فقدان وشيك

فقدان وشيك

14 0

وضعت كوب القهوة على الطاولة قربه وتبادلت نظرات سريعة مع شقيقها الذي قال بابتسامة وعيناه ثبتتا على والده:

_حدثنا عن ماضيك في الشرطة يا أبي، كيف تعرفت على العم قاسم؟ وكيف صرتما صديقين؟ وكيف مات العم قاسم؟

ارتشف جهاد من فنجان قهوته وأغمض عينيه مستجمعا ذكريات مضى عليها وقت كثير ثم أردف بهدوء مبتسما:

_يبدو أن الفضول أكلكما، حسنا معرفتي بقاسم كانت في بادئ الأمر سطحية، تعرفت عليه كزميل في الشرطة مثله مثل نبيه وأحمد.

قاطعه لادن مستغربا:

_المفتش أحمد؟ هل كان يعمل معكم؟

_نعم في بادئ الأمر، ثم انتقل للمدينة المجاورة.

صمت منتظرا تعليقا آخر فأردفت لين:

_تابع يا أبي.

_زرع الله في قلبي محبة زملائي جميعهم وبالأخص قاسم، فقد كان شخصا رزينا هادئا، واثق الكلمات، ثابت الحضور، وقد كنت أراه قدوة لي في العمل إذ كان يكبرني بعامين ويسبقني في انضمامه للعمل كذلك؛ أما كيف قويت علاقتنا فكان ذلك بعد موقف أنقذني فيه من موت محتم.

نظرا له بدهشة ليسأل لادن:

_أتعرضت للمواقف كنت قريبا من الموت فيها؟؟

_نعم يا بني، مرات عديدة، ولا غرو في ذلك؛ فلا بد لمن يدخل قسم الشرطة أن يعلم أنه سيرى الموت مرات ومرات.

تحدثت لين بحماس:

_إذا حدثنا عما جرى يا أبي!

ابتسم بهدوء وهز رأسه ليروي إحدى قصص الماضي التي يستحيل أن ينساها مهما مضى من الوقت.

❀ قبل ثلاثة عشر عاما ❀

وقف قاسم في منتصف سيارات الشرطة التي تشتعل أضواءها الحمراء، إلى جانبه كان أحمد ونبيه، لكن... كان شخص ولحد ينقص رباعيهم الذي شكلوه حديثا لتقارب أفكارهم واهتماماتهم وبالطبع ذكاءهم المشترك.

عيونهم كانت تتفرس وجوه زملائهم بحثا عن صديقهم، عن جهاد الذي اختفى منذ الصباح عندما وصلهم أن القاتل المتسلسل قد ارتكب جريمة شنيعة في أحد الأحياء السكنية شبه المهجورة.

كانوا قلقين من أن المجرم قد مس صاحبهم بأذى لا سيم أنه لم يرد على أي من اتصالاتهم.

مر الوقت ثقيلا على الرفاق الثلاثة وعلى أفراد الشرطة الباقين، الجميع كان قلقا على جهاد الذي عُرف بينهم بإخلاصه وتفانيه في العمل وبشاشة وجهه.

ألقى عليهم أحد الضباط سؤالا كخنجر في قلوبهم، كانت نبرته قلقة مثلهم لكن الأفكار السوداوية زاحمت عقله:

_ماذا إن قتله المجرم؟

أجابه قاسم بنبرة مطمئنة:

_الله معه.

تحدث أحمد بعد أن تبادل نظرات سريعة مع نبيه:

_ماذا سنفعل الآن؟

قبل أن يحرك قاسم شفتيه ليجيب؛ أضاءت شاشة هاتفه تلاها رنين يعلن عن اتصال من أحدهم، وقد كان ظنه في محله فرد دون تأخير:

_السلام عليكم، أين أنت؟

أجابه بصوت هامس مقربا شماعة الهاتف لأذنه:

_في مستودع ***

تابع شارحا:

_المجرم أمام عيني وقد ينال مني في أي لحـ...

قبل أن يكمل جملته استقرت رصاصة قرب رأسه ليتسمر مكانه ويسقط الهاتف من بين يديه ثم ينقطع الاتصال.

شعر قاسم أن الوقت توقف لحظة ليتركه يعي ما سمعه للتو قبل أن يقول أحمد ونبيه في محاولة طمأنة أنفسهم بأن زميلهم بخير:

_جهاد قوي، سيكون بخير بلا شك!

لم يعلق قاسم على كلماتهما بل توجه بخطوات سريعة نحو سيارته تساؤلات رفاقه، ثم صعد وانطلق متجاهلا نداءات نبيه القلقة ليقول أحمد بنبرة جادة وهو يصعد سيارته مخاطبا زملاءه:

_لنلحق به بسرعة.

نفذ الجميع أوامره رغم القلق الذي اكتنفهم وانطلقوا متتبعين سيارة قاسم الذي كان يسير نحو المستودع بسرعة جنونية متجاهلا القوانين التي تمنع السرعة وغاضا الطرف عن مزامير السيارات الغاضبة.

عقله كان مع جهاد، لا يعام ماذا يجري معه الآن وهذا ما يقلقه، هل لا زال حيا؟ أم أنه صار ضحية من ضحايا القاتل المختل؟

كان قاسم من الأشخاص الذين يملكون حسا عاليا من المسؤولية تجاه الآخرين، محبا للخير فاعلا إياه، مساعدا للغير بما يستطيع، شعوره بأنه فرد من الشرطة وأن من أعظم واجباته حماية الآخرين يجله شخصا مضحيا بحياته لإنقاذ غيره.

أما عند جهاد فقد كان جاثيا على الأرض بسبب قدمه المصابة توا ويده اليمنى تشد على موضع الرصاصة في كتفه الأيسر محاولا تجاهل ألم الرصاصة الثالثة في خاصرته.

عيناه تحدقان بغضب في ذاك الذي اعتلته ابتسامة مجنونة وهو يقف أمامه موجها سلاحه ليطلق رصاصته الرابعة في رأس الشرطي الأعزل وهو يقول بسخرية:

_أنتم الشرطة حمقى! لا تستطيعون حماية أنفسكم وتريدون حماية غيركم! يا لكم من أغبياء!

ثم انفجر ضاحكا بهستيرية ليقطع نشوته صوت جهاد المنهك وهو يرسم ابتسامة ساخرة على شفتيه:

_لقد فقدت صوابك

اشتعلت عينا المجرم نارا وأطلق رصاصته بجانب قدم الآخر لتصيب شظية منها فخذه وتتسبب في نزيفه، فأغمض جهاد عينيه بقوة متألما وأخذ يناجي الله في نفسه أن ينجيه من هذا الابتلاء.

أعاد نظره ببطء إلى ذاك المسدس الموجه نحو رأسه تمام وشعر أن الثواني تمر كساعات ثم اتسعت عيناه عندما لاحظ أن إصبع الآخر يوشك على ضغط الزناد، ووجهه تعلوه بسمة انتصار ثم بدأ يضحك بانتشاء مستعدا لإضافة رقم جديد لضحاياه...

وفجأة!

دوى صوت رصاصة اخترق تلك الضحكات المجنونة التي تحولت لصرخة متألمة وهو يسقط أرضا جثة مضرجة بدمها.

فتح جهاد عينيه بصعوبة لشعوره بالدوار بسبب ما فقده من دماء، كان كل شيء ضبابيا لكنه استطاع أن يلمح شخصا يقترب منه بسرعة وهو يقول بصوت مطمئن بينما يحمله بين ذراعيه:

_ستكون بخير إن شاء الله، تماسك يا صديقي!

لم يجب ولم يكن قادرا على ذلك لكنه رسم ابتسامة صغيرة منهكة وكأنه يخبره أنه يثق به وأنه ممتن لوجوده، ثم أغلق جفنيه ببطء ليغرق في الظلام؛ مما بث قلقا واصحا في ملامح قاسم الذي أسرع للخارج ليتسلل لأذنيه صوت سيارات الشرطة وكذلك صوت سيارة إسعاف تبعها إخراج سرير متنقل ثم أخذ جهاد من بين يدي الآخر وإضجاعه ثم نقله للسيارة والانطلاق به للمشفى بأقصى سرعة.

في هذه اللحظة تنفس قاسم الصعداء وخرت قواه فجلس على الأرض مما أقلق رفاقه عليه فتقدموا منه وسأله أحمد ونبيه بصوت واحد:

_هل أنت بخير؟

ابتسم بهدوء وهز رأسه بإيماءة ممتنة مجيبا بعد تنهيدة قصيرة:

_الحمد لله.

تابع واقفا مجددا وقد استرد روحه من جديد ثم حرك بصره باتجاه المستودع قائلا:

_علينا نقل جثة ذاك المجرم من هنا.

هزا رأسيهما بتفهم وأردف أحمد:

_اتركا الأمر لي؛ أما أنتما فاذهبا إلى جهاد.

أردف نبيه:

_سأذهب لعائلته أولا، علينا إخبارهم.

أكد قاسم:

_خيرا ما تقول يا صديقي، إذا سأسبقكما للمشفى.

❀❀❀

صمت قليلا مرتشفا آخر ما في قهوته لتقول لين بحزن:

_لقد تألمت كثيرا يا أبي!

علق لادن وقد اتكأ بظهره على الأريكة ورفع بصره للسقف:

_أذكر ذاك اليوم كما أذكر اسمي تماما إلا أنني لا أذكر أنهم كانوا رفاقك هم المفتشون الذين أعرفهم الآن!

نظرت له شقيقته بتعجب فبعثر شعرها قائلا:

_كنتِ في الخامسة وقتها يا ليلي فبالتأكيد لن تذكري ذلك.

تابع محدثا والده:

_أكمل يا أبي.

هز جهاد رأسه موافقة ثم أعطاهما نظرة حانية وتابع يسرد أحداث ذاك اليوم الذي لا زال عالقا في مجرياته...

❀❀❀

وصل نبيه لمنزل رفيقه، نزل من السيارة ثم توجه نحو الباب وطرق بخفة وانتظر بقلب قلق، سمع صوت خطوات تبعها فتح الباب الذي طل من خلفه لادن فتى الخامسة عشر عاما، كان الفتى يحدق في الرجل باستغراب ثم رسم ابتسامة صغيرة وقال بأدب:

_عذرا يا عم، أبي ليس في المنزل.

شعر نبيه وكأن خنجرا غُرس في صدره قبل أن يهز رأسه متفهما وهو يقول بتردد:

_نـ... نعم أعلم يا بُني.

تابع بعد أن ابتلع ريقه نسبيا استغراب الآخر:

_إنه في المشفى.

اتسعت حدقتا الفتى وأردف بقلق بالغ:

_لم؟!

أجابه بهدوء محاولا طمأنة قلبه المفزوع:

_سيكون بخير إن شاء الله، لقد أُصيب وهو يؤدي واجبه.

استرسل وهو يتجه لسيارته بعد أن ربت على كتف لادن:

_سأنتظر بالسيارة، تجهزوا لآخذكم لرؤيته.

دخل لادن للمنزل محاولا الحفاظ على رباطة جأشه، توجه حيث تجلس والدته على الأريكة وهي تمسح على رأس لين المستلقية على قدميها:

_من الطارق يا عزيزي؟

أجاب مترددا:

_صـ... صديق أ... أبي.

نظرت له باستغراب وقالت:

_هل أخبرته أن والدك في العمل؟

_نعم لكن...

_ما الأمر لادن؟ لا تقلقني يا بني! (علقت بقلق)

تنهد ببطء وهو يقول بهدوء في حين نهضت لين البالغة من العمر خمس سنوات من عند والدتها واتجهت لشقيقها بابتسامة فرفعها عاليا وهو يقول لأمه:

_أبي في المشفى... تعرض لإصابة.

اتسعتا حدقتا المرأة وتجمع الدمع في عينيا وهي تكرر دعاء واحدا بصوت مرتجف:

_احفظه يا الله!

أردف لادن بعد أن أَمّن على دعائها:

_العم ينتظرنا في السيارة، ارتدي إسدالك لنذهب.

تابع وهو يحمل شقيقته لغرفتها:

_سأجهز ليلي.

سألته الطفلة ببراءة:

_أين سنذهب؟

أجابها راسما ابتسامة صغيرة:

_إلى أبي يا صغيرتي.

_في العمل؟ (سألت بحماس طفولي)

نفى برأسه وهو يضعها على السرير ويفتح خزانة ملابسها ليخرج معطفا أبيضا من الفرو الناعم:

_كلا، أبي مريض قليلا لذا هو في المشفى.

نظرت له بحزن:

_هل سيكون بخير؟

_إن شاء الله، أبي قوي يا ليلي.

ابتسامة واسعة شقت وجهها وهي تقول في حين كان شقيقها يساعدها في ارتداء المعطف:

_نعم، أبي قوي!

ابتسم بلطف ثم سرح لها شعرها وألبسها حذاء الجلد البني خاصتها ثم أخذها للصلاة ليجد والدته قد جهزت بالفعل، هز رأسه بإيماءة صغيرة ثم أشار لوالدته ليخرجوا.

توجهوا نحو سيارة المفتش، كانت الأم تكبح دموعها بصعوبة، تحاول التصبر، في حين استطاع لادن منع ابتسامته من الاختفاء كي لا يخيف أخته الوحيدة.

ركب في كرسي الراكب الأمامي مع لين، وفي الكرسي خلفها ركبت والدته، ألقوا السلام بصوت هادئ ليرده نبيه ثم نظر للين راسما ابتسامة ودودة:

_كيف حالك؟

أجابته مبتسمة:

_الحمد لله، وأنت يا عم؟

مسح على رأسها قائلا:

_الحمد لله، ما اسمك يا صغيرة؟

أجابته ببراءة:

_لين

_اسم جميل يا لين، حماك الله لعائلتك.

توقف عن الحديث بعد أن شعر بغصة في حلقه وهو يرى هذه الطفلة الصغيرة ببراءتها قد تفقد والدها في أي لحظة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكرى الموجعة (الجزء الأخير من سلسلة ثنائي العدالة)

المؤلف البروء
2026/02/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة