وضع رسالته في صندوق البريد كالعادة.. وفي المساء في تمام الساعة التاسعة وجد الحارس يدق الباب ويعطيه رسالة جديدة.
أمسك بالرسالة و دخل إلي الشرفة.... وجدها تجلس في شرفتها كالعادة... أمسك بالرسالة و جلس يقرأها امامها و هو يتابع بين الحين و الأخر نظراتها التي ترقبانه علي استحياء.
" زياد....
أحبك أكثر وأكثر كل يوم.... لم أغفر ولن أنسي.. لكنني لازلت أحبك.
أعتقد أنني سأظل أحبك إلى الأبد.
وسأخلص إلي حبك للأبد.
أعدك الا يكون قلبي لرجل أخر غيرك مهما كلفني الثمن.
المخلصة لحبك دائما"
انتهي من الرسالة و نظر إلي عينيها التي ترقب ردة فعله و ابتسم لها كما يفعل دوما، بادلته الابتسامة كعادتها.... لم يعد بوسعه الانتظار اكثر من ذلك... يقتله شوقه إليها... يشتاق لسماع صوتها من جديد... لكلماتها... لصوت ضحكتها الرنانة..
أمسك بقلمه و كتب لها رسالته الأخيرة....
"اشتقت إليك يا نور القلب"
ابتسم وهو يضع رسالته في المظروف.... هو وحده من يدعوها "نور القلب" فهي نور قلبه هو.... كان يدللها بهذا الاسم منذ أن عرفها... فترد عليه، وانت "زياد الروح" كان يضحك كثيرا و هو يقول لها: "لا معني لزياد الروح... لكن نور القلب لها معني و مغزي يا حبيبتي"
فترد عليه: "انت زاد روحي يا زياد"... كان يضحك كثيرا علي كلماتها التي لا معني لها.... لكنه يدرك الأن انها كان لها كل المعني في قلبه، و لها صدي علي روحه.
-----------------------------------------------------
كانت دقات الساعة تشير إلي الثامنة.... لن ينتظر رسالتها اليوم...عزم أمره على ان يباغتها و يتصل هو بها... أمسك هاتفه و ضرب رقمها الذي لطالما حفظه عن ظهر قلب... لحظات و فتحت هي الخط و ظلت صامتة يسمع فقط صوت أنفاسها المتسارعة
- همس لها بصوته الحاني: اشتقت إليك... اشتقت لسماع صوتك يا نور
- همست باسمه في ضعف وكأنها تجاهد نفسها لتخرج الكلمات من فمها: زيااد
- زفر تنهيدة حارة وكأن روحه ردت إليه بعد أن سمع صوتها وقال بصوت يملأه العتاب: لماذا؟ لماذا فعلتي بي هذا؟
- اتاه صوتها ضعيفا متهدجا: تلومني زياد وانت.....
- قاطعها: لماذا؟
- قالت بنبرة حادة وصوت يملأه الألم والعتاب: تزوجت من أخري يا زياد.
- رد عليها بصوت كله ألم كمن يحاول ان يدرأ عنه تهمة لم يفعلها: جئتك أولا....
- كررتها بكسرة و هي تضغط علي كلماتها: تزوجت من أخري....
- همس لها بألم: أحببتك أنت.
- تهدج صوتها وهي تقول من بين دموعها: تزوجت من امرأة أخري.
غابت في نوبة من البكاء، فلم يعد يسمع سوي شهقات دموعها.
- صمت قليلا يحاول ان يجاهد دمعة ترقرقت في عينيه بعد ان سمع صوت بكاؤها الذي مزق قلبه وهمس في ضعف: أنا أسف أرجوك لا تبكين... ليس هناك من يستحق دموعك حتى أنا.
- قالت بصوت منكسر: تلومني أنا يا زياد؟ بعد ان فعلت ما فعلت؟
- بدأت ثورته وقال: ماذا فعلت؟؟ أردت ان أفاجئك..... هل هذا جزائي ... اتصلت بوالدك وطلبت الزواج منك.... رد على بعد يومين بأنك ترفضين... أتذكر كلماته بالحرف: " استشرت أبنتي وهي ترفضك... كل شيء قسمة ونصيب يا بني".
- قالت من بين دموعها: لم أفعلها... والله لم أرفض.
- لان صوته مرة أخري وقال بنبرة عتاب: لماذا لم تجيبي على مكالماتي..
- قالت بغضب وصوت يملأه الحدة: كنت غاضبة منك... بعد ما حدث.
- ضحك باستنكار: ترفضي الزواج مني وأنت من يغضب!
- عادت تبكي مرة أخري وهمست: لماذا سمحت لمحمد ان يفعلها؟
- قال باستنكار: محمد!!! ماذا فعل؟ وما دخله بما كان بيننا؟!
- صمتت قليلا ثم أردفت كمن يحاول الا يتذكر ذكري مريره: جاء لخطبتي، قبلك بأسبوع واحد... رفضته ... فرفض أبي ان اتزوجك.
- صعق زياد من كلماتها فهتف بحدة: ماذا! ......... محمد!............. لماذا لم تخبريني.. ثم قال بغضب: والله لو عرفت لأرددته قتيلا تحت قدميك.
- قالت بندم: كنت حمقاء.... أرسل لي رسالة يقول لي أنى رهانك الأخير معه.... وانه يحبني.... غضبت منك يا زياد... شعرت بالإهانة.... أيعقل ان كل هذا الحب كان من أجل رهان غبي مع محمد... كنت تخدعني؟
- لاتزال الثورة تشتعل داخل قلب زياد، لكنه همس لها بعتاب: تعتقدين أنني بهذه الوقاحة... أراهن على قلوب النساء، وأي النساء! حبيبة قلبي .... هل صور لك عقلك أنني اراهن عليك.... انت يا نور القلب... لماذا لم تواجهي؟ لم تعاتبيني؟
- همست بضعف: أرسل لي رسالتك له يا زياد.
- تساءل في تعجب: أي رسالة؟
- رسالتك التي أرسلتها له تقول فيها: " اقتربت جدا من أن احصل عليها..... وستموت انت غيظا كلما رأيتها معي... وليكن هذا رهاننا الأخير"
- صمت زياد قليلا ثم أردف: أرسلت له هذه الرسالة بالفعل... لكنها لم تكن عنك.... ما بيننا كان سرا بيننا كما وعدتك، وحدها سهر كانت تعرف.
- قالت بحدة غير معهودة منها: إذا برر لي رسالتك.
- كنت اتحدث عن سيارة جدي القديمة.... أردت الحصول عليها وأرادها هو...أرسلت له الرسالة لاستفزازه ليس أكثر..... صمت قليلا ثم قال بألم: لماذا لم تواجهينني يا نور؟
- تنهدت وهي تقول بضعف: كنت مجروحة منك.
- صمت قليلا، ثم زفر تنهيدة حارة وقال: وقتلتني كلمات والدك.... لم يخبرني بانه هو من يرفض... قال لي أنك أنت من ترفضين.
- قالت وكأنها تتذكر ماض بعيد: حين قال لي والدي أنك تريد الزواج مني... وافقت على الفور، لم أخف لهفتي... وافقت دون تردد... نظر لي والدي نظرة طويلة لن انساها ما حييت ثم قال لي: لو تزوجت منه خسر عائلته ووضع اللوم عليك لبقيت حياته..... يريدك هو وابن عمه... أصدقاء هم ويسكنون في نفس البناية.... ستكون حياتك معه جحيم يا بنيتي..... لن يتركك تجتمعي في مكان واحد مع محمد.... سيبتعد عن عائلته لأجلك، او يبتعد عنك لأجل عائلته... لن أرضي لك بهذا الوضع... صمتت قليلا ثم أردفت: أعتقد ان والدي استشعر الحب بيننا ، فقال لك ذلك ليري ردة فعلك.
- همس كمن يحدث نفسه: من فرق بيننا هو محمد....
- قالت بصوت يملأه العتاب واللوم: ثم تزوجت أنت بعد عدة أشهر.. صفعتني بزواجك... وضعت السكينة الأخيرة في قلبي المجروح فارتد قتيلا.
- كان يتملكني الغضب منك.... تقولين لي أحبك وترفضين الزواج مني ولا تردين على اتصالاتي... اعترف انني كنت مغفلا.. ومتسرعا... لكني كنت جريحا مترنحا من الألم.... هززت ثقتي بنفسي برفضك... كسرتني ... الجرح كان أكبر من أن اتحمله لأنه كان منك أنت..... صمت زياد قليلا ثم أردف بصوت يملأه الحنان: نور... هل تعودين لي من جديد.... هل تقبلين بي مرة أخري؟
- همست: أقبل بك مرة أخري! ...... زياد انا لك منذ ان عرفت الدنيا....
- همس: أحبك يا نور..
لحظات مضت وهي صامته لا يسمع سوي صوت أنفاسها، فأردف قائلا: نور... لن تردي علي؟ قلتها مرارا وتكرارا في رسائلك... أتبخلين على ان اسمعها بصوتك؟
- تنهدت وهي تقول: وهل أحب القلب رجل غيرك يا زياد؟ لم ولن اقولها لرجل غيرك.... أحبك يا زياد.
- زفر تنهيدة حارة وطويلة: ها قد ردت إلي روحي.
- ضحكت... فأردف قائلا: أأأه لو تعلمين كم اشتقت لسماع صوت ضحكاتك... أفتقد كل شيء بك.... صمت قليلا ثم قال بتردد: نور.... هل تقابليني غدا؟ أرجوك.
- ضحكت وهي تقول: أعتقد أنك تعرف ردي مسبقا...... رفضت أن ألقاك سرا وانا فتاة مراهقة... هل أفعلها وانا امرأة ناضجة؟
- تنهد وهو يقول: انت على صواب... من الأفضل الا نلتقي.... لأني ان رأيتك لن أستطيع ان امنع نفسي من أن امسك يديك.... واضمك إلى صدري..... واقبلك ألف قبلة عن كل ليلة قضيتها بعيد عنك.
- همست باسمه، فرد عليها: نور قلب زياد.....
- يجب أن اذهب الأن.... والدتني تناديني.
- اتصلي بي حين تنتهين إذا... سأنتظرك.
- احدثك في الصباح.
- قال بحزم: لا... الليلة....
- حسنا يا زياد...لازلت على عنادك القديم... بعد ساعتين موعد نوم أمي... أحدثك حينها.
- انتظرك بفارغ الصبر.
أغلق زياد الهاتف وهو يشعر بأنه في حلم جميل... كانت تغمره السعادة فمجرد ذكراها كانت تسعده، فما بال قلبه بسماع كلمات العشق من صوتها الحاني.
انتظر مكالمتها كثيرا، حتى غفي و هو يحتضن الهاتف بين يديه...... استيقظ في صباح علي صوت هاتفه، أجابها بصوت ناعس: فقدت عد الساعات و انا انتظرك.
- همست له: اشتقت لصوتك الناعس.
- لماذا لم تتصلي كما وعدتني؟
- لن ابقيك مستيقظ في المساء وانا أعلم ان لديك عمل في الصباح... كنا نفعلها قديما في المدرسة، انت الآن رجل مسؤول حبيبي.... يجب ان تنام جيدا و تذهب إلي عملك بكل نشاط.
- أردت ان انام علي صوتك.
- كبرنا علي ذلك يا زياد.
- في الحب لا يشيخ أحد... كل الناس في الحب في السادسة عشر.
- ضحكت وهي تقول: أتدرى انك كنت في السادسة عشر أول مرة تحدثنا فيها... تتذكرها؟
- في مدرستك... بالطبع اتذكرها.
- اتيت لتأخذ سهر من المدرسة وحين رأيتني وضعت في يدي ورقة و قلم و قلت لي: "اكتبي رقمك هنا بسرعة قبل ان يرانا أحد" دون تفكير كتب لك رقم هاتفي و اعطيتك الورقة فهمست لي: سأحدثك في التاسعة مساءا، تركتني ومشيت مع سهر و انت تشير إلي بيديك من خلف ظهرك بتسع أصابع.
- تعرفين أنني احتفظ بهذه الورقة حتي الآن؟
- حقا؟
- حقا..... ألهذا كنت ترسلين رسائلك في التاسعة مساءا؟
- أعتدنا ان نتحدث في التاسعة مساءا كل يوم، اليس كذلك؟
- نعم... انتظري.. أشعر ان حديثنا ينقصه شيء ما.
أدار مشغل الأغاني بجواره فأتي صوت كاظم الساهر: " أيا امرأة تمسك القلب بين يديها... سألتك بالله لا تتركيني.. فما أكون أنا إذا لم تكوني... أحبك جدا وأرفض من نار حبك أن استقيل"
- ضحكت وهي تقول: أشعر و كأني عدت مراهقة في الثالثة عشر من جديد تتحدث مع ابن الجيران علي الهاتف.
- احبك نور.
- ضحكت وهي تقول: ستتأخر علي عملك.
- الأهم فالمهم يا حبيبتي.
- أحدثك حين تعود من العمل يا زياد.
- هتف مستنكرا: زياد!
- همست: حبيبي.
- أحدثك حين أعود من العمل حبيبتي..... ثم هتف: نور ممكن ان تقفي في الشرفة.
دخل زياد إلي شرفته، نظر حوله فلم يجد أحد سوي نور في شرفتها تنظر إليه وتضع الهاتف على اذنها، أرسل لها بقبلة في الهواء سريعا و دخل إلي غرفته مرة أخري... أحمرت وجنتاها و همست له: من اين أتيت بجنون المراهقة هذا؟
- أصبحت مجنون نور... جننتني يا امرأة.
- ماذا ان رأنا أحد؟
- لم أعد أهتم.
- أنا اهتم يا زياد... تريد أن يقول الناس عني أنى بعد هذا العمر أقف في الشرفة أشاور لأبن الجيران.
- لن يجرؤ أحد ان يقول أي شيء.... تأخرت كثيرا يا حبيبتي... أحدثك في المساء.
أغلق الهاتف وبداخله سعادة تغمره... كانت السعادة واضحة بين عينيه لا تخفي علي أحد.... لذلك حين رأه طارق في العمل هتف له في سعادة: تحدثت معها يا زياد أخيرا.
ضحك زياد وهو يقول: هل الأمر واضح على لهذا الحد؟
- تفضحك عيناك يا صديقي.... هيا اريد تفاصيل التفاصيل.
- عرفت الحقيقة أخيرا يا طارق... كنت مغفل... كنت مخطئ... كيف أعتقد انها يمكن ان ترفضني بعد كل هذا الحب.
- اذا ماذا حدث.... ارجوك يقتلني الفضول.
قص عليه زياد ما حدث.... دهش طارق مما سمعه وقال: و لماذا يفعل محمد ذلك؟
- لا أعرف... أكاد أجن.. كيف عرف أنني أحب نور؟
- وماذا تنوي ان تفعل يا صديقي؟
- سأتزوجها.
- ضحك طارق: هل قلت لك من قبل أنك مجنون؟ قصدت ماذا ستفعل مع محمد؟
- ربت زياد علي كتفه وهو ينصرف: الحب جنون يا صديقي... اما محمد فسأعلمه أصول الرجولة من جديد.
قضي زياد اليوم في العمل وهو يفكر كيف غدر به محمد إلي هذا الحد... كان صديقه... تربيا معا في نفس البيت... كيف كسر قلبه بدم بارد.
في طريقه إلي المنزل.. أمسك زياد بالهاتف و اتصل ب محمد... لحظات و اتاه صوته عبر الهاتف.
- زياااد.. متي عدت؟
- اجابه ببرود: منذ ثلاثة أشهر.... ثم أردف بحدة: اين انت؟
- أجاب محمد بمرح: في المنزل مع الأولاد.... فلتمر لنتناول العشاء سويا.
- رد زياد بنفس الحدة: لا... فلتأتي أنت للبيت القديم، ومن الأفضل ان تأتي وحدك... انتظرك.
- سأكون عندك بعد ساعة.
انتظر زياد وصول محمد علي أحر من الجمر.... وما ان دق الباب فتح زياد وبمجرد أن وقعت عينيه على محمد، سحبه من عنقه أدخله وانهال عليه ضربا.. يسدد له اللكمات تلو الأخرى... لم يستوعب محمد ما حدث فقد انقض عليه زياد كما ينقض الأسد علي فريسته.... كان يسدد له اللكمات وهو يقول: هذه من أجل نور.... وهذه من أجل رهاننا الأخير... و هذه من أجل انك كذبت علي لساني.... وهذا من أجل أنك تقدمت لخطبتها....
كان زياد يسدد له اللكمات دون وعي وهو منقض عليه، حاول محمد ان يبعده عنه عدة مرات، لكنه أخيرا نجح في ان يدفعه بعيدا عنه وانقض محمد عليه وناوله بعض اللكمات قبل ان يهدأ و يبتعد عنه.
كان محمد يصارع أنفاسه ويلهث وهو يبحث عن شيء يوقف به نزيف أنفه، بينما قام زياد من مكانه، عدل من هندامه.... حاول السيطرة علي اعصابه أخيرا... وقف في مواجهة محمد الذي لا يزال يجاهد ليسترجع أنفاسه ثم سأله زياد: لماذا نور؟
رد عليه ببرود: لأني كنت معجب بها.
حاول زياد جاهدا ان يمنع نفسه من ان يلكمه في وجهه مرة أخري و هو يقول بمنتهي الوقاحة امام عينيه انه معجب بها، لكنه تمالك اعصابه و قال من بين اسنانه: و كيف عرفت انني أحبها؟
قال محمد بنفس البرود: الأمر كان واضح في عينيك.... نظراتك لها ان صادفناها في الطريق او رأيتها في الشرفة... الصب تفضحه عيونه.
لم يستطع زياد ان يمنع ثورته التي كانت كالبركان، فقال بغضب: من أين لك بهذه الوقاحة... تتقدم لخطبة فتاة تعلم جيدا أنني أحبها.... لم أكن أدري ان عمي أنجب ثلاث فتيات.
لم يعقب محمد علي كلمات زياد لكنه نظر له ببرود وقال: ولما يهمك الأمر الآن... تزوجت بعدها.... وتزوجت أنا... لماذا تتذكر الماضي الان.
زياد: مهما حاول ان اشرح لك الأمر لن تستوعبه... أعلم جيدا ان أمور المشاعر هذه يصعب على امثالك فهمها.
محمد: انس الماضي يا زياد.. نحن عائلة ويربطنا الدم.
زياد: ولماذا لم تقول لنفسك أننا عائلة ويربطنا الدم حين اعجبت بمن أحب يا وقح.
صمت كلاهما قليلا، ثم قطع زياد الصمت وقال: لا أريد ان أراك مجددا، حتى لو صدفة... فلتنس ان لك ابن عم من الأساس... والآن اخرج من منزلي أيها الحقير... أشعر بالاشمئزاز من مجرد النظر إليك.... انا أشفق علي زوجتك وأولادك يظنون أنك رجل وانت لست سوي حقير مدعي الرجولة.
قام محمد واتجه نحو الباب وهو يقول: انت تكبر المواضيع يا زياد.. الأمر لا يستحق كل هذا... شيء في الماضي وانتهي.
صفع زياد الباب خلفه، وجلس على أحد المقاعد يحاول ان يتمالك اعصابه من جديد.... شعر زياد بأن الهواء ثقيل من حوله وانه يكاد ان يختنق دخل إلي شرفته يستنشق الهواء ويحاول ان يتمالك نفسه من جديد حتى انه لم يستشعر نور التي ما ان رأته علي هذه الحالة شهقت شهقة كاد ان يصل صوتها عنان السماء، و لا شعوريا امسكت بالهاتف و اتصلت بزياد الذي شعر باهتزاز الهاتف في جيبه، مد يده و اخرج الهاتف و حين و جد الاتصال من نور نظر إلي شرفتها تلقائيا و هو يرد علي الهاتف فاتاه صوتها متلهفا: حبيبي... ماذا بك؟
- ابتسم لها: أنا بخير... لا تقلقي.
- تحسست وجنتيها وقالت: ما هذه الكدمة تحت عينيك؟
- كدمة؟ أي كدمة؟
- عينيك يا زياد... ماذا اصابك؟
- دخل زياد إلي غرفته ونظر في المرآة ووجد كدمة زرقاء تحيط بعينيه اليسرى أثر لكمة محمد.... صمت وهو يتحسس عينيه التي بدأ ان يشعر بالألم فيها مجرد ان لمستها انامله لكنه همس لها: لا تقلقي... بسيطة.
- صرخت: بسيطة.... هل رأيت وجهك؟ من فعل بك هذا؟ ماذا حدث لك حبيبي؟
- قال لها وهو يضع قطعة القماش الملفوفة بها قالب الثلج على عينيه: قابلت محمد اليوم.
- هتفت: محمد هو من فعل بك هذا؟ كيف؟
- ضحك وهو يقول: كان يجب ان تري وجهه وهو خارج من هنا... ما في وجهي ليس 1 على 10 مما حدث فيه.
- بكت وهي تقول: انا المخطئة... كان يجب الا أقول لك... كنت غبية..... والدي رحمه الله كان محق..... ستخسر عائلتك من أجلي.
- همس لها: نور... لست مخطئة.... اساء أدبه وأخد جزاءه.... ونعم انا مستعد ان اخسر عائلتي كلها من أجلك إن كانت كلها كمحمد.
- لا يرضيني ان أكون سبب في مشاكل بينك وبين عائلتك.
- حبيبتي.... انا ومحمد علاقتنا متوترة منذ زمن بعيد... بالأمس فقط عرفت السبب... وكان لابد ان يأخذ جزاءه على ما فعل..... كيف تجرأ وفعلها.
- همست بحنان: هل تؤلمك عيناك؟
- لا... لم أشعر بها الا حين قلت لي... انا بخير.
- كيف كان يومك؟
- يومي جميل بوجودك فيه يا نور القلب.... أنت حلا أيامي.
- ابتسمت وهي تقول له: أكلما كبرت يا زياد ازدادت كلمات غزلك حلاوة؟
- ليس لها علاقة بالسن حبيبتي... لها علاقة بك... كلما زاد حبك في قلبي زادت كلمات العشق بداخلي.
- يا الله ... كفاك غزلا يا زياد واذهب إلي طبيب يداوي عينيك... هل تري جيدا؟
- لا أعتقد أنني أري بوضوح... هل تخرجي إلى الشرفة للحظة؟
خرجت فهمس لها: الآن أري بوضوح الوضوح.
- قال في دلال: كف عن هذا يا زياد.
- سأكف عن الغزل حين تكفي أنت عن جمالك الذي يزداد يوم عن يوم....
- احمرت وجنتاها في خجل وهمست: عينيك هي من تري الجمال في يا زياد.
- تعرفين... انا ممتن لرسائلك كثيرا... لولاها لما عرفت الحقيقة.
- كيف عرفت أنه أنا؟
- شعرت بك... قادني احساسي إليك.
- تذكرت اليوم يوم ان اتصلت بك باكية أقول لك جاءني عريس.....تتذكر ماذا قلت لي يومها؟
- قلت لك أعدك الا أسمح أن يفرق بيننا أحد.... لن اتركك يوما.
- همست: اخليت بوعدك.
- لا لم أخل به يوما..... مكانتك في قلبي كما هي منذ ان كنت طفلا في المدرسة أقف في شرفتي أرقبك في صمت.
- زواجك من أخري غصة في قلبي يا زياد.
- لم يدخل قلبي سواك يا نور..... أعدك ان أكفر عن خطأي هذا بقيت العمر.
- قالت بصوت مختنق بالدموع: هل أحببتها؟ .... هل كنت تشعر بالسعادة بين ذراعيها؟
- همس لها: فلننس الماضي... أمحي هاتين السنتين من حياتي.
- ذرفت دمعة من عينيها وهي تهمس: أجبني
- تنهد وقال: كنت معها رجلا بلا روح.... قلبي وروحي كانوا معك... و الآن دوري ان اسأل، هل....
- قاطعته: لا.... لم ولن انظر حتي إلي رجل غيرك.
- همس لها: أحبك يا نور.
- اغمضت عينيها وسقطت منها دمعة و همست: أحبك يا زياد و اشتقت إليك حد الجنون.
- أعدك الا نفترق .......... وسأوفي بوعدي هذه المرة.
------------------------------------------------------
جلست سارة إلي مكتبها الجديد.... انتقلت للعمل في فرع الشركة هذا منذ عدة أشهر فقط... وجدته ينظر إليها من بين الزجاج القصير الذي يفصل مكتبهما عن بعضهما البعض و يبتسم، يطيل النظر فيها منذ أن انتقلت إلي المكتب المقابل له، لكنه في هذا اليوم لم يستطع أن يمنع نفسه في الاستراحة أن يجلس بجانبها و يهمس لها: سارة... هل من الممكن أن تسمحي لي ان أدعوك على العشاء الليلة؟
ابتسمت له: أقدر دعوتك كثيرا لكني لا أستطيع.
همس بحزن: لماذا؟
قالت بنفس الابتسامة: بأي صفة أقبل دعوتك على العشاء يا عصام؟
همس لها بكلمات مترددة: سارة... أنا... أنا معجب بك.
احمرت وجنتيها في خجل وابتسمت: تعرف أنني مطلقة، ألسنة الناس حادة كالسيف.
ابتسم لها بحب وقال: وهل من الممكن ان تدعوني لتناول العشاء مع والدك؟
نظرت له في عدم فهم فأردف: أريد ان اقابل والدك يا سارة.
ترقرقت دمعة في عينيها وهمست: انا مطلقة يا عصام، وانت شاب لم يسبق لك الزواج... تتمناك أي فتاة.... أظلمك كثيرا إن وافقت.
اقترب منها وهمس لها بحب: أحبك يا سارة... تظلميني أن رفضت.
همت أن تتحدث، لكنه لم يعطها فرصة فقال: أرجوك... هل تعطيني رقم والدك، أم أأتي لزيارتكم في المساء؟
ابتسمت بخجل و هي تسحب هاتفه من بين يديه و تسجل له رقم والدها.
---------------------------------------------------------------
سمعت نور صوت جرس الباب، فتحت فوجدت زياد يقف أمامها بكامل هيئته و يحمل بين يديه باقة كبيرة من الورود الحمراء و يبتسم ابتسامته الساحرة، وضعت يدها علي فمها من أثر الصدمة و واربت الباب و هي تهمس له: انصرف يا زياد أرجوك والدتي بالداخل
- اقترب منها وهمس في أذنها: أحبك منذ أكثر من خمسة عشر عاما وهذه هي المرة الأولي التي أكون بها بهذا القرب منك.
- همست له برجاء: انصرف يا زياد أرجوك... اقتربت والدتي ان تفرغ من صلاة العشاء.
- ضحك وهو يقول: أهكذا تستقبلون ضيفكم؟
- همست: زياد.... ماذا أن راءنا أحد؟
قاطعهم صوت والدتها من خلفها: زياد ..... لماذا تقف على الباب هكذا؟
تسمرت نور مكانها تبحلق في زياد وأمها وقلبها يدق كقرع الطبول.
- رفضت أن أدخل لحين أن تنتهي من صلاتك يا أمي، قال زياد كلماته وهو يدلف إلى الداخل و أمسك بيد والدة نور و قبلها، فربتت هي علي ظهره في حنان و أشارت له: فلتتفضل يا أبني.... ثم وكزت نور في كتفها وهمست: كيف تتركين الرجل يقف على الباب هكذا؟
لا تزال نور تقف على نفس الحالة من الشرود، تحاول ان تستوعب ما يدور حولها، لكن وكزتها أمها من جديد و هي تقول لها: اذهبي فعدلي من هندامك و ارتدي ملابس تليق بخطيبك.
فرغت نور فاهها وقالت: خطيبك!!
قالت أمها بحنقه: نعم خطيبك... كلمني زياد بالأمس وطلب أن يأتي لخطبتك ووافقت... طلب مني الا أخبرك حتى يأتي ... والآن هيا ...نقف هنا نتسامر والرجل يجلس وحيدا بالداخل.
دخلت والدتها إلي الصالون تلقي بكلمات الترحيب لزياد و تتبادل معه اطراف الحديث، لكنه فقد تركيزه حين دخلت نور إلي الغرفة بشعرها الطويل منسدل علي كتفيها و ترتدي فستان من الستان الوردي، تحمل بين يديها المرتجفتين صينيه موضوع عليها أكواب من العصير، و احمرار وجنتيها زادها جمالا فوق جمالها. ابتسم رغما عنه كما يفعل دائما حين تقع عينيه عليها، لكنه لم يستطع ان يحيد بنظره عنها... تتبعها بعينيه حتي وضعت الصينية علي الطاولة المقابلة له، و امسكت بيديها المرتجفة كأس العصير و مدته له، فهمس لها ضاحكا: أرجوك يا نور لا تفعليها.
ضحكت رغما عنها، فكاد ان ينسكب العصير عليه، لولا انه تفاداه في اللحظة الأخيرة وأمسك بالكأس من بين يديها.
جلست إلي جواره، أخذ نفسا طويلا و هو يستنشق رائحة عطرها ثم نظر لوالدتها و قال: أمي... ما رأيك فيما اتفقنا عليه؟
تنهدت وقالت: ظلمكما المرحوم حين رفض زواجكما من قبل..... قال رسولنا الكريم: لا أري للمتحابين الا الزواج..... علي بركة الله يا بني... فليكن الزواج بعد شهر.
شهقت نور وهي تضع يدها على فمها: شهر!
ضحك زياد: انا كمان أري أن شهر فترة طويلة جدا.... فلتكن أسبوعين؟
قالت والدتها برزانة: شهر يا بني وقت كافي لنستطيع أن نكمل ترتيبات الزفاف، وتستكمل أنت تجهيز الشقة.
هتفت نور: لا أريد ان ابتعد عن أمي... فلنتزوج هنا معها.
ضحكت أمها: ومن قال إنني أريدك هنا معي... فلتنتقلي لبيت زوجك.
نظرت له برجاء وقالت: لا أستطيع ان أترك أمي وحيدة بهذا السن يا زياد... أرجوك... انا أعرف جيدا ان شقتك بعيدة عن هنا.
أبتسم زياد وقال وهو يشير على شقة والديه: وما رأيك بهذه الشقة؟ هل هي قريبة كفاية؟
اومأت نور رأسها بالإيجاب، بينما هتفت والدتها في سعادة وامتنان: بارك الله فيك يا أبني.
ابتسم لها زياد وقال: أنت في مكانة أمي.... وكل طلبات نور مجابة.
ابتسم والدتها و هي تدعي الله لهما ان يبارك في زيجتهم... بينما همست له نور: لا اصدق أنك تجلس هنا في منزلنا..... همس لها: أحبك.
----------------------------------------
رفعت رأسها من على صدره، نظرت إليه و هي تمرر يدها بين شعيرات لحيته المرتبة وهمست له: لا أصدق يا زياد أنني في بيتك وبين ذراعيك.... أشعر كأنني في حلم جميل لا أريد أن أفيق منه.
ضمها إلي صدره أكثر و همس لها: ليس حلم، بل حقيقة أحلي من ألف حلم.... تعرفين يا نور.. كنت دوما الحقيقة الوحيدة في حياتي... حتي حين كنت بعيدة، كنتي في قلبي دائما و ابدا.
مررت اصابعها علي وجنتيه بحنان و قالت: هل أخبرتك يوما أنني أحببتك بكل نسخة منك.
أمسك بيديها و رفعها إلي شفتيه و وضع قبلة بين كفها و همس: و أنت بالنسبة لي تلك الفتاة الصغيرة التي أحلم بها كل ليلة، و أسعي أن أنال نظرة واحدة منها، كلما نظرت إليك شعرت بأنني أقع في حبك من جديد... أنت حياتي يا نور.... كنت وستظلين دائما نور قلبي.
مررت اصابعها بين خصلات شعره وهمست له: وأنت كل ما أردت الحصول عليه من الدنيا يا زياد... كل ما أريده من الحياة أن ابقي هكذا بين ذراعيك.
اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه تتلاقي مع انفاسها وطبع قبلة طويلة على شفتيها، قبلة حملت فيها شوق السنين و الحنين الذي تراكم عبرالسنوات... في تلك اللحظة لم يكن هناك سوي صوت انفاسهما، و إحساس بأن العالم بأسره أصبح بين أيديهما
تمت...