كانت أدنبره تنام وراينر يمشي، لا لأنه يريد المشي، بل لأنه لا يعرف كيف يتوقف. كان الليل قد أكل آخر بقايا النهار، والشوارع الرمادية تمتد أمامه كأسئلة بلا إجابة، والضباب يلتهم كل شيء إلا خطواته الثقيلة على الحجارة المبللة. لم يكن يعرف كم ساعة مشى، ولم يكن يهمه أن يعرف. الوقت بالنسبة لراينر لم يكن أرقاماً على ساعة، بل كان ثقلاً يزداد كلما تقدم في العمر دون أن يتقدم في الحياة.
في آخر الشارع كان هناك نور. خفيف ومتردد، كأنه هو الآخر لم يقرر بعد إن كان يريد البقاء في هذا العالم. مصباح قديم يحتضر، يومض بين الحياة والموت، يرسل بقعة صفراء شاحبة على الرصيف الحجري. وقف راينر ينظر إليه من بعيد. كان في تلك اللحظة يشبهه تماماً، شيء يحاول أن يضيء في عالم لا يريد منه سوى أن ينطفئ.
مشى نحوه ببطء، كمن يمشي نحو شيء يعرف في أعماقه أنه سيختفي قبل أن يصله. خطوة واحدة، ثم أخرى، ثم أخرى. والمصباح يومض أكثر، كأنه يصارع من أجله، كأنه يحاول أن يقول له شيئاً لم يجد له كلمات.
ثم مات النور.
وقف راينر في الظلام الكامل ولم يتحرك. لم تكن المرة الأولى التي يجد فيها نفسه هنا، في هذا المكان الذي لا اسم له، بين ما كان وما لم يكن بعد. لم يتفاجأ ولم يتألم، فقط وقف كحجر في وسط نهر يجري من حوله دون أن يأخذه معه. الناس من حوله كانوا يمشون، يضحكون، يتحدثون بأصوات لا تعنيه، كأنهم ينتمون لعالم آخر لم يُدعَ إليه يوماً.
نظر راينر إلى يديه في الظلام. يدان عاديتان، لا يعرف ماذا تحملان ولا إلى أين تمتدان. ثلاثون سنة وهما تمشيان معه في هذا الطريق الضبابي دون أن يسأل يوماً إلى أين.
ثم جاء الصوت من مكان لا يعرف عنوانه داخله، هادئاً كالسكين وعميقاً كالجرح القديم. من أنا؟ لم يكن سؤالاً. كان صرخة صامتة تتردد في فراغ لم يعرف أنه موجود بداخله حتى تلك اللحظة. ثلاثون سنة من الحياة ولم يجد إجابة لهذا السؤال البسيط. درس وعمل وأكل ونام وأحب وخسر، لكنه لم يعرف يوماً من يكون راينر بمعزل عن كل هذا. كان دائماً ظلاً لشيء آخر، ابناً لأب لم يفهمه، موظفاً في فندق لا يعرف لماذا اختاره، إنساناً يمشي في شوارع مدينة لا تعرف اسمه.
استدار وعاد أدراجه.
كان الفندق يقف في آخر الشارع كما تركه، بنايته الحجرية القديمة تبتلع الضباب وتعيده رطوبة وصمتاً. دفع الباب الخشبي الثقيل ودخل. استقبله البهو بإضاءته الخافتة ورائحة الخشب العتيق وصمت لا يشبه أي صمت آخر. كان هذا الفندق يملك نوعاً غريباً من الصمت، صمت يتكلم.
جلس راينر خلف مكتب الاستقبال وأسند رأسه على يده. الساعة تجاوزت منتصف الليل والفندق يغط في نوم ثقيل. لم يكن هناك ما يفعله سوى الانتظار، انتظار ما لا يعرف ما هو. نظر إلى الجدار أمامه حيث تقف مفاتيح الغرف السبع على خطاطيفها الحديدية. سبع غرف، سبعة نزلاء، سبعة أشخاص جاؤوا من أماكن مختلفة واستقروا هنا كأن هذا الفندق القديم كان ينتظرهم.
فكّر راينر أن كل إنسان يحمل فندقاً بداخله، غرف موصدة لا يفتحها لأحد، ممرات مظلمة لا يجرؤ على المشي فيها، وبهو يستقبل الجميع لكنه لا يكشف شيئاً.
ثم سمع الخطوات.
خطوات ثابتة وبطيئة تنزل من السلم، لا تستعجل ولا تتردد، كخطوات رجل يعرف أن العالم سينتظره. ظهر أدريان من الظلام ببدلته الرمادية التي لا تشوبها شائبة، كأنه لم يلبسها للتو بل وُلد بها. توقف أمام مكتب الاستقبال ونظر إلى راينر بعينين رماديتين هادئتين، نظرة رجل يقيّم لا يتعرف.
قال بلهجة ألمانية خفيفة لا يحاول إخفاءها: أنت جديد.
لم يكن سؤالاً.
أجاب راينر: منذ أسبوعين.
أسبوعان. كررها أدريان كأنه يزن الكلمة. وقت كافٍ لتعرف أن هذا الفندق له طابع خاص.
طابع خاص؟
ابتسم أدريان ابتسامة لا تصل إلى عينيه. أنا أسكن هنا منذ سنتين. جئت من برلين لأن أدنبره المدينة الوحيدة في أوروبا التي تحترم الصمت. وبقيت لأن الصمت هنا يشبه تفكيري.
نظر راينر إليه دون أن يجيب.
تابع أدريان وهو يضع يديه على المكتب: أنا ألاحظ الناس كثيراً. وأنت... توقف لحظة... أنت تحمل سؤالاً لم تجد له جواباً بعد.
تصلّب راينر قليلاً. معظم الناس يحملون أسئلة.
لا. قال أدريان بثقة هادئة. معظم الناس يحملون أجوبة جاهزة أعطاها لهم الآخرون ويظنونها أسئلة. أنت مختلف. أنا أرى هذا.
صمت راينر. كان في كلام هذا الرجل شيء يشبه الحقيقة، لكن فيه أيضاً شيء آخر لم يستطع تسميته بعد. شيء يشبه الزجاج، جميل وشفاف لكنه بارد عند اللمس.
سأله بهدوء: وأنت؟ هل وجدت أجوبتك؟
نظر إليه أدريان طويلاً ثم قال: أنا لا أحتاج أجوبة. أنا أعرف من أنا.
قالها كأنها نهاية حوار لا بداية واحد، ثم استدار ومشى نحو السلم بنفس الخطوات الثابتة التي جاء بها. لم يودّع، لم يبتسم، فقط مشى كأن الحوار أخذ منه ما يريده وانتهى.
وقف راينر وحده خلف المكتب، ينظر إلى الظلام الذي ابتلع أدريان، وفي رأسه ذلك الصوت يعود من جديد. أنا أعرف من أنا. قالها بهذه الثقة. لكن هل يعرف حقاً؟ أم أنه يؤمن بما يريد أن يؤمن به حتى لا يضطر لأن يسأل؟ هل الثقة بالنفس أحياناً مجرد خوف مقنّع من السؤال؟
أغمض راينر عينيه لثانية. ثلاثون سنة ولم يجد إجابة. وهذا الرجل الذي لا يعرفه يدّعي أنه يعرف. ربما الجهل بالنفس أكثر صدقاً من اليقين الزائف. أو ربما هو فقط يحسد من يستطيع أن يكذب على نفسه بهذا الجمال