقبل التأويل: أنا وصلت وأنت لم تصل بعد، أنا أعلم وأنت لا تزال تجهل، أنا فوق وأنت تحت. وفي تلك اللحظة بالذات تكلّم الصوت الداخلي في راينر بوضوح لم يشعر به من قبل: ها هو أخيراً، ها هو الشيء الذي كنت أحاول أن أسميه منذ بدأ هذا الرجل يتكلم منذ البارحة، هذا الرجل لا يتحدث معك ولا يتحدث إليك بل يتحدث فوقك دائماً، يضعك في موقع التلميذ ونفسه في موقع الأستاذ في كل جملة وفي كل نظرة وفي كل ابتسامة لا تصل إلى عينيه أبداً، كبرياؤه ليست في ما يقوله صراحة بل في الطريقة الأنيقة التي يضعك بها دائماً أسفل منه، وأنت لم تلاحظ لأنه يفعل هذا بأناقة شديدة وبكلمات تبدو حكمة وبنبرة تبدو هدوءاً، لكنها في جوهرها جملة واحدة تتكرر بألف شكل: أنا أفضل منك.
نظر راينر إلى أدريان ولأول مرة رآه بشكل مختلف تماماً، لم ير الرجل الأنيق الواثق الذي يملك اليقين ويعرف من يكون، بل رأى إنساناً يحتاج أن يكون الأعلى في كل غرفة يدخلها حتى لو كانت تلك الغرفة فارغة إلا من موظف استقبال في منتصف الليل، رجل يبني كبرياءه على رأس الآخرين لا على أرض نفسه، ويشعر بقيمته فقط حين يرى أن من أمامه أقل منه. وفي تلك اللحظة بالضبط حين كان راينر يرى هذا كله ويصمت عنه، فُتح باب الفندق الخشبي الثقيل بحركة واثقة ودخل هواء البرد الليلي مع رجل لم يكن راينر يتوقع أحداً في هذه الساعة.
كان رجلاً في الخمسينيات، بدين الجسم لكن بوجه طيب مضيء تملؤه ابتسامة واسعة كأنه يعرف الجميع منذ سنوات وكأن كل مكان يدخله كان ينتظره تحديداً. كان يرتدي معطفاً بنياً دافئاً وعلى وجهه ذلك النوع من الارتياح الذي يجعل الغرفة تبدو أكبر حين يدخلها، وحمل معه رائحة البرد والسيجار الجيد التي ملأت البهو فجأة. وضع حقيبة سفر صغيرة على الأرض بحركة من يعرف أنه وصل إلى المكان الصحيح في الوقت الصحيح، ثم نظر إلى راينر بعينين بنيتين دافئتين تختلفان تماماً عن العينين الرماديتين الهادئتين اللتين كانتا أمامه منذ لحظة، ونظر إلى أدريان الجالس بهدوء مع ويسكيه ثم عاد إلى راينر وقال بصوت يملأ المكان كله بلا جهد: مرحباً يا صديقي، أنا فيكتور، وأظن أن لديكم غرفة كانت تنتظرني منذ زمن