كان القصر ضخمًا بهندسة فاخرة توحي بعظمةٍ قديمة... لكن ملامحه كانت باهتة نوافذه مغطاة بالغبار والجدران متآكلة في بعض الزوايا
الجمال كان هناك... لكنّه مكسوّ بطبقة من الإهمال والرهبة كأن المكان يحتفظ بسرّ ما لا يريد أن يُكشف
نظروا إلى بعضهم بصمت... وكلٌّ منهم شعر بذلك الشعور الغريب الذي لا يمكن تسميته
"هيا يا رفاق، لندخل أعلم أن المكان يبدو مخيفًا قليلًا لكنه قديم فحسب وبعض التنظيف سيجعله أفضل بكثير"
بدأ الجميع يستوعبون كلامه يهدّئون من أنفسهم ويحاولون تجاهل ذلك الإحساس الغريب الذي يزحف في صدورهم
ترجّلوا من السيارتين وتقدموا بخطوات بطيئة تتنقل أعينهم في كل زاوية من المكان
على جانبي القصر تمتد حديقة واسعة وفي الوسط مساحة حجرية كبيرة تتوسطها نافورة رخامية عتيقة مهملة منذ زمن الطحالب الخضراء تزحف على أطرافها والزمن قد ترك عليها بصماته القاسية
كانت ساكنة إلى حد يثير القشعريرة... وكأن الماء الذي كان يرقص فيها يومًا ما قد غادرها بلا رجعة تاركًا صمتًا يثقل الأجواء
لفتت أنظارهم بوابة القصر الضخمة شامخة كحارسٍ صامت يقف منذ عقود تحدّق في القادمين ببرود
تقدموا جميعًا نحوها يتقدمهم دايمن وكايلن وإدريان الذي كان يضم البندقية إلى كتفه مستعدًا لأي هجوم محتمل من حيوان مفترس
خلفهم كانت إيوانا تمسك بيدها اليمنى إيلينا وباليسرى مارينا تمشي بثقة الأخت الكبرى التي تحاول بث الطمأنينة في قلوبهم أما ڤلاد فكان يسير بالقرب منهم متأهبًا بدوره
أما كاميليا فكالعادة أبقت مسافة بينها وبين الجميع وكأنها فوق هذا المشهد بأسره
مدّ كايلن يديه على البوابة ودفعها بقوة... فأطلقت صريرًا معدنيًا طويلاً كأنها تحتج على إزعاج سباتها الطويل
من الداخل هبّت نسمة باردة تحمل معها رائحة ثقيلة تشبه رائحة الرِّهام تمتزج برطوبة قديمة تسكن الجدران والأرضية
على الأرضية الخشبية المتهالكة كانت خطواتهم تحدث صريرًا خافتًا مع كل حركة شغّل بعضهم الأضواء المعلقة على الجدران إذ كانت النوافذ جميعها مغلقة بإحكام تمنع أشعه الشمس من التسلل إلى الداخل
بمجرد أن دخلوا انكشفت أمام أعينهم روعة البهو الملكي الفسيح سقفه شاهق الارتفاع تتدلى منه ثريّا ضخمة ورغم أن الغبار قد غلّفها بطبقة رمادية كثيفة إلا أن خيوط الضوء القليلة التي لامستها جعلتها تلمع وكأنها نجمة وحيدة تتوهج وسط ظلام الليل
كانت الجدران المحيطة بالبهو مزخرفة بنقوش باهتة بفعل الزمن لكن ملامح العظمة القديمة لا تزال واضحة شاهدة على مجدٍ غابر
في المنتصف تمامًا ارتفع درج خشبي عريض يتفرع بانحناء رشيق إلى جناحين أحدهما يقود إلى الجهة اليمنى والآخر إلى الجهة اليسرى في الطابق العلوي
تحف الدرج أعمدة خشبية عالية متينة رغم تقادمها تتزين بزخارف دقيقة تشهد على براعة الحرفيين الذين صنعوها
كانت الأرضية مكسوّة بطبقة كثيفة من الغبار شاهدة على السنين الطويلة التي تُرك فيها القصر مهجورًا بلا عناية ملأ السكون أرجاء المكان حتى بدا وكأن الزمن نفسه توقف عند عتبته
لم يكن يُسمع سوى صرير خطواتهم المترددة
وصوت الرياح المتمردة تتسرب عبر النوافذ المغلقة تعزف لحنًا باهتًا خافتًا يخلو من أي طمأنينة... مجرد همس بارد أقرب إلى تحذير خفي لما قد يكون بانتظارهم
وفجأة اخترق ذلك السكون صوتُ صرخة حادة انطلقت كالسهم ومزّقت الهواء من حولهم ارتجّت لها الأبدان وتجمّدت الدماء في العروق لم تكن صرخةً عابرة بل انبثقت من أعماق رعبٍ خام كأن من أطلقها قد رأى ما لا يمكن تحمّله أو حتى تصديقه
وبينما تتبع العيون مصدر الصوت بفزع بجمود من هول ماسمعوه كانت الحديقة تحتضن مشهدًا لا يُغتفر... جسد يتدلى بهدوء مرعب مشنوقًا في منتصف ساحه القصر يتأرجح مع الريح كأن الموت اختار أن يُعرض في العلن
وكان أسفل هذه الفاجعة على الجدار المتصدّع كلماتٌ غامضة مرسومة بدماء داكنة وكأنها كُتبت بيد من شُنق كان الخط متعرجًا غير مستو كأن صاحبه كتبه في لحظاته الأخيرة يتشبث بالحياة بينما ينقش تحذيره الأخير...
تلك الصرخة... لم تكن النهاية
بل كانت إعلان البداية
هنا تتحوّل الحياة إلى كابوسٍ لا يُفيق
والجحيم يفتح بابه على مصراعيه
من هذه اللحظة... لا مفرّ
والآن فقط... يبدأ العرض الحقيقي
تجمّدت خطواتهم دفعةً واحدة
الهواء أصبح أثقل والصمت تحوّل إلى صرخةٍ صامتة تمزّق العقول
تقطّعت نظراتهم بين الجثة المتأرجحة وبين ما كُتب بالدم أسفلها...
وقفوا جميعًا عند العتبة لكن كايلن ظلّ واقفًا كتمثالٍ من حجر
عيناه مسمّرتان على الجثة لا يرمش لا يتحرّك وكأن جسده انفصل عن وعيه
لم ينطق بحرف لكن نظرته تحفر الكلمات المكتوبة أمامه في عقله يعيد قراءتها مرةً بعد مرة وكأنه يحاول أن يُقنع نفسه أن ما يراه الآن مجرّد وهم... مجرّد خدعة بصرية وأنه لو أزاح عينيه وعاد لينظر مجددًا سيختفي كل هذا
شهق دايمن بوضوح ثم أدار وجهه بسرعة كأنه عاجز عن تحمّل ما يراه
حاول أن يتماسك لكنه بدأ يتمتم بكلمات مبعثرة صوته منخفض ومرتبك وكأنه يحاول اللحاق بسرعة الأحداث التي داهمتهم كان مشتّت الذهن واضح عليه أنه عالق بين محاولة استيعاب الموقف عقليًا وصدّه عاطفيًا
أما ڤلاد فكان ساكنًا متصلبًا بجانب الحائط يسند ظهره ويداه تضغطان على الخشب البارد خلفه عيناه لم تفارقا الجثة يغمضهما بصعوبة ثم يفتحهما ببطء وكأنه ينتظر أن يختفي المشهد بمجرد أن يفتح عينيه... لكن الجحيم أمامه لا يتبخر
التفتت عيناه نحو إيوانَا ليراها وقد وضعت يدها على صدرها قلبها يخفق كطبول الحرب
أنفاسها متسارعة وملامحها تشي بصراع بين الصمود والانهيار
إلى جانبها كانت مارينا جاثية على ركبتيها تبكي بصمت دموعها تنحدر بلا صوت لكنها تحمل كل الرعب الذي يعتمل في صدرها نظرت إلى إيوانَا وهي تمسك يدها شفتيها ترتعشان تحاول قول شيء... لكن جسدها كان يخذلها
عندها جلست إيوانَا بسرعة وضمت مارينا إلى صدرها وكأنها تحاول حمايتها من المشهد تحجب عنها الجثة المعلقة والدماء على الجدار وكأنها بضمّتها تستطيع أن تمحو ما رأته للتو
"هذه... مستحيل... مستحيل! لا تخافي... لا تخافي..."
همست إيوانَا بصوت مكسور وكأنها تحاول تكذيب ما تراه عيناها تحاول أن تُقنع نفسها قبل أن تُقنع مارينا
لكن الصمت انشقّ فجأة بصوت كاميليا الحاد:
"ما هذه؟! تكلموا!! دايمن... قل لي إنها أحد مزاحك السخيفة... تكلم! قل شيئًا!"
كانت تحاول أن تجعل صوتها قويًا أن تخفي رعشة يديها ونظراتها القلقة خلف قناع من الغضب لكن وجهها الشاحب ولونها الذي تلاشى فضحها... حتى نظراتها المرتجفة كانت تفضح ما يجول في صدرها
أما أدريان... فقد تجمد تمامًا وانزلقت البندقية من يديه لتسقط على الأرض بارتطام مكتوم عيناه اتسعتا وجهه شاحب وفكّه مشدود حتى كاد يؤلمه وكأن كل عضلة في جسده رفضت أن تتحرك
ظلت إيوانَا تحدق في إيلينا بينما مارينا بين ذراعيها تُمسك بها بقوة وكأنها تحاول أن تُخبرها بلا كلمات: "لن أسمح لشيء أن يمسك لا أنتِ ولا هي"
شهقت إيلينا فجأة تراجعت خطوة واحدة ثم أخرى إلى أن اصطدمت بظهر كايلن
اتسعت عيناها كأنها ترى شيئًا لا يُحتمل وصوتها حُبس في حلقها كتم أنين صامت قبل أن ينفجر صرخة مفزعة تزلزل الأجواء
ارتعشت ركبتيها بشدة وكادت تسقط أرضًا لكن يد كايلن أمسكتها بسرعة وثبات
يدها المرتجفة والباردة غطت فمها كأنها تحاول منع صوت الألم والخوف من الانفلات لكنها بدأت تهز رأسها ببطء رافضةً أن تُصدق ما تراه
انفلت منها بكاء مكتوم حاولت كتمه لكن الانهار كان أقوى وانهارت في همسٍ يملأ المكان برعبٍ ووجع:
"لا... لا..."
انهارت إيلينا فجأة على الأرض وهي تشهق بقوة
جثا إلى جانبها دون تردد يمسكها بإحدى يديه من كتفها وبالأخرى يرفع وجهها ببطء نحو نظره
همس لها بصوت هادئ لكنه حازم:
"إيلينا أنظري إليّ... اهدئي من فضلك اهدئي حاولي التنفس لا تنظري إلى هناك"
انفجرت بالبكاء أمامه مسح بيديه دموعها المتدفقة
كانت عيناها تائهتين تتنقلان بينه وبين الجسد الملقى هناك غارقًا بالدماء وكأنها تبحث عن شيءٍ في غياهب ذلك المشهد المرعب
ضمّها إليه برفق كأنها قطعة زجاج مهددة بالكسر وغطى وجهها بصدره كي لا ترى شيئًا وهمس مرة أخرى أقرب هذه المرة
"انسي امر الجثة لا تنظري إليها"
ارتجفت بين ذراعيه وغصت شهقاتها في صدره وكان قلبه يخفق بقوة ليس فقط من هول المشهد بل من الألم العميق الذي ارتسم على وجهها من دموعها ومن خوفها الصامت
شعر بأنها تحمل كل الرعب وحدها وأنه لو كان بوسعه أن يخفف عنها ذلك الثقل لفعل ذلك دون تردد
شد ذراعيه حولها أكثر وهو يمسح بخفة شعرها المتبعثر كأنه يريد أن ينقل إليها قليلاً من الأمان وسط هذا الظلام الداكن
...
اصطفّوا جميعًا بمحاذاة الجدار محاطين بدائرة من الصمت التي جمعتهم بلا كلمات
عند الجهة اليسرى كان دايمن جالسًا على الأرض مستندًا بظهره إلى الجدار رافعًا ركبتيه أمامه ووضع كفيه فوقهما في استسلام صامت
عيناه مثبتتان في الفراغ كأنهما تسبحان في بحر من الألم واللاوعي
إلى جانبه جلس كايلن ساقه اليسرى مرفوعة وذراعه مستندة عليها ورأسه مائل قليلًا باتجاه إيلينا القريبة منه
كان يرمقها بنظرة عميقة كأنها تهمس له بألمها من دون أن تنطق
أما إيلينا فضمّت ساقيها الاثنتين إلى صدرها مستندة برأسها على ركبتيها وذراعاها تحيطان بساقيها كحلقة مكسورة
كانت ترتعش بهدوء ويدها تهتز بصمت كأنها تحاول احتواء قلبها المفزوع بكل ما أوتيت من قوة
إلى جانبها جلست مارينا ساقاها ممتدتان قليلًا وظهرها منحني وكتفاها مائلان إلى الأمام
كانت تحدّق إلى الأرض بعينين زائغتين لا تركّز على شيء وشفتيها ترتعشان بصمت كأن الحزن قد استولى عليها بالكامل
انحنت إيوانا قليلًا نحو مارينا محاولة الاقتراب منها والتواصل بينما كانت قبضتها مشدودة على يد ڤلاد
وڤلاد يجلس بوضعية متحفزة بين مارينا وإيوانا يمسك بإحدى يدي إيوانا وبالأخرى شدّ على يد مارينا كأنه يربط بينهما بخيط أمان وسط عاصفة الألم
عيناه تتحركان بحذر بين الوجوه المحيطة تراقب وتحلل وتترقب كل حركة
بعدهم جلست كاميليا وشبكت ذراعيها أمام صدرها بقوة ضامّة يديها معًا
كانت تحدق إلى الأرض بنظرات متباعدة كأنها تخشى أن ترفع بصرها وتواجه الحقيقة التي تحيط بهم
وفي نهاية الصف عند منعطف الجدار جلس أدريان ساقاه ممدودتان إلى الأمام ويداه مسندتان إلى الأرض خلفه يستند على راحتي يديه في محاولة للحفاظ على توازنه
كانت عيناه نصف مغمضتين يتأملان المساحة أمامه بوجه جامد يحيط به هدوء غريب لا يخلو من توتر مكبوت