الهدية (الفصل الأخير)

الهدية (الفصل الأخير)

15 0

خَيّم عليهم الصمت ثقيلا لوقت طويل، لم تسمع فيه سوى أنفاسهم المضطربة، أكان الصمت حقا من أخرسهم؟ أم أن الحزن أقوى من أن يسمح لهم بالحديث؟

اعتادت لين أن ترى الجانب المُشرق-نسبيا- من حياة والدها، أن تراه مبتسما بهدوء طوال الوقت، يذهب للعمل، يعود ليجلس معهم في جلسة عائلية دون أن يفتح جروح الماضي.

الحزن الذي رأته اليوم في عينيه أنبأها عن تألمه الشديد لفقدان صاحبه، فإن كان هذا الحزن الذي يقبع فيهما بهذا الوضوح رغم مرور إحدى عشرة سنة، فكيف بتلك اللحظة؟ كيف بلحظة رؤيته لصديقه مضرجا بالدماء؟ لقد حمّل نفسه المسؤولية، فلو أن قاسم لم يأتِ لإنقاذه قبل ثلاث عشرة سنة، لم يكن ليؤذي الآن... ولكن هل سيعترض على أمر كتبه الله؟ أهو أدرى بالغيب من خالق الغيب؟ هذا ما كان يُصبّر به نفسه؛ أن ما جرى لحكمة يعلمها علام الغيوب ولا يُشترط للعبد أن يعرفها كي يرتاح، يكفيه أن الله يعلم.

تحدثت لادن أخيرا بصوت حذر وهو يحدق بوالده الذي بيد أنه غرق داخل تلك الذكريات قبل أن ينتشله صوت ابنه المتسائل:

_أبي، كيف علمت بأن السيد قاسم سيتجه للمستودع؟

علقت لين مؤيدة شقيقها في حيرته:

_صحيح، هل كان هناك شيء أنبأك بمكانك؟ اتصل بك مثلا؟ وجدت دليلا؟ شيء من هذا القبيل...!

هز رأسه نافيا ورسم ابتسامة حزينة على شفتيه مجيبا بصدق وقد اتكأ على مسند الأريكة وراح يحملق في السقف:

_كلا، لا شيء مما ذكرتِ يا ابنتي، لكنه قلبي.

_قلبك؟ «تساءلا معا»

_نعم، لقد قادني إلى هناك، شيء ما أخبرني أننا لم نبحث في ذاك المكان، مكان مهجور، معزول عن العالم، لكنه... مرتبط بحادثة محفورة في عقولنا، حادثة يعرفها المجرم جيدا، يعرفها قاسم، وما دامت مرتبطة بذاك القاتل المتسلسل فلا بد أنني أعرفها أيضا؛ لذلك أرشدني الله للصواب وقتها، واتجهت نحو المستودع لأجد أنني قد تأخرت، كان يواجه سكراته، مع ذلك... حافظ على هدوئه، تحدث رغم الألم، حدثني، وحدث ابنه، أبكاني وأبكى نجله، ثم رحل تاركا جُرحا عميقا داخلي فاق جرح الرصاصات التي اخترقت جسدي عندما أنقذني!

تبادل الشقيقان نظرات تنم عن حزن شديد، أحمل كل هذا الحزن في قلبه؟ أكان كاتما لأوجاعه هذه طوال الإحدى عشرة سنة؟

تابع جهاد بهدوء بعد أن استعاد بعض ثباته:

_في ذلك اليوم استطاع الشيطان إقناعي أن لي دورا كبيرا في موت قاسم، فحملت نفسي المسؤولية ولم أعد أستطيع الذهاب للعمل مجددا، كنت أشعر بالخزي من نفسي، وسألتها مرارا «ما فائدتي كشرطي يحمي الناس إن لم أحمِ أقربهم إليّ؟» كان علي تقبل الأمر فقط لكنني لم أستطع، ولست الوحيد، فقد توقف أحمد عن العمل لفترة ثم انتقل لمدينة أخرى عله ينسى ما جرى، وأخذ نبيه إجازة طويلة من العمل، لم يكن حدادا بقدر ما كان غرقا في الصدمة، لقد فقدنا شخصا مهما، مهما جدا بالنسبة لنا جميعا، ولم يكن فقدانه هينا البتة!

صمت قليلا ثم قلب بصره بينهما قائلا:

_وهذه نهاية قصة الذكرى الموجعة يا صغيرَيْ.

اندفعت لين بسؤال عفوي ملأه الفضول وتلبسته الحيرة بعد كلام والدها عن استقالة والدها بسبب تلك الذكرى:

_إذا لم سمحت للادن أن يعمل في الشرطة؟ لمَ لمْ تمنعه رغم علمك أنه سيتعرض للخطر أيضا؟

رمقها لادن بعتاب وتذمر وكأنه يقول «هِيه ليس وقت هذا الكلام ليلي!» لكن جهاد نظر في عينيها وأجابها بنبرة ثابتة مُلئت يقينا وثقة:

_ما جرى في الماضي مع جهاد ليس بالضرورة أن يحدث مع لادن، ثم إنه من اختار هذا الطريق عالما بما سيواجهه، فلم علي منعه؟ عله يستطيع مساعدة من حوله وحمايته -بإذن الله-.

ابتسم لادن تلقائيا لكلمات والده ونظر لشقيقته فابتسمت بدورها وهي تقول مغيرة مجرى الحديث الأساسي:

_أتعلم يا أبي؟

انتبه لها فتابعت بصدق:

_أحمد الله في كُل سجدة أن رزقني الله بأب وأمٍ مثلكما.

نظرت لشقيقها متابعة بمرح:

_وأخٍ يرأف بي ويحميني، ويهتم لمشاعري جاعلا إياها من أولوياته!

تنحنح لادن خجلا من كلمات الإطراء التي أغدقته بها فضحكت بخفة ليبتسم والديهما برفق ثم عم الهدوء مجددا لكنه أقل ثقلا هذه المرة...

❀❀❀

صباح اليوم التالي...

كانت لين تقف أمام باب المنزل تحدق في منزل رنيم حتى تراءت لها الأخرى خارجة، فعبرت الشارع لتصل إليها.

تبادلتا السلام والعناق فلم يلتقيا منذ أسبوع كامل بسبب انشغال كل منهما، كما أن إدارة الجامعة منحتهم عطلة ما بعد الامتحانات لذلك لم تجدا وقتا لتلتقيا به... وها قد عادت الجامعة لتمنحهما وقتا للقاء رغم أعباء المنزل التي تزداد عن رنيم، وانشغال لين بكتابة كُتيب مُلئ بقصص الصحابة رضوان الله عليهم.

_كيف قضيتِ الأسبوع؟

_لا شيء جديدا، أنهيت الكُتيب وأرسلته كملف pdf للادن كي يراجعه لي فمعلوماته الدينية أفضل مني كما أخبرتك سابقا... لذلك أحب أن أرسل له ما أكتب ليراجعه في وقت فراغه، حسنا ماذا عنك؟

ابتسمت رنيم وأجابت:

_هذا جيد، سأنتظر قراءته بفارغ الصبر، بالنسبة لي لم أقم بشيء مميز، ذات الروتين العادي (فكرت قليلا ثم تابعت) أظن أن أجمل ما حدث هو أن عمران أخبرني عن تحسني الواضح في الطبخ!

مازحتها لين ضاحكة:

_هل وثقتِ كلامه؟

أجابت بتذمر تجاريها:

_إنه محقق كما تعلمين، سيكتشف ذلك بسهولة وسيعاقبني بلا شك لأنني سجلت كلامه دون إذن.

شهقت الأخرى بدرامية وقالت:

_أهو سيء لهذه الدرجة؟

دافعت رنيم عن شقيقها باستماتة:

_بالطبع لا، بل على العكس؛ إنه الأفضل!

_إذا أجزم أنه سيضحك إن سمعك تقولين هذا، يعاقبك؟ أظنك تحمستِ قليلا عزيزتي!

قالتها ضاحكة لتعبس رنيم قليلا واكتفت بالصمت في حين تابعت الأخرى بابتسامة هادئة:

_يبدو أن علاقتكما تحسنت كثيرا صحيح؟

أومأ رنيم بسرور وهزت رأسها، ثم عم الصمت قليلا قبل أن تقول الأخرى وهي تشير لوالدها الذي خرج من المنزل متجها لسيارته بعد أن أشار لهما:

_هيا، حان وقت الذهاب للجامعة

أمسكت يد صديقتها ثم قطعتا الشارع معا متجهتين لسيارة جهاد.

❀❀❀

في مركز الشرطة...

أحدهم كان شارد الذهن في حديث والده أمس، الحديث الذي رفض أن يغادر عقله منذ سمعه، أكان جهاد يحتفظ بكل هذه الذكريات داخله دون أم يشاركهم بها؟ أكانت أمهما فقط من تعلم؟ ألهذا كانت دائمة القلق عليهما إذا سمعت بأمر قضية خطرة؟ ألهذا كانت ترفض عودة زوجها للشرطة؟ تلك الإصابة التي نسى أمرها لادن تقريبا-دون أن يسنى كونها سبب دخوله للشرطة- هل هي جرح عميق داخل والده ورفاقه؟ موت قاسم ألهذه الدرجة أثر فيهم جميعا؟ إن كانوا قد تأثروا إلى هذا الحد فكيف بعمرات الذي مات والده أمام عينيه؟ وكيف؟ عندما حاول إنقاذه!

لم ينتبه لذاك الذي يقف خلفه منذ ساعة يراقبه بحاجب مرفوع لعدم انتباهه له، ثم مد يده لكتف شارد الذهن ليلتفت الآخر بدهشة قائلا:

_عمران؟ منذ متى وأنت هنا؟

فكر عمران قليلا وقال ببرود وهو يهم جالسا في الكرسي المجاور لكرسي الآخر:

_بضع دقائق.

حك لادن جبينه معلقا:

_يا إلهي، لم أنتبه!

رمقه المحقق البارد لثوانٍ ثم ضيق عينيه قائلا:

_بالطبع فقد بدوت غارقا في عالم الأفكار... إذا، ما بك؟

ابتسم لادن بجانبية واضعا يده على الطاولة متكئا على قبضته مميلا رأسه تجاه زميله قائلا:

_لا شيء يا صديقي... فقط كنت أفكر كم أنك شخص قوي.

رماه عمران بنظرات مستنكرة من هذا الإطراء المفاجئ ثم ضحك بسخرية معلقا وهو يشيح بنظره عن الآخر:

_لست على طبيعتك أبدا!

ابتسم لادن ولم يعلق، فلن يخبره بالطبع عم يفكر به فهو يعلم جيدا أن الآخر لا يحب استعادة هذه الذكريات لما فيها من ألم.

❀❀❀

_أيها المفتش!

وضع كوب القهوة على المكتب ونظر للمنادِي باستغراب مضيقا عينيه سائلا:

_ما الأمر؟

قال ليث مخفيا ابتسامتها وهو يجلس على الأريكة:

_شغلني سؤال فُضولي منذ الأمس.

_وما هو؟

_قُلت لي مرة أنك كنت تعمل في فريق مع المفش جهاد صحيح؟

ضيق أحمد عينيه محاولا فهم ما يرمي إليه الذي تابع قائلا:

_وأنك انتقلت إلى هنا بعد أن قُتل صديقكم -والد عمران-، أليس كذلك؟ (هز أحمد رأسه فاستطرد الشاب) لقد كنت أتساءل... ألم تُفكر في العودة إلى هناك مجددا؟

ظهر شبح ابتسامة حزين على وجه أحمد وقال:

_بلى فكرت في ذلك مرات عديدة تحديدا بعد أن علمت بعودة جهاد للعمل مجددا، ولكن...

_ماذا؟

_لا يمكنني ترك المكان الذي عملت فيه لأحد عشر عاما (نظر له متابعا بنبرة أكثر عاطفية لم تُعهد منه) وأيضا... لا يمكنني تركك يا ليث، فأنت تعلم أنني أراك في منزلة الابن مني.

اتسعت حدقتا المحقق الشاب دهشة، ثم ابتسم، ابتسامة واسعة نمت عن سعادته بتلك الجملة الأخيرة التي طرقت مسامعه بلطف، أسعدته هذه الجملة بقدر ما أسعده قائلها وانعقد لسانه فلم يعرف بماذا يجيب.

تحدث أحمد مغيرا مجرى الحديث وهو يرتشف آخر ما بقي في قهوته:

_في الحقيقة لقد فكرت أن نذهب لزيارتهم قريبا، ما رأيك؟

استرسل ضاحكا:

_لا بد أنك اشتقت للادن.

قلب ليث عينيه بملل قائلا بمزاح:

_إلى الحد الذي يجعلني أفكر في أي جملة استفزازية ألقاه بها.

تبسم أحمد وقال:

_لم تتغير.

_ولن أفعل (ابتسم)

❀❀❀

بعد شهر...

كانت لين تجلس في غرفتها تراجع مقرراتها الجامعية لليوم، تجلس على سريرها تقلب الأوراق بملل، ليست من مُحبي الدراسة لوقت طويل ولكن عليها تحقيق حلمها بإتقان اللغة العربية.

سمعت طرقا على الباب فأذنت لصاحبه بالدخول ليطل لادن من خلفه مبتسما وهو يقول:

_لِيلي هلا منحتني بعض وقتك؟

نظرت له باستغراب وهزت رأسها لتنهض عن سريرها وتتجه نحوه قائلا بتساؤل:

_خيرا محققي؟

بعثر شعرها قائلا:

_لدي مفاجأة صغيرة لك.

رتبت شعرها بتذمر قائلة:

_أوكلما رأيتني تُفسد شعري؟(ثم نظرت خلفه بفضول) أين المفاجأة؟

ضحك قائلا:

_لم أنت متأكدة أنني أحضرتها إلى هنا؟

_لم تضع يديك خلف ظهرك إذا؟ (قالتها بملل)

_للتمويه ربما...(تابع مبتسما بعد أن جذبها من يدها ليأخذها معه) سأريك ما سيسرك.

كانت تتبعه بصمت، لقد ملأها الفضول لتعرف ماذا يخبئ لها من مفاجآت، أهي مفاجأة ضخمة لا يستطيع أن يعطها لها في غرفتها؟

وقف أمام المكتبة لتقف هي بدورها وتنظر لها باستغراب فقال مبتسما:

_أتذكرين رف الكتب الفارغ الذي لم نعلم بما نملأه؟

هزت رأسها إيجابا وسألت:

_هل اشتريت كتبا جديدة؟

_بل شيئا سيسعدك أكثر من ذلك!

نظرت له بشك... شيء يسعدها أكثر من شراء كتب جديدة؟ ما الذي يخفيه بجدية؟

حدقت فيه لدقائق قبل أن يومئ برأسه مشيرا لها أن تدخل فدخلت بحذر مستعدة لتلك المفاجأة، سارت بسرعة نحو الرف الفارغ -سابقا-، لتتسع حدقتاها صدمة، كان رفا مليئا بالكتب والروايات، ولكنها لم تكن مجرد كتب أو روايات تحبها لين بل...

شهقت ونظرت لشقيقها بعينين دامعتين وعانقته بقوة قائلة:

_أنت أفضل أخ في العالم أيها المحقق!

ابتعدت وركضت باتجاه الرف تقرأ عناوين الكتب والروايات ثم توقفت طويلا أمام اسم المؤلفة «لين جِهاد»!

نعم، نعم!

لقد طبع لها كل مؤلفاتها التي كانت ترسلها له بنية أن يقرأها ويراجعها فقط، لكنه فاجأها بأن حول لها مؤلفاتها ورقيا بل ووضعها في المكتبة، المكان الذي تعشق الجلوس فيه لوقت طويل، أي هدية تهديها لكاتبة أعظم من هذه؟ لا يوجد قطعا!

...

...

...

هل أنتم مستعدون للوداع؟ 😔

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكرى الموجعة (الجزء الأخير من سلسلة ثنائي العدالة)

المؤلف البروء
2026/02/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة