ظلّت إيلينا غارقة في صمتها رأسها مسند على ركبتيها ويدها ترتجف بلا وعي من الخوف... ومن البرد الذي تسلّل إلى المكان
فجأة أحست بيد تتخلل أصابعها المرتعشة ببطء يد امتدّت إليها برفق تحمل شيئًا من الدفء وسط كل هذا البرد
كانت يد كايلن
أطبق أصابعه على أصابعها المرتجفة بصمت مفاجئ لم ينطق حرفًا لم يلتفت حتى... فقط منحها صمته وكأنه يقول: أنا هنا
رفعت إيلينا رأسها ببطء عيناها تتنقلان بين يدهما المتشابكتين وبين وجهه لكن ما إن التقت بملامحه حتى وجدته قد مال بوجهه إلى الجهة الأخرى يشيح بنظره عنها محدقًا في الظلام أمامه
لم يكن يريد مواجهتها ربما حتى لا ترى ارتجافه هو
لكن قبضته ظلّت ثابتة مشدودة ودافئة تحمل كل ما لم يستطع قوله
حين شدّت أصابعها على يده ردّ هو بتماسك أكبر... كأنهما يتناوبان حمل الخوف عن بعضهما
بقي على حاله صامتًا متصنّمًا
والجميع حولهما قد أثقلهم النعاس أغمضوا عيونهم فناموا كلٌّ في وضعيته
إيلينا وحدها قاومت النوم
رأسها يستند إلى الجدار جفونها تتثاقل تغلق وتفتح ببطء كمن يحارب غرقًا لا مفر منه...
حتى استسلمت أخيرًا وسقط رأسها على كتف كايلن الجامد الجامد من شدّة التيه لا من الرفض
──────────.★..─
pov: Damon
استيقظتُ بفزع على يدٍ تهزّني بقوة فقفزت من مكاني مذعورًا المشهد الذي رأيته لا يفكّ عن التكرار يتسلّل إلى نومي مرارًا كابوسًا ينهشني كلما أغمضت عيني
وعيت على نفسي والتفتُّ إلى كايلن الجالس متصنّمًا عيناه شاخصتان إلى اللاشيء وإيلينا نائمة على كتفه يلفّها بمعطفه
كنت أعلم أن الوضع لا يسمح بمثل هذه الملاحظات لكن... هذا الرجل لا يصبح إنسانًا إلا معها هي تحديدًا وهذه أغرب حقيقة يمكنني استيعابها
إنه كجذع شجرةٍ طويلٍ متحرّك بلا إحساس بلا ملامح مشاعر تلك صورته الظاهرة على الأقل غير أن ما يحاول إخفاءه لكنه يظهر رغماً عن أنفه... عندما يتعلّق الأمر بها
"أحضِر الحقائب"
"ماذا؟ أحضِرها أنا!؟"
"نعم، أنتَ"
"لا لا، لن أذهب وحدي! هل تمزح معي؟"
"دايمن... تمالك نفسك"
وضع كايلن يديه ببطء تحت رأس إيلينا وكوَّر المعطف ثم نهض ببطء ووضع رأسها بلطف على المعطف الذي شكّله بحيث لا تؤلمها رقبتها أخذ الضوء وذهب إلى أدريان الذي كان رأسه متكئًا على البندقية وهو نائم
أخذ كايلن البندقية فنهض أدريان بفزع ونظر إليه بينما كان كايلن يرمقه بنفاد صبر يحثه على النهوض
عقدتُ حاجبي بشكل لا إرادي فلم أفهم بعد ولا أعلم بما يفكر كايلن
"أجعل ڤلاد ينهض وينتبه للفتيات ويحرص على عدم إيقاظهن أو خروجهن"
نظرتُ إلى أدريان الذي بادلني نظراته المرتابة فأشرت له بأنني سأذهب مع كايلن وأن عليه أن يوقظ ڤلاد ويتبعنا
الفجر كان ما يزال يطل من الأفق والسماء تتشح بزرقة باهتة يغمرها ضوء خافت فيما الشمس لم تكشف وجهها بعد كأن النهار متردّد في البزوغ
وقفنا عند الباب حاجباي معقودان
قلتُ بصوت مرتجف قليلًا:
"كايلن... لماذا أتيتَ بي إلى هنا؟ ولماذا ما زلنا هنا بحق الجحيم؟ لنعد إلى منازلنا الوضع لا يُطاق لا أستطيع أن أرى هذا المنظر أمامي ولا أقدر على تنظيفه... فلا شأن لي به ثم لنتصل بالشرطة لتحل... "
"يبدو أنها حقيقة..."
"ماهي؟ كايلن ألا تسمعني أنا أتح..."
توجه كايلن وأدار جسده بالكامل مقابلي ليصادف قدوم أدريان وڤلاد الذي أصرّ على معرفة ما يحدث
قال كايلن جاذبًا انتباههم جميعًا:
"سوف أقول كلامًا وعليكم أن تسمعوني جيدًا"
ثم بدأ:
"هناك شائعات كثيرة عن هذا القصر وكلها تتفق على أمر واحد:
أولًا، هناك أرواح تسكن المكان وأن ما يحدث ليس فعل شخص
ثانيًا من يدخل هذا المكان لا يخرج منه إلا إذا فعل ما يُمليه عليه وكما يبدو هذا ليس بمزحة هناك من مات هنا ولا نعرف هويته حتى الآن لم يصل أحد قبلنا ولا بعدنا المكان لا يمكن لأحد أن يأتي إليه سيرًا على الأقدام ولا توجد إطارات سيارات غير سيارتينا ولا يمكننا افتراض وجود أحد يسكن هنا فالباب فتح معنا بقوة وصريره والأتربة المتناثرة تدل على أنه لم يُفتح لفترة ليست بالقليلة"
وقف الجميع بما فيهم أنا نحدق به بلا تعبير نحاول استيعاب كمّ المعلومات التي تنهال علينا بسرعة وفي آن واحد
قال ڤلاد باستنكار:
"أذن نحنُ محبوسون هنا ولا يمكننا الخروج وعليْنا تنفيذ ما يُملى علينا؟ منذ متى وأنت تؤمن بهذه الخرافات يا كايلن؟"
تنهد أدريان قبل أن يرد:
"ليس الأمر مسألة إيمان بما يحدث أو لا بل مسألة تحليل علينا التفكير مرارًا وتكرارًا قبل كل خطوة فالأمر ليس هينًا ولا مزحة علينا محاولة الوصول إلى حل"
أضاف كايلن بجدية:
"صحيح، لذلك لنبدأ أولًا بتنظيف المكان ونقل الأمتعة إلى الداخل فكما يبدو لن نخرج اليوم، لنتقاسم المهام"
تذكّر ما حدث أمس وشعر بالصدمة وبالذنب لما حلّ بالفتيات وانهيارهن فهو من جاء بهن إلى هنا وحمل على عاتقه عبء ما يحدث:
"الفتيات وحدهن ليدخل أحدنا أولًا إليهن هناك بنادق لكل منا في حقيبة السيارة"
رد أدريان بحزم:
"سأتولى الأمتعة وأحرص على سلامة الفتيات"
أومأ له البقية وقال كايلن:
"دايمن وڤلاد لننظف المكان وندفن الجثة في أحد الأماكن هنا فهي ستتعفن"
أضاف أدريان:
"نعم لا يجب أن ترى الفتيات هذا المشهد بالتأكيد لم يتخطين ما حدث بعد والجميع راوده الكوابيس"
...
نفذ كل منهم مهامه بحذر وانضباط دايمن وكايلن نظفا الدماء وما كُتب على الأرض بعد أن نسخوه في دفتر ثم أنزلوا الجثة بصعوبة كل حركة مدروسة لتفادي أي صدمة إضافية بينما كان كايلن يتفحّص المكان عينه وقعت على دفتر مذكرات وبطاقة شخصية فأخذها بحذر محاولةً قراءة أي أثر يدل على هوية المتوفى
تحرك أدريان نحو السيارتين عينيه تتأرجحان بين الرهبة والمسؤولية فتبعه ڤلاد غير راغب في أن يتركه وحيدًا وسط هذا الظلام تقدم ڤلاد بخطوات حذرة أمسك كتف أدريان ليطمئنه لكن الأخير أسرع وأدار بندقيته عند رؤيته ثم اعتذر وتركها وساعده في نقل الحقائب داخل القصر حيث كانت الفتيات نائمات غارقات في النوم بعد صدمة الرعب
وضعوا الحقائب ببطء وكأنهم لا يريدون إيقاظ أي همسة وأعادوا الكرة حتى انتهوا من نقلها جميعًا ثم وزعوا البنادق: لكل من دايمن وكايلن وأخذ ڤلاد واحدة لنفسه استعدادًا لكل احتمال
استيقظت كاميليا فجأة كأن قلبها انفجر من الرعب وركضت نحو كايلن ممسكة بياقته بعنف تهزه أمامها تصرخ بصوت ممزق ومختنق:
"كايلن... هذا حلم صحيح؟ أليس كذلك؟ ألم يحدث شيء البارحة؟ أجبني لا تصمت! أيمكنني العودة؟ أيمكنني؟"
لم ينطق ظل صامتًا ويداه تلمس قبضتيها بثبات يحاول بث صمته قوة لتهدئتها صرخ بها بصوت صارم لكنه متزن فأبطأت وبدأت دموعها تنهمر على خديها تتخللها شهقات متقطعة حتى توقفت عن الصراخ والحركة واقفة عيناها تتنقلان بين وجوه الجميع بحثًا عن إجابة لم تجدها
ركضت نحو البهو خطواتها تتردد على الأرضية الخشبية نظرت حولها كل شيء كما تركوه فتقدّمت بيد مرفوعة تشير إلى المكان وابتسامة متشابكة بالدموع ارتسمت على وجهها وقالت:
"إذن... كان حلمًا لم يحدث شيء..."
استيقظ الجميع على صوتها وبدأت إيلينا تنهض ببطء تسير بخطوات متثاقلة تتقدم نحوها وتمسك يدها الممدودة
"كاميليا... اهدئي من فضلك..."
دفعت كاميليا يدها بقوة ونظرت إليها بعينين محتقنتين بالخوف والغضب:
"اتركيني! وأنتِ أيضًا... لا تتخذي دور الملاك أخبروني... أخبروني بما يحدث!"
تنهد دايمن عيناه تتلمسان الهدوء وسط الفوضى وصوته منخفض لكنه واضح:
"ما حدث... ليس حلمًا لقد نظفنا كل شيء لكننا محاصرون داخل هذه الحدود البيضاء وهناك شروط... يجب تنفيذها بدقة إذا أردنا الخروج يجب على الجميع أن ينسى ما رأى وأن يساعدنا في البحث عن حل... وإلا سنبقى هنا جميعًا حبيسي هذا المكان"
كانت كاميليا على وشك الصراخ مجددًا لكن دايمن أوقفها بحركة حازمة صوته صارم وكلماته كانت كالحجر الصلد تزرع الوقار وسط الفوضى:
"اهدئي... استمعي جيدًا لأن ما سيحدث بعد قليل لا مجال للتراجع"
تكثر الكلام... هذا ليس هراء بل حقيقة"
قال دايمن بجدية تخترق المكان
"وجدنا ظرفًا هنا ونحن جميعًا كنا في نفس المكان ولم يدخل أحد إلى هنا غيرنا ادريان كان يحرس المكان وفجأة ظهر هذا الظرف على الطاولة كأنه جاء من العدم"
ثم أضاف ببطء مع توتر واضح في صوته:
"وهذا يؤكد الشائعات... ليس أمامنا سوى أن نواكب ما يحدث نحاول التأقلم ونسعى لفهم ما يحتويه الظرف يبدو أنه تهديد... أو تحذير"
جلس الجميع على الأريكة والظرف موضوع أمامهم على الطاولة
"أيها العالقون...
أُغلِقَت عليكم أبواب هذا المكان
فلن تنجوا حتى تُكملوا المهمة وتكشفوا السر الكامن
مَن تجاوز الحدود البيضاء فموته محتوم
ومَن صبر وأقام فربما ينال الخروج
لا تسرعوا... فاللغز يظهر في أوانه
مَن عجّل هلك، ومَن فهِم نجى
والويل... الويل لمن يخطئ الطريق
ويعصي الأوامر... فالهلاك مصيره"
ارتجف جسد الجميع وبدأوا يشعرون بثقل المصيبة التي حلت بهم
ارتجفت مارينا وصوتها يرتعش من الرعب:
"لكن... هذا المكان مخيف... كيف سنأكل؟ كيف سنعيش هنا؟"
أجابها كايلن بهدوء حازم
"أول خطوة أن نستكشف المكان علينا أن نفهم مخطط القصر وما يحتويه من أشياء قد تنقذنا"
تقدم ڤلاد عينه ترسم خططًا في ذهنه:
"حتى لو كان القصر مهجورًا ويقف وحيدًا بين الأشجار هناك خلفه عدد من الأشجار المثمرة وبعض الطعام في السيارة... لا تقلقوا بشأن هذه الأمور"
ثم تدخل دايمن صوته متوازن لكنه حاسم:
"ما رأيكم أن نفترق داخل القصر على شكل ثنائيات؟ كل ثنائي يتحمل جزءًا من الاستكشاف"
أومأ كايلن برأسه مؤكدًا:
"جيد... لننفصل على شكل ثنائيات وكل من يجد أوراق تخطيط القصر يجلبها هنا أي بندقية خرائط ملابس أو أدوات قد تساعدنا اجلبوها أيضًا لا تفترقوا بعيدًا عن بعضكم وليأخذ كل ثنائي بندقيته ولا يستخدمها إلا عند الضرورة أو إذا هاجمنا شيء... رغم أن المكان يبدو خاليًا من أي كائن حي"
•°•