" حبيبي....
لا أعرف لما أدعوك حبيبي... و يأبي لساني أن ينطقها.
اما عني... انا وحيدة تماما مثلك، تتبعت خطاك في الجامعة ودرست في كلية التجارة، عملت بإحدى الشركات بعد تخرجي، لكنني تركتها بعد وفاة أبي... تحتاجني أمي ان اكون إلي جوارها..
أما عن الحب...أحببتك طفلة بمشاعر بريئة...أحببتك بطيش المراهقة وعنفوان الشباب.... ولا زلت أحبك و انا أمرأه علي مشارف الثلاثين.
أحببتك في كل مراحل عمري، ولم أري في حياتي رجلا سواك.
كنت أول وأخر رجل أحبه... لم استطيع أن احب غيرك.... تقرب مني الكثير.. لكن من تعرف حب زياد لا تستطيع أن تعرف رجلا أخر... كل رجال الأرض سواسية دونك..... اتسأل في نفسي هل تستحق حبي؟ أهنت أنوثتي تحت قدميك وتركتني اتألم وحيدة.
علي الرغم من أنني لم أحب غيرك، إلا أن لم يكسر قلبي غيرك.
لم يكن من السهل على ان اراك مع أخري.
اتذكر يوم وفاة والدتك، كنت على الرغم من الحزن الواضح بين مقلتيك، تحاول جاهدا ان تبدو بخير.... كنت أشعر بك... أتمنى لو أخذك بين ذراعي و اتحمل عنك بعض من حزنك...
بكيت والدتك في ذلك اليوم كما بكيت أبي يوم وفاته .... بكيتها لأني أحببتها بصدق.. بكيت لرؤياك تتألم في صمت وانا أقف مكتوفة الأيدي.... بكيت نفسي لأني لا مكان لي في حياتك.
كانت المرة الأولي التي أري فيها زوجتك وجها لوجه... أري كيف تتعامل معها بكل رقي و احترام، و تتعامل معك هي بكل حب...كرهتها يا زياد دون أن اعرفها.. كرهتها و كرهتك لأنك وضعتني في هذا المأزق.... أبعدتني عنك و كنت انا القريبة لك...
لم أتقبل يوما فكرة زواجك من أخري...أزعجتني كثيرا ولازالت تزعجني، رغم ابتعادك عنها.
تزعجني فكرة أنك استطعت أن تمنح قلبك وجسدك لأخري.... و أصلب نفسي عذراء في محراب حبك.
حدثني أكثر عن حبيبتك زياد.... كيف أحببتها ولماذا لم تتزوجها؟
المخلصة لحبك دائما"
قرأ زياد الرسالة و أخذ يفكر... ليست فرح من ترسل هذه الرسائل... صاحبة الرسالة والدها متوفي... و والد فرح حي يرزق... ذكرته الرسالة بيوم وفاة والدته... يوم ضبابي في ذاكرته... لا يتذكر شيء من احداثه، لكنه يتذكر احساسه يومها... يوم ثقيل علي قلبه... طويل لا ينتهي.... كانت وفاة والدته مفاجأة صادمة للجميع... حدثها علي الهاتف قبل وفاتها بنصف ساعة و كانت في أحسن حال... ظن ان والده يعبث معه حين اتصل به باكيا يقول" أحضر حالا يا زياد... والدتك توفاها الله" شعر وقتها كيف يمكن للكلمات ان تكون بلا معني، خاوية.... لا يعرف كيف وصل إلي بيت والده، لكنه يتذكر كيف ضم جسدها البارد إلي صدره... بكاها كطفل في السادسة من عمره تركته والدته وحيدا....كان يبكي و يشهق محاولا ان يتمالك نفسه دون جدوي.... كيف يري من منحته الحياة جسدا بلا حياة... كان يتسأل في نفسه كيف تغادر ارواحنا الأجساد فجأة.... كيف لجسد كان ينبض بالحياة في لحظة ان يصبح ساكنا باردا كقطعة ثلج.
كان يظن ان أمه لن تموت... كان يشفق علي أي يشخص يسمع ان فجعه القدر بموت أمه... لكنه كان يشعر انه محصنا ضد هذه الفاجعة.... تموت أمهات الأخرين لكن أمه تعيش إلي الأبد.
جل ما أراده في هذه اللحظة ان تحتضنه أمه من جديد... ان تبث فيه القوة لمقاومة الدنيا من دونها.... لكن حرم من حضنها الدافئ إلي الأبد.... كان يبحث عن حضن حبيبته يرمي إليها بحمله، رأها في ذلك اليوم في المساء، تلاقت أعينهما و نظر إليها في عتب... كيف تتركه يرمي بحمله لامرأة أخري لا تشعر بمكنون قلبه.
أمسك زياد بالقلم وكتب ردا علي الرسالة والحزن يعتريه.
" عزيزتي المخلصة،
إن كنت ترفضين ان تفصحي عن هويتك، فماذا عن مكالمة في الهاتف؟. تأبي أن تمنحي لكلماتك حياة في أذني؟!
لا أعرف لما اخترت ان تذكريني بيوم وفاة والدتي... أصعب يوم مضي علي في حياتي و من بعده بدأت النهاية.
أشعر أن حياتي ككل انهارت بعد هذا اليوم.
كانت أمي الحياة دون أن أشعر... وفقدت زمام حياتي بفقدها فسقط في الهاوية... توفي والدي بعدها بعدة أشهر... ولم أستطع ان استمر في خداع زوجتي بزواج دون حب... شعرت بأن كل شيء ينهار فاخترت الرحيل... كنت أعتقد أنني سأجد في السفر ما لم أجده في بلدي... لكنني وجدت غربة و وحشة لم أعهدها من قبل...
لم اتقبل الوحدة والغربة أكثر من ذلك، فعدت ادراجي عسى ان أجد الونس بين احضان مكان ضم يوما اشخاص احببناهم.
أما عن حبيبتي... كانت حب العمر، ليست كنساء العالمين... أحببتها كروحي، لكنها أبت ان تمنحي عمرها، رفضت الزواج مني دون مبرر... اختفت من حياتي فجأة، فقررت أن أتزوج من أبنة خالتي التي كنت أعلم أنها تحبني من الطفولة... كنت أظن أنني أعاقبها بزواجي... لكنني كنت مخطئ... عاقبت نفسي وأذيت من لا ذنب لهم في حكاية حبي البائسة بحماقتي...
أفكر في أن اشتري سيارة جديدة... ساعديني في اختيار اللون.
حدثيني عن نفسك أكثر... كيف هو شكلك وماذا جمعني بك.
زياد"
ألقي برسالته في صندوق البريد في طريقه إلي العمل، و استقر في الكرسي المجاور لطارق في سيارته و الحزن يملئ ملامحه.... يعلم أنه مقصر في حق والديه.. لم يزور قبرهما ولو مرة واحدة منذ أن أدخلهما بيديه فيه...
هتف فيه طارق مازحا: هل حرمتك أفروديت من رسائلها؟
ابتسم زياد و لم يعقب... فأردف طارق: ماذا بك يا صديقي؟
قال زياد بحزن يملؤو صوته: لا تنتظرني في المساء يا طارق... سأغادر العمل مبكرا اليوم.
تعجب طارق من كلماته: لماذا؟
زياد: سأذهب لزيارة قبر والدي.
ربت طارق علي كتفه: رحمهما الله.... تريدني ان أتي معك؟
هز زياد رأسه بالنفي: أريد ان أكون وحيدا.
طارق: إذا احتجت شيء خبرني.
ذهب زياد إلي قبر والديه... وقف مذهولا يحاول ان يستوعب ما حوله... كيف لهذا المكان الموحش ان يضم أحبته، جلس بجوار ذلك المنبر الرخامي البارد... سند عليه ظهره وانفجر باكيا... كان يأبى من قبل أن يزوره خوفا من لحظة انهياره... كان يتعامل مع موتهما وكأنه لم يحدث... كأنهما سافرا إلي مكان أخر ولابد ان يعودا في يوم من الأيام، وزيارته لقبرهما كانت بمثابة اعتراف منه بموتهما و انعدام اللقاء مرة أخري.
بكاهما كما لم يفعل من قبل... توفي والده بعد عدة أشهر من وفاة والدته.... لم يستطع يومها البكاء، وكأن دموع عينيه قد جفت.... وضع التراب على وجه أبيه بعينين جامدتين وقلب منكسر.... وقف يومها وتلقي العزاء جسدا بلا روح..... تمني يومها لو بإمكانه ان يجدها و ينهار علي صدرها.... بحث عنها في وجوه الجميع لكنه لم يجدها، غضب منها كيف تتركه وحيدا في مثل هذا الوقف، تأبي ان تمنحه نظرة من عينيها.... قالت أخته له في وسط أحاديثهما ذات مره فيما بعد انها حضرت العزاء وكانت متواجدة طوال اليوم، لكنه لم يراها.... ربما لو وقعت عينيه عليها لذهب إليها في ذلك اليوم وارتمي بين احضانها راميا خلفه كل شيء.. زوجته، اسرته، اسرتها، عادات وتقاليد مجتمع بائد.
لملم زياد شتات نفسه و عاد مرة أخري إلي منزله، تجاوزت الساعة العاشرة مساءا.... لم يكن متلهفا لتلقي رسالة جديدة كعادته.... نظر في صندوق البريد فوجد الرسالة... حملها في رتابه وصعد إلي شقته.... ألقي بالرسالة علي مكتبه و توجه مباشرة نحو الشرفة، يستطيع من شرفته أن يتبين معظم غرفتها.... زاوية شرفته هي الوحيدة التي تفضح غرفتها بهذا الشكل... منذ ان وقعت عينيه عليها في ذلك اليوم و أدرك وجودها و هو يقف في شرفة غرفته مخصوص ليشاهدها تقوم بأعمالها اليومية المعتادة.... تجلس.... تلعب بعروستها الصغيرة... تذاكر دروسها ... او تشاهد برامج الكرتون في ذلك التلفاز الصغير في غرفتها... يشاهدها في صمت فينعم بوجودها... و تعلم هي بانه يشاهدها فتترك ستائرها الحريرية فقط و تأبي ان تغلق نافذتها في وجهه سوي في المساء.. حين تدخل والدتها إلي الغرفة و تغلق نافذتها جيدا.. تستيقظ هي في الصباح تفتحها من جديد... فيبدأ صباحه و يشع نورها في قلبه.
أحبها قبل ان يعرف حتى معني للحب.... بادلته هي الشعور ذاته... لكنه لا يعرف كيف انتهي به المطاف يقف يراقبها في الشرفة من جديد وهو رجل في أوائل الثلاثينيات من عمره.
وقف قرابة الساعة في شرفته ينتظر ان يراها.... لكن غرفتها مظلمة و لا يوجد بها أحد.... تسرب الملل إلي نفسه.. فامسك بالرسالة الملقاة علي مكتبه و شرع في قراءتها ......
" حبيبي زياد...
دعني أخبرك بذكري تؤرقني حتى يومنا هذا... يوم علمت بخبر زواجك، بكيت و بكيت حتي ظننت أنني غرقت في دموعي.... يوم رأيتك عريسا تزف إليك امرأة غيري سقط قلبي محطما أشلاء صغيرة..... ظننت بأنني سأقدر يوما على لملمتها لكنني لم أستطع.
يومها لم أتكلم مع أحد.... كنت صامتة طوال الوقت، حتي منتصف الليل، قتلني خيالي بفكرة ان في احضانك الآن امرأة أخري...، فسقط مغشي على، خانتني قواي مثلما خنتني أنت... أفقت بعدها بيوم في المستشفى، كانت والدتي بجواري حين فتحت عيني المتورمتين من البكاء، قال الطبيب يومها أنني أعاني من صدمة عصبية.... أمسكت والدتي بيدي بعد ان انصرف الطبيب وهمست باستنكار: زياد!! ابن أحمد الألفي!!
نكست رأسي في خزي وألم ودموعي تنهمر على خدي كالسيل الجارف... قالت والدتي ظنا منها انها تنقذني لكنها كانت تزهق روحي: انت واهمة.... لو أحبك حقا لما كان الآن يضم إلى صدره امرأة أخري.
صرعتني كلماتها يا زياد.... لماذا لم تحبني؟ ... طالما حلمت أنني سأكون لك في يوم ما... امرأتك وأحمل أسمك....
تمنيت يومها لو بإمكاني ان أكرهك... لكنني لم أستطع.. كنت أبكي يوميا وكل ما اتمناه ان ابكي بين احضانك....
اقولك لك سرا يا زياد.... كنت أعلم أنك لست سعيد معها... كنت اراه في عينيك... أعرفك جيدا... أعرف امارات السعادة بين مقلتيك.... أعرف نظرة عينيك حين تفرح.. تعاتب.. حتى حين تغضب... كنت أري الفتور بين عينيك..... لا أعلم احساسي بأنك غير سعيد معها اصابني بالفرح ام بالحزن... كانت مشاعري مختلطة سعيدة لأنك لم تجد راحتك في أحضان أخري... وحزينة عليك .... لكنني لم أستطع أن أخفي فرحتي حين علمت بانفصالك عنها... شعرت براحة.... ككوب ماء بارد في حر أغسطس.
أرفض طلبك يا حبيبي في أن نتحدث عبر الهاتف... أعرف أنك ستعرفني من صوتي.
وبالنسبة لسيارتك... أختر الأحمر.. لونك المفضل يا زياد... ضحكت كثيرا حين طلبت في رسالتك أن اختار معك لونا للسيارة... لماذا لم تطلب مني أن اختار معك موديل السيارة؟ الا زلت تعتقد أن هذه الأمور لا تجيدها النساء؟!
لو تعلم يا زياد كم انا سعيدة بالتواصل معك من جديد... كل اشياءك تفرحني ... رؤيتك تدخل لقلبي السرور.. لذة غريبة وقشعريرة تسري في جسدي حين أري ابتسامتك التي أعشق.
عرفت الحب بك ومعك... أحببتك بقدر البعاد الذي بيننا... بقدر ما أنك لست لي... انا أكثرهم حبا لك، وخوفا عليك، واكثرهم حرمانا منك...
عجزت يوم زفافك ان أخفي حبك عن أمي... و الأن أكتب إليك عاجزة أن اخفي حبي عنك أنت... سعادة يومي هي ان اقرأ رسالتك مرارا و تكرارا.. أن تشركني في مقتطفات من يومك.
غبت عني كثيرا يا زياد... لكن مهما غبت لم أعتاد غيابك.
طلبت مني أن أصف لك نفسي... لست سوي بقايا قلب يحبك في جسد امرأة بملامح شرقية... ما جمعني بك يعود إلى الماضي لا تنبش فيه حبيبي... نحن نعيش هنا و الآن.
هل لازلت تحب حبيبتك الأولي زياد؟ أهناك مكان في قلبك لامرأة أخري؟
المخلصة لحبك دائما"
ابتسم زياد لرسالتها... يتمني في داخله بعض الأحيان ان تكون هي صاحبة الرسائل تلك... يشعر بها بين طيات الرسالة...
ترضي هذه الرسائل غرور نفسه... تكفي شعوره بأن هناك امرأة تحبه ذلك الحب دون علمه ... لكنها تملؤ قلبه بالأسي... لما لم تحبه حبيبته كما تحبه هذه المرأة... غريب الحب... لا أحد يفهمه...لا سلطان لنا علي مشاعرنا فلا يلوم صاحبة الرسائل.. لكنه يلوم قلبه كل يوم لأنه لا يزال غارقا في حب امرأة لفظته.
أمسك بقلمه و كتب رسالته:
"عزيزتي....
أصبحت عزيزة علي قلبي وانتظر رسالتك كل يوم..
يؤسفني سماع أنني كنت سببا في مرضك بزواجي... وإن كان هناك عزاء لك في كلامي..... فدعيني أخبرك ان لقائي الأول مع زوجتي كان كلقائي الأخير معها..... يخلو من الشغف او الحب... كان لقاءا روتينيا ديناميكي بلا مشاعر... كيف أمنحها مشاعر وقلبي مع أخري... يمكن للرجال ان تكذب في كل شيء و أي شيء سوي المشاعر... اما النساء فتأبي ان توصم نفسها بالكذب و هن اول من يكذب في مشاعره.
أقدر مشاعرك تجاهي... لكن يأبي قلبي ان يدخل امرأة أخري بين جنباته... عجزت ان أحب زوجتي و هي بين ذراعي... أأحب من لا أعرف حتي أسمها!
يبدو أنك تعرفيني جيدا فتعلمي عني لوني المفضل ورأيي في السيارات و النساء.
الا زلت على عندك ترفضي ان تقولي لي من أنت؟
زياد"
ألقي زياد بالرسالة في صندوق البريد و هو في طريقه لسيارة طارق المنتظر.. استقر على المقعد المجاور له فهتف طارق دون تردد: لا تعجبني يا صديقي... بالك مشغول في الأونة الأخيرة.
هتف زياد بهدوئه المعتاد: أنا بخير.
طارق: أعرفك منذ ان كنت طفلا... لست بخير... أنت وحيد... لا يعجبني تعلقك بالرسائل كمراهق في السادسة عشر... لم ترتكب هذه الحماقات مراهقا... أترتكبها و انت رجلا في الثلاثين؟
زياد: الحب حماقة بالنسبة لك؟
طارق: ليس الحب... لكن ما تفعله بنفسك هو الحماقة عينها... إن كنت تحب نور إلي هذا الحد لماذا لا تتصل بها؟
تنهد زياد في ألم: لازالت تؤلمني كرامتي يا طارق... جرحت رجولتي.... أشعر أحيانا انها من ترسل لي هذه الرسائل... سرح زياد بخياله بعيدا ثم أردف: أو هكذا اتمني أحيانا.
طارق: تشتاق إليها؟
زياد: اشتاق لها حد الوجع... لكن لا سبيل للعودة.
طارق: لو لم تحبك لتزوجت.... أشعر بأنها تنتظرك... خذ الخطوة وتحدث معها مرة واحدة... مرة تضع فيها خط النهاية.... تضع فيها خاتمة لقصة حبك.... اما ان تحبها او تنساها للأبد...
فكر زياد قليلا ثم أردف في تردد: أصدق قولا يا صديقي.... أخشي الرفض مرة أخري... رفضتني دون أسباب من قبل... ولازلت أحمل وجع ذلك الرفض بقلبي حتى الان.... لو رفضتني ثانية تكن نهايتي.
....طارق: ولو تقبلتك بذراعين مفتوحتين على مصرعيهما؟ تكن سعادتك الأبدية ...
زياد: سأفكر في الأمر.
طارق: فلتترك صاحبة الرسائل المجهولة... و لتحدث نور... و ليكن ما يكن.. أيا ما يكون لن تكون أسوأ حالا مما أنت فيه الأن.
ضحك زياد: هل انا مثير للشفقة لهذا الحد؟
قهقه طارق: وأكثر يا صديقي.
زياد: الحمد لله سأستلم سيارتي في المساء و استريح منك و من استجوابك اليومي.
نظر له طارق بتمعن: ستفتقدني يا ناكر الجميل.
انفجر الاثنان ضاحكين.
-----------------------------------------------------
عاد زياد في المساء إلي منزله بسيارته الحمراء الجديدة..... صفها في موقف السيارات الخاص بالعمارة ونظر لساعة يده فوجدها التاسعة إلا خمس دقائق... نظر إلي صندوق البريد فوجده فارغ... قرر أن يتوارى عن الأنظار و ينتظر ليري من يضع الرسالة في الصندوق في تمام التاسعة مساءا
اختبئ زياد خلف إحدى العواميد في المدخل وهو ينظر في ساعته التي تشير إلي التاسعة تماما... ظهر طفل عمره حوالي 10 أعوام أخذ ينظر بين صناديق البريد البالية كأنه يبحث عن شيء، ثم أخرج من جيبه الصغير الظرف الذي يحمل الرسالة و وضعها في صندوق البريد الذي يحمل أسم "مهندس أحمد الألفي".
ظهر له زياد وهتف فيه بحدة: من اعطاك هذا الظرف؟
أجاب الطفل ببراءة: اعطتني إياه امرأة تقف علي اول الشارع، طلبت مني ان اضعه هنا، و اذا كان هناك خطاب أخر في الصندوق احمله إليها.
فكر زياد ثم سأل الطفل: تنتظرك؟
أجاب الطفل: نعم.. تنتظرني أن اعود وأؤكد لها أنني وضعت الخطاب في الصندوق.
زياد: تعرف من هي؟ ما أسمها؟
الطفل: لا.
زياد: هل تأخذني إليها؟
هز الطفل رأسه في إيجاب.. تقدم ومن خلفه زياد.... مشي زياد خلف الطفل و هو يبحث في وجوه من حوله بقلب وجل... حتي توقف الطفل و دار حول نفسه مرتين كأنه يبحث عن شيء ثم هتف: كانت تنتظرني هنا..... يبدو انها انصرفت.
خبط زياد قبضت يده براحته وقال: هل يمكنك ان تصفها لي؟
الطفل: لست بارعا في وصف الوجوه، لكنها امرأة جميلة.
عاد زياد أدراجه وهو يشعر بخيبة أمل كبيرة بداخله... كان يتمني ان يعرف عاشقته المجهولة.
صعد إلي شقته يجر اذيال الخيبة و فتح الرسالة :
" حبيبي زياد...
أسمح لي أن أختلف معك... النساء عزيزي لا يكذبن في مشاعرهن... بل الرجال هم من يأخذهم الغرور ويظنون انهم يمكنهم ان يراهنوا علي مشاعر النساء.
أصدقك القول..
كذبت في مشاعري يوما واحدا... حين رفضت العريس الحادي عشر... سألتني أمي: الا زلت تحبين زياد؟ أجبتها بلا تردد: لا.
كنت كاذبة يا زياد... فحبك بداخلي كدمي لا أستطيع ان اقتلعه من قلبي... أحببتك بقدر البعاد بيننا يا زياد.. قد يظن البعض أنني واهمة في حبي لك، لكنني اقولها بثقة.. حبك هو الحقيقة الوحيدة في حياتي.... حلمي الأبدي.
استمعت بالأمس في الراديو إلى أغنيتك المفضلة صباحا..... زيديني عشقا.. تذكرتك.
قل لي يا زياد...
هل أحببت يوما مثلما أحببتك أنا؟
كنت و لا تزال لست كأي رجل أخر... رأيتك طفلا مميزا يختلف عن بقية الأولاد... رأيتك مراهق رزين لا يستهويك أفعال المراهقين.... ورجلا وسيما تقطر الرجولة من جبينه.... لكن رغم اختلافك يا زياد، جميع الرجال قلبهم واحد... كنت أظن ان قلبك مميزا مثلك، لكن إن بعض الظن أثم....
أتعلم يا زياد... كنت أتمنى أن اشكوك إليك وها أنا أفعلها.
رسائلي هذه ليست الا رغبة في أن اعاتبك... ألومك... أقول لك ماذا فعلت انت والزمان بي.
......أحببتك بصدق يا زياد... لكنك......
خبرني يا زياد، هل لا تزال تتراهن مع محمد ابن عمك؟ أخبرني عن أخر رهان بينكما ماذا كان ومن ربحه؟
المخلصة لحبك دائما"