وصلت لشرفة غرفتي بشعري المبلول اخذ موضعا على الكرسي واقابل الحديقة وباقي الحي باكمله من مكاني.
لقد عدت للتو من تمريني الصباحي حيث قمت ببعض التمارين قبل حصتي مع المدرب اليوم.
وستكون في البحر مجددا فمنذ ماحدث اخر مرة لم اقربه.
اما الان فانا قد قررت ان اتفقد مذكراتي قليلا كي افهم ماحدث ذاك اليوم وايضا انظر الى كل ما كتبته منذ اول ايامي هنا الى الان ، كل مشاعري وافكاري و اي شيء غير مفهوم حدث لي موجود هنا.
وافي افضل وقت بالنسبة لي ...
لحظات بعد شروق الشمس.
بالفعل فتحته على اول صفحة ، مررت يدي بمهل على الورقة المجعدة بفعل دموعي انذاك ، كنت اكتب عن حزني و شعوري بالوحدة في هذا العالم بعد ان تفرقت عن فتيات الميتم ، واشتياقي لهن و رغبتي في لقائهن ، حتى انني كنت الوم عائلتي لانهم لن يسمحوا لي بالبحث عنهن.
ضحكت ، ضحكت على غبائي وسذاجتي و عاطفيتي الزائدة.
_ كم كنت طفولية هيفن ، تتعلقين في شظايا الماضي و تتشبثين بالسراب.
قرأت بمهل كل صفحة وكل كلمة اتذكر احاسيسي وقتها و كمية الالم الذي شعرت به وكانني اكتب تلك الكلمات بدمائي.
وفي النهاية دون جدوى ، لو كن حقا في هذا العالم وهوالشيء الواضح لبحثن عني ، وهن لم يفعلن ، ظللت احارب وحدي.
والان علي ان اكمل وحدي ، لدي مسؤولية كبيرة على عاتقي و لن اهتم بعد الان باي احد ، سانساهن كما اخبرني الحميع و ساركز على نفسي.
وددت لو اقطع الاوراق التي تحدثت فيها عنهن ، ولكن شيئا ما بداخلي منعني من ذلك ، فقمت بطوي اخر ورقة ذكرت اسماءهن فيهن و بذلك ساعتبر كل ما حدث في تلك العشر سنوات صفحة وطويتها.
_ الان سابدأ من جديد ، مع عائلتي الحقيقية.
.
.
.
.
.
.
.
.
دونت كل ما يحدث معي حين استخدم قواي و لاول مرة الاحظ شيئا غريبا ومشتركا في كل مرة اشرب الدماء تأتيني دفعة هائلة من القوة.
اتذكر بوضوح اول مرة شربت دماء الفهود ،تمكنت من الجري بسرعة خيالية تكاد تضاهي سرعة اخوتي الذين تدربوا لسنوات.
وهذا بحد ذاته كان امرا مثيرا للريبة.
وحين شربت دماء الحوت قبل السباحة تمكنت من التنفس تحت الماء.
من الطبيعي كمصاصة دماء ان تعطيني الدماء جرعة طاقة بعد شربها ولكن ليس من الطبيعي ان تعطيني قوة لم اتدرب عليها قط.
نهضت من على الشرفة وذهبت لغرفة امي.
فتحت الباب بمهل وكانت لازالت نائمة ، اما ابي فقد ذهب للعمل قبل بزوغ الفجر.
_ امي ، امي
تمتمت باسمها بخفوت وهززتها قليلا لتفتح عيناها السماوية وتهلع عند رؤيتي :
_ هيفن ابنتي مابك ؟ ليست من عادتك ان توقظيني.
ابتسمت مطمئنة لها ، استقامت في جلستها لاقول:
_ لا داعي للقلق ، فقط لدي ملاحظة حول قواي ، شيء لاحظته الان.
اومات لي لابدأ الكلام واخبرها بكل ما لاحظته و كنت اشعر به لترد علي بهدوءها المعتاد :
_انا لا افهم في هذه الامور جيدا اخبري جوناس هو بالتأكيد سيجيبك كما انه كان معك في رحلتك للتحكم في قوتك منذ البداية.
_معك حق.
احتضنت مذكراتي بكلتا يداي وعدت لغرفتي.
كنت انتظر بفارغ الصبر متى يحين الوقت لكي اذهب للتدريب في البحر مجددا ، ورغم عدم ارتياحي الا انني كنت ارغب بالتاكد من ان ما حدث تلك المرة لم يكن وهما.
.
.
.
العودة للماضي ... يوم الحادث..
كنت مستلقية على السرير الابيض وبعض الانابيب الطبية تلتصق بيداي ، حتى دخل الغرفة ابي و امي و رجل عجوز بلحية بيضاء طويلة و ملامح مريحة ، على الاقل يبدو ان العراف الذي احضره والداي شخص طيب وموثوق.
لقد اخبرنا الطبيب يضرورة احضار عراف ليعرف ماخطب قوتي فالالات لم تتمكن من ايجاد اي خطب.
يمكننا القول بانها كانت نصيحة شخصية فقط.
_ هيفن كيف حالك.
سالني ابي لاجيبه بهز رأسي فقط ، كنت شبه مخدرة من العياء.
_ هذا العراف الذي احضرناه ، سيعرف ما بال قوتك وارجو ان لا يكون هناك اي شيء سيء.
نظرت نحوه و وابتسمت بتكلف ، لا اريد ان اعاني مع قدراتي... ليس مجددا.
_ سآخذ قطرة من دمك فقط ، سادرسها و ساخبركم بالنتيجة بعد فترة ليست بالطويلة.
نظرت لي امي بمعنى هل انا جاهزة وأومأت ، فتقدم العراف ليمسك بابرة و يغرسها في مرفقي ساحبا بعض الدم ، وضعه في عبوة صغيرة و غادر بعد ان تحدث مع ابي بعيدا.
و لم اعرف مادار بينهم لانني غفوت وقتها.
.
.
.
.
العودة للحاضر
.
.
.
مرت هذه الذكرى التي تراودني كثيرا في ذهني وانا متكئة على زجاج سيارة كيفن ، بينما تؤلمني اشعة شمس الظهيرة في رأسي.
وعدم كفي عن التفكير في نتائج التحليل التي لم تصلني بعد زاد الطين بلة.
توقفنا على جانب الشاطئ لننزل ثلاثتنا ويقابلنا كالعادة بملامحه الجادة والمخيفة:
_ اهلا وسهلا.
اشعة الشمس تحرق بشرتي و نعلاي الرقيقان لا يحميان قدماي من سخونة الرمال بينما اتقدم نحو المدرب المجرم بملامح وجهي المجعدة والمنزعجة.
_ لا تقولي انك اكتسبت رهابا من الماء هيفن.
نظرت له بتهكم ، لست مرتاحة امام البحر و فعلا اشعر ببعض الرهبة
_ لدي ما اقوله له.
صارت نبرته اكثر جدية قائلا :
_ هات ما لديك.
اخربته بكل ما لدي ، اجريت في البيت بعض البحوثات وسألت اخوتي ايضا حول الموضوع لاعرف بالضبط هل ما يحدث معي له علاقة بقوى النبوءة ام انني ابالغ.
_ انتِ حقا لا تبالغين.
صمت قليلا ينظر باتجاه البحر ثم نحوي :
_ هل شربت اي دماء ؟
قلت بسخط مخفي:
_ شربت دماء الذئاب لتسريع الشفاء ، انسيت ان تمارينك تسببت بالتواء كاحلي صباحا ؟
_ لست اسفا على ذلك ، ماذا شعرت حين شربتها ؟ تبدين انك شفيت.
استدركت ان قدني لم تكن تؤلمني بعد الان، نظرت نحوها وحركتها قليلا ثم تمتمت:
_ انت محق ، لن انتبه انني شفيت بهذه السرعة ، لم يستغرق الامر بضع سويعات حتى نسيت امر الالم اساسا.
_ هذا يوضح الكثير ، الم تشربي دماء اي مخلوق بحري ؟
نفيت ، فنظر نحوي ثم اشار نحو البحر.
هززت رأسي رافضة:
_ قطعا لن افعل.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
_ اياك ودفعها جوناس ، صدقني ساهشم سيارتك.
هددته هيفن ، بينما كنت اقف على جرف ، اقل انخفاضا من سابقه.
لم اكن اريد هذا ولكن تم اجباري.
انا ارتجف و كيفن بالاسفل ينظر لي بملل :
_ اقفزي هيفن بسرعة ولننهي هذا الامر.
_ حسنا توقف عن الكلام انت توترني.
اغمضت عيناي و القيت بجسدي في المياه،كانت هذه اللحظة طويلة بشكل درامي رغم ان المسافة لا تتحاوز ثلاثة امتار.
سمع صوت ارتطام جسدي بسطح الماء ، فبدأت اتقلب يمينا وشمالا و لم استطع الثبات رغم هدوء البحر اليوم، امسكني كيفن لكي لا اغرق وحاولت ان اغوص قليلا و اتنفس تحت الماء.
انتهى بي المطاف اجلس على صخرة بالكثير من الماء في انفي والذي احاول التخلص من الشعور المزعح الذي يتركه.
لطالما قرأت عن البحر و رأيته مرات قليلة فقط دون ان اسبح من قبل ، وتوقعت ان يكون افضل من هذا ،لكنه اصبح نقطة ضعفي الجديدة.
_ اذا انت لا تملكين اي قوة على التنفس تحت الماء.
نبس المدرب كانه اكتشف سرا عظيما ، فسخرت :
_ رائع لم اكن اعلم !
تأفأف بملل وقدم لي عبوة صغيرة تحتوي على بعض الدماء.
_ اشربيها و حاولي مجددا.
وسعت عيناي برفض واضح لترد ريفن مكاني :
_ دعها ترتاح قليلا وتسترد انفاسها هل تريد قتلها ؟
رد جوناس بموقف ثابت لا يتزحزح:
_ لن يحدث لها شيء ستتمكن من التنفس في الماء بعد شربها الدماء.
_ انت لست متأك...
_ ريفن ، يكفي انا المدرب هنا وانت يا هيفن افعلي ما طلب منك لاتنسي ما دورك هنا.
_ معك حق ، ليس وقت الخوف.
قلت بيأس وانا اقلب القارورة بين يداي لابتلع السائل المر كله دفعة واحدة و يلسعني طعمه الحديدي في اسناني.
تبا لم اعتد على الامر بعد.
انتظرت لدقائق حتى شعرت بالطاقة تنتشر في جسدي و تتعزز قوتي ، ثم دخلت للماء بمهل هذه المرة .
كيفن بقربي ينتظرني ان اغرق كي يساعدني.
كنت اشعر بتحسن كبير، جسدي اخف و استطعت الطفو ابعض الوقت قبل ان تخونني عضلاتي و اغطس تحت الماء ، لحسن الحظ امسكني اخي و لم اشرب الكثير من الماء.
_ هيا هيفن حاولي التنفس.
اخبرني كيفن لاتشجع و انزل تحت الماء ، مرت لحظات كدت اختنق فيها قبل ان اتمكن من استنشاق الاكسجين اخيرا.
تركت يد كيفن واستمريت بالغطس داخل البحر كي اختبر قدرة تحملي للضغط ، ولكنني لم اتمكن من المكوث طويلا اذ شعرت بالتعب و خرجت.
_ رائع هيفن يبدو انك نجحت.
اردفت ريفن تصفق بحماس ، ضربت يدي بيدها و صعدت فوق الصخرة ، نظرت لي مطولا ثم اشارت نحو عنقي :
_ انظري حراشف ! يال الهول.
لمست عنقي بيدي و شعرت بشيء خشن هناك ، ايضا كان مثله في ذراعاي و ساقي،هلعت لوهلة قبل ان يأتيني رد كيفن:
_ نعم هذا طبيعي كي تتنفسي.
_ تعلمين هيفن ، ان هذا الامر لن يمر مرور الكرام.
اوليت انتباهي لجوناس الشارد في الأمواج اللامعة وهي ترتطم بالاحجار العملاقة التي نجلس فوقها ، سألته:
_ ماذا تقصد؟
_ هذا يفتح علينا العديد من التساؤلات...
صمت لولة ثم استرد :
_ هل قدرتك هذه تقتصر على دماء الحيوانات فقط ام.. ؟
شردت لوهلة وخفت من الفكرة التي استنتجها والتي نطقها كيفن تاليا:
_ دماء الخوارق ؟
_كلا بالطبع لن اشرب دماء خوارق !
صرخت اقفز من مكاني
_ لن يخبرك احد ان تشربي دماء خوارق هيفن ، اهدئي.
اردفت ريفن تهدئني ليومئ جوناس متفقا ، فارتحت قليلا.
لكن هذا الشعو، تبدد حين عرفت انني مقبلة على شيء جديد في دواخلي ، ويجب ان انتظر رد العراف الذي سيؤكد كل شيء
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
nivalith