تصرف غير معهود

تصرف غير معهود

11 0

وقفوا في بهو القصر الواسع نصفهم اعتلى الدرج الرخامي والنصف الآخر بقي في أسفله

تحرّك من كانوا في الأسفل وصعدوا بخطوات متتابعة حتى التقوا عند أعلاه حيث وقف ڤلاد شامخًاوعلى وشك أن ينطق ويسأل عمّا وجدوه، لكن…

قاطع اللحظة صوتٌ مفاجئ أربك الصمت المهيب

كانت معدة دايمن قد أعلنت تمرّدها بصوتٍ مسموع فالتفتت الأنظار إليه دفعةً واحدة

تنهد بتذمّر وهو يضع يده على بطنه قائلاً:

"آخ… أكاد أموت جوعًا! لماذا لم يذكر أحدٌ منكم الطعام؟ أم أنكم… مصّاصو دماءٍ حقًا يا رفاق؟"

ثم جلس على الأرض مادًا ساقيه أمامه بلا اكتراث وكأنه يعلن احتجاجه الرسمي

ردّت إحداهن باشمئزاز:

"إيوووه… هذا مقرف!"

رفع حاجبه مستنكرًا وقال:

"وما المقرف في الطعام؟ أم تقصدين صوت معدتي؟ تلك نداءات الطبيعة، سيدتي "

انفجر معظمهم ضاحكين من مزحته وتلاشى التوتر للحظة…

باستثناء إيلينا

لم تفعل سوى أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خافتة شاحبة لا تبلغ عينيها

فالحزن الذي استقر في صدرها منذ ما حدث قبل قليل لم يغادرها بعد

أما كايلن، فكان يراقبها بصمت

لاحظ ذلك الانطفاء في عينيها… والسكون الذي لفّها منذ تلك اللحظة

ورأى ما لم يره الآخرون

قالت إيونا بنبرةٍ حاسمة:

"حسنًا إذًا سأطهو أنا أمّا البقية فليتولّوا التنظيف فالمكان مكتظٌّ بالغبار"

تبادل ڤلاد معها نظرةً خاطفة

كانت مهمّة الطهو في النزهات تقع دائمًا على عاتقهما معًا وهو وحده يعلم أنها ترغب بأن يعرض مساعدته من تلقاء نفسه دون أن تضطر لطلبها صراحةً

ابتسم بخفّة وقال:

"سأطهو معك"

رمقته بنظرةٍ جانبية وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة

"وكأنك تُجيد فعل شيء أصلًا…"

انطلق ضحكه الخافت قبل أن يتبعها إلى المطبخ ولحقت بهما إيلينا ومارينا

كان المطبخ في طرف البهو الأول واسعًا على نحوٍ لافت تتوسّطه طاولةٌ خشبية عريضة وبجانبه فرنٌ كبير يبعث على الطمأنينة وعلى الجدران تعلّقت صفوف السكاكين وأدوات الطهو مصطفّة بعناية بينما امتلأت الخزائن والرفوف بكل ما قد يحتاج إليه المرء

وفي أحد الأركان استقرّت خزانةٌ مخصّصة لأدوات التنظيف

التقطت مارينا وإيلينا أربطةً قماشية فربطتا إحداها حول خصريهما اتقاءً للغبار وأخرى غطّت أنفيهما وأفواههما

وما إن نظرت إحداهما إلى الأخرى حتى انفجرتا ضاحكتين

"نبدو كراهبتين هاربتين من الدير!"

تعالى ضحكهما مجددًا قبل أن تتناولا أدوات التنظيف ويتبعهما الآخرون لينشغل الجميع بالعمل

الجميع… باستثناء شخصين

أحدهما كان على وشك الإغماء من شدّة الجوع والآخر لا يعرف حتى كيف يُمسك بالمكنسة

وبالطبع، لم يكونا سوى دايمن وكاميليا فبعض الناس وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب

فتحوا النوافذ فاندفع الهواء إلى الداخل يحرّك ستائر القصر الثقيلة ويُثير الغبار العالق في الأرجاء ثم بدأوا بالتنظيف

كانت إيلينا ومارينا تكنسان البهو بحركاتٍ متتابعة بينما وضع أدريان كرسيًا فوق الطاولة ليصل إلى الثُرَيّا العتيقة المعلّقة في السقف بدت قديمة ومتهالكة فخفق قلب إيلينا ومارينا خوفًا من أن يختلّ توازنه وتسقط به

أسرعتا تمسكان بالكرسي من الأسفل حتى أنهى عمله ونزل بأمان

بعدها انتقل إلى تنظيف الكراسي والطاولات في حين تولّى كايلن تنظيف النوافذ يفتحها على اتساعها ويمسح زجاجها المتّسخ قبل أن ينضم إليهم في مسح الأرضية

وحين فرغ أدريان مما بيده شاركهم العمل دون تردّد

أما دايمن فلم يتحرّك إلا حين شعر بنظرات كايلن الثابتة تخترقه وكأنها إنذارٌ صامت يدعوه إلى المشاركة

تنحنح بتصنّع ثم أمسك الممسحة بتثاقل فمساحة البهو كانت شاسعة على نحوٍ مرهق

تنهدت مارينا وهي تمسح العرق عن جبينها قائلة بتعب:

"هذا البهو لا نهاية له… بالكاد نظّفنا ربعه طوال هذه المدّة!"

توقّف دايمن لحظة، وكاد يترنّح من شدّة الجوع قبل أن يتمتم متذمرًا:

"اتركي أمر البهو… أخبريني لماذا لم ينتهِ هذان من إعداد الغداء إلى الآن؟"

──────────.★..─

بعد أن خرجت إيلينا ومارينا ودخل كايلن وأدريان حاملين ما تبقّى من الطعام الذي جلبوه معهم خلا المطبخ لإيونا وڤلاد وحدهما

مدّت إيونا يدها لتلتقط إحدى سلال الطعام لكن ڤلاد كان أسرع أخذها منها بهدوء حين شعر بثقلها ووضعها على الطاولة الخشبية العريضة

أسندت يدها إلى خاصرتها في حركةٍ كشفت ضجرها المكتوم بينما أكمل هو نقل بقية السلال دون تعليق كأنه يتجاهل اعتراضها الصامت

بدأت إيونا تُقلب في السلال تُخرج ما تحتاجه لإعداد وجبةٍ تليق بالجميع

على الطاولة تكدّست المكونات تباعًا: ملفوفة كبيرة، لحم مفروم، أرز، بصل، بهاراتٍ متنوعة، دقيق ذرة أصفر، جبن "Telemea" وسلّة صغيرة من التفاح الأحمر

اقترب ڤلاد من النوافذ وجعلها نصف مفتوحة فاندفع هواء بارد يحرّك أطراف الستائر ويخفف من ثقل الجو

ساد صمتٌ قصير لا يُكسره سوى احتكاك الأدوات بالطاولة

وضعت إيونا كلتا يديها على حافة الطاولة تستند إليها بجسدها وتميل قليلًا إلى الأمام كأنها تستجمع أفكارها… أو شجاعتها

تقدّم ڤلاد خطوة وصوته انخفض عن عادته حين قال:

"إيونا… بما أننا وحدنا، أريد أن—"

"اخرس… أنا أفكّر"

قالتها وهي تنظر إليه بطرف عينها نظرةً حادّة تقطع أي محاولةٍ للمقاطعة

تنفّس بعمق قبل أن يقول:

"أريد التحدّث معكِ، هل تظنّينني أحمق حت—"

قاطعته ببرود:

"أنتَ بالفعل كذلك"

في لحظةٍ خاطفة أمسك بيديها وشدّها نحوه لتواجهه لكنها نزعت يديه عنها فورًا وأعادتهما إلى خصرها بتحدٍ واضح كانت على وشك إكمال هجومها إلا أنه سبقها بصوتٍ متماسك يخفي انفعاله:

"هل يمكنكِ، من فضلك، أن تدعيني أُكمل كلامي دون أن تستبقي الأحداث وتقطعي حديثي بسخافتكِ؟"

رفعت حاجبها ببطء

"بسخافتي؟ حسنًا إذًا"

أدارت عينيها وأشعلت عود ثقاب ثم أشعلت به الفرن الحجري متجاهلة وجوده كليًا

اقترب خطوة

"لماذا تتجنبينني؟ هل بسبب ما حدث قبل الرحلة؟"

لم تجبه وكأن صوته مجرّد ضجيج عابر تمتمت بصوتٍ خافت كأنها تخاطب نفسها:

"سأحضّر السَّرمالي"

بدأت بأوراق الملفوف وضعتها في ماءٍ ساخن لتلين وتصبح قابلة للّف وفي قدرٍ عميق سكبت قليلًا من الزيت ثم أضافت بصلًا مفرومًا حتى صار ذهبيّ اللون

زفر ڤلاد بضجر

"إذًا أنتِ تتجنبينني حقًا… ولم أكن أتوهم هل يمكن أن أعرف السبب؟ أنا حقًا لا أفهم"

أضافت اللحم المفروم — الذي كان هو قد فرمه بينما يحاول الحديث معها — وقلّبته بملعقة خشبية، ثم رشّت ملحًا وفلفلًا أسود وقليلًا من الزعتر البري

قال بنبرةٍ أثقل:

"ما تفعلينه لن يحلّ شيئًا أنتِ تكبّرين الموضوع… وهذا سيجعل علاقتنا أكثر توترًا"

انفلتت منها ضحكة قصيرة ساخرة

"علاقتنا؟ وماذا تسمي علاقتنا؟"

بعد أن نضج اللحم نصف نضج أضافت حفنة أرز مغسول مدّ لها البقدونس المفروم فأخذته دون أن تنظر إليه

"ما هذا الأسلوب الساخر؟ ماذا تقصدين؟"

أخذت ورقة ملفوف وضعت فيها ملعقة من الحشوة ولفّتها بعناية كرّرت الحركة مرةً تلو الأخرى حتى امتلأ الطبق بأصابع صغيرة مصطفّة بإتقان ساعدها ڤلاد بصمتٍ ثقيل

"أنت أدرى"

رصّت السرمالي في قدرٍ فخاري سكبت فوقه مرقًا خفيفًا ممزوجًا بمعجون الطماطم ثم غطّته وتركته يغلي ببطء… كأن الغليان يعبّر عمّا بينهما

اقترب منها بنفاد صبر

"هذا لن يجدي معي اتركي ما تفعلينه لدقيقة… وتحدّثي إليّ"

رفعت رأسها قليلًا

"سأحضّر الماماليغا"

مرّر يده في شعره بعصبية

"تبًا للماماليغا، أنا أحادثك!"

ملأت قدرًا آخر بالماء والملح وحين غلا بدأت تصبّ دقيق الذرة ببطء مع تحريكٍ مستمر أخذ القوام يشتدّ تدريجيًا تحت يدها حتى صار سميكًا ذهبيّ اللون

جاءهما صوت دايمن من الخارج يصرخ متذمرًا من تأخر الغداء

سكبت الماماليغا في صحنٍ خشبي كبير وسوّت سطحها بملعقةٍ مبللة حتى بدا كقرصٍ أصفر لامع إلى جانبه وضعت شرائح سلامي مدخن وقطعًا من جبن "Telemea" الأبيض ثم رتّبت المخللات في صحنٍ فخاري

وخلال ذلك، كان ڤلاد قد عجن عجينة فطيرة سريعة: دقيق، بيض، قليل من السكر والزيت فردها وحشاها بشرائح تفاح ممزوجة بالقرفة والسكر وأدخلتها إيونا إلى الفرن الحجري فامتلأ المطبخ برائحة التفاح الدافئ

استدار إليها أخيرًا، ووقف أمامها مباشرة

"هل يمكننا الحديث الآن؟"

رفعت نظرها إليه أخيرًا

"لا أظن أن هناك ما نتحدّث عنه"

اشتعل صوته:

"أنتِ تتفوهين بالهراء بكلامك هذا أنتِ تنهِين الأمر"

"وأيّ أمر؟ وما هي علاقتنا؟ أجبني أولًا… حتى أعرف بماذا أجيب"

وقبل أن يرد—

انفتح الباب بعنف

"أكاد أموت من الجوع! أنا أموت وأنتما هنا تت—"

توقّف دايمن فجأة كانت ابتسامته العابثة كفيلة بأن تُشعل شرارة أخرى في عيني إيونا لم تتردّد

خلعت حذاءها… ورمته مباشرةً نحو وجهه

أصابه في منتصف جبينه

شهق وهو يمسك مكان الضربة بتعبيرٍ متألم:

"جيد… سأصمت"

──────────.★..─

بقي القليل من تنظيف البهو لكن الإرهاق انتصر عليهم أخيرًا فتركوا الأدوات جانبًا وجلسوا على الأريكة العتيقة يستريحون

كان دايمن يجلس إلى جوار كايلن بينما على الأريكة المقابلة جلست إيلينا وبجوارها أدريان

نزعت إيلينا الغطاء القماشي عن وجهها وملابسها ووضعته بهدوء على الطاولة ثم نهضت دون أن تنبس بكلمة اتجهت نحو الباب وخرجت إلى الحديقة القريبة من مدخل القصر لم تبتعد كثيرًا خشية أن تتوغل فتضل الطريق… أو يحدث ما لا يُحمد عقباه

جلست تستند إلى أحد أعمدة القصر الحجرية والهواء البارد يلامس وجهها المتعب

تسللت الأفكار إلى رأسها واحدةً تلو الأخرى

كيف سيعيشون هنا؟

ومتى سيعودون؟

وهل قد ينتهي بهم الأمر عالقين في هذا المكان إلى الأبد؟

تنهدت بعمق

صحيح أن تلك الأسئلة أكثر إلحاحًا… لكن سؤالًا آخر كان يلحّ عليها بإصرارٍ أشد:

لماذا يكرهني كايلن هكذا؟

لماذا لا يفعل شيئًا سوى إبعادي عنه؟

انقطع حبل أفكارها حين شعرت بثقلٍ خفيف إلى جوارها

نظرت فإذا بأدريان يجلس بقربها ابتسم لها ابتسامةً هادئة فردّت بابتسامة مماثلة وإن كانت أضعف قليلًا

"هل أنتِ بخير؟"

نظرت إليه باستغراب كانت تحدّق في وجهه مباشرة بينما هو يتجنب عينيها ينظر إلى الحديقة… إلى السماء… إلى أي شيءٍ سواها

"نعم، بخير لماذا تسأل؟"

تنحنح قليلًا قبل أن يتكلم:

"أعلم أنني لستُ صديقك المقرّب بعد لتُفرغي لي ما في داخلك… لكنني أرغب بذلك أعني… أرغب أن نصبح أصدقاء وحالكِ لا يعجبني أظن أن الجميع لاحظ… لقد انطفأتِ فجأة وكما يبدو لي—"

تردد لحظة ثم أكمل بخفوت

"أعتقد أن كايلن هو السبب كان ينظر إليكِ وأنتِ لم تنظري إليه مطلقًا… تجاهلتِه تمامًا"

توقف فجأة، ولوّح بيديه بإحراج

"أظنني تكلمت كثيرًا"

ابتسمت إيلينا وقد خفّ ثقل صدرها قليلًا

"حسنًا… أولًا أنت محلل رائع"

ثم أضافت بخفة:

"وثانيًا، بالطبع لنصبح أصدقاء"

مدّت يدها نحوه فصافحها مبتسمًا

قال بلطف:

"إن لم ترغبي بالحديث الآن فلا بأس لن أُجبرك لكن اعلمي إن أردتِ يومًا أن تُفصحي عمّا بداخلك… أو حتى تأخذي استشارة فأنا أجيد الاستماع"

ابتسمت إيلينا بصدق هذه المرة وجدت في أسلوبه دفئًا لم تتوقعه

"شكرًا لك… ليس الأمر أنني لا أريد الحديث معك أنا فقط… لا أعرف كيف أرتب كل شيء"

مال برأسه قليلًا وقال بهدوء:

"لا بأس تحدّثي كما تشائين… وسأتولى أنا ترتيب الفوضى"

تنهدت إيلينا وهي تشبك يديها فوق ركبتيها

"حسنًا… أولًا، أنا قلقة جدًا من بقائنا في هذا المكان تدور في رأسي أسئلة كثيرة: كيف سنعيش؟ هل يمكن أن نبقى هنا إلى الأبد؟ ماذا لو لم نجد مخرجًا؟

أظن أن الجميع يحاول التأقلم… ويتظاهر بعدم الخوف لكنني أشعر أن القلق يلتهمني وحدي"

أدار أدريان وجهه نحوها هذه المرة وصوته جاء أكثر ثباتًا:

"لن نبقى هنا للأبد كل ما علينا فعله هو تنفيذ ما يُطلب منا الآن لدينا ما يكفينا لنعيش ولسنا عاجزين نحن لا نظهر قلقنا لأننا على ما يبدو سنبقى هنا فترة  والتأقلم هو الخيار الوحيد

لو استسلمنا للتفكير المفرط سنهلك قبل أن يحدث أي شيء لا تُرهقي نفسكِ يا إيلينا"

هزّت رأسها ببطء

"لا أعلم… هذا المكان يقلقني كل ركن فيه يصرخ بأن شيئًا سيئًا حدث هنا"

ابتسم بخفة ليخفف وطأة كلماتها

"لا تدعي خيالك يعبث بكِ ما يحدث في رأسك ليس بالضرورة حقيقيًا نحن هنا معًا جميعًا… ولن يحدث شيء"

أغمضت عينيها لحظة

"حسنًا… سأحاول قمع هذا الشعور"

صمت قليلًا، ثم نظر إليها نظرة جانبية ماكرة

"حسنًا… والسبب الحقيقي؟"

التفتت إليه

"السبب الحقيقي؟"

"نعم. هذا القلق ليس وحده ما يشغلك هناك شيء آخر تفكرين به باستمرار تتظاهرين بأنك بخير مثل الجميع… لكن هناك أمرًا آخر أطفأك وأبعدك عنا"

ترددت

"أنا فقط—"

قاطعها بلطف:

"كما قلتِ… أنا محلل بارع لا تحاولي الكذب سأكتشفك أخبريني ماذا فعل كايلن بكِ؟"

كان يبتسم، لكن في عينيه ظلّ قلق خافت ليس خوفًا من كايلن بحد ذاته بل من أثر كلماته عليها كان يعرف مدى حساسيتها… ويعرف أن قسوة كايلن أحيانًا لا تُقال بحساب

تنفست بعمق

"يبدو أنني لن أستطيع المراوغة معك… الأمر بسيط هو يكرهني"

عقد أدريان حاجبيه قليلًا

"يكرهك؟ لا يبدو لي كشخص يكرهك أخبريني… ما الموقف الذي جعلكِ تعتقدين ذلك؟"

خفضت بصرها إلى الأرض وأخذت ترسم بأصابعها خطوطًا وهمية فوق الحجر

"كلما اقتربتُ منه… يدفعني بعيدًا ليس بيده بل بكلماته

يتحدث معي ببرود ينظر إليّ وكأنني عبء

وحين أتجاهله… ينظر إليّ وكأنه ينتظر شيئًا

لا أفهمه"

سكتت لحظة، ثم همست:

"لكنني أتعب من محاولة فهم شخص يعاملني وكأنني غير مرحبٍ بي"

ظل أدريان صامتًا، يفكر

ثم قال بهدوء:

"أحيانًا… أكثر الأشخاص ارتباكًا هم أولئك الذين لا يعرفون كيف يتعاملون مع ما يشعرون به"

نظرت إليه

"ماذا تقصد؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة

"أقصد… أن الكره لا يُشبه ما تصفينه"

تنفست إيلينا ببطء وكأنها تستجمع شتات نفسها قبل أن تتكلم

"حسنًا… عندما افترقنا وبدأنا نتجول في أنحاء القصر بقيتَ أنت وحدك وكنت قلقة عليك المكان مخيف كما ترى… فقلت لنفسي: سأتحدث مع كايلن هو غالبًا من يحلّ معظم الأمور وهو ذكي… أو على الأقل قد يخفف عني هذا الثقل

الأفكار السوداوية كانت تحيط بي من كل جانب في هذا القصر"

سكتت لحظة، ثم أكملت بصوتٍ أخفض:

"لكنه فقط طلب مني أن أذهب إليك قال إنه لا يريدني معه… وإنه اصطحبني لأنه يعرف أنني لا أجيد حماية نفسي لا لأن لوجودي فائدة

قال إنني أتحدث كثيرًا وأزعجه… وكل ما قاله كان يوحي بأنه… يكرهني"

ارتعش صوتها قليلًا

"وكايلن يكره هذه الصفات فعلًا لطالما عبّر عن احتقاره للأشخاص الذين يتصفون بها… ويتخذها سببًا لنفوره منهم"

صمت أدريان لحظة يزن كلماتها بعناية

"الأمر معقّد نعم… لكن لا يجب أن تأخذي حديثه بهذه الطريقة المطلقة أعتقد أن من الأفضل أن تصارحيه تحدثي معه بوضوح ودعيه يوضح حقيقة ما يقصده

أنا فقط… لا أظن أنه يكرهك بل يبدو لي من النوع الذي يُخفي مشاعره خلف القسوة"

ابتسمت ابتسامة باهتة

"أعرف أنه هكذا… لكنني لا أريد محادثته دائمًا أنا من يبدأ

هو لا يحب الاعتذار ولا يحب أن يُظهر ضعفه أو يوضح ما يشعر به لذلك كنت أنا من أعتذر في كل مرة… حتى حين لا أكون المخطئة"

نظرت أمامها بشرود

"لكن الآن؟ لا أريد ذلك

إن كان وجودي يزعجه… فلن أزعجه بعد الآن سأبقى بعيدة هكذا أريحه من إزعاجي"

تأملها أدريان طويلًا ثم قال بهدوء:

"إن كان هذا ما يريحك فافعلي ما ترينه مناسبًا لكن لا تجعلي التفكير يستنزفك لا تحمّلي نفسك أكثر مما تحتمل"

هزّت رأسها بخفة

"سأحاول"

خلف الباب… كان هناك شخصان يستمعان

كايلن… ودايمن

وقف كايلن متجمّدًا وكل كلمةٍ خرجت من فم إيلينا كانت كأنها تُغرز ببطء في صدره شعر بثقلٍ مؤلم في قلبه أدرك أنه جرحها… بسبب أمرٍ تافه أدرك أنه قال ما لم يقصده لكنه قاله على أي حال

أما دايمن، فكان الغضب يشتعل في عينيه

التفت إلى كايلن بحدّة وهمس من بين أسنانه:

"تبًا لك يا حقير… كيف استطعت أن تفعل بها هذا؟"

ردّ كايلن ببرودٍ متكسّر:

"اخرس"

اقترب دايمن خطوة

"اخرس؟ هذا كل ما تقوله؟ تبًا لك! لقد ضقتُ ذرعًا بتصرفاتك الملتوية بحق السماء ما الذي تفعله؟"

شدّ كايلن فكه وعيناه لا تزالان معلقتين بالأرض

وقبل أن ينفجر الموقف أكثر

جاء صوت مارينا من بعيد:

"يا رفاق، أين أنتم؟"

كانت تصعد من جهة الدرج متعبة من تنظيفه

نظر الاثنان إلى بعضهما بفزعٍ خاطف وكأنهما ضُبطا متلبسين

قال دايمن بسرعة:

"حسنًا، سأُنادي الجميع… إيلينا! أدريان! هيا، تعاليا!"

نهض كايلن أولًا وتبعه دايمن ودخلوا جميعًا إلى البهو وكأن شيئًا لم يكن

اقتربت إيلينا من مارينا أخذت منها المنديل ومسحت الغبار عن وجهها برفق ثم ضحكت بخفة على هيئتها المغبرّة

ضحكت مارينا بدورها وعاد الدفء للحظة

أما أدريان وكايلن… فقد تبادلا نظراتٍ حادّة

كلٌّ منهما يحمل سببًا مختلفًا لعدم تقبّل الآخر وصمتٌ ثقيل يفصل بينهما

وفي تلك الأثناء دخل دايمن إلى المطبخ متذمرًا:

"أنا حقًا سأموت من الجو—"

ولم يُكمل

فقد استقبله حذاء إيونا  في وجهه

انفجر الجميع ضاحكين وأكثرهم مارينا التي صفّقت بمرح وقالت:

"أخيرًا! لقد أخذتُ حقي منك!"

استمرّت ضحكاتها بينما كان دايمن يمسك رأسه يرمقها بنظرة حانقة لا تخلو من الاستسلام

سرعان ما امتلأ القصر برائحة الطعام الشهي الذي أعدّته إيونا وڤلاد

حملوا الأطباق وصعدوا بها إلى غرفة الطعام في الطابق الثاني

كانت الطاولة طويلة تتسع لعشرة كراسٍ جلسوا بهذا الترتيب:

على الجهة الأولى:

مارينا، بجوارها دايمن، ثم كايلن، ثم كاميليا

وعلى الجهة المقابلة:

ڤلاد، ثم إيونا، ثم إيلينا، ثم أدريان

وبقي الكرسيان اللذان يتصدران الطاولة… فارغين

كان أدريان يحدّق في فطيرة التفاح أمامه واضعًا الملعقة في فمه دون أن يتحرّك كأنه في حالة تأمّل مقدّس

ضحكت إيلينا فالتفتت الأنظار إليهما

قالت مبتسمة:

"يبدو أنها أكْلتك المفضّلة"

تحمحم سريعًا أخرج الملعقة من فمه ووضعها على الصحن ثم بدّل ملامحه إلى تعابير جادة مصطنعة… مما جعلها تضحك أكثر

"أحم… نعم. إنها المفضّلة لدي"

"أنت مضحك جدًا"

"هذه المرة الثانية التي تقولين فيها ذلك وأنتِ؟ ما أكْلتك المفضلة؟"

بدأ الجميع بالأكل بينما انشغل الاثنان بالحديث

"همم… لا أعرف إن كان لديّ طبق مفضّل أحب أشياء كثيرة لكن فاكهتي المفضّلة هي الفراولة وأعشق الشوكولاتة"

"رائع وأنا أيضًا أحب كليهما لكن فاكهتي المفضّلة هي التفاح… لذلك أحب فطيرة التفاح"

ترددت لحظة ثم سألته:

"هل يمكنني أن أسألك… كيف أصبحت حارسًا شخصيًا؟"

أومأ برأسه

"بالطبع والدي توفّي، ولم يبقَ غيري أنا وأمي وأختي أمي لا تستطيع العمل وأختي صغيرة… في العاشرة فقط لذلك تركت الدراسة وبحثت عن عمل نشأت في قرية لذا لياقتي البدنية كانت جيدة وتدرّبت أكثر المال كان جيدًا… ولهذا أنا هنا"

نظرت إليه بإعجاب صريح

"هذا رائع… تبدو قويًا فعلًا عضلاتك كبيرة مقارنة بعضلاتي"

"ليس لديكِ عضلات يا إيلينا"

فتحت عينيها باتساع

"أوه! أظنها إهانة لا أقصد عضلات ضخمة، بل… عضلات طبيعية لليد، فهمت؟"

ابتسم ساخرًا

"نعم نعم… يا صاحبة العضلات"

ابتسمت، ثم قالت:

"حسنًا، بما أنك أخبرتني عن عائلتك سأخبرك عن عائلتي

لديّ أم وأب وأخ فقط أمي لطيفة جدًا تحرص على نشر الطاقة الإيجابية في المنزل وطعامها رائع أبي حنون… يأخذني للتنزه دائمًا ويشتري لي ما أريد حتى أنه قطع شجرته المفضلة وصنع لي منها أرجوحة"

ابتسمت بشرود

"وأخي… اسمه ستيفن، أناديه ستيف دائمًا يأكل حلوياتي ويقول إنني قبيحة لكنه يعتني بي عندما أمرض وإن أهانني أحد يقول إنني حمقاء لا أعرف الدفاع عن نفسي… ثم ينتقم لي دون أن يخبرني

إنه يحبني، أعلم ذلك… لكنه لا يُجيد إظهار مشاعره وبطريقةٍ ما… أشتاق حتى لصراخه علي"

توقفت فجأة

"أعتقد أنني أزعجتك… تحدثت كثيرًا"

"على العكس… حديثك يُبهجني"

لكن الطاولة لم تكن غافلة

كانت العيون تتنقل بين أدريان وإيلينا… ثم نحو كايلن

همست إيونا للبقية:

"أرى شجارًا بين إيلينا وكايلن… ويبدو لي أن كايلن يكاد يقتل أدريان بنظراته"

قال ڤلاد بهدوء:

"نعم… إنه يغار الأمر واضح"

رفعت مارينا حاجبها

"ليس وكأنهما في علاقة حتى يغار عليها"

"ليست كل العلاقات رسمية كي تكون معقّدة"

تحمحمَت إيونا وكأن في كلامه رسالة مشفّرة لما حدث في المطبخ

تدخل دايمن وهو يمضغ:

"لقد تشاجروا فعلًا وكايلن الأحمق هذا يغار نعم بل وتنصّت على حديثهم خارج القصر وكنت معه وعرفت السبب وهو أن—"

توقّف فجأة

صوت كرسي يُسحب بقوة على الأرض قطع الحديث

وقف كايلن.

نظر أولًا إلى أدريان… ثم إلى إيلينا

سأله دايمن باستغراب:

"ما بك؟ لم تأكل شيئًا"

أجاب ببرودٍ حاد:

"لا رغبة لي في الطعام… المنظر كفيل بإفسادها"

كانت كلماته مسمومة ونظرته موجّهة نحوهما بوضوح

ثم استدار وغادر الغرفة متجهًا إلى البهو

ساد الصمت

تجمّدت إيلينا وعيناها معلّقتان بالمكان الذي كان يجلس فيه

قال أدريان بهدوء، وقد لاحظ اضطرابها:

"لماذا أرى أنكِ تشعرين بالذنب؟"

"لا أعلم… لكن وكأنه يقصدني بكلامه بنظرته… أنا حقًا لا أفهمه"

"يبدو أنه لاحظ تجاهلكِ له لكن من وجهة نظري ما تفعلينه صحيح هو لا يريد الاعتراف بخطئه… فلا تشعري بالذنب"

"أنت محق…"

قضوا بقية اليوم بين التنظيف والصمت

إيلينا تتجاهله

كايلن يلتزم الصمت… لكنه يراقبها

والبقية يتهامسون في الخفاء، يتبادلون النظرات والاحتمالات حول ما سيحدث لاحقًا

لم يُظهر أحدٌ شيئًا أمامهما…

لكن التوتر كان واضحًا للعيان

──────────.★..─

حلّ المساء وانتهى تنظيف القصر الظلام عمّ المكان

اتخذت الفتيات غرفة الملك والملكة غرفة نوم لهن بينما الفتيان أخذوا غرفة الأمير وبسبب قلة الأسرة أخذوا بعض الأسرّة من غرفة الخدم فوضعت ثلاث أسرّة في غرفة الأمير وسريران في غرفة الملك والملكة بسبب ترتيب الأسرة

كانت كاميليا تمسح مساحيق التجميل عن وجهها على سرير منفرد بينما تمددت إيونا وإيلينا ومارينا على السرير المجاور وانطلق حديث الفتيات

مارينا نظرت إلى إيلينا بقلق:

"إيلينا… ما خطبك؟ لا تعجبني حالتك"

شاركت إيونا الحديث:

"نعم… كأننا لا نفهم لكن نريد توضيحًا كاملًا للموضوع لا أريد أن يفوتني شيء واحد"

تنهدت إيلينا وأجابت بهدوء:

"لا شيء… فقط تعرفت أكثر على أدريان… إنه شخص لطيف"

إيونا حركت رأسها نحوها بفضول:

"نعم… وماذا حدث قبل هذا؟ هل جعلك تتحدثين معه؟"

أجابت إيلينا بخجلٍ قليل:

"كل ما في الأمر أن حدث شجار بيني وبين كايلن… لا أعرف إن كان يمكنني تسميته شجارًا أخبرت ذلك  لأدريان… وفقط بعد ذلك نادتنا مارينا للأكل"

مارينا رفعت حاجبها:

"ألَم تري كيف كان ينظر إليكِ على الطاولة؟"

ابتسمت إيلينا بارتباك:

"نعم… رأيت وأظن أنه يقصد أنني سددت شهيته"

همست مارينا بغضب خفيف:

"ذلك الوغد…"

"لا بأس… هو فقط…" قالت إيلينا وهي تنهض فجأة من على السرير صرخت إيونَا وجذب  ذلك انتباه كاميليا

"ماذا؟ ماذا؟ هل تمزحين؟ هل تبررين له الآن؟"

ردّت إيلينا بثقة:

"لا يمكن لأحد أن يجبر أحدًا عليه… إن لم يحبني فلا بأس لن أجبره على تقبلي"

مارينا تشعر بالحزن لأجلهما:

"يا رفاق… أنا حقًا أظن أن هناك سوء فهم جميعنا يعرف كايلن… إنه دائمًا يكتم مشاعره ولا يظهر اهتمامه لأحد لكن كل هذا لا ينطبق عليكِ… الجميع يلاحظ أنه يهتم… لكنه لا يعرف كيف يوضّح أو يصيغ مشاعره"

تنهدت إيلينا:

"لا أعلم بحق… أحيانًا تصرفاته ترفع آمالي وأحيانًا أخرى تسقط بي هذا يرهقني… أتمنى لو أستطيع سؤاله عن كل ما يدور بداخلي لكن لا أستطيع… أخشى أن يكون كل شيء من طرفي وحدي"

إيونا، بغضب ولمحة حزن:

"وحتى إن سألتيه… هذا الوغد لن يجيب أنا حقًا ضقت ذرعًا منهما"

سألت مارينا بفضول:

"منهما؟ هل تقصدين كايلن وڤلاد؟"

إيلينا بتردد:

"بخصوص ڤلاد… ما الذي حدث بينكما؟"

ضحكت مارينا بحدة:

"تبًا لدايمن… رأيته وقد حطمت جمجمته!"

ابتسمت إيلينا:

"لا دخل لدايمن بسؤالي… لم أقصد ما حدث في المطبخ أقصد قبل ذلك…"

نظرت مارينا لها بطرف عينها:

"لا دخل له؟ ثم تقولين ‘في المطبخ’… آخخ، أنت حقًا لا تجيدين الكذب!"

ضحكت مارينا:

"هيا… لا تغيّري الموضوع"

أجابت إيلينا بتنهيدة:

"حدث شجار بسيط… عدنا للموضوع الأول… ولا أعلم إن كنت أستطيع تسميته شجارًا أم لا"

تثاقل صوتها:

"يكفي… لننام أشعر بالنعاس"

"وأشعر بالعطش… سأنزل للأسفل وأعود…" قالت إيوانا

مارينا قالت بسرعة:

"سآتي معكِ"

خرجتا من الغرفة ببطء لكنهما توقفا فجأة عندما شاهدتا كايلن يمشي أمام الغرفة يديه في جيوبه رأسه نحو الأرض مترددًا… يعود للخلف ثم يتقدّم وكأن شيئًا يثقل قلبه

تبادلت إيونا ومارينا النظرات بصمت… وفهمتا الأمر قررت إيونا أن تبادر:

"كايلن… ماذا هناك؟"

وقف كايلن في مكانه وكأنهما قبضتا عليه متلبس في مسرح الجريمة مما جعل إيونا ومارينا تكادان تنفجران ضحكًا

أجاب بصوت منخفض:

"لَا شيء… كنت أدخن فحسب"

قالت إيونا، وهي تبتسم بغباء مزوّر:

"جبان…"

وهي تدور بجسدها وهي ممسكة بمارينا وكأنهما تعودان للغرفة

وقف كايلن للحظة:

"انتظرا… هل إيلينا مستيقظة؟"

ابتسمت كلتاهما بصمت وكأنها انتصرت ثم أدارت إيونا جسدها نحوه:

"نعم… سأنادِها لك"

دخلتا إلى الغرفة راكضتين يهزان جسد إيلينا الممدد على السرير نادياها بصوت مرتفع:

"إيلينا… إيلينا…"

نهضت مفزعة:

"ماذا؟ ماذا؟"

مارينا بحماس، وهي ترتب شعرها:

"كايلن ينتظرك في الخارج… اذهبي له"

إيونا محذرة:

"لا تتنازلي بسرعة له حتى يعتذر… رغم أني أشك أنه سيفعل لكن كوني صعبة المنال"

نظرت إيلينا إلى نظراتهما واحدة ترتب شعرها والأخرى تراقب الموقف… قبل أن تُدفَع خارج الغرفة برفق

"هل أنتما جادتان… كا—"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المتاهة الملعونة

المؤلف لوســـيل
2026/03/07 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة