سبع ساعات من القلق!

سبع ساعات من القلق!

11 0

أمام غرفة العمليات كان قاسم يسند ظهره على الحائط قرب الباب ولسانه يردد أدعية الحفظ لصديقه، مضى الكثير من الوقت عند دخوله وتبقى وقت أكبر -للأسف-، قلبه يخبره أن الآخر لن ينجُ فقد نزف كثيرا بالإضافة إلى الرصاصات الأربع التي اخترقته اختراقا لتترك فجواتها في جسده وتجعل الدم يتدفق منها كعيون انبجست لتوها.

لمح قاسم ولوج نبيه ومن معه ليتقدم نحو صديقه وتبادل التحية معه ثم مع لادن الذي كان يرفع لِين على ظهره، في حين كانت والدتها تقف على مسافة بعيدا عنهم.

تساءل نبيه بصوت قلق:

_هل هو بخير؟

ابتسم قاسم بتكلف أردف بعد أن مسح على رأس الطفلة:

_إن شاء الله... ما اسمك يا صغيرة؟

أجابته بطفولية وهي تبتسم بسعادة وقد انشرح صدرها للرجل الذي يحدثها:

_لِين جِهاد

بعثر شعرها قائلا بلطف:

_ما شاء الله، اسم جميل لينو.

تابع وهو يأخذها من شقيقها ثم يضعها لتلامس قدماها الأرض:

_أنت في عمر ابنتي، أرجو أن أراكما صديقتان عندما تكبران

وقبل أن تعلق لين انحنى لادن لمستواها وأردف برفق:

_لِيلي، اذهبي لأمي.

هزت رأسها بإيجاب ثم ركضت نحو والدتها، ليقيم الفتى جذعه وسأل قاسم بنبرة جادة أكثر:

_كيف حال أبي؟

تنهد الشرطي وعجز عن الرد وكأن الحروف تشاجرت معه في أشد اللحظات صعوبة بالنسبة له، فكيف سيجيب فتى في مثل سن ابنه أن والده في غرفة العمليات وقد تستغرق العمليات وقتا يزيد عن الست ساعات وقد لا تنجح!

_أجبني يا عم!

التفت قاسم ناحية باب الغرفة التي تحتجز جهاد بين جدرانها وقال بأسى:

_لندعو الله أن يكون كذلك، لقد نزف كثيرا ومن مواضع شتى لذا...

لم يستطع إكمال جملته لصعوبة إخراج الكلمات بالنسبة له، فهو لا يريد الكذب وبالوقت ذاته لا يريد أن يزيد الطين بلة!

ربما كلماته كانت كفيلة بإفقاد لادن رباطة جأشه لكنه تماسك فانهياره سيؤدي إلى انهيار والدته ومن ثم أخته؛ لذا عليه التجلد، عليه أن يحسن الظن بالله؛ أليس هذا ما يقوله جهاد له دائما؟

أخذت الدقائق تمر عليه ببطء، مضت ساعة، ساعتين، ولا خبر، كان لادن يقف مع والدته الصابرة وأخته الجاهلة بما يجري تارة، ومع زميليّ والده تارة أخرى، وخزه فؤاده ألما مرارا لكنه يتجاهل، عليه البقاء قويا، أخذ يضع أسوأ الاحتمالات؛ ربما سيموت والده، سيذهب جهاد للأبد، لن يكون هناك سندان لهذه العائلة بل سند واحد، شخص واحد عليه أن يتحمل كل شيء وهو ابن الخمسة عشر عاما.

نبيه يسير في الممر جيئة وذهابا بذهن شارد، وقاسم يخطف النظر في كل مرة إلى ذاك الباب الذي يفصله عن روح أحد رفاقه، عن روح شخص أحبه في الله حبا حتى صار في مثابة الأخ عنده فلم يكن لقاسم أي أشقاء ولا لجهاد كذلك.

مضت ثلاث ساعات منذ قدموا للمشفى وانضم لهم فرد جديد، كان أحمد قد وصل لتوه من مركز الشرطة بعد أن أنهى عمله، اقترب من صاحبيه وحدق في لادن مطولا، كانت عيناه تحكيان حزنه على هذا الفتى، الجميع يعتقدون أن جهاد سيموت، احتمالية نجاته لا تتعدى الثلاثين بالمئة، نزف كثيرا، ربما ما يزيد من فرصة عيشه هو سرعة إسعافه، ولحسن حظه أنه أخبر قاسم بمكانه وإلا كان قد لقي حتفه منذ وقت طويل...

تحدث أحمد مخاطبا زميله وهو يحملق في الباب:

_سيكون بخير.

هزا رأسيهما ليقول قاسم:

_سينجيه الله

أكد نبيه:

_وسيرده لنا سالما

لم يستطع لادن منع ابتسامته من الظهور وهو يرى اهتمامهم بأمر والده، ودعا في نفسه كثيرا أن يحفظ الله له قدوته بعد مُحمد ﷺ، وأن يعيده لهم سالما غانما، وألا يريهم فيه بأسا بعد هذا اليوم، كما أنه اُعجب بشدة بالروح الواحدة لأفراد الشرطة مما جعله يقرر ويضع حلمه نصب عينيه؛ سيغدو شرطيا يسعى لتحقيق العدالة!

بعد أربع ساعات كانت والدة لين قد تعبت من الوقوف فاستراحت على أحد المقاعد وهي تمسح على رأس ابنتها التي نامت في حجرها بعد أن طال الانتظار وتعبت من تكرير السؤال «أين أبي؟»، جلس لادن جانبها كذلك وأخذ يطمئنها بأن والده سيكون بخير وأن الله يحفظه وعليها ألا تقلق.

وفي لحظة...

توجهت العيون نحو ذاك الباب الذي فتح فجأة ليخرج منه طبيب يرتدي مئزره الطبي وعلى وجهه تعب سبع ساعات كاملة، كان الإرهاق باديا عليه، ولا شيء يوحي بنجاح العملية أو حتى فشلها وإن كان الخيار الثاني هو الأرجح لهم!

تقدم قاسم منه بخطى سريعة وكذلك فعل الشرطيان ثم لادن؛ أما أمه فقد أيقظت لين وأخذت تراقبهم من بعيد، تنتظر الخبر الذي بإمكانه تغيير حياتها في هذه اللحظة.

تحدث قاسم بصوت قلق:

_هل نجحت؟

رسم الطبيب ابتسامة باهتة رغم التعب ومسح العرق المتصبب ثم أردف وهو يقلب بصره بينهم:

_نعم، الحمد لله

تهللت وجوهم وقد تبادلوا نظرات امتنان واحتضنت الأم طفلتها فرحا، ولكن... كلمات الطبيب بعدها أعادت لهم بعض المشاعر السلبية:

_لا يمكنكم رؤيته اليوم

اعترض لادن قائلا:

_ولكن!

ربت قاسم على كتفه وحدث الطبيب برسمية:

_نشكر تعاونكم، سنأتي غدا لنطمأن عليه، إنه أمانة عندكم

_هذا واجبنا، سنحرص على سلامته إن شاء الله، والآن عن إذنكم

غادر الطبيب ليقول الفتى بضيق:

_لماذا لا يمكنني رؤيته؟

أجابه نبيه برفق:

_ربما والدك في حالة إغماء أو أنه متعب كثيرا من العملية ويحتاج للراحة.

استطرد مبتسما بهدوء:

_لنعد للمنزل الآن، وإن احتجت لأي شيء لا تتردد في إخبارنا.

من جهة أخرى...

كان عِمران في غرفته يستعد لامتحاناته المقبلة إذ أنه في سنته الثانية من المرحلة الثانوية، وهو من الأشخاص الذين يكبون على الدراسة ويدرسون بالساعات وكأنهم في عالم مختلف.

سمع طرقا على الباب فتنهد ورسم ابتسامة صغيرة على شفتيه وهو يعلم من صاحبة هذا الطرق؛ لذا نهض من مكانه وتوجه نحو الباب ثم فتح وبالطبع لم يكن ليرى وجها أمام وجهه إذ أن صاحبة الطرق أخته الصغرى رنيم البالغة من العمر خمسة أعوام، كانت تبتسم له ببراءة فأخذها في حضنه ثم رفعها عاليا لتضحك بسعادة.

حسنا ربما هي وحدها تستطيع إخراجه من طقوس دراسته...

أجلسها على السرير ثم جلس قربها وسألها بلطف:

_ماذا تريدين رنيمي؟

أجابته بعفوية:

_العب معي أخي!

كاد أن يعترض وهو يرى مكتبه الذي جهزه ليباشر الدراسة، لكن نظراتها المتوسلة جعلته يوافق ويتجه معها نحو غرفتها مؤجلا ما عليه لوقت لاحق.

دخلا الغرفة وقد كانت الألعاب مرمية في كل مكان على الأرضية، لكنها دفعت ألعابها عن إحدى الجهات وأشارت لأخيها أن يجلس هناك فابتسم لها وجلس لتجلس قربه وتأخذ لعبة من ألعابها والتي كانت عبارة عن قطعة كعكة صغيرة:

_كُل.

تظاهر بأكلها ثم قال باستمتاع يُسايرها:

_إنها لذيذة، سلمت يداك صغيرتي!

قالت بسعادة:

_عندما أكبر سأصنع لك الكثير من الطعام!

بعثر شعرها ملاطفا:

_أثق بك.

ابتسمت بسرور على إطرائه وأكملت اللعب معه

قاطع لحظات اللعب خاصتهما صوت فتح باب المنزل الذي يُعلم بعودة صاحبه ليقفا متوجهين نحوه، كانت رنيم تركض باتجاه والدها في حين سار عمران بتؤدة وعلى ثغره طيف ابتسامة نما بسبب سعادة أخته

احتضنت رنيم قدمي والدها بقوة ليرفعها عاليا ويتبسم قائلا بحنان:

_هل اشتقت لوالدك صغيرتي؟

هزت رأسها مرات عديدة وهي تقول بسرعة:

_كثيرا كثيرا!

ابتسم بلطف ووضعها على الأريكة وجلس بجانيها ليتقدم منه ابنه البالغ من العمر ستة عشر عاما، قبل رأسه وجلس جواره بصمت، لتأتي زوجته بعدها تحمل له كوب ماء ثم ناولته إياه قائلة بقلق:

_تأخرت اليوم، خيرا يا قاسم؟

أخذ الكأس شاكرا ثم سمى الله وشربه على مرات ثلاث مقتديا بالحبيب المصطفى ﷺ، بعد ذلك سلمه لها وقال بعد تنهيدة قصيرة:

_صديق لي تعرض لإصابات خطيرة، بقيت في المشفى لأطمئن عليه.

سألته وابنها في وقت واحد:

_حمدا لله على سلامته، كيف حاله؟

_سلمكما الله من كل سوء، لم يسمحوا لنا برؤيته ولكن نجحت العملية بفضل الله.

تنهدت زوجته بارتياح وتمتمت «الحمد لله» في حين لم يعلق عمران بشيء ليقول قاسم وهو يقلب بصره بين طفليه:

_له طفلان في عمريكما، طفلة في عمر رنيم، وفتى في عمرك يا عمران

ابتسم متابعا:

_تخيلت للحظة أن الطفلتين تلعبان معا وأنك وهو تدرسان معا.

علقت زوجته بلطف:

_لا تدري لعل ذلك يتحقق يوما ما.

أيدها قائلا:

_ربما...

من جهة أخرى...

نزلوا من السيارة شاكرين نبيه الذي طمأنهم بأن الأمور ستكون بخير وأن جهاد أقوى من أن يهزمه مجرم، وأن الله معه؛ لذلك ابتسم لادن ممتنا وودعه، ليلج المنزل حاملا أخته التي نامت في حضنه مذ كانوا في المستشفى، تبعته أمه التي لا تزال تحاول كبح دموعها والتجلد ولكن ما إن وطأت قدماها المنزل حتى انسابت دموعها لتغرق خديها، لن ينتبه لها لادن في البداية إذ ذهب ليضع شقيقته على سريرها ثم عاد للصالة ليجد أمه قد خلعت حجابها وجلست على الأريكة مطرقة رأسها وجسدها يهتز دلالة على شهقات مكتوبة، فاقترب وجلس جانب ثم ضمها إليه بحنان وهو يقول مطمئنا:

_سيكون بخير، إنه قوي، أبي قوي يا أمي، اطمئني

لم تجبه، كانت تبكي بصمت، غير قادرة على إخراج أية حروف من ثغرها، فقط تحاول التوقف، الصبر، التجلد، ولكنها لم تعد قادرة على ذلك، خارت قواها...

_لا تبكي يا حبيبة فؤادي، أحسني الظن بالله، الله لن يتخلى عن أبي، ثقي بي.

علقت بصوت مبحوح كطفلة تعبت من البكاء:

_إن شاء الله.

ابتسم بلطف وضمها له أكثر وكأنه يؤكد لها أنه بجانبها.

❀ بالعودة للحاضر ❀

شهق لادن عندما لاحظ الدموع المنسابة على وجنتي أخته، فلما رأتهما يحدقان بها أخذت تكفكف دموعها قالت لوالدها:

_تألمت كثيرا يا أبي!

ابتسم مطمئنا:

_مر بلطف الله يا صغيرتي، ها أنا أمامك الآن بأفضل حال والحمد لله.

بادلته ابتسامة ممتنة وهي تقول:

_الحمد لله

بعثر شعرها ممازحا:

_من الجيد أنك كنتِ صغيرة وقتها وإلا كنتِ ستقلبين ما جرى لعزاء لا يُعرف ميقات انتهائه.

نظرت له بعتاب فتابع بهدوء:

_هذا الطريق كُتب لمن سار فيه الشقاء والفقد.

صمت لوهلة ثم نظر لوالده:

_لولا رؤيتي لتماسك رفاقك يومها وقلقهم عليك لما فكرت في دخول الشرطة بل ولكرهت كل ما يتعلق بالشرطة.

حل الصمت ضيفا رابعا لبضع دقائق ليطرده لادن بقوله بعد أن تذكر شيئا:

_صحيح يا أبي، بعد موت العم قاسم؛ ألم تلتقي بأي حد؟ فعند عودتك للشرطة بدا المفتش نبيه مصدوما.

ظهر شبح ابتسامة حزينة على ثغر جهاد وقال:

_لنؤجل هذا السؤال لقصته حسنا؟

أومأ الشاب موافقا ليعود الأب يروي القصة بعد أن انضمت زوجته للمجلس أيضا بعد أن أنهت ما عليها من أعمال البيت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكرى الموجعة (الجزء الأخير من سلسلة ثنائي العدالة)

المؤلف البروء
2026/02/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة