بداية الاضطراب

بداية الاضطراب

14 0

──────────.★..─

'1795م'

في غرفة يغمرها البياض وتتزين بالأثاث الفاخر كان هناك لونان نافران يشقان سكون المكان بنُفورٍ قاسٍ

أحدهما أسود حالكٌ كسواد الليل... كان لون المرأة التي دَخَلَتْ كأنها لطخة داكنة لا تُفسد الغرفة فحسب بل تشوه حياة من فيها

وسط نقاء حياتهم وبياضها بدت تلك اللحظة السوداء نشازًا ثقيلًا كشائبةٍ تُعكر الصفاء كندبة لا يمحوها الزمن

أما اللون الآخر فكان أحمر قانيًا... لون الدم

لم يكن مجرد سائل أحمر بل نعيق موتٍ اقتحم البراءة ومزّق السكون بصرخةٍ أليمة

صرخةُ طفلٍ... شاخ في لحظة

عيناه لم تدمعا بل احترقتا من الداخل

ومات ما تبقّى له من دفءٍ في هذا العالم

──────────.★..─

'

1958م'

وقفت أمام المرآة الخشبية الكبيرة التي تزيّن زاوية غرفتها تُسرّح شعرها الأشقر بعناية تمرر الفرشاة بخفّة بينما تدندن لحنًا طفوليًا حفظته منذ صغرها كانت ملامحها مشرقة وابتسامتها عفوية كضوء شمسٍ تسلل من النافذة ليعانق وجهها

بدا اليوم واعدًا وكانت على استعداد لبدء صباحها بطاقة إيجابية تُشبهها

وفي خضم اندماجها تسلل صوت والدتها من خلف الباب يحمل نبرةً دافئة مألوفة:

"إيلينا..."

أجابت بسرعة دون أن تكفّ عن التسرّح:

"قادمة، أمي!"

وضعت الفرشاة على طرف المنضدة الصغيرة وألقت نظرة سريعة على انعكاسها في المرآة ثم فتحت الباب وخرجت مسرعة

خطواتها تلاحقت على درجات السلم الخشبي يقرع صوت حذائها مع كل نزول وكأنّه يعلن حيويتها

وصلت إلى الطابق السفلي حيث كانت والدتها تقف بالقرب من الطاولة الخشبية التي وُضع عليها الهاتف الثابت بيدها تلك السماعة السلكية القديمة التي لطالما أحبت إيلينا صوت طقطقات أزرارها

قالت الأم بابتسامة خفيفة:

"عزيزتي صديقتك مارينا على الهاتف تُريدك"

ابتسمت إيلينا برقة وأجابت وهي تأخذ السماعة بلطف:

"حسنًا، ماما"

وقفت لحظة تستجمع أنفاسها ثم وضعت السماعة على أذنها وقالت بصوت دافئ:

"أهلًا مارينا! كيف حالك اليوم؟"

"بخير، عزيزتي وأنتِ؟"

قالت مارينا بنبرة هادئة تحمل دفء الألفة

ابتسمت إيلينا وما زالت تعبث بسلك الهاتف ببطء:

"أنا بخير تمامًا... هل هناك شيء جديد؟"

"في الواقع... نعم دايمن يُخطط لإقامة حفل في قصر قديم وسط الغابة"

ارتبكت ملامح إيلينا وتراجعت ابتسامتها بخفة انعكست لمحة تردد في عينيها وهمست:

"قصر؟ في غابة؟ هذا يبدو كفيلم رعب من الدرجة الأولى..."

ضحكت مارينا بخفّة وقالت:

"كنت سأقول الشيء نفسه! في البداية ظننت أنه يمزح لكن لا بدا جادًا جدًا... قال إنه سيكون ممتعًا وإنه يريدنا جميعًا هناك سنذهب بسيارتين والجميع سيحضر إذا وافقتِ فسأذهب أنا أيضًا"

ترددت إيلينا وصوتها خرج أبطأ من المعتاد:

"لا أعرف... فكرة الغابة تُقلقني قليلاً صحيح أن وجود الجميع سيجعل الأمر أفضل لكن لا زلت أشعر بشيء غريب حيال ذلك"

"إيلينا لا داعي للقلق لو حدث أي شيء غير مريح سنطلب من كايلن أن يُعيدنا مباشرة سيكون هناك أيضًا ووجوده وحده كافٍ ليشعرني بالأمان"

رفعت إيلينا حاجبيها وقالت ببطء وكأنها تتحقق مما سمعت:

"كايلن؟ هل سيأتي؟"

"نعم... في الواقع دايمن قال لي أن أبلغه بأنكِ ستكونين هناك وأن الجميع سيحضر تردد قليلًا ثم وافق"

عاد الهدوء إلى ملامح إيلينا وتلاشى التوتر من عينيها تدريجيًا حتى لانت قسمات وجهها أخيرًا

تنهدت بخفة ثم تمتمت بنبرة خفيفة يختلط فيها الامتعاض بالموافقة:

"لا أعتقد أنه سيأتي... هو لا يحب الأماكن الصاخبة أصلًا ثم، لماذا يقرر عني؟"

سكتت للحظة، قبل أن تضيف بابتسامة جانبية:

"لكن... بما أن الجميع سيذهب فلنذهب إذن"

ضحكت مارينا بانتصار:

"رائع! إذًا سأذهب أنا أيضًا جهّزي كل ما تحتاجينه قد نبيت هناك دايمن جهّز كل شيء... الأكل المعدات حتى الأغطية"

"حسنًا، تحمّست الآن!"

قالتها إيلينا بحماس طفولي ثم بدأت تنقر قدمها على الأرضية بخشونة خفيفة بينما ازدادت حركة أصابعها حول سلك الهاتف القديم

"وأنا كذلك!"

ردّت مارينا وهي تضحك ثم أردفت:

"إلى اللقاء إذًا"

"إلى اللقاء"

أغلقت إيلينا السماعة ببطء وبقيت لحظة تنظر إليها وكأنها ما تزال تحمل أثر تلك المكالمة... ثم استدارت تركض نحو المطبخ بخطى متحمّسة كأن اليوم بات يحمل شيئًا يستحق الانتظار

ركضت إيلينا بحماس إلى المطبخ تنادي بصوتٍ مرتفع:

"أمي! أمي!"

كانت والدتها تقف أمام الموقد تحرّك الحساء على نار هادئة وقد بدا بخاره يعلو ببطء التفتت الأم برأسها بهدوء ترفع حاجبًا متسائلًا بينما تهز رأسها بخفّة إزاء حماسة ابنتها المفاجئة

"أمي! الأصدقاء يخططون للذهاب إلى الغابة والمبيت هناك! دايمن لديه قصر تملكه عائلته وسط الغابة وقد جهّز كل شيء: الطعام، الأغطية، كل ما قد نحتاجه! ما رأيك؟"

رمقتها الأم بنظرة قلقة وقالت بنبرة مشوبة بالحذر:

"الغابة؟ ألا تخافين أن يُفاجئكم حيوان مفترس أو يحدث شيء؟"

ضحكت إيلينا بخفة تحاول طمأنتها:

"أمي، الجميع سيكون هناك دايمن وكايلن لا يُغفلان مثل هذه الأمور، هما حريصان جدًا على السلامة"

زفرت الأم بخوفها المعتاد وهزّت رأسها قائلة:

"أنا قلقة عليك... الغابة بعيدة وكل الغابات حول المدينة واسعة وكثيفة أخشى أن يحدث شيء ولا نستطيع حتى الوصول إليكم"

لفّت إيلينا ذراعيها حول خصر أمها من الخلف وأسندت رأسها إلى كتفها برقة ثم قالت بابتسامة دافئة:

"أمي لماذا دائمًا تفكرين بأسوأ الاحتمالات؟ سنستمتع ونعود بسلام لا تقلقي"

ابتسمت الأم تلك الابتسامة التي تحمل استسلامًا مغلّفًا بحب:

"لا أظن أني سأصل معك إلى نتيجة... واضح أنك متحمّسة جدًا سأسأل الله أن يحفظكم ويردّكم سالمين"

قفزت إيلينا بخفة وقالت بفرح:

"شكرًا أميي! سأصعد الآن لأجهز أغراضي!"

وغادرت المطبخ بخفة كأن الحماسة تمنحها أجنحة فيما بقيت الأم تنظر خلفها تدعو في سرّها أن تكون ابنتها في رعاية القدر

تحدثت إيلينا بصوتٍ شبه صارخ من فرط حماسها ثم اندفعت نحو غرفتها تركض بخفة راحت تبحث بعينيها ويديها عن حقيبة كبيرة تسع كل ما تحتاج إليه في رحلتها المنتظرة لكن تركيزها العالي أظهر انكماشًا واضحًا فوق حاجبيها إذ لم تعثر على ما تبحث عنه بعد

وفجأة، لاحَ ظلٌّ عند الباب التفتت بخفة لتجد والدتها متكئة هناك تحمل ابتسامة حنونة على شفتيها وتمدّ يدها بحقيبتين متوسطتي الحجم

ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه إيلينا واقتربت لتجرب إحداهما

علّقت الحقيبتين على كتفيها تتدليان بأشرطةٍ طويلة تتوقف عند حدود خصرها تمامًا كان قماشهما مورّدًا كأن حديقةً ناعسة قد امتدت عليهما أزهار متناثرة بلطافة بألوانٍ هادئة منحت الحقيبتين طابعًا ربيعيًا يشبه صباحًا مشمسًا بعد ليلة مطرية

اختارت بعض الملابس والأغراض التي قد تحتاجها ورتبتها بعناية داخل الحقيبة كما لو أنها تحزم تفاصيل يومها المنتظر بعناية طفلة تتوق للمغامرة

وفجأة دوى صوت المفاتيح عند الباب... الإشارة اليومية التي تعلن وصول والدها وأخيها الأكبر من الجامعة

نزلت إيلينا بسرعة ما زالت الابتسامة تزين ملامحها

أسرعت إلى والدها احتضنته بشوق فبادلها العناق وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه المتعب كأنّها نسيت اليوم كله

ثم التفتت إلى أخيها وتقدّمت نحوه بترددٍ بسيط عانقته بحركة سريعة لكنه لم يبادلها سوى بنظرة جانبية قبل أن يصعد إلى غرفته دون أن ينطق بكلمة

توقّفت إيلينا في مكانها ثم ابتسمت بهدوء... كأنها اعتادت ردّ فعله هذا

لم تشأ التوقف عند ذلك فتوجهت إلى المطبخ حيث راحت تساعد والدتها في تحضير المائدة

وبعد وقتٍ قصير اجتمع أفراد العائلة حول طاولة الغداء

جلس كلٌّ منهم في مقعده المعتاد في مشهدٍ مألوف... لكنه في قلبها بدا مختلفًا هذا اليوم

بينما كانت العائلة تجلس حول مائدة الغداء وضعت إيلينا الملعقة جانبًا ثم رفعت عينيها نحو والدها وأخيها وقالت بحماس:

"أبي، أخي... سأذهب في رحلة مع أصدقائي إلى الغابة سنخيم هناك ونحتفل وقد نبيت هناك..."

لكنها لم تكمل إذ قاطعها صوت أخيها الغاضب فجأة قاطعًا تدفق كلماتها:

"مع أصدقائك؟ وتبيتين هناك؟ هل دايمن سيكون من بينهم؟"

بدت نبرته حادة تكشف أكثر مما يُفترض قوله

قبل أن ترد إيلينا تدخل والدها بهدوئه المعتاد يتحدث بنبرة أبوية حانية:

"لا بأس يا عزيزتي فقط انتبهوا على أنفسكم وإن كان كايلن ودايمن سيأتيان أخبريهما أن يأخذا معهما بندقية أو أي وسيلة حماية... تحسّبًا لأي طارئ ولا تتأخروا كثيرًا استمتعي بوقتك"

نظرت إيلينا إلى والدها وابتسمت بامتنان لكن عينيها التفتتا إلى أخيها الذي بدا وكأنه يغلي من الداخل

لم يردّ، بل عضّ على شفته وتظاهر بأنه يُكمل طعامه لكن غضبه كان ظاهرًا في نظراته ونبرة تنفّسه

كان يكره دايمن... هذا أمر يعرفه الجميع في المنزل دون أن يجرؤ أحد على قول السبب بصراحة

أما إيلينا فقد شعرت بقلقه الدفين لكنها أيضًا كانت تعرف أنه لن يعترف به بسهولة هو أخوها وكبرياؤه دائمًا كان يسبق مشاعره

وحين انتهوا من تناول الطعام جمعت الأطباق بهدوء مع والدتها ثم صعدت إلى غرفتها

فتحت خزانتها وبدأت باختيار ملابس مريحة ومناسبة للرحلة... قلبها يدق بحماسة وعقلها يسبح بين احتمالات المغامرة القادمة

رحلةٌ واحدة قد تغيّر كل شيء

رمت إيلينا بجسدها فوق سريرها ووضعت ذراعيها خلف رأسها تُحدّق بالسقف تنتظر وصولهم بشوق

وفجأة تسلّل إلى أذنيها صوت سيارة قادمة من بعيد فتدحرجت بسرعة عن السرير وركضت نحو النافذة

رأت سيارتين تتقدّمان ببطء على الطريق الترابي أمام منزلهم

في الأولى كان دايمن يقود بحماسة يُخرج رأسه من النافذة ملوّحًا لها وهو يبتسم بعرض

ابتسمت له ولوّحت بدورها قبل أن تنتقل نظراتها إلى السيارة الثانية

كايلن كان هناك... كما اعتادت رؤيته دومًا ملامح جامدة ونظرات يصعب قراءتها

لكنها ابتسمت له رغم الجمود فبادلها ابتسامة خافتة بالكاد تُرى كأنها ظلُّ مشاعر خجلة

خرج باقي الأصدقاء من السيارتين يلوّحون ويصرخون بحماسة

ضحكت إيلينا بخفّة على جنونهم الجميل ثم أسرعت نحو الحقيبتين

كانتا ثقيلتين على يديها النحيلتين فشعرت بوزنهما يرهقها فجأة

وحين نظرت حولها رأت والدها ووالدتها يقتربان منها

أخذ والدها الحقائب عنها دون أن تنطق ووضعهما بجانب البوابة المفتوحة ثم التفت إليها ليضع يده على كتفها بحنو

عانقته سريعًا ثم احتضنت والدتها لكنها لم تستطع منع عينيها من التجوّل... تبحث عن وجه أخيها

كان غيابه مؤلمًا بصمته... لم يأتِ ليودّعها

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها تخفي بها ما شعرت به في قلبها

في تلك اللحظة تقدّم دايمن كعادته بخطواته الواثقة والابتسامة لا تفارق وجهه

وبجانبه كان كايلن يمرر يده في شعره بحركة خجولة لا تزال على ملامحه تلك الجدية المعتادة

"أهلًا عمّي أهلًا عمّتي!"

قال دايمن بحيوية

"مرحبًا بكما، كايلن ودايمن"

أجاب والدها بلطف

اقترب كايلن دون أن يتحدث وحمل حقيبة إيلينا الثقيلة كما لو أنه يعرف تمامًا ما عليه فعله دون أن يُطلب منه ذلك

قال والدها، وهو يوجه نظره إليهما:

"كايلن دايمن... هل أخذتما بندقية معكما؟ وهل جهزتما كل شيء؟ الطعام الأدوات...؟"

ضحك دايمن وهو يربّت على كتف كايلن:

"لا تقلق يا عمّي ابنتك بين أيدٍ أمينة جهزت كل شيء وكايلن هنا لا يُفوت تفصيلًا واحدًا إنه قنّاص محترف! ولدينا أيضًا مفاجأة: معنا صديق جديد حارس شخصي يُجيد كل ما يتعلق بالحماية"

ابتسم الوالد رغم القلق الذي لم يزل يطفو في عينيه:

"حسنًا... فقط انتبهوا على أنفسكم"

وهنا كسر كايلن صمته أخيرًا بصوته الهادئ العميق:

"الوداع عمّي عمّتي... لا تقلقا سنعود جميعًا بخير"

ابتسم الوالدان لبعضهما حين ودّعا الشابين كانا يعرفان تمامًا طبيعة الصداقة الغريبة التي تجمع بين دايمن وكايلن... تناقضٌ لا يُصدّق

دايمن، المتهوّر المندفع وكايلن، الهادئ الحذر كأنهما نقيضان لا يجتمعان ومع ذلك ظلا أصدقاء منذ الطفولة

كانا يعرفان أن رغم كل شيء سيحرص كل منهما على الآخر... وعلى إيلينا أيضًا

لوّحا لهما بابتسامة مملوءة بالدعاء

حين نزلت إيلينا إلى الساحة فوجئت بأخيها ستيف واقفًا عند السيارات كأنه كان ينتظرهم رغم أنه لم يودعها قبل قليل

وحين التقت عينيه بعيني دايمن رمقه بنظرة حادة... فيها وعيد لا يحتاج إلى تفسير

ركضت نحوه ضمته إليها عنوة رغم تصلبه الواضح

"الوداع، ستيف..."

قالتها بابتسامة لا تخفي شيئًا

أبعد يديها عنه سريعًا، متظاهرًا بالبرود:

"هيا اذهبي سيكون المنزل هادئًا بغيابك"

هي تعرف أنه لا يقصد ذلك، أخوها لم يكن بارعًا في التعبير عن مشاعره بل كأن قلبه يختبئ خلف لسانه دائمًا... ولهذا ابتسمت له وفقط

وخلفها اقترب دايمن بخطاه الواثقة وابتسامة مشاكسة تعلو وجهه يقصد بها إثارة ستيف عمدًا:

"إيلينا هل ستصعدين معي أم مع كايلن؟ لا يزال هناك مكان فارغ في كلتا السيارتين"

نظرت إليه بابتسامة جانبية وقالت بنبرة تمزج المزاح بالحذر:

"سأصعد مع كايلن حفاظًا على حياتي... آسفة يا دايمن ما زلت لا أرغب بالموت"

مرر دايمن يده في شعره بثقة مصطنعة وأجاب ساخرًا:

"تشه، أنتِ الخاسرة"

ضحكت ثم استدارت لتصعد في المقعد الخلفي إلى جوار كايلن بينما بقي هو ينظر للأمام كما لو أنه لم يسمع شيئًا لكنه داخلًا انتبه لكل كلمة

انطلقت السيارتان أخيرًا وسط الضحك والحماسة وانسحب صوت الإطارات فوق الطريق الرملي كأنّه إعلان ببداية مغامرة

ومع أول منعطف تقدّم دايمن بسيارته ليجعلها بمحاذاة سيارة كايلن وكأنهما يسبحان جنبًا إلى جنب في طريق طويل لا يعلم أحد إلى أين سيقودهما

„Hai cu cântatul, fraților!"

"هيا بنا مع الغناء يا رفاق!"

قالها بحماس ليبدأ هو أولًا ويتبعه الآخرون وهم يصفقون ويتمايلون على وقع اللحن والضحكات

𓆟 𓆞 𓆝 ₊˚🎧⊹♡𓆝 𓆟 𓆞

Străzile din România

شوارعُ رومانيا تمضي بنا حيثُ نشاء

Ne duc unde vrem, e magia

تُخبّئُ في خُطاها سحرًا خفيًّا

Cu prieteni în spate și soare

مع الأصدقاءِ خلفَنا، والشمسُ تبتسمُ في السماء

Nu vrem nimic, doar zâmbet și stare

لا نُريدُ شيئًا سوى بسماتٍ ولحظةٍ بهيّة

Vântul ne prinde prin păr

تداعبُنا الرياحُ بخفّةٍ بين الخُصلات

Drumul e viu, simțim că zburăm

الطريقُ حيٌّ، ونشعرُ أنّا نُحلّقُ فيه

Muzica urlă, ochii sclipesc

تصرخُ الموسيقى، وتلمعُ العيونُ نشوى

Azi nu-i rutină, totul trăiesc

اليومَ لا روتينَ، بل حياةٌ نعيشُها

Ridică volumu' și lasă-l așa

ارفَعِ الصوتَ، ودعهُ كما هو

Strigă cu mine: e viața mea!

اصرُخ معي: "هذي حياتي!"

Fără bilet, fără o hartă,

لا تذاكرَ، لا خرائطَ في الجيوب

Doar noi pe drum și lumea e toată!

نحنُ على الدربِ، والعالمُ كلُّهُ لنا

𓆟 𓆞 𓆝 ₊˚🎧⊹♡𓆝 𓆟 𓆞

وصلوا إلى بداية الغابة تلك النقطة التي خفَت عندها الضحكات واختنقت الأغاني في صدورهم لتحلّ مكانها رهبة صامتة

ساد الصمت بين الجميع وتركيزهم انحصر على الطريق الضيق الذي بدأ يبتلع السيارتين شيئًا فشيئًا

لم يعد يُسمع سوى صوت المحركات واحتكاك الإطارات بالطين والحصى وصوت الأغصان المتكسرة التي تمردت على الأرض تحت عجلاتهم

استمروا بالسير ببطء حتى وصلوا منتصف الطريق تقريبًا حين دوى فجأة صوت غريب من السيارة التي كان يقودها دايمن صوت ميكانيكي مكتوم أعقبه اهتزاز خفيف جعل السيارة تتوقف

"تبا! ما الذي حدث؟ لماذا توقفت؟ هذه..."

لكن صوته لم يكتمل

انبعث صوتٌ قويٌّ ومشوش من راديو السيارتين في نفس اللحظة صوت غامض وضاغط كأن أحدًا يصرخ من بُعد آلاف الأميال ممزوجًا بتشويش ثقيل وكلمات غير مفهومة

غطّى الجميع آذانهم فورًا يتألمون من شدته بينما أسرع كايلن لإغلاق الصوت ولحقه دايمن بعد لحظة ثم قفز كايلن من السيارة بسرعة  , وتمتمت كاميليا  غاضبة

"أعع! ما هذا؟! دايمن تبا لك أيها الأحمق! لماذا توقفت هنا؟ ألم أقل لك تقدّم ببطء؟ يا ليتني لم آتِ! تبا لي... تبا لك!"

بدأ الجميع يترجلون من السيارتين باستثناء كاميليا التي بقيت في الداخل وهي تعلن تذمرها كعادتها

ردّت عليها إيوانا بنفاد صبر:

"آه، كاميليا! لسنا بمزاج لتذمّرك الآن كلنا في نفس الوضع فقط... اهدئي من فضلك"

لكن كاميليا رفعت رأسها بشموخ مصطنع ونظرت من نافذتها بازدراء:

"أنتم معتادون على هذا القرف أما أنا؟ هل تتوقعين من كاميليا أن تضع قدمها على هذه القدارة؟ مستحيل! أنتَ أيها الأخرق! تعال إلى هنا فورًا!"

أدرك أدريان أنه المقصود فهرع إليها من دون نقاش

صرخت عليه:

"ألم يعينك والدي خادمًا وحارسًا لي؟! انتظر فقط سأطردك بمجرد أن نعود! هيا تصرّف! شغّل السيارة الآن!"

عندها تدخّل كايلن محاولًا السيطرة على أعصابه وهو يضغط على كلماته:

"كاميليا... اخرسي وانزلي من السيارة واذهبي مع باقي الفتيات إلى هناك الآن"

نظرت كاميليا إليهم جميعًا من داخل السيارة ملامح التقزز مرسومة بوضوح على وجههاكأن الهواء نفسه لا يليق بأن تتنفسه معهم رفعت ذقنها بتعالي وقالت بنبرة لاذعة:

"إلى أين بالضبط؟ وكيف لي أن أذهب؟ على قدميّ؟"

رد دايمن بنفاد صبر وهو يلوّح بيده بعشوائية:

"إلى الجحيم كاميليا!"

لكن قبل أن يتصاعد الموقف اندفع أدريان بخفة وانحنى بجسده أرضًا دون اعتراض

تسلقت كاميليا على ظهره كما لو أنه درَج بشري ونقلها إلى السيارة الثانية حيث كانت الفتيات قد استقرّين بالفعل

في الجهة الأخرى صعدت إيوانَا خلف المقود تحاول عبثًا تشغيل محرك السيارة المتعطلة بينما اجتمع جميع الفتيان خلفها يدفعون المركبة بثقلها على الطريق الترابي الضيق

شيئًا فشيئًا... وبعد محاولات مرهقة تحركت السيارة أخيرًا فتنفست المجموعة الصعداء

عاد كايلن إلى مقعده في السيارة الثانية وتحركوا جميعًا من جديد ببطء وحذر تخترق أعينهم بين الأشجار الكثيفة التي كانت الشمس بالكاد تتخللها

وفجأة وسط هذا المشهد الغامض برز من بين الأشجار جدع القصر... شامخًا من الأعلى كأنه يراقبهم بصمت

كلما اقتربوا أكثر بان لهم البناء العتيق بوضوح

وصلوا أخيرًا إلى بوابة القصر الحديدية دفعها دايمن لتُفتح بصرير ثقيل يشبه أنين ماضٍ قديم ثم دخلوا بالسيارتين إلى باحة القصر الداخلية

ترجلوا جميعًا من السيارات ووقفوا في صمت أمام المشهد الذي بدا كأنه مشهد مسرحي مفاجئ

كان القصر ضخمًا بهندسة فاخرة توحي بعظمةٍ قديمة... لكن ملامحه كانت باهتة نوافذه مغطاة بالغبار والجدران متآكلة في بعض الزوايا

الجمال كان هناك... لكنّه مكسوّ بطبقة من الإهمال والرهبة كأن المكان يحتفظ بسرّ ما لا يريد أن يُكشف

نظروا إلى بعضهم بصمت... وكلٌّ منهم شعر بذلك الشعور الغريب الذي لا يمكن تسميته.

──────────.★...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المتاهة الملعونة

المؤلف لوســـيل
2026/03/07 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة