الفصل الثاني

الفصل الثاني

12 0

اعتري زياد الضيق حين قرأ الرسالة... طواها من جديد ووضعها في المظروف وجلس يحتسي الشاي، تنتابه النشوة لإحساسه ان هناك من يحبه بصدق طوال هذه السنوات لكن احساسه بالذنب يحرق قلبه، أعتقد ان الرسالة من فرح، لكن هناك شعور قوي بداخله يخبره انها ليست هي من أرسل هذه الرسالة، تحبه وهو يعلم بانها تحبه... لكن هو يعلم أيضا انها ليست مما يحبون الكتابة والأوراق، لا يوجد بينهما شيء مشترك... حتي أسلوب الرسالة البليغ ليس بأسلوبها.

قضي زياد ليلته في هدوء.... و في الصباح استقر بجوار طارق في سيارته كالعادة لكنه لم يكن بمزاج جيد، حاول طارق ان يعرف ماذا يدور بخلد صديقه، لم يحتمل زياد ضغط طارق عليه أكثر ففجر المفاجأة في وجهه قائلا: استلمت رسالة بالأمس.

رفع طارق حاجبه في استنكار وضحك: هل من يستلم رسالة يصبح بهذا العبوس.

زياد: كنت محقا يا طارق.. الرسالة الأولي كانت من امرأة.

طارق: ومن تكون؟

ألقي زياد الرسالة لطارق في ضيق: أنت السبب أيها الأحمق.... كان لا يجب ان يجمعني مكان بفرح مرة أخري.

قرأ طارق الرسالة وانفجر ضاحكا: و من قال لك ان من ارسل الرسالة هي فرح؟ هي أتفه من ذلك يا صديقي.

صمت زياد للحظات وأردف: قالت لي بالأمس أعتن بنفسك يا زياد... و كررت نفس الجملة في الرسالة.

ضحك طارق وأردف بمزاح كعادته: وهل هذا دليل أيها المحقق؟

زياد: ومن غيرها يعرف أنني عدت من السفر، يعرف أنني أقيم في منزل والدي من جديد؟

رد عليه طارق بجدية غير معهودة: هل عودتك من السفر سر حربي لا يعرفه أحد؟ أم ان منزل والديك موقع عسكري لا يصل إليه قدم؟

زياد: ومن غيرها يريد ان يعترف لي بحبه يا ذكي؟

طارق: ألم تفكر انها من الممكن ان تكون سارة زوجتك.. علمت أنك رجعت وتريد ان تعيد حبال الود بينكما.

رد طارق في حدة: ليست زوجتي... طلقتها منذ أكثر من ثلاثة أعوام... صمت قليلا ثم أردف بصوت خافت كمن يحدث نفسه: ولما رسائل كتابية؟ لماذا لا تتصل بي مباشرة.... لماذا لا تبعث إلى برسالة نصية عبر الهاتف؟

طارق: ربما تخشي من صدك لها.

زياد: فليسامحك الله يا طارق... الأن تعبث الأفكار في رأسي أكثر.

ضحك طارق: وربما ليست سارة وهناك معجبة أخري.... سارق قلوب النساء انت يا زوز.

ضحك زياد لكلماته: لن تنضج أبدا........ لا اريد قلوب النساء.

غمز له طارق: اتريد اجسادهن فقط؟

وكزه زياد: لا اريد قلوبهن ولا اجسادهن... اريد ان أعيش بعيد عنهن.

طارق: كاذب يا صديقي.... النساء في حياتنا كالهواء الذي نتنفس... لا يمكنك ان تعيش بلا هواء يملأ رئتيك.

ضحك زياد: انا رجل من المريخ... أستطيع العيش بلا هوائهن.

انفجر طارق ضاحكا: لا فائدة من الحديث معك.

دلف زياد إلي مكتبه، لكنه هتف لطارق: لا تنتظرني في العودة... سأمر على السوق التجاري لأشتري بعض الأشياء.

طارق: لولا انني سأذهب مع فريدة إلي الطبيب كنت أتيت معك... على كل حال أراك في الصباح ولا تتأخر كعادتك.

زياد: هل هي بخير؟

طارق: لا تقلق.... ميعاد التطعيم الشهري.

قال طارق كلماته الأخيرة وانصرف إلي مكتبه..... اما زياد فكان يتحاشى لقاء فرح طوال اليوم... يتهرب من أي مكان يجمعهم سوا ... صادفها في طرقات الشركة عدة مرات، لكنه تحاشي لقاء اعينهما...

---------------------------------------------------

احتضن طارق صغيرته الباكية بعد ان حقنها الطبيب بالتطعيم، حاول تهدئتها بين ذراعيه دون جدوى...... قال له الطبيب: لا تقلق تبكي فقط أثر الوخزة.

قال طارق مازحا: هي يجعلها هذا التطعيم تنام؟

رفعت سما حاجبها وهي تنظر إليه في تعجب... قال الطبيب: لا.. لا تقلق.

مال طارق علي الطبيب وهمس مازحا: الا يوجد منوم للأطفال؟

صرخت سما باسمه فانتفض من مكانه يحمل الصغيرة الباكية بين ضلوعه وشكر الطبيب وانصرف.

:و في السيارة دار الحوار بين طارق و سما كالتالي...

- كان من اللازم ان تقول ما قلت امام الطبيب؟

- رد ببراءة: وماذا قلت؟ كنت أمزح

- هل كل شيء عندك في الدنيا مزاح؟

- سما... حبيبتي.... المزاح هو طريقتي لتخطي الأمور... ثم أردف بجدية: هل تريديني ان أقول لك ان كاد قلبي ان ينفطر لبكائها؟ أردت ان اخفف حدة الموقف قدر المستطاع.

- أعلم جيدا يا طارق انك أب حنون، لكن عليك ان تكون جاد في هذه المواقف... ماذا سيقول عننا الطبيب الان؟

- يقول ما يقول..... لما تبالي؟ ...... سيقول رجل يحب زوجته ويريد قضاء بعض الوقت معها دون اطفالهما.

- لقد تعبت يا طارق من كوني انا الطرف المسؤول والحازم في هذه العلاقة.

- ضحك طارق وهو يضع يده في وسطها مدغدغا إياها: إذا فلترخي حزمك قليلا..

- قهقهت سما: توقف عن هذاااا.

- ابتسم لها طارق بحب وهمس: اين ذهبت سما المرحة الودودة.... التي لا تهتم لمواعيد ولا نظام؟

- نظرت له بعينين كلها لوم وقالت: دفنت تحت كومة من المسؤوليات والأطفال والبيت والمدارس.... وانا وحدي من اتحمل هذا العبء علي عاتقي... انت لا تعرف عن المسؤولية شيء.... هل تعلم حتى اطفالك ماذا يفضلون و ماذا يكرهون؟ أدور في دائرة مفرغة من الصباح و حتي المساء ما بين البيت و تحضير الطعام والاهتمام بالأولاد و أنت.... ذرفت دمعة من عينها وهي تقول... كل هذا و أنا وحدي طارق... انت تعرف المزاح فقط و قضاء الأوقات الحلوة.... علي أحدنا ان يتحمل المسؤولية.

- ضمها إلي صدره وهمس: أنا أسف.

- همست له: ارجوك تحمل مسؤولية بيتك واولادك و لو قليلا.... تعبت من تحملها لوحدي... وأعدك ان فعلت فحينها سيكون جزء من تركيزي معك ........ومعك وحدك.

- أعدك أنني سأحاول.. لكن ليس بالضرورة ان أنجح في ذلك.

- تكفيني محاولتك حبيبي.

--------------------------------------------------------

انقضي يوم العمل سريعا، و ذهب زياد إلي أحدي الاسواق التجارية القريبة من منزله... تجول في المحال يبحث عن بعض الاشياء التي تنقصه و تنقص المنزل....

واثناء تواجده في إحدى محلات الاجهزة الكهربائية وجد صوت يناديه بأسمه... صوت يعلمه جيدا و يحفظه عن ظهر قلب، فلطالما استيقظ صباحا علي نفس الصوت هاتفا باسمه.

استدار ليجدها سارة... زوجته السابقة.. ابتسمت له في حنان وقالت: زياد لم اكن اعرف بعودتك... متي عدت؟

ابتسم لها زياد في تحفظ: منذ عشرة ايام.

سارة: واين تعيش الان؟ في منزلك القديم؟

اومأ زياد رأسه في أيجاب.... فأردفت سارة: يبدو أنك علي عجلة من امرك سأتركك و انصرف.. سعدت بلقائك يا زياد.

همت بالمغادرة لكنها توقفت و عادت إليه من جديد: زياد.. ارجوك انسي الماضي بيننا، ليتنا نعود اصدقاء من جديد... يربطنا دم وقرابة.

ابتسم لها زياد: لم انس يوما أنك أبنه خالتي يا سارة.... ولا احمل لك سوي التقدير والاحترام.

ابتسمت سارة في ألم وأردفت: وانا أحمل لك كل الحب والاحترام.

قالت كلماتها الأخيرة وادارت له ظهرها وغابت بين الناس عن اعينه و تركته يقف وسط شروده... اي صدفة جمعته بها بعد تلك الرسالة في الصباح... تري طارق علي حق و هي من ترسل له الرسائل.

سيطر زياد علي افكاره وعاد إلي المنزل... قبل ان يصعد السلم دفعه فضوله ان يلقي نظرة علي صندوق البريد الخشبي القديم الذي يحمل أسم والده و رقم شقتهم، نظر إليه فوجد رسالة جديدة في ظرف وردي اللون.... أخذها و هتف باسم حارس العقار الذي جاء يهرول ملبيا النداء، فهتف زياد في حدة: من وضع تلك الرسالة هنا؟

رد عليه حارس العقار: لا اعرف.... لم امن ادري ان هناك رسالة في صندوق البريد.. يبدو ان احدا وضعها منذ قليل فلم اترك باب العمارة سوي منذ 10 دقائق فقط.

هتف زياد في حدة غير معهودة عليه و بنبرة صوت عاليه: وظيفتك هنا ان تعرف من يدخل و من يخرج من العقار... من الأفضل لك ان تعرف من يضع هذه الرسائل هنا.

قال زياد كلماته و انطلق صاعدا إلي شقته... فتح الباب و دلف و استلقي علي سريره بملابسه، فتح الخطاب بفضول... يريد أن يتأكد من صاحبة الرسالة أهي حقا سارة ام فرح؟

بدأ يقرأ الرسالة ...

" حبيبي زياد...

لن أخجل ان اقول لك حبيبي... فأنني و الله لم يدخل قلبي رجلا غيرك... أسعد كثيرا لرؤيتك حتي و ان لم نتحدث... لا أعلم لماذا قررت أن أكتب لك الأن، لكنني خشيت ان افقدك مثلما فقدتك من قبل... ارجوك زياد لا تبتعد .. كن دوما قريبا.

استنشقت اليوم رائحة عطرك الجذاب.... آه كم افتقدتها طوال الفترة الماضية... شعرت فجأة بأن عطرك يملأ صدري... يضمني و يربت علي لينسيني الأيام التي مضت بدونك... لطالما كنت انيقا يا زياد... أحب اهتمامك بنفسك و اعتزازك بها.. شعرك البني المرتب بعناية، ذقنك المنمق بعناية و كأن شعراتها رصت جنبا إلي جنب بدقة.

أتذكر حين كنت صغيرا و لم ينبت لك ذقن بعد.... كان وجهك برئ و طفولي..... اتذكر يوم ان كنت في الجامعة و حلقت ذقنك فجأة ... لا اعرف السبب لكنني اتذكر انني ضحكت بداخلي حين رأيتك... تذكرتك حين كنت طفلا في المرحلة الابتدائية... لم تتغير ملامحك يا زياد.. لازلت تحمل نفس الطهر و البراءة.

أعرف ان رسائلي قد تترك في قلبك الحيرة، و هذا جل ما اخشاه.. اخشي ان تبحث عن مرسل الرسالة فيرسل بك القدر إلي أخري...

كل ما اطلبه منك الا تفكر كثيرا فيمن أكون، اريدك فقط ان تعرف ان هناك من يحبك بصدق، من يتمني لك الخير من بعيد، و من ستظل تحمل بداخلها ذكراك إلي الأبد.

أعلم أنك تحب الرسائل و الخطابات... ان كانت رسائلي تزعجك اترك لي رسالة في نفس صندوق البريد الخاص بك و سأمتنع عن مراسلتك فورا.

أحبك زياد و سأظل أحبك ما حييت.

المخلصة لحبك دائما"

انتهي زياد من الرسالة و طواها و وضعها مع الرسالتين الاخرتين علي ذلك المكتب في غرفته.... عبثت تلك الرسالة بمكنونه... من هذه التي تحبه و تخلص له و تعرف عنه الكثير... تحفظ متي يطلق لحيته و متي يكون حليقا.... لابد انها تعرفه جيدا.. و يعرفها هو... فكر قليلا ثم تذكر جملة في الرسالة جعلت قلبه ينتفض من مكانه... أمسك بالرسالة من جديد و قرأ تلك الجملة مجددا:" استنشقت اليوم رائحة عطرك الجذاب" لابد أنها رأته اليوم... أخذ يفكر في كل من رأهم اليوم... صادف اليوم سارة و رأي فرح في العمل... صادف في طريقه عشرات النساء ... أي منهم تري التي ترسل له الرسائل....ثم تذكر طلبها في الرسالة الا يبحث عنها، عسي ان يهديه القدر إلي اخري... أخذ يفكر هل تزعجه حقا رسائلها... انها تسلي وحدته ... منذ ان تلقي رسائلها و هو يجعل ان في حياته شيء يتطوق إليه..

ظل يفكر طوال الليل... عزم أمره اخيرا... في الصباح أمسك بورقة و قلم و أخذ يكتب:

" عزيزتي التي لا أعلم من هي....

أشكرك علي كلماتك و مشاعرك الرقيقة.... يبدو من كلماتك انني أعرفك جيدا و تعرفيني جيدا.. هناك دفيء عجيب في كلماتك جعلني أشعر أنك كنت جزء جميل في حياتي..

من المؤلم لي أنني لا استطيع ان اضع وجها للرسالة و صوتا للكلمات...

أقدر كلماتك و مشاعرك تجاهي.. اعدك ان احتفظ برسائلك كذكري حلوة حتي تقرري ان تفصحي لي عن نفسك.

ممتن انا لك و لهذا الشعور الذي منحتني اياه... لا اعرف ان كنت حقا استحقه ام لا.

أرجوك افصحي عن هويتك..

أبقي علي تواصل معي... لربما يجمعنا القدر يوما ما.

زياد"

كتب زياد رسالته و وضعها في مظروف أبيض اللون ... القاها في صندوق البريد في طريقه إلي سيارة طارق.. جلس إلي جواره و الابتسامة تعلو وجهه.

عقد طارق حاجبيه و هتف: وما سر السعادة المفاجأة؟

ضحك زياد و لم يعقب.

نظر له طارق من جديد بتفحص و قال: تلقيت رسالة جديدة؟

ابتسم زياد من جديد، فأردف طارق: و هل عرفت مرسل الرسالة؟

زياد: لا

طارق: و لما السعادة المفرطة؟

ابتعد زياد بنظره بعيدا ثم قال: من الجيد ان تعرف ان هناك أحدا ما يحبك.... و يفكر فيك..

طارق: لست مراهق يا زياد، فلتفق من اوهامك... من هم في نفس عمرك اولادهم في المدرسة.

زياد: انا وحيد يا طارق... لا اكذبك خبرا لكن تلك الرسائل تشعرني بالونس.

طارق: فلتحذر يا صديقي.

حاول زياد ان يغير دفة الحوار فقال: افكر في شراء سيارة.

طارق: و ما حاجتك لسيارة؟ نذهب إلي العمل سويا.

زياد: و هل السيارة للعمل فقط؟ اذا احتجت ان اخرج او ان اذهب إلي مكان.

ضحك طارق: او ان تذهب في نزهة مع صاحبة الرسائل.

وكزه زياد في كتفه ضاحكا.

ضحك طارق و أردف: اخشي ان تكن في النهاية فرح.

صمت زياد قليلا ثم أردف: أكاد أجزم انها ليست فرح.

طارق: و من تكون؟

زياد: لا اعلم... لكن ليس أسلوب فرح... المهم هل تساعدني في شراء سيارة جديدة.

طارق: زياد.... انت تعلم اني اساعدك حتي في دفن جثة... انا معك في اي شيء.

زياد: نلتقي غدا في المساء لنذهب إلي معرض السيارات.

طارق: اتفقنا.

-----------------------------------

مر اليوم علي زياد وكأنه عام... كان ينتظر ان يعود إلي منزله بفارغ الصبر ليجد ردا علي رسالته... فتح صندوق البريد فوجده فارغ، فارغ من رسالته و لا رد عليها.... هتف في الحارس بأعلى صوته: ألم يأتي خطابات اليوم؟

الحارس: ليس علي حد علمي.

زياد: ومن أخذ تلك الرسالة التي وضعتها في الصندوق في الصباح؟

الحارس: اقوم بعشرات الاعمال في اليوم.... لست رقيبا علي صناديق البريد.

لم يهتم زياد لكلماته و تمتماته التي ظل يرددها حتي استقل زياد المصعد الكهربائي و صعد إلي شقته.... دخل إلي شرفته كالعادة و ظل يفكر... هل اغضبها برسالته؟ هل تقسو عليه و تحرمه من رسائلها؟ لماذا تعبث به و بعقله... اذا كانت تحبه حقا فلماذا لا تفصح عن هويتها؟ اذا افصحت هل يبادلها هو الحب؟

يعلم في قرارة نفسه ان فرح تحبه.. لكنه لا يبادلها الحب، بالعكس انه يصدها بالرغم من كل الحب الذي تكنه إليه...

غرق زياد في افكاره و وحدته.... اخرجه منها صوت جرس الباب... فتح فوجده حارس العقار و يحمل بين يديه رسالة جديدة.. جذبها زياد من يده دون تفكير و صاح: متي جاءت الرسالة؟

نظر له الحارس باستغراب و قال: لاحظتها الأن .. و لا اعلم من هو الراسل و متي جاءت... قال الحارس كلمته الأخيرة و انصرف.

أخذ زياد كوب القهوة الخاص به و جلس في الشرفة يقرأ الرسالة..

" حبيبي زياد...

سعدت كثيرا ان رسائلي لا تسبب لك الضيق...لكن إن كنت تسعد برسائلي فأسعدني برسائلك.

من الجيد أن اعلم ان لرسائلي صدي عليك، و ان اجد لها ردا منك.

أعلم انك وحيد مثلي يا زياد.. وكان الهدف من رسائلي الا تشعر بالوحدة و تقتلك مثلما تقتلني كل يوم.. لذلك فإليك شروط رسائلي منذ اليوم

سأرسل لك رسالة جديد كل يوم في التاسعة مساء، و استلم رسالتك في نفس الموعد.. لا تحاول ان تعرف من أكون.. اذا حاولت منعت رسائلي.

احكي لي في كل رسالة عن يومك... حياتك.. ماضيك و مستقبلك، و سأفعل المثل.

شاركني أحلامك و حياتك.. حتي مشكلات عملك، و ستجدني منصتة جيدة و ناصحة مخلصة.

دعني أقول لك ان الوحدة هي ابشع الاشياء.. اخشي عليك منها..

أحكي لي يا زياد عن النساء اللاتي في حياتك.. عمن احببت، و عن زوجتك. عن يومك العادي و فيما فعلت السنوات الماضية.

لم تكن يوما طفلا ثرثارا، دائما ما كان يحيط الغموض بك..

كنت قليل الكلام، لكن كلماتك دوما كانت تدخل القلب لإنها من القلب.

انتظر رسالتك القادمة بفارغ الصبر حبيبي.

المخلصة لحبك دائما"

فرغ زياد من الرسالة، وجلس على مكتبه يكتب ردا للرسالة...

" عزيزتي المخلصة...

يبدو من كلماتك أنك كنتي تعرفيني جيدا.. لازلت انا لم اتغير... تغيرت الدنيا من حولي وانا كما انا، لا ادري أهذا من حسن حظي أم من سوءه...

أعمل في إحدى شركات البترول منذ فترة قصيرة.... بالطبع تعلمين أنني عدت من السفر، أسكن في منزل والدي من جديد، لكن وحيدا هذه المرة....

أحببت مرة واحدة، وتزوجت مرة واحدة، وكلتاهما ليسا نفس الشخص.

لم تكافئني الحياة فأتزوج من أحببت ولم يطاوعني قلبي فأحب من تزوجت.

و بقي قلبا عالقا بين حكاية حب لم تكتمل، و زواج محكوم عليه بالفشل.

حدثيني أكثر عنك... ماضيك، احلامك، حبك.. ماذا جمعني بلك في الماضي، و هل لازلت في حياتي الحاضرة؟

أتطوق لمعرفتك أكثر.

زياد"

طوي زياد رسالته و وضعها علي المكتب... ينتظر الصباح ليتركها لها في صندوق البريد... ينظر في كل ما حوله ... ذلك الخواء المحيط به.. ليس في المكان فقط، بل يحيط بقلبه و عقله خواء لا يملئه أي شيء.

ذكرته رسالة المحبة المجهولة بحبيبته الأولي... وجرحه الأبدي.... قال بداخل نفسه: عجيبة هي النساء... تحبهم فيلفظونك، و تلفظهم فيحبونك... و بين ذلك و تلك لن تنعم معهن بالراحة ابداا.

لفظته من أحب بصدق طوال أعوام لا يعرف عددها.... حب برئ لم يعرف للشهوة طريقا... حبا عذري. لكنها أبت عليه ان تهبه جسدها و حياتها بعد ان سرقت قلبه منه.

يراها كل يوم في شرفة منزلها... لا يستطع ان يمنع شفتاه من ان تبتسم لها، كما كان يفعل دوما.... لا يزال يرجف قلبه حين يراها... ابتسامتها تسري القشعريرة في جسده... حتى و ان أبت ان تتزوجه... يعلم ان دوما ستكون لديها مكانة داخل قلبه... أليست من أجلها تزوج، و من أجلها لم يستطع ان يكمل في زيجته.

دخل إلي شرفته من جديد عسي ان يراها مجددا... وجدها تجلس في نفس الزاوية تقرأ رواية... لا يعلم أخذت هي حب القراءة منه... ام هي شيء من الأشياء المشتركة بينهما.

إن كان هناك حقا توأم للروح..... فلابد انها توأم روحه... لكن أتعيش روح وحيدة بلا توأمها؟

لعن صاحبة الرسالة، عاشقته الجهولة التي أحيت بداخله حبها من جديد... لماذا سألته عن حبه الأول.

غرق زياد في أفكاره حتى غفت عينيه... في الصباح في طريقه ألقي بالرسالة في صندوق البريد.

عاد في المساء متلهفا.. ليجد رسالة جديدة لكنها لم تأتي التاسعة بعد... حاول ان يقرأ كتاب يشغل به تفكيره، لكنه كان ينظر إلي الساعة كل خمس دقائق حتي دقت التاسعة.... نزل مسرعا ليجد الظرف الوردي في صندوق البريد... حمل الرسالة بحماس و صعد إلي شقته.. دلف إلي غرفته و أخذ يقرأها:

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسائل الماضي

المؤلف Amira Ahmed
2026/02/28 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة