الصمت أبلغ الحديث

الصمت أبلغ الحديث

16 0

في غرفة باردة نسبيا، النوافذ فيها مغلقة لكن الستائر مفتوحة لتترك للنظار متعة النظر إلى حديقة المشفى، وعلى السرير الطبي المترفع، المفرش بغطاء أزرق فاتح؛ كان الشرطي المصاب يفتح عينيه بصعوبة ليقابل النور بعد إغماء مضى عليه أكثر من 12 ساعة.

نظر خوله بإنهاك وهو يشعر أن كل جزء في جسده يؤلم بشدة، وكأن هذا الألم يُكمل ما تبقى من حياة في جسده

أغمض عينيه قليلا ليستعيد أحداث ما جرى، ثم فتحهما عندما طُرق الباب وفُتح ليدخل رفاقه الثلاثة ويلقوا عليه السلام بصوت بشوش، ثم يقول قاسم بنبرة قلقة:

_كيف تشعر؟ هل تحسنت؟

أجابه متمتما وهو يحملق في سقف الغرفة:

_الحمد لله، نجوت بأعجوبة.

سأله أحمد متهكما:

_أكنت تنوي الانتحار؟ أهناك من يذهب للقاء سفاح بمفرده أعزالا؟!

لم يجبه ليتابع عنه نبيه بنبرة لينة:

_جهاد لا يجب أن تعرض نفسك للخطر هكذا، كدنا نفقدك!

تنهد المريض بهدوء قائلا:

_لم أكن أعزلا ولم أذهب للقائه، بل ذهبت لأتأكد من أن ذاك المكان هو مقره ويبدو أنني أسقطت مسدسي دون أن أشعر مما فضح أمري...

علق قاسم راسما ابتسامة مطمئنة على شفتيه:

_لا بأس، المهم أنك بخير

تابع وهو يقف مشيرا لرفيقيه:

_لنذهب

نظر لهم جهاد مستغربا ففسر نبيه:

_عائلتك ترغب بالاطمئنان عليك

خرجوا دون أن يتركوا له فرصة التعليق، يا إلهي!

لقد سبب لهم قلقا جما، عليه أن يبدو بخير لأجلهم، فقوتهم تكمن في قوتهم هو.

راقب الباب وهو ينفتح ببطء من جديد، ليطل من خلفه لادن ممسكا يد أخته الصغرى، وإلى جانبه أمه التي رفعت نقابها عندما اطمأنت لخلو المكان من الأجانب لتظهر دموعها التي لم تجف بعد على وجنتيها

اقتربوا منه ولم يتجرأ أحدا على عناقه فربما العناق مؤذي الآن؛ حتى أكثر الأفعال مواساة لا يجدي أحيانا!

تماسكت الأم وهو ترى زوجها مضجعا على الفراش الطبي بلباس المرضى الأبيض وقد بدا في ملامحه التعب رغم محاولته التظاهر بالقوة؛ أما لادن فكان حزينا لما جرى لوالده، متألما وكأنه هو من أُصيب، فلم يكن ليتخيل أن يشعر بأنه يوشك على فقدان أعز الناس لقبله...

كانت الطفلة الصغيرة تقلب بصرها بينهم في حيرة، تشعر أنهم نسوها الآن، وكأنها لم تعد موجودة، لا أحد ينظر لها، لادن يراقب والده، وجهاد يقلب بصره بينهم لكنه لا يستقر على أحدهم، لم يطل التحديق في صغيرته كعادته وهذا أحزنها وإن كانت لا تفهم تصرفات الكبار تماما لكن التجاهل قاسٍ وإن لم يكن مقصودا.

انتبه المصاب لطفلته التي حاولت جذب انتباههم إذ شدت كم أخيها بيد، وعباءة أمها بيدها الأخرى، وعيناها ثبتتا في والدها الذي أردف مبتسما بهدوء غير آبه بالألم:

_ألن تعانقي أباكِ يا ابنتي؟

نظرت له زوجته بعتاب وكاد لادن يعترض لكن لين ركضت لوالدها وقد شقت الابتسامة وجهها وهي تصعد للسرير ثم تعانق والدها بقوة.

أطبق جهاد شفتيه مانعا آهة متألمة -إثر عناق ابنته- من الخروج ثم مسح على رأسها وظهرها بيده التي لم تُصب وهو يقول ملاطفا:

_اشتقت لك صغيرتي

ابتعدت عنه وأردفت بسرور وهي تشرح بيديها:

_وأنا كثيرا!

جلست بجانبه على حافة السرير لتبقى قدماها معلقتان دون لمس الأرض وهي تحدث والدها عن كل ما جرى في غيبه وتشرح له صفات نبيه وكيف تحدث معها هو وقاسم، وكيف أخذهم إلى هنا مرتين ليروه، وكيف أن أمها كانت تحذرها من عناقه ليضحك بخفة وينظر لزوجته التي ترمق ابنتهما بضيق لي حين تبسم لادن الذي شعر أن بعض الأمور عادت لمجراها الطبيعي... ولكن، هل والده حقا بخير؟ أم أنه ممثل بارع؟

اقترب منه وقبل جبينه مبتسما وهو يقول بامتنان حامدا الله:

_الحمد لله أنك بخير.

هزت والدتها رأسها مؤكدة:

_لا تدري كم أقلقتنا.

ابتسم جهاد بخفة معلقا وهو يمسح بيده على رأس طفلته:

_اطمئنا أنا بخير

تابع ممازحا زوجته وهو يشير للادن:

_هل كان مسؤولا؟

ابتسمت ومسحت دموعها التي نزلت مجددا وقالت بلطف وهو تعانق ابنه بعينيها بحنان:

_لقد كان الوقت قصيرا ولكنه أثبت لي أنه كبر حقا، كان صلبا، قويا، جلدا.

شعر الرجل الموضوع على السرير الطبي بارتياح كبير يحيطه وبفخر بابنه ليقول:

_أحسنت لادن

سُر الشاب بإطراء والده وظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه وقال بحماس يُخبره بقراره الذي اتخذه بالأمس فقط...

_صحيح يا أبي!

انتبه جهاد بكل جوارحه بعد أن طرقت أذنيه نبرة ابنه المتحمسة لهذه الحديث، وتأهب لما سيسمعه فيبدو أنه أمر مهم للآخر:

_لقد قررت قرارا

_أطرب مسامعي به يا بني

_عندما أكبر سأصبح شرطيا، مثلك يا أبي، سأصير شخصا يُساعد الجميع، ويُطبق شرع الله في الدنيا، وسأكون شرطيا يحترمه زملاؤه مثلك، وسأساعد من يحتاج مساعدتي، وسأقف لجانب رفاقي وأسندهم عندما يتعرضون للخطر وسأحميهم بإذن الله!

تفاجأ جهاد من كم الكلمات التي ألقى عليه بها لادن بحماس وسرعة ونفس واحد، وسرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة عندما فسرت له زوجته سبب قرار ابنها المفاجئ؛ إذ أنه في أول سنة له في الثانوية ومن وجهة نظرهما أن الوقت لا زال مبكرا ليفكر في ذلك:

_بالأمس عندما جئنا لنطمئن عليك، بقي زملاؤك الثلاثة لمدة سبع ساعات ينتظرون خروج الطبيب من العملية، كانوا قلقين عليك جدا وهذا ما أعجبه (أشارت لابنها الذي هز رأسه مؤكدا، وأضافت) قلقهم وخوفهم عليك جعلاه يشعر أن هذه المهنة عظيمة لأنها تربط بين القلوب وتقوي العلاقات وتُبقي الرأفة ولا تنزعها بل وتحارب أولئك الذين ماتت قلوبهم فصارت أقسى من الحجارة.

ظهرت ابتسامة هادئة على وجه جهاد بسبب تفكير ابنه المثالي عن الشرطة التي لا تحمل هذه الصورة الكاملة فقط بل أن فيها الصالح والطالح، فيها الصادق المخلص وفيها المرتشي والفاسد، حتى أن الرأفة التي ظنها سمة في رجال الشرطة لم تكن لدى الجميع-ربما على للفئة الغالبة فقط- كما أن بعضهم من ماتت قلوبهم ليس قسوة بل لكثرة ما عاشوه وأبصروه... كان الأب قلقا من أن يصدم ابنه في هذه الحقيقة المرة.

تنحنح لادن جاذبا انتباه والده وقال مبتسما:

_إذا... ما رأيك؟

بادله ابتسامته وأجاب بنبرة لينة:

_فخور بك... أسأل الرحمن أن يكتب لك الخير في حياتك ويوفقك لما يحب سبحانه ويرضاه.

❀❀بالعودة للواقع❀❀

أردف لادن بسعادة:

_ذكريات ذاك اليوم لا تُنسى.

علقت لين على كلماته بحسرة:

_ليتني كنت أكبر سنا!

بعثر شقيقها لها شعرها بخفة وقال مبتسما:

_من الجيد أنك لم تكوني كذلك، فبالرغم من جمال بعض الذكريات إلا أن الألم يأخذ النصيب الأكبر منها.

أبعدت يده بتذمر:

_توقف عن معاملتي كطفلة.

_ستبقين طفلة في نظري يا صغيرة.

عضت شفتيها كي لا تتفوه بأي كلمة تبدأ بها شجارا قصيرا معه أمام والديهما الذين عبسا عندما لاحظا شارة خلاف أُخوي على وشك البدء.

❀من جهة أخرى❀

كان اليوم عطلة رسمية في مركز الشرطة، وبالطبع يوجد استثناء في حالة حدوث جريمة ما...

مُنذ أن استيقظ عمران وهو مضجع على فراشه لم يبرحه إلا ظهرا عندما ذهب للصلاة في المسجد ثم عاد ليريح بجسده مجددا فهذا يوم راحته الوحيد وقد فضل قضاءه في الراحة -على عكس العادة- بدل استغلاله في القيام بأي شيء مفيد.

أما رنيم فقد انتهت من غسْل أواني الغداء وذهبت لتطمئن على أمها -كعادتها- لتجدها نائمة إذ كانت معتادة على أخذ قيلولة بعد الغداء وحتى العصر... عندئذ ذهبت لغرفتها وجلست تقرأ مسودة القصة التي بعثتها لها لِين لتطلع عليها وتمنحها رأيها بشفافية على القصة والأحداث والتي لم تكن خيالا بل كانت نقلا لآخر قضية خاضتاها والتي لم تحتج منهما الكثير من الوقت إذ كان كل شيء واضحا منذ البداية ولكن الجميع تجاهل الأمر عادا إياه تافها.

كانت القصة أو لنقل بمعنى أدق «القضية» تتحدث عن عجوز بلغت من عمرها 80 سنة قبل أن توجد مقتولة في بيتها البسيط بأحد الشوارع قليلة السكان، تولى زمام الأمور كلا من المفتش جهاد وابنه لادن بالإضافة إلى لين التي ساعدتهم كثيرا في تقليل التواصل مع العنصر النسائي، ثقتهما بها كانت تفوق أي شيء عدا ثقتهما بالله سبحانه.

بالطبع لم تكتب الأسماء الحقيقية للشخصيات بل اكتفت بوضع أسماء مستعارة مع توضيح أن القضية حقيقية بالكامل.

عاشت رنيم بين صفات القصة وكأنها لم تسمعها سبع مرات من ثغر صديقتها المتحمسة وهي تروي لها ما جرى، وتخبرها بدهشة والدها عندما حلت اللغز الذي تمثل في أن المجرم هو خادمة المرأة المسنة؛ أما سبب فعلها الشنيع فكان طمعها بالذهب الذي تملكه تلك المرأة التي رحبت بها تحت سقف منزلها الصغير، ربما كانت قادرة على شراء منزل أوسع منه وأفخم ببيع ذهبها ولكنها كانت تفضل تلك الحيطان التي عاشت فيها عمرا طويلا.

بعد أن أكملت رنيم قراءة القصة التي تعرف أحداثها بالكامل أرسلت لصديقتها رأيها الصريح بالكامل والذي اشتمل على كثير من المدح والافتخار بها، وبالطبع قدمت لها بعض النصائح التي ترى أنه يمكن أن تساعدها في التحسن أكثر، ولم تنسَ بالطبع إرفاق رسالتها المحببة للين والتي كانت دعوة صادقة من قلب يُحب الخير للناس تحديدا من هم بمنزلة العائلة لها وبالطبع كانت لين منهم... أما الرسالة فكانت «بارك الله في ما كتبتِ وجعله شاهدا لك لا عليكِ!»

خرجت من غرفتها عند سماع صوت آذان العصر، لتوقظ والدتها، ثم توجهت لتصلي صلاتها وتقرأ أذكار المساء.

بالنسبة لعمران فقد توضأ وغادر للمسجد ليصلي مع الجماعة وقد التقى بلادن هناك مع المفتش جهاد، تبادلوا التحية في الخارج بعد الصلاة وتحدثوا قليلا في أمور العودة وكان لادن يتحدث عن حماسه لحل قضية جديدة في حين كان عمران يمنحه ردودا مختصرة كعادته لكن هذا الأمر لم يعد يضايقه البتة فقد اعتاد على تصرفات صاحبه.

عاد عمران للمنزل بعد أن اشترى بعض الأغراض الناقصة، وضعها في المطبخ ثم توجه لغرفة والدته ليجلس معها قليلا يحدثها ويؤنسها، ولم يمضِ كثير وقت حتى انضمت له شقيقته لتجتمع العائلة في غرفة واحدة يغلفها الدفء الأسري رغم بعض البرد الذي خلفه غياب قاسم عن هذه الدنيا...

تبادل عمران النظرات مع والدته، نظرات صامتة لكنها كانت كفيلة لتشرح ما فكر به لوهلة، لم يكن راغبا في فتح هذا الجرح، لكنه يُفتح رغما عنهم جميعا فغياب شخص واحد بلغ مكانة عالية في قلوب عائلته؛ لن يكون سهل النسيان.

وفي كل مرة يتذكرونه... يكتفون بالصمت، ويدعون له في سرائرهم بالرحمة والغفران.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكرى الموجعة (الجزء الأخير من سلسلة ثنائي العدالة)

المؤلف البروء
2026/02/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة