الفصل الأول

الفصل الأول

13 0

وقف في شرفة حجرته القديمة .... يتأمل ما حوله في تعجب.... كيف للزمن ان يمر علينا دون ان يغير الأشياء من حولنا... كيف تقدم في العمر ويقف هنا ينظر إلي حجرته و هي لا تزال كما هي.. بنفس الأثاث منذ ان أدرك الوجود.... نفس الشارع.... نفس المحال التجارية... نفس عربة الفول التي تقف كل صباح.. لكن الأن ليس عم محمد من يقف ليبيع الفول في الصباح... فقد أصبح كهلا لا يقدر علي السعي في الصباح كما كان و يحتل مكانه ولده مسعد... الذي لم يعد طفلا علي الإطلاق... بل أضحي شابا.

تسائل في نفسه .... لماذا الأعوام والسنين تمر بنا ولا تمر بالأشياء... لازالت تحتل الأصالة ما حوله من بنايات... حتى أعمدة الإنارة كما هي ..... ارتشف رشفة من قهوته الصباحية وابتسم.. الأن يقف في نفس المكان يحتسي قهوة الكبار كما كان يطلق عليها حين كان طفلا صغيرا... بعد ان كان يقف في نفس المكان منذ ما يقرب العشرون عاما يحتسي الشاي باللبن ويتظاهر بأنه قهوة الكبار ليثير إعجابها.

وقعت عينيه علي سريره المبعثر و تذكر والدته... كان يستيقظ كل صباح فيجد فطوره معد مسبقا... تنهره والدته لانه لم يغلق نور الحمام خلفه، و يهمل في ترتيب سريره كل يوم... و حين يعود من مدرسته.. يجد سريره مرتب.. وطعاما ساخنا في المطبخ.. والبيت مرتب، حتى أوراقه الدراسية مرتبة ليست كما تركها في الصباح..... طالما تسأل في نفسه هل أمه هي المرأة الحديدية التي يشاهدها في الكارتون؟ هل لديها قوة خاصة تخفيها عنهم؟ كيف لها ان تستيقظ قبله في الصباح وتعد له ولأخوته و لأبيه الفطور و ترتب المنزل و تذهب لعملها معهم و حين يعود من مدرسته مع أخوته يجد طعاما جاهزا و منزل نظيف مرتب.... يرتاح هو من تعب اللعب في المدرسة فينام ساعة ويستيقظ ليجد أشهي الحلويات جاهزة في انتظاره هو واخوته، أعدتها والدته، ثم تجلس بجواره هو و اخوته ليقوموا بواجباتهم الدراسية و هي تغزل لهم بلوفر من الصوف، مفرش من الكروشيه، او حتى كوفية تقيهم برد الشتاء و هي تشاهد التلفاز... لطالما تسأل في نفسه متي تأخذ والدته قسطا من الراحة.... يستيقظ فيجدها مستيقظة وينام و هي لازالت مستيقظة... ربما هذا ما أكد في نفسه انها تملك قوة خارقة.... وحين مرت الأعوام به وكبر.. عرف ان هذه القوة الخارقة خاصة بالأمهات فقط.

1

عاد يرتشف قهوته من جديد وهو يتأمل ما حوله، وقعت عينيه عليها فابتسم رغما عنه.... تعجب في داخله كيف لاتزال جميلة كما هي.. بتلك الابتسامة الساحرة، ابتسم لها كعادته فردت الابتسامة بإيماءة من رأسها في حياء كعادتها.... سرح فيها من جديد و كيف مضي العمر سريعا و كيف تخلت عنه بسهولة... لم يخرجه من شروده سوي اهتزاز هاتفه المحمول في جيبه وصوته الملعون الذي يكرهه ... أخرج الهاتف و إذ بالمتصل صديق عمره طارق.. أجاب عليه في ضيق فرد طارق في مرح كعادته: سنتأخر علي موعد الاجتماع.... يتأخر المدير في اول يوم عمل له؟ أي قدوة تلك.

لم يمنع ضحكته فأجاب عليه: المدير يتأخر كيف يشاء أيها الأحمق... قهوتي أولا.

رد عليه طارق بمزاح: العمل من يدفع لك ثمن قهوتك تلك.

أجابه بجدية مزعومة: إن لم يعتدل مزاجي لا يمكنني العمل...

طارق: عشر دقائق وأكون امام منزلك.. بقهوتك او بدون رجاء لا تتأخر.

رد عليه بمرح: انا جاهز منذ الصباح، وانت عكرت مزاجي بالفعل... انت مدين لي بقهوة جديدة غير تلك التي عكرتها بصوتك.

طارق: أرجوك.. انا من رشحتك لهذا العمل.. لا تحرجني.. قهوتك عندي لكن لا تتأخر.

أغلق الهاتف مع صديقه... واتجه ناحية الباب .... لحظات وكان يقف امام البناية منتظرا طارق.. لكن اتاه صوت الحارس يهتف باسمه مستوقفا اياه، التفت له فقال الحارس: لاحظت وجود رسالة في صندوق البريد الخاص بك... انها هناك منذ المساء.

استغرب كثيرا كيف تأتيه رسالة ولا أحد يعلم انه عاد من السفر سوي القليل من المقربين، وشقتهم تلك تعتبر مهجورة منذ وفاة والديه قبل 4 أعوام... ظن انها ربما رسالة من البنك او أحد البريد الترويجي ... سحب الرسالة من الصندوق في خفة في طريق إلي الخارج، فقد وصل طارق بالفعل و لا يتوقف عن ضرب بوق السيارة لاستعجاله... استقر علي المقعد المجاور له و هو يمسك بالرسالة في يديه.. فتحها فكانت من جملة واحدة.

" اشتقت إليك زياد"

ابتسم حين قرأ تلك الكلمات، اهناك حقا من يشتاق إليه في هذه الدنيا؟ ... طوي الرسالة مرة أخري ووضعها في جيبه، هتف له طارق في مرحه المعتاد: رسالة غرامية يا روميو؟ ضحك زياد لمزاح صديقه وقال برزانته المعهودة: رسالة من مجهول.

طارق: اهناك من يرسل خطابات باليد الأن... اين نحن في عام 1960؟

سرح زياد قليلا ثم قال: لطالما أحببت العراقة يا طارق... أحب الرسائل المكتوبة واشاهد قنوات التلفاز المحلية و اشجع صناعة بلدى.

قال كلماته الأخيرة ضاحكا، فقال طارق في امتعاض: تشجع صناعة بلدك فسافرت طوال ثلاث أعوام إلي الخارج.

قال زياد بتأثر وضح على عينيه: أنت تعلم أنه لم يكن لدي خيار أخر.

استشعر طارق بالحزن الساكن بين عيني صديقه فصاح: ارضي فضولي من فضلك... من مرسل الرسالة.

ضحك زياد: قلت لك من مجهول.

رفع طارق حاجبيه وأردف: مجهول أم مجهولة؟

صمت زياد ثم قال: لأ أعلم.

قال طارق بفضول ملح: ما فحوى الرسالة.

ضحك زياد خجلا وهو يقول: أحدهم يشتاق إلي.

رفع طارق حاجبيه من جديد وهتف: هل انت أحمق.... بالطبع رسالة من امرأة.... إحداهن تشتاق إليك.

ضحك زياد: لازلت على تفاهتك يا طارق... تجاوزت الثلاثين ولا تزال بهذه السذاجة.. الا يشتاق الرجال لبعضهم البعض؟

قال طارق بابتسامة ماكرة: يشتاقون، لكن لا يرسلون رسائل غرامية لبعضهم البعض.

زياد: من قال ان هذه رسالة غرامية.. ومن قال انها من امرأة... تحب الدراما.

ضحك طارق وهو يردد: ستري.

عبثت كلمات طارق بذهن زياد، تري احقا الرسالة من امرأة... ومن تكون.... نفض زياد هذه الأفكار سريعا من ذهنه فقد وصل إلي مقر عمله.

دائما اليوم الأول في العمل يحمل الكثير من التوتر.. لكن زياد كان واثق الخطي.... يخفي توتره بحرص... يبتسم في بشاشة لكل من يراه.. توجه مع طارق حيث مكتبه الجديد.. لكن استوقفه صوت نسائي قادم من خلفه يهتف باسمه: لم اصدق نفسي حين قالوا لي أنك مدير الحسابات الجديد.

استدار زياد ليجدها فرح.. صديقة أخته الصغرى.. جمعت اسرتيهما صداقة عبر الزمان.. ولازالت صديقة لأخته  سهر حتي الأن.

ابتسم زياد في رزانة: لم أكن أعلم إنك تعملين هنا يا فرح.

نظرت فرح لعينيه وكأنها تبحث عن نفسها بينهما وقالت: أخبارك لا تخفي عني زياد.

ضحك طارق: فرح ضمن الفريق الذي تحت إدارتك يا زياد.

ابتسمت فرح وهي لا تزال تمسك بيد زياد: وهل هناك مدير أفضل من زياد الألفي.

تنحنح زياد وهو يسحب كفه من كفها وهتف ببعض كلمات الشكر.

هتف طارق: بدأت التملق الإداري بالفعل يا فرح.

امتعضت ملامحها وقالت وهي تبتعد عنهم: متي ستتخلص من سخافتك يا طارق.

همس زياد لطارق ما إن ابتعدت عنهم فرح: لماذا لم تخبرني ان فرح تعمل هنا.

طارق: هل كان سيغير ذلك من الأمر شيء؟ اترفض فرصة عمل لأجلها.

قال زياد بحنقه: أحب ان أكون مرتاحا في مكان عملي أيها الأحمق.

ضحك طارق: وهل تظن انك تتخلص من فرح بهذه السهولة، يا لك من مغفل.

ضحك زياد: اول قراراتي الإدارية ستكون فصلك من العمل.

رد عليه طارق بحدة مزعمه وهو يتجه نحو مكتبه: الحمد لله لست مدير علي، ولست أعمل بنفس الإدارة... كلانا مدير يا صديقي وانا الأقدم.. فلتحذر.

قضي زياد يومه الأول في العمل يتعرف على البعض، يحضر بعض الاجتماعات.. وبين الحين والأخر تدخل فرح مكتبه تلقي عليه بعض كلمات الشكر والإعجاب وتنصرف... كان زياد يشعر ان كل ما حوله يدور سريعا و هو يحاول ان يواكب تلك السرعة... حتى دخل طارق مكتبه في نهاية اليوم و هتف له: حان وقت العشاء.. فلنذهب لتناول الطعام في إحدى المطاعم احتفالا بمرور اول يوم عمل لك بسلام.

ابتسم له زياد: ستقتلني زوجتك.. اعتقد انها تكرهني بالفعل.

ضحك طارق: انت تعلم ان سما تحبك.. تحب الجميع وتكرهني أنا.

ضحك زياد ملئ فاه تم قال: وستكرهني لأنني أخذك منها ومن الأولاد.

أردف طارق بابتسامة: الأولاد.... المنفعة الوحيدة من الزواج.. تعرف يا زياد انك مغفل، أخذت مساوئ الزواج و تركت حسنته الوحيدة... الأطفال.

صمت زياد لبرهة وكأنه تذكر ماضي أليم ثم قال: لو كنت أنجبت أطفالا، لكانت حرمتني منهم سارة... فما الفائدة... كان زواجي غلطة.. قرار في لحظة تهور، اصلحته فيما بعد وانتهي الأمر.

هم طارق بالخروج من المكتب و هو يهتف: لقد جعت كثيرا و انت ثرثار اليوم علي غير عادتك... 5 دقائق و انتظرك عند المصعد.

خرج طارق من المكتب، ولملم زياد اشياءه ولحق به عند المصعد... انقضي العشاء وهما يتسامران في كل شيء و أي شيء... يسترجعان ذكريات الطفولة و طيش الشباب، و يتحدثان عن مستقبلهم القريب و البعيد.

وقف طارق بسيارته أمام منزل زياد وهم الأخير بالترجل من السيارة لكن استوقفه طارق مازحا: فلتحتسي قهوتك مبكرا.. غدا يوم مهم ولست بالسائق الخاص بك لأنتظرك في الصباح.

ابتسم زياد ولم يعقب علي كلمات طارق... صعد إلي شقته.. ادار المفتاح داخل الباب ودلف، سمي بالله و هو يضيء مفتاح الكهرباء و دخل إلي غرفته.

تأمل ما حوله.... كيف اصبح وحيدا وسط كل هذا الفراغ... كيف للبيت الذي لم يهدأ ابدا ان يكون بهذا السكون و الهدوء.. لأ نفس فيه سوي أنفاسه و لا صوت حوله سواه... هدوء تام... تزوجت شقيقته الصغري منذ 7 أعوام... يقترب أولادها منه في الطول.. ابتسم لذكراها وذكري ولدها الصغير الذي أسمته علي اسمه.. طالما أحبت والدته ان تطلق عليه زياد الصغير... تعيش بإحدي الدول العربية بعد ان تلقي زوجها عرض عمل فيها وانتقلت هي و زوجها و زياد الصغير هناك... انجبت هناك سلمي التي لم يراها سوي مرات قليلة في اثناء زيارتهم القصيرة لمصر ....

دخل تحت الماء الساخن يزيل عنه غبار اليوم ويأمل في ان يتوقف عقله عن التفكير... التفكير في كل ما حدث في السنوات الماضية و ما يمكن ان يحدث له في المستقبل.

استلقي على سريره محاولا ان يسلم جسده وعقله للنوم، لكن أبي النوم ان يرحمه من سلطان عقله... دخل إلي شرفته يستنشق الهواء عسي ان يهدأ عقله من التفكير و يعود للنوم.. تأمل فيما حوله من جديد... نفس الأماكن لكن الناس اختلفوا.. قلوبهم ومشاعرهم اختلفت... وقعت عينيه عليها من جديد... تجلس في شرفتها تقرأ كتاب... لم يستطع ان يكبح ابتسامته حين وقعت عينيه عليها... يتسأل في نفسه لم هي باقية لم تتغير رغم تغير كل ما حوله... حتي هو تغير... لكن حين ينظر إليها يستشعر و كأنه عاد طفل من جديد.. تجلس هي نفس الجلسة التي كانت تجلسها حين تستذكر دروسها.. نفس المكان.. نفس طريقة حملها للكتاب.... نفس الشغف في عينيها حين تصب تركيزها علي شيء...لم يدري كم من الوقت ظل يراقبها في صمت، لكنه توتر كثيرا حين رفعت عيناها من الكتاب و تلاقت اعينهم من جديد، شعر بالضيق يملأ صدره و دخل إلى غرفته مسرعا.

جلس على سريره من جديد يفكر وعيناه تتابعان عقرب الساعة في حركته الرتيبة... يستشعر في قلبه خيبة أمله فيها... لفظها له.... سرح في صورتها وهي تجلس تقرأ كتابها، أغلق عينيه و كأنه يضمها و راح في ثبات عميق.

-------------------------------

عاد طارق إلي منزله في المساء... دخل فوجد سما في المطبخ... اقترب منها وضمها إلى صدره فأبعدت يديه بعبوس و قالت: الأولاد لازالوا مستيقظين

وضع سبابته على أرنبه انفها وقال: لما هذا العبوس؟

قالت بفتور: لست عابسة.

ضحك و هو يساعدها في وضع الاطباق في الخزانة: و لماذا الأولاد مستيقظين حتي الأن؟

ردت بفتور: لم يأت موعد نومهم بعد.

غمز لها: ومن الممكن ان يناموا باكرا اليوم؟

قالت في حدة: لا.

التفت إليها في حدة مماثلة: ماذا بك؟

هتفت: أدير منزلي بقواعد معينة وانت تعلم ذلك جيدا.....

ضحك طارق: وكل هذا العبوس من أجل انني تناولت العشاء مع زياد في الخارج؟

سما: تأخذ كل شيء ببساطة وأخذ علي عاتقي انا كل شيء..... يجب علي الأولاد ان يروك كل يوم... يجلسون معك و يتناولون معك العشاء يوميا.

طارق: وماذا اذا تغيبت يوم عن ذلك؟ يختل ميزان الأرض؟

سما: يختل ميزان بيتنا.... و أنت من المفترض أنك عمود هذا البيت.

أردف طارق بجدية غير معهودة عليه: سما... تعرفين جيدا ان زياد صديقي ليس له أحد سواي الأن... لن اتركه وحيدا.

..سما: إن أردت.. فليأت هو ليتناول العشاء معنا في البيت... ثم أردفت بحنان: افتقدتك أنا والأولاد اليوم كثيرا.

أردف طارق: سأقول له في المرة القادمة.

ثم أقترب منها وضمها من جديد وهمس في اذنها: ضعي الأولاد في سرائرهم مبكرا الليلة.

ضحكت سما: موعد نومهم بعد ساعة يا طارق.

قال في نفاذ صبر: هل على ان أخذ ميعاد مسبق لأحصل على ليلة رومانسية مع زوجتي؟

سما: نظام حياة الأولاد أهم مما تفكر فيه يا طارق.... لن اغير نظام حياتهم من أجل ليلة واحدة.... انا اهتم بمواعيد أكلهم ونومهم ومذاكرتهم، وانت اللعب والمزاح ... انت قدوة لهم في المزاح فقط، و انا من عليه ان يتذمر لكل شيء و يقوم بكل شيء.

تذمر في ضيق: تصبحين علي خير يا سما... لدي عمل في الصباح.

-------------------------------------------------------------

أستيقظ في الصباح علي صوت هاتفه ... نظر إلي هاتفه في دهشة... 5 مكالمات فائتة من طارق و الساعة قاربت علي التاسعة صباحا.... فذ مسرعا من سريره يحاول ان يبحث عن شيء يرتديه، رن هاتفه من جديد.. المتصل هو طارق، أجاب عليه وقبل ان ينطق بكلمة انطلق طارق بسيل من السباب له، لم يعقب بل رد في رزانته المعهودة: 5 دقائق و أكون بالأسفل يا طارق.. انا أسف.

ارتدي ملابسه مسرعا، و في مدخل المنزل حاول ان يستوقفه حارس العقار من جديد لكنه هتف ليه: ليس الأن في المساء حين اعود.

فتح باب السيارة في عجالة و أرخي جسده علي المقعد المجاور لطارق ثم هتف: قبل ان تكمل سبك أنا اسف.. لم أنم جيدا طوال الليل.

طارق: انتظرك منذ أكثر من ساعة يا زياد... قلقت عليك.

زياد: لم استمع لصوت الهاتف ولا المنبه، اعتذر منك يا صديقي.

رد طارق في تحفظ: ليس انطباعا جيدا ان تتأخر في ثان يوم عمل لك، لكن لا عليك صديقي، اتصلت بالشركة وأخبرتهم ان تعطلت سيارتي واننا سنتأخر.. ثم أردف ضاحكا: لي عندك واحدة الأن.

شكره زياد بامتنان: لك عندي الكثير يا صديقي... واحدة اليوم هي تعويض عن الأمس حيث انك لم تخبرني ان فرح تعمل في نفس الشركة... خالصين يا صديقي.

ضحك الأثنان.... قضي زياد يومه في حماس، لطالما كان يتحمس لمعرفة أشخاص جداد، دخلت فرح إلي مكتبه قرب نهاية اليوم... تحمل في يدها كوب من القهوة و بعض الطعام.. وضعته امامه على المكتب و همست له: لاحظت انك لم تأكل شيء من الصباح، احضرت لك بعض الطعام و قهوتك المفضلة... نظرت له في حنان و اردفت: اعتني بنفسك زياد.

نظر لها زياد في حزم وقال: اسمي أستاذ زياد، لا تنسي فرح أنني رئيسك في العمل... ارجوك خذي هذا الطعام و القهوة و اذهبي لمكتبك اكملي العمل علي التقارير المطلوبة منك.

نظرت له بعيني دامعتين وهمست: لكنك لم تأكل شيء منذ الصباح.

أردف بحزم وبنبرة أعلي: أكلت او لم أأكل لا شأن لك بذلك... من فضلك حافظي على المسافة بيني وبينك.

همست له بحنان بعد ان سقطت دمعة من عينيها من قسوته معها: ألسنا أصدقاء يا زياد؟

زياد: فرح... كنتي ولا تزالين صديقة أختي الصغيرة، لكن هنا أنت موظفة في قسم الحسابات وانا مدير قسم الحسابات فقط وليس أكثر.

خرجت فرح من مكتبه وهي تمسح دمعتها من علي خدها، تنفس زياد الصعداء بعد خروجها... لاحظ الأمر طارق فدخل عليه.

قال طارق بتوتر: لماذا فرح تبكي يا زياد؟

زياد: كله من تحت رأسك أيها المغفل، ألم تستطع أن تجد لي عملا لا أكون رئيس لفرح فيه.. أنت تعلم جيدا انها تحمل لي المشاعر من الصغر، وانا لا اراها سوي صديقة أختي فقط... دفن زياد رأسه بين راحتيه و أردف: تعبت يا طارق من رفضي لها، و من محاولاتها المستميتة.... أعلم جيدا كم هو الرفض مؤلم، لكن ليس بيدي.

اقترب طارق منه وربت على كتفيه: هون عليك يا صديقي.... المواجهة هي الحل، هروبك منها ليس حلا، واجهها يا زياد.

نظر له زياد في أسف: كسر القلوب ليس بالأمر السهل.

ابتسم له طارق متهكما: كم انت حنون يا زياد.

ضحك زياد: عد إلى عملك طارق، لدي الكثير من العمل لا تعطلني عنه.

انقضي يوم العمل سريعا وعاد زياد إلي منزله، دلف إلي شقته و هو يحمل بعض الطعام اذي اشتراه في طريقه إلي المنزل... جلس علي طاولة السفرة وحيدا وما ان شرع في تناول الطعام حتى دق الباب.

فتح زياد الباب فوجد حارس العقار يقف امامه و بين يديه ظرف وردي اللون، ناوله له و هو يقول: حاولت ان اوقفك في الصباح لأقول لك.. كان هذا الخطاب بصندوق البريد الخاص بكم منذ الصباح.

تناول الظرف من بين يديه في استغراب وهو يقول: من أرسله؟

رد الحارس: لا أعلم، وجدته حين استيقظت في الصباح.

زياد: فتح عينيك جديا واذا وجدت خطاب أخر حاول ان تعرف من الراسل.

أغلق زياد الباب و جلس يكمل طعامه، انهي طعامه و دخل إلي غرفته يحمل كوب من الشاي و الظرف الوردي اللون في يده الأخرى... دخل إلي الشرفة و ضع كوب الشاي علي الطاولة امامه و جلس و فتح الرسالة، كانت الرسالة مكتوبة بخط اليد.. خط منمق مرتب.. يبدو ان صاحبة هذا الخط أنثي.. ويحه... يبدو طارق علي حق ومن أرسل خطاب الأمس كانت انثي.

بدأ زياد يقرأ الرسالة:

" عزيزي زياد...

أسمح لي أن أقول لك عزيزي... فلقد كنت ولا زلت وستزال عزيزا علي قلبي...

ترددت كثيرا قبل ان اكتب لك... لكني أخذت القرار أخيرا عسى ان يجد قلبي راحة..

مر وقت طويل، أكثر مما استطيع حصره و انا أحمل بداخلي هذا الشعور، ينمو بداخلي يوما بعد يوم في صمت، في كل مرة اراك فيها.. اسمع صوتك.. او يذكر امامي حتي أسمك، لم أجرؤ يوما ان اقولها لك، لكن بعد مرور تلك السنوات ل اخجل ان اقولها الأن و إن كانت علي ورق.

" أحبك يا زياد"

أحبك منذ الطفولة، يوم كنا لا نحمل هما، ولا نعرف خبث للمشاعر... كانت قلوبنا يومها بريئة لا تعرف للخبث مكان و لم تخطو نحو الجرح طريق.

كبرت وانا أحمل بداخلي هذا الشعور معي... كبر حبك في قلبي يوم بعد يوم.. كنت ارقبه كالبذرة التي تكبر يوميا حتى أضحت شجرة كبيرة اكبر من ان اظل احملها بداخلي في صمت.

اتأمل تفاصيلك الصغيرة التي لم تغادرني يوما... طريقتك في الكلام، ضحكتك التي تملأ المكان نورا.. صمتك حين تفكر، ملامحك الجادة وقت العصبية، كل مرة اراك فيها أعود تلك الطفلة الصغيرة، أحلم ان أكون فقط إلي جوارك، و ان تعرف يوما ما يختلج بصدري لك.... ظننت يوما أنك تعرف حقيقة مشاعري لك، لكن تصرفاتك كانت تؤكد لي انني كنت مخطئة.

ألمني بعدك كثيرا يا زياد... لكنه كان امرا مقضيا لا سلطان لي فيه... اخترته أنت وتحملته أنا.

أعتني بنفسك جيدا يا زياد..

وأبق كما أنت ... لا يغيرك شيئا.. أبق زياد الذي عاهدت وأحببت.

المخلصة لحبك دائما"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسائل الماضي

المؤلف Amira Ahmed
2026/02/28 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة