──────────.★..─
"جيد... لننفصل على شكل ثنائيات وكل من يجد أوراق تخطيط القصر يجلبها هنا أي بندقية خرائط ملابس أو أدوات قد تساعدنا اجلبوها أيضًا لا تفترقوا بعيدًا عن بعضكم وليأخذ كل ثنائي بندقيته ولا يستخدمها إلا عند الضرورة أو إذا هاجمنا شيء... رغم أن المكان يبدو خاليًا من أي كائن حي"
لم يعرف أحد مع مَن سيذهب، فتقدّمت إيونَا بصوتٍ متردّد:
"هل يمكنني أن آخذ إيلينا ومارينا معي؟"
ردّ كايلن بنبرة هادئة حازمة:
"أظن أن الثنائيات ستكون أفضل... المكان واسع ومعقّد ويحتاج للبحث بتركيز ليكن كل ثنائي من شاب وفتاة فبعضكم لا يجيد القتال أو استخدام البنادق"
أومأ دايمن موافقًا فالحقيقة أن أيًّا من الفتيات لا تجيد حمل السلاح سوى إيونَا ما يجعل تركهن وحدهن في هذا المكان المجهول أمرًا مستحيلًا
تذمّرت كاميليا بنبرة ساخرة متعبة:
"أنا سأجلس هنا وأنت أيها الحارس ستبقى معي أيضًا لن أتعب نفسي معكم من أجل هذه الحماقة"
أجابه كايلن ببرودٍ ينضح نفاد صبر:
"لن يجلس أحد هنا كلّنا سنبحث اجلسي وحدك إن أردتِ... لكن بلا بندقية فأنتِ لا تجيدين استخدامها أصلًا"
سألت مارينا دايمن:
"هل يمكنني أن آتي معك؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة:
"بالتأكيد... لا أحد يتحمل بكائك غيري"
ضحكت مارينا بخفة على غروره المعتاد في محاولةٍ لكسر الجو المشحون
التفت أدريان نحو إيلينا يحاول أن يخفي حرجًا واضحًا من مخاطبتها لأول مرة بشكل مباشر:
"هل... تودّين أن تأتي معي؟"
نظرت له إيلينا باستغراب لكن صوت كايلن قطع اللحظة:
"أنت هنا من أجل حمايتها استكشف خارج القصر وحدك أنت مدرّب وتستطيع الدفاع عن نفسك... وستكون قريبًا منها"
صمت أدريان يدرك أنه ليس هنا كصديق بل كحارس شخصي لكاميليا التقطت إيلينا نظرة وجهه المنطفئ شعرت في ملامحه بالخذلان من طريقة كايلن الجافة
بقي كايلن وإيلينا وڤلاد وإيونَا لم يتبادل أحد منهم الكلام لكن تقسيم الأدوار صار واضحًا
التقت عينا إيلينا بإيونَا سؤالٌ صامت يمرّ بينهما:
هل تتحدث مع كايلن لتذهب معه؟
لكن إيونَا ابتسمت وأجابت بصوتٍ بسيطٍ حاسم:
"إذن سأذهب مع ڤلاد يتبقى أنتما الاثنان اذهبا معًا... هيا بنا"
أخذ كلّ فريقٍ طريقه داخل القصر وما حوله
إيلينا مع كايلن اتجها نحو أحد الممرات المعتمة بينما مضت إيونَا برفقة ڤلاد في الجهة الأخرى
أما مارينا ودايمن فقد غادرا إلى الخارج متوجهين نحو يسار القصر لاستكشاف ما يحيط به فيما اختار أدريان أن يسلك الجهة اليمنى وحده
خطواتهم كانت تتردّد في الصمت الثقيل كأن الجدران تحفظ صداها لتعيده إليهم بهمسٍ غامض
صعد كلٌّ من إيلينا وكايلن وإيونَا وڤلاد الدرج الخشبي العتيق الذي أنينُه يوشك أن يفضحهم عند كل درجة كان الغبار يتطاير مع خطواتهم والهواء في الأعلى أكثر برودة
هناك في منتصف الطابق الثاني تبيّن لهم وجود غرفة كبيرة تتوسط المكان تبادلوا نظرات سريعة ثم قرروا الدخول إليها معًا... الباب أطلق صريرًا طويلاً كأنه احتجاجٌ على فتحه بعد زمنٍ طويل
وكانت هذه هي غرفة الاستقبال والطعام في القصر التي هي أشبه بذكرى متجمدة في الزمن الطاولة الطويلة التي تتسع لعشرة أشخاص ما زالت مغطاة بقطعة دانتيل لكن الغبار تراكم على أطرافها فيما وقفت الشمعدانات الضخمة تحمل شموعًا ذابت حتى منتصفها تاركة خيوطًا متصلبة من الشمع على الفضة الباردة
إلى الجهة اليمنى بدت النوافذ المكسوة بستائر ملكية ثقيلة وقديمة توضح انها لم تُفتح منذ سنوات وتحتها ارتفعت أريكتان غطاهما بعض الغبار تتوسّطهما طاولة صغيرة تحمل مزهرية ذابلة ووردة يابسة بجوار شمعة محترقة للنصف
وفي الركن البعيد وقف البيانو الملكي صامتًا كأن أوتاره انكسرت منذ زمن تغطيه طبقة من التراب وتزيده كآبة بينما تعلّقت من السقف ثريّا كريستالية ضخمة تتدلى بلآلئ غبارها أكثر من لمعانها
المكان كلّه كان يهمس بأن وليمة ما قد انتهت منذ دهر لكن الأرواح التي جلست هنا لم تغادر بعد...
المكان جميل لاكنه يعكس الكأبه والسنين التي مرت
لم يكن في الغرفة ما يثير الانتباه سوى طاولة طويلة تكفي لعشرة أشخاص بينما وُضع طبق واحد فقط على الكرسي الأول في الجانب الأيسر من كرسي الملك ذلك التباين وحده كان كافيًا ليزيد الغموض ثقلاً في صدورهم
لكن شيئًا آخر كان يثقل قلب إيلينا تردّدت للحظة ثم قررت أن تشارك خوفها مع كايلن علّها تجد عنده ما يخفف عنها القلق فهو دائمًا ما يبدو الرجل الذي يجد حلًا لكل شيء
خرجت إيونَا وڤلاد من الغرفة متجهين في طريقهما وبقيت هي مع كايلن
نظرت إليه وقالت بهدوء متردد:
«كايلن؟»
رفع عينيه نحوها كما لو كان ينتظر كلامها فقد لاحظ صمتها الطويل على غير عادتها
- «ألا تظن أن ترك أدريان وحده قرار غير صائب؟»
لم يعلّق مباشرة واكتفى بالتظاهر بتفحّص أركان الغرفة بينما بدا عليه أنه لم يتوقع أن يكون هذا أوّل ما تطرحه عليه بعد كل ما حدث
تابعت إيلينا تظن أنه لم يفهم سؤالها:
- «أقصد... المكان مخيف ليكون وحده هناك...»
قاطعها فجأة نبرته باردة حادّة:
- «اذهبي إليه إذن»
- «لا أقصد ذلك أنا...»
- «نعم، أنتِ قلقة عليه إذن اذهبي إليه»
- «ليس الأمر هكذا ثم لا يمكنني تركك وحدك أيضًا... المكان مخيف»
حينها وضع البندقية على الطاولة واستدار نحوها بالكامل في ملامحه لمحة غضب لم ترها من قبل:
- «ليس وكأني أحتاجك أنتِ فقط معي أنتِ لا تستطيعين حماية نفسكِ ولا استخدام البندقية لذا اذهبي إليه إن أردتِ»
- «أنا فقط...»
قاطعها ببرودٍ أعمق:
- «هل أخبرك أحدٌ من قبل أنكِ كثيرة الكلام؟»
تجمّدت ملامحها وشعرت بالحزن يتسرّب إليها لم تتوقع أن يصل به الأمر إلى هذه الدرجة هي تعلم أنه يكره الثرثرة لكنه كان يستمع لها دائمًا دون رد أما هذه المرة فقد حطّم غضبه شيئًا في داخلها أطبقت شفتيها وصمتت تحاول تدارك ما يحدث
التقط هو البندقية وخرج من الغرفة متجهًا نحو الجهة اليمنى تاركًا خلفه صدى صمته ودمعتها المعلقة
──────────.★..─
pov: Iona
خرجتُ أنا وڤلاد من الغرفة الوسطى بعد أن تأكّدنا أنّها خالية تمامًا لا خزائن لا أوراق لا شيء يستحقّ البحث ومع ذلك لم أرتَح لترك إيلينا وكايلن وحدهما هناك كايلن يعاني من صعوبة في التعبير وإيلينا حسّاسة بطبعها... فكرة تركهما وحدهما تجعل صدري يضيق
تمتمتُ وأنا أخرج:
"سأحطّم رأسه إن جعلها تحزن"
الغرفة التالية كانت أبوابها مغلقة بإحكام لم نتمكّن من فتحها الممرّ نفسه بدا وكأنه مقتطع من لوحة ملكيّة قديمة: سجاد أحمر مغطى بالأتربة طاولات صغيرة بين كل باب وآخر عليها مزهريات ورد أو تماثيل صغيرة والشموع تذوب ببطء فوقها
قلت وأنا أتنفّس بضيق:
"حسنًا... بدأت أندم الآن على ترك إيلينا وحدها"
رفع ڤلاد حاجبيه وكأنني وجّهت له إهانة:
"آه طبعًا... السبب الأوّل أنّي مملّ أتثيريرك بالغثيان والسبب الثاني كايلن هذا الوغد تخافين أن يحزنها بكلامه الجاف أليس كذلك؟"
ابتسمت بسخرية:
"بالضبط أولاً أنت مملّ وثانيًا كايلن وغد"
ضحك بخفّة ثم قال:
"بالنسبة للسبب الأوّل... أنتِ تكذبين أنتِ من اخترتِ مرافقتي وهذه أكبر حجّة على كذبك أمّا الثاني... صحيح أنه وغد لكنني لا أظنّه سيجرح إيلينا بالنسبة له هي الوحيدة التي يراعيها... بطريقته الخاصة"
توقّفت عن الردّ في كلامه شيء من الصحّة كايلن دائمًا يتصرّف بأسلوبه الملتوي لكنّه في النهاية يهتمّ بالجميع خصوصًا بها
دخلنا الغرفة التالية فوجدنا أنفسنا في مكتبٍ واسع رفوف كتب ضخمة تملأ الجدارين الأيمن والأيسر وفي الأمام نافذتان كبيرتان يتدلّى بينهما ثريّا هائلة غطاها الغبار في الوسط طاولتان صغيرتان وكراسي وعلى يسار الباب مكتب خشبيّ عتيق
اقتربنا من المكتب قلّبتُ الأوراق أولاً: أوراق إعدام لشخصٍ ما توقيعات تتعلّق بوصول شحنات غامضة... أخذتُ ورقة الإعدام لعلّها تنفعنا ومعها كتاب قوانين المكان الذي تحوّل الآن إلى غابة في درج جانبي وجدت صندوقًا فيه حبر وريش كتابة وضعت الورقة والكتاب داخله
ڤلاد في الجهة الأخرى وجد مخطّطات القصر الداخلية والخارجية أخذناها أيضًا ما وجدناه كان كافيًا
خرجنا متوجّهين إلى الغرفة التالية غرفة ملابس ضخمة خزائن ممتلئة بملابس رجالية رسميّة وملكيّة صفوف من الأحذية أوشحة وربطات عنق وفي المنتصف كرسي مخملي باب صغير قاد إلى حمّام واسع في وسطه حوض رخامي دائريّ وحوله طاولة أدوات تنظيف
وقفتُ أضحك على ملامح ڤلاد المصدومة:
"تبا! ما كل هذا؟"
"نحن في قصر أيها الاحمق كل شيء هنا مضاعف ومبالغ فيه هذه عائلة ملكيّة"
تمتمت:
"عجيب كيف لم يأتِ أحد ليسرق كل هذا ويصبح ثريًّا..."
قاطعني بنبرة جادّة:
"وكأنك نسيت ما حدث هنا بالأمس"
تلاشت ابتسامته والمشهد المروّع عاد إلى اذهاننا
"كنا دائمًا نسمع الشائعات ولم نصدّقها... انظري أين انتهى بنا المطاف"
صمت ڤلاد وقد شعر بالذنب لأنه ذكّرني بمأساة الأمس
لم نجد شيئًا مثيرًا سوى الملابس خرجنا إلى الغرفة التالية: غرفة نوم بلون أحمر قانٍ السرير بغطاء أسود وغطاء سميك قانٍ في الوسط مكتب صغير على الجانب نافذة كبيرة بزخارف رائعة وستائر ملكيّة: دانتيل خفيف أسفلها ستائر مخملية سوداء ثقيلة في الجدار الجانبي نافذة أخرى تبرز قليلًا عن الجدارين يتوسطها كنبة أنيقة ستائرها بنفس الفخامة...
قرب النافذة كان يقف تلسكوب أرضي طويل مغطّى بطبقة رقيقة من الغبار وكأنه كان يُستعمل يومًا لمراقبة الأفق أو التجسس على حدائق القصر الممتدّة مررنا بجواره دون أن نلمسه ثم اتجهنا إلى المكتب
على سطح المكتب وُجدت صورة صغيرة موضوعة داخل إطارٍ خشبيّ داكن كانت تضمّ ثلاثة أشخاص: الملك الملكة وصبيّ يبدو أنّه ابنهما إلى الخلف على الجدار خلف المكتب مباشرةً علّقت صورة كبيرة لفتىٍ يقف بمفرده في نفس عمرنا تقريبًا ملامحه تكاد تتطابق مع الصبيّ في الصورة الصغيرة... بدا واضحًا أنّه هو الأمير
مددتُ يدي وأخذتُ الصورة الصغيرة بعناية:
"قد تكون هذه مفيدة... لنعرف بها الرفاق على سكان القصر"
──────────.★..
صمتت إيلينا طويلًا تفكّر في اللحاق بأدريان لكن شيئًا في داخلها فضّل الصمت وعدم إزعاج كايلن أكثر قررت أن تبتعد عنه بعد هذه المهمّة
هو بدوره لمح انكسارها وجرحها الواضح فدار بجسده وأخذ البندقية وخرج من الغرفة ليكمل التفتيش بينما في داخله أمنية صامتة أن تتبعه وتعود إلى حديثها المعتاد
تبعته بالفعل لكن بفمٍ مطبق وتعابير باردة لاحظ ذلك وكعادته تظاهر بعدم الاهتمام ودخلا الغرفة التالية رفعت إيلينا نظرها فرأت الباب الثالث مفتوحًا على ما يشبه المكتبة وسمعت صوت إيونَا وهي تحادث ڤلاد في الداخل
فتح كايلن باب الغرفة المجاورة فوجدها مقفلة بإحكام فتركها وانتقلا إلى الغرفة التي بعدها وكانت غرفة ملابس الملك
كانت الغرفة نسخة أفخم وأوسع من غرفة ملابس الأمير: أرض خشبية بنية تتوسطها سجادة فخمة خزانات ضخمة مليئة بالملابس وثريّا كريستالية هائلة تتدلى من السقف لم يجدوا شيئًا غريبًا فانتقلوا إلى الغرفة التالية وكانت غرفة ملابس الملكة
هناك سحر المكانُ أنفاسهما دُمى عرض خشبية بملامح باهتة من الزمن ترتدي مشدّات القوام الحريرية بعضها مغطى بالغبار وبعضها ما زال يلمع بالدانتيل
خزانة زجاجية تضم صفوفًا من القماش المطوي والمشدّات البيضاء والزرقاء والوردية كأنها أسرار محفوظة خلف الزجاج لم تلمسها يد منذ زمن بعيد
على الجانب الآخر مرآة ثلاثية الإطارات مغبّرة وطاولة عليها تمثال نصفي يعلوه عقد من اللؤلؤ أساور من الذهب والزمرد تاج مرصّع بالألماس والياقوت... المكان يغلب عليه الوردي الفاتح والأبيض سجادة وردية مزخرفة تتوسطها طاولة صغيرة وكرسي من المخمل على الجدران لوحات ملكية وباب يقود إلى حمّام خاص
رغم كل هذا الجمال لم تتفوّه إيلينا بكلمة إعجاب بل احتفظت بتعليقاتها لوقت آخر حين تلتقي بمارينا وإيونَا
انتقلا إلى الغرفة الأخيرة في الجهة اليمنى وكانت غرفة نوم الملك والملكة
في قلب الغرفة ارتفع سرير ملكي ضخم ذو أربعة أعمدة منقوشة تتدلى عليه ستائر دانتيل بيضاء مرصّعة بأطراف من الورود الجافة أغطية مترفة لكنها مضطربة
على الجانب الآخر أريكة عتيقة مخملية بألوان باهتة مصباح أرضي قديم ظلّه مهترئ تتدلى من أطرافه شرائط قديمة المرآة السوداء الكبيرة تكاد نصف محطمة زجاجها معتم كأنه يرفض عكس الحاضر ويحتفظ بأشباح الماضي في الشرفة كرسيان وحيدان يبدوان كأنهما يؤنسان بعضهما
فتح كايلن الخزانة بجوار السرير فوجد في درجها الأخير وثيقة قديمة بختم شمع ملكي نصف منقوض وكلمات باهتة:
«تم الاتفاق بين جلالتكم... وميهاي كوربيانو الغراب الأسود... على أن تُنفَّذ المشورة في شأن البيت الملكي..."
الكلمات الأخيرة ممزقة ومحترقة وكأن أحدهم حاول طمسها عمدًا
وبجوارها تميمة من حجر أسود لامع محفور عليها رمز الغراب وسطه سطح مصقول كالمرآة وقصاصة صغيرة بحبر قديم:
«الميثاق مع كوربيانو لا يُكسر إلا بدمٍ من ذات السلالة»
شعر كايلن بطاقة ثقيلة تنبعث من هذه الأشياء لكنه أيقن أيضًا أنه سيحتاجها فأخذها معه
رفع نظره نحو إيلينا التي ما إن رأته ينهض متجهًا نحو الباب خرجت فورًا وصعدت إلى الباب الأخير المؤدي إلى العليّة تبعها كايلن وصعدا معًا
كانت العليّة مرسمًا مضاءً بنوافذ مزخرفة من كل جانب تعكس ألوانًا زاهية على الجدران لوحات غير مكتملة فرش وألوان ومسند رسم في الوسط يحمل لوحة ضخمة لم يكتمل رسمها المكان استوقف كايلن بحكم حبّه للرسم لكن إيلينا رأت أنه لا يحتاج إلى تفتيش أكثر فانسحبت ونزلت رغم خوفها
انشغل كايلن بجمال المكان حتى قطع شروده صوت خطوات إيلينا على الدرج فشعر أنها تتجنّبه وأنه جرحها بكلامه أسرع خلفها خوفًا عليها
وصل أسفل الدرج فوجد ڤلاد وإيونَا بانتظارهم
اقتربت إيلينا منهم بابتسامة خافتة وسألت:
"هل وجدتم شيئًا؟"
ردت إيونَا:
"وجدنا خريطة وورق مخططات للقصر"
فعلّق كايلن بنبرة هادئة:
"جيد... سنحتاجها لمعرفة الأماكن"
──────────.★..─
pov: Adrian
كنتُ لا أفهم ما الذي يدور في رأس كايلن لماذا يتصرّف دائمًا وكأنه يتحدّث باسم الجميع؟
تلك النظرات التي يرميها نحوي كلّها جفاء وأنا لم أفعل له شيئًا هذه المرة الثالثة فقط التي أراه فيها والمرة الثالثة التي يكلّمني فيها بهذه الطريقة... حسنًا لا أهتمّ به
أنا فقط أرى أنّ إيلينا شخص جيّد لذلك أردت التعرّف عليها أكثر لكن كايلن أخذها معه
تبًّا له!
حتى عندما تحدّث معي كان هدفه أن يأخذها معه كان يراقبها بطرف عينه ينتظر ردّها... ساريك يا كايلن
تفرّقنا جميعًا إلى جهات مختلفة وها أنا أخرج من القصر متجهًا نحو الجهة اليمنى
أمسكتُ بالبندقية جيدًا وكاميليا - تلك المزعجة - بالطبع لم تتنازل عن مرافقتي فضّلت أن أذهب وحدي على أن أتحمّل حديثها المتواصل وتقزّزها طوال الطريق
كان المكان هنا مختلفًا نباتات وأشجار كثيرة غير مرتّبة لكنّها لم تذبُل غريب... لكن في الوقت نفسه جيّد هناك ثمار كثيرة يمكن أكلها بعد مسافة من الزرع ظهرت ساحة كبيرة فارغة تبدو كساحة مبارزة صناديق مقسّمة أنواع مختلفة من السيوف... ثم غرفتان متجاورتان في نهاية الساحة
أدرت بصري نحو الجهة اليسرى محاولًا الرؤية في المسافة الواسعة
همست لنفسي:
«تبًّا ما هذا؟»
كان هناك شخص أو ربما اثنان رفعت سلاحي بسرعة ووجّهته نحوهم وفعلوا المثل قلبي كان مستعدًّا لإطلاق النار... إلى أن اخترق الجوّ صوت أعرفه:
«أدريان! هل هذا أنت؟»
كان دايمن زفرتُ بارتياح وتصبّبتُ عرقًا رغم برودة الجوّ وانخفاض الشمس
«نعم... أنا!»
ضحك دايمن بصوت عالٍ:
«يعني بحقّك لم تتعرّف علينا؟ وهذه صاحبة الشعر الكستنائي... أوضح من شمس الظهيرة في السماء!»
لم أملك إلا أن أضحك بعد خوفي مزاحه في مكانه مارينا بجانبه تشعّ مثل النار تحت ضوء الشمس
أشار لي بيده أنّه سيكمل البحث وتقدّم نحو الغرفتين ومعه مارينا بينما اتجهتُ أنا نحو أول غرفة
كانت غرفة واسعة طويلة تملؤها الأسرّة على الجانبين فراغ في الوسط وبجوار كل سرير مِزْوَد صغير
بدأت أفتّش في الأدراج واحدًا تلو الآخر بلا جدوى حتى خارت قواي ولم أجد شيئًا مهمًّا
انتقلت إلى الغرفة التالية وما إن دخلتها حتى كاد السعال يخنقني؛ الغرفة مُكدّسة بالصناديق والغبار سمعت وقع أقدام خلفي فالتفتُّ موجهًا سلاحي نحو مصدر الصوت لأجد دايمن ومارينا أمامي
──────────.★..─
pov: Marina
بعد أن تفرّق كلٌّ منا في اتجاه مختلف خرجتُ أنا ودايمن إلى الجهة اليسرى من القصر كانت مساحة واسعة تكسوها نباتات عشوائية وأشجار متنوّعة تتدلّى منها ثمار مختلفة
دايمن الذي أعرفه تغيّر فجأة صار بملامح أكثر جدية عينيه حادتين يضم بندقيته مستعدًا لأي طارئ
مدّ يده والتقط بعض حبات الفراولة غسلها بالماء الملتصق بحزامه ثم تناول إحداها بنظرة جانبية نحوي كنت أنظر إليها منذ البداية فأنا أعشق الفراولة همست لنفسي: هل أطلب منه...؟
لكنّه باغتني مدّ لي الحبات التالية واحدةً تلو الأخرى حتى امتلأت كفاي التقطتها بصعوبة لكنّي فعلت ابتسمتُ له شاكرةً فهزّ رأسه بتعجرفه المعتاد وقال ساخرًا:
«أخبريني من دوني ماذا كنتِ ستفعلين؟ ستموتين من الاشتياق أولاً فأنتم لا تقدرون العيش بدوني... وثانيًا لأنّي...»
قاطعته متنهّدةً:
«ووو، كفى من فضلك! رأسي يؤلمني لست بمزاج لسماع عجرفتك دعني أركّز على الأكل فالفراولة رائعة»
ابتسم بمكر وأردف:
«أنتِ التي ستندمين»
«أحب الندم إن كان سيخلّصني من كلامك»
رفع حاجبيه واضعًا يده على صدره متصنّعًا الصدمة فضحكتُ على شكله
«ها قد عدتَ لشخصيتك المعتادة»
«اعترفي فقط أنّها تعجبك»
«إنها...»
لم أكمل فقد جذبني دايمن فجأة خلفه يحدّق بعينيه الضيّقتين في الجهة الأخرى التفتُّ لأرى ما ينظر إليه فإذا بشخص ما يراقبنا من بعيد رفع دايمن بندقيته نحوه ويبدو أنّه فعل المثل أرهقت عينيَّ أحاول التمييز هل يمكن أن يكون أدريان؟ وإن لم يكن فهذا يعني أنّ أدريان في خطر!
«دايمن انتظر هل يمكن أن يكون أدريان؟»
صاح دايمن منادياً فجاءه ردّ مألوف لحسن الحظ كان أدريان ومع ذلك لم يفوّت دايمن فرصة السخرية كالعادة نظرتُ إليه بين الصدمة والضحك فلم أتمالك نفسي بعد لحظات افترق كلٌّ منا متجّهًا إلى وجهته
دخلتُ أنا ودايمن غرفة طويلة بها صفوف من الأسرّة بدت كأنها غرفة الخدم ملابس معلّقة أدراج صغيرة بجانب كل سرير بحثنا في كلّ مكان يمكن البحث فيه حتى خارت قوانا ولم نجد سوى شيء واحد قد يكون مفيدًا: مذكرة قديمة لإحدى الخادمات كتبت فيها تفاصيل كثيرة عن حياتها أخذناها معنا
خرجنا إلى مكان قريب من الغرفة فوجدنا بئرًا وحوضًا طويلًا يبدو أنّه كان مخصّصًا لغسل الملابس حبال مشدودة وفوقها بقايا ثياب قديمة مثبّتة بمشابك والأرض مغطاة بأوراق الشجر والغبار
«ما رأيك أن نذهب لمساعدة أدريان؟»
«فكرة جيدة»
انطلقنا نركض باتجاهه
──────────.★..─
أدار أدريان جسده بسرعة موجّهًا البندقية نحو مصدر الصوت وما إن وقعت عيناه على القادمين حتى اتّضح أنّهما دايمن ومارينا
«ما بك يا صديقي؟ هل تصرّ على قتلي اليوم؟»
«بل أنت من تصرّ على قتلي من الخوف... لقد باغتتني مرتين!»
تبادل الاثنان ابتسامة قصيرة ثم أنزل أدريان بندقيته دخل الثلاثة إلى المكان وقد بدأوا يسعلون من الغبار المتراكم في الجو كانت غرفة أسلحة قديمة
«انتبهوا لا تلمسوا شيئًا قد ينفجر سأأخذ البنادق والرصاص فقط»
أومأ دايمن موافقًا وساعده على سحب صندوق كبير وجمع كل ما يحتاجانه فيه وبعد أن انتهيا خرجوا من المخزن وهم يتعاونون على حمل الصندوق الثقيل بينما كانت مارينا تمسك ببندقيتيهما بيديها وتخبئ حبات الفراولة في جيبها
ظلّ دايمن يحدّث أدريان في الطريق عن حياته وكيف التقى بهم لأول مرة تحدّث عن أيام كانوا فيها جيرانًا وعن انتقال أيلينا إلى منزل آخر لكن ذلك لم يقطع الصلة بينهم أحيانًا كانت أيلينا تأتي إليهم وأحيانًا يذهبون هم إليها
كان أدريان يسأل عن أيلينا على نحو خاص فابتسم دايمن وأجابه:
«اسألها بنفسك هي تحب الحديث وستستقبلك كصديق وتشعرك وكأنك تعرفها منذ زمن أيلينا طيّبة القلب لا تحب جرح أحد وتفضّل مشاعر الآخرين على نفسها»
وافقه أدريان وهو يبتسم:
«هذا ما شعرت به أيضًا... تبدو شخصًا نقيًا بحق»
وصلوا إلى القصر في تلك اللحظة متزامنين مع حديث أيلينا وإيونا في الداخل تقاطع الجميع في بهو القصر نصفهم عند أعلى الدرج والنصف الآخر في أسفله وقد خيّم على الجو شعور غريب بالترقّب.
──────────.★..─